أن تصبح مريضًا يجعلك طبيبًا أفضل

أن تصبح مريضًا يجعلك طبيبًا أفضل
زاوية حديث الأطباء للدكتور حسن الخضيري

بالرغم من الجهود المبذولة من قِبل الفريق الصحي لتقديم خدمات صحية مميزة إلا أن مستوى الرضا عما يُقدَّم لم يصل إلى ما يصبو إليه القائمون على الرعاية الصحية؛ وربما يردد المرضى وذووهم: "لا يعرف الشوق إلا مَن يكابده".

يمرُّ الطبيب خلال دراسته الطب بالعديد من العلوم، والعديد من فروع المعرفة، ويصقلها بالتدريب في أقسام عديدة ومتنوعة، ويُطلب منه حضور العديد من الدورات والكورسات، وربما ختامها مسك بالعديد من الامتحانات، وبعدها يُطلَق له العنان ليبدع ويمارس الطب.

لو كُتب لي يومًا ما -لا قدر الله- أن أصبح مسؤولاً عن الطب أو أهله سأعمل على أن يقوم كل طالب طب أو طالب إدارة صحية أو حتى من هو مرشح للعمل بإحدى الإدارات المسؤولة عن خدمة المرضى بعمل دورة أو دورات لفترة زمنية محدودة كمريض (يتم إدخاله المستشفى وتنويمه)، وبضعة أيام كمراجع للعيادات الخارجية والصيدلية والمختبرات إن لزم الأمر، وبعض الإدارات الصحية؛ ليرى بأم عينه، ويعيش ما يتعرض بعض المرضى من تعامل أثناء مراجعتهم أو وجودهم بالمستشفى.

عندما يمرض الأطباء، ويعيشون حياة ومعاناة المرضى، ويكونون على الجانب الآخر من حياة المستشفيات متذوقين بعض المرارة من جراء المعاناة التي قد يعيشونها، سيدركون أن وجهة نظرهم المهنية السابقة هي مجرد واحدة من وجهات نظر ممكنة عدة، وسيكتشفون كثيرًا من تشققات النظام الصحي التي لم يكونوا يعلمون بوجودها وهم على كرسي الإدارة أو الطب، وسيعيشون بعض المضايقات، صغيرة كانت أو كبيرة، لم يهتموا بها أبدًا كأطباء، وربما تُغيِّر نظرتهم للوضع، وتكون أحد مفاتيح تحسين الخدمات الصحية، والعمل للأفضل؛ ونرى مقولة "المريض أولاً" على أرض الواقع.

هل جرَّب طبيب يقاسي الألم ولو لوهلة المواعيد البعيدة؟ هل ذاق مرارة الانتظار لأزمنة طويلة في انتظار طبيب (أقل ما يقال في حقه مسكين)، أشغله الهاتف ووسائل التواصل الاجتماعي؟ هل أحس بخيبة الأمل بعد انتظار ساعات في جناح التنويم دون أن يرى طلعة الطبيب البهية؟

هل جرَّب الطبيب كمريض الجلوس أمام طبيب لا يجيد الإنصات وسماع شكوى المريض، بل امتهن مقاطعته في كل جملة، وربما حكم بالكذب على المريض قبل أن ينتهي من سرد شكواه دون أن يمنحه الوقت الكافي لشرح مرضه وبث شكواه؟!

هل عانى الألم لساعات في انتظار ممرضة ساقه القدر وكتب عليه القدير أن تكون مسؤولة عنه في تلك الليلة المريرة التي عانى فيها الأمرّين بسبب مرضه وألمه، ولم يكن ذنبها إلا أن مُنحت عددًا من المرضى فوق طاقتها، وربما في بعض الأحيان شغلها الواتساب؟!

وماذا عن مدير كل همه رضا مديره ومدير مديره، ولون الجميع المفضل هو الأخضر ليس عشقًا للوطن، ولكن لكي "يقال لقد حقق أعلى مؤشرات الجودة، ونال الدرجات العُلا"، بغض النظر عن حالة المرضى ورضاهم.

لا بد للطبيب والمسؤول أن يجرب فترات الانتظار الطويلة لدور في العيادة، وصفًّا طويلاً أمام الصيدلية، وأن يتعايش مع قوائم الانتظار الطويلة أملاً في موعد، وربما سبقه الموت قبل رؤية الطبيب الطيب.. لا بد للطبيب أن يحارب بعض قساوة قلبه وبعض الإحساس بتمارض البعض، ويصدق المريض أيًّا كانت شكواه.

وختامًا، أن تصبح مريضًا، وتعيش معاناة المرضى وما يصيبهم من مصاعب فوق مرضهم، يجعل منك طبيبًا أفضل، ومدركًا بما يتوجب تغييره، بل فعله لصحة أفضل.

أخبار قد تعجبك

No stories found.