غواصون يكشفون أسرار مدينة غارقة في بحيرة قيرغيزية على طريق الحرير
بعثة علمية روسية ـ قيرغيزية تنفذ أول استكشاف كبير منذ 2024 لأطلال مدينة غارقة في بحيرة إيسيك كول بقيرغيزستان، كانت تقع على طريق الحرير وخاضعة على الأرجح لحكم القراخانيين. الاكتشافات، بينها مبنى عام مزخرف وعظام وفخار، قد تعيد تشكيل فهم تاريخ آسيا الوسطى.
تتواصل عمليات الغوص في أعماق بحيرة «إيسيك-كول» بقيرغيزستان، حيث يعمل فريق من نحو 20 عالماً وغواصاً متطوعاً على الكشف عن أطلال مدينة أثرية غارقة منذ نحو 800 عام، كانت تقع على أحد أبرز مسارات طريق الحرير الذي ربط الصين بأوروبا.
وتقود الغواصة إليزافيتا بودروفا، البالغة من العمر 42 عاماً، جلسات الغوص اليومية في المياه الباردة للبحيرة، قائلةً لوكالة فرانس برس: «الرؤية ليست جيدة جداً اليوم، لكنني آمل أن نتمكن من تحديد حدود المستوطنة».
ويُعدّ هذا المشروع الذي انطلق عام 2024 بتمويل من الأكاديمية الروسية للعلوم، أول عملية استكشاف كبرى للموقع منذ إعادة اكتشافه في القرن التاسع عشر.
«نقطة غامضة» في قلب التاريخ
وصف مدير البعثة مكسيم مينشيكوف هذه الأطلال بأنها «نقطة غامضة في التاريخ، رغم أنها تقع في قلب آسيا الوسطى تماماً»، مضيفاً: «إنها فصل بالغ الأهمية في تاريخ البشرية، لأنها تمثل الحقبة التي ربطت بين الشرق والغرب خلال العصور الوسطى. فطريق الحرير ليس مجرد تاريخ لمنطقة واحدة، بل هو تاريخ أوراسيا بأسرها».
وتقع المستوطنة في قلب ما كان يُعرف بـ«طريق الحرير»، وهو مسار تجاري ربط الصين بمنطقة البحر الأبيض المتوسط بدءاً من القرن الثاني قبل الميلاد وحتى منتصف القرن الخامس عشر. ويُرجَّح أن المدينة كانت خاضعة لسيطرة القراخانيين، وهي سلالة تركية بسطت نفوذها على مساحات واسعة من آسيا الوسطى بين القرن التاسع وأوائل القرن الثالث عشر.
ولا يزال اسم المدينة وعدد سكانها مجهولَين، غير أن الباحثين يُرجّحون أن مساحتها بلغت نحو خمسة كيلومترات مربعة. وتشير آثار مقبرتَين اكتُشفتا في الموقع إلى أنهما شُيّدتا خلال مرحلة دخول الإسلام إلى المنطقة، فيما يُحتمل أن أحد المباني العامة المزخرفة كان مسجداً أو حماماً عاماً أو مدرسة دينية.
مكتشفات تروي الحياة اليومية
عاد الغواصون إلى اليابسة بعد ساعات من تمشيط قاع البحيرة حاملين بقايا عظام حيوانية وشظايا فخارية. وقال الغواص ومساعد المختبر فيكتور بوزدنياكوف، البالغ من العمر 22 عاماً: «ستمكّن العظام علماء الآثار من تحديد طبيعة الغذاء وعمر البقايا والنظام الغذائي للسكان، أما الفخار فسيتيح تأريخ المكتشفات وفهم مكان إنتاجها وأسلوبه».
ومن أبرز القطع التي عُثر عليها في حالة جيدة، آنية لقضاء الحاجة مخصصة للأطفال تُعرف باسم «توفاك» (tuvaq)، أشار إليها مينشيكوف باعتبارها دليلاً على مظاهر الحياة اليومية، قائلاً: «لا تزال هذه الأواني تُستخدم حتى اليوم في آسيا الوسطى ومنطقة القوقاز».
لغز الغمر لا يزال قائماً
يبقى السبب وراء غمر المدينة تحت مياه البحيرة لغزاً محيّراً؛ إذ تتضمن النظريات المطروحة انهياراً أرضياً، أو غمراً تدريجياً بفعل «سد تكتوني» تشكّل عقب زلزال. وأشار الجيولوجي أندريه ستريلنكوف من الأكاديمية الروسية للعلوم إلى أن السبب المرجح هو «كارثة زلزالية قديمة».
وشبّه مينشيكوف هذا البحث بأبحاث مدينة بومبي الرومانية التي طمرها ثوران بركان جبل فيزوف عام 79 ميلادي، قائلاً: «لقد امتلكوا حضارة وثقافة متطورة للغاية، لكن الطبيعة دمرت كل ذلك في لحظة».