معارك الوعي.. حين يصبح أبناء الوطن خط الدفاع الأول

مقال رأي

د. عاصم الحضيف

2026-10-13T06:00:00.770Z

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

يحذّر المقال من تحوّل منصات الإعلام والفضاء الرقمي إلى ميادين لحروب نفسية تستهدف وعي الشعوب وثقتها بمؤسساتها من خلال الشائعات والروايات المضللة والحملات المنظمة. ويؤكّد أن المواجهة الفاعلة لا تكون برفع الصوت، بل ببناء وعي وطني قائم على المعلومة الموثوقة، والإعلام المهني، والشفافية، والثقافة الرقمية…


لم تكن الحروب، عبر التاريخ، تُحسم دائمًا في ميادين القتال؛ فثمة معارك تبدأ من العقول قبل الحدود، وتستهدف ثقة الشعوب قبل استقرار الدول.

وفي عصر تتسارع فيه المعلومات، وتتداخل فيه الحقيقة بالشائعة، غدت الكلمة سلاحًا، والصورة أداةً للتأثير، والمنصات الرقمية ميادين مفتوحة لحروب تستهدف الوعي والوجدان والانتماء.

في هذه المعارك، لا تأتي التهديدات دائمًا بوجوهها الحقيقية؛ فقد تتخفى خلف شعارات براقة، أو تقارير مجتزأة، أو حسابات مجهولة، أو حملات منظمة تتناوب فيها الدوائر المعادية والمليشيات والمرتزقة على صناعة الروايات المضللة، وتضخيم الأخطاء، واجتزاء الوقائع، وبث الشكوك في الثوابت الوطنية.

وحين تعجز هذه الأطراف عن تغيير الحقائق، تحاول تغيير صورتها في الأذهان، مستثمرةً سرعة الانتشار، والانفعال العاطفي، وقابلية الشائعة للتداول قبل التحقق.

غير أن خطورة هذه الحملات لا تكمن في قدرتها على اختلاق الأكاذيب فحسب، بل في محاولتها استنزاف الثقة، وإرباك الإدراك، وصناعة فجوة بين المواطن ومؤسساته.

وهنا تتجلى الحروب النفسية في صورتها الأشد تعقيدًا؛ إذ يصبح التشكيك غاية، والتضليل وسيلة، وإغراق الفضاء العام بالروايات المتناقضة استراتيجيةً لتغييب الحقيقة.

ومواجهة هذا الخطر لا تكون بالصوت الأعلى، ولا بالاندفاع خلف كل ادعاء، بل ببناء وعي وطني يستند إلى المعلومة الموثوقة، والتحقق، والتمييز بين النقد المسؤول والتضليل المتعمد. فالإعلام المهني لا يكتفي بنفي الشائعة، بل يكشف سياقها، ويفكك أدواتها، ويضع الحقائق أمام الجمهور بوضوح وسرعة. كما أن الشفافية، وسرعة التواصل، وتعزيز الثقافة الرقمية، تمثل جميعها ركائز أساسية لتحصين المجتمع من الاختراق المعرفي والنفسي.

إن قوة الأوطان لا تُقاس بقدرتها على حماية حدودها وحدها، بل أيضًا بقدرتها على صون عقول أبنائها من التلاعب.

والمملكة العربية السعودية، بما تملكه من رصيد تاريخي ومؤسسي، تستحق أن يكون الوعي الوطني فيها امتدادًا لقوة الدولة ورسوخ مواقفها.

فالأوطان الراسخة لا تهزمها الأكاذيب حين يمتلك أبناؤها بصيرةً تميز الحقيقة من الضجيج؛ إذ تبقى الحقيقة، حين تسندها الأدلة والثقة والوعي، أقوى من حملات التضليل، وأبقى من ضجيج العابرين.