القوقلة

القوقلة
زاوية حديث الأطباء للدكتور حسن الخضيري

سالم في الأربعينات من عمره، يعمل في وظيفة تتطلب منه السهر واليقظة، متزوج ولديه ولد وبنت، شعر بصداع بسيط، وكعادته يخلد للنوم أو يتناول قدحًا من الشاي آملاً في زوال نوبة الصداع، والتي تنتهي غالبًا في ساعات، هذه النوبة استمرت طويلاً، ومما زاد الطين بلة وزاد الصداع والقلق سماعه لخبر وفاة ابن عمه بسرطان في الدماغ، والذي يقول سالم إنه بدأ بصداع بسيط.

اضطر سالم للقوقلة وعرض أعراضه في محرك البحث جوجل، دخوله لأحد المواقع أدى لمواقع الإلكترونية أخرى، ليجد نفسه على موقع مخصص بأورام الدماغ، لتزداد قناعته بأنه مصاب بورم في الدماغ، وتبدأ رحلة المعاناة، الطامة الكبرى والمصيبة العظمى أن تلك الطريقة هي ديدن الكثير.

كم مرة كنت مريضًا وقررت البحث في قوقل عن الأعراض على الإنترنت؟ للأسف لا أحد يستمتع بالذهاب إلى الطبيب مهما كان السبب، التشخيصات السريعة والمتكررة والخاطئة (عادةً) قد تؤدي إلى المزيد من البحث، والكثير من القلق.

لقد أصبح هذا أمرًا شائعًا لدرجة أن علماء النفس صاغوا مصطلحًا له: cyberchondria، السايبركوندريا (ظاهرة إكلينيكية تؤدي فيها عمليات البحث المتكررة على الإنترنت بشأن المعلومات الطبية إلى مخاوف مفرطة بشأن الصحة البدنية وترتبط ارتباطًا إيجابيًا بأعراض القلق الصحي).

كثيرًا ما نواجه مرضى مصابين بهوس البحث في الإنترنت واستقاء المعلومات من مصادر غير موثوق بها في الغالب، مما يثير الخوف والرعب دون داعٍ بين الأصحاء قبل المرضى، لتمتد المعاناة للفريق الصحي وفي مقدمتهم الطبيب.

التشخيص الذاتي من خلال محركات البحث يمكن أن يجعل الصحيح قبل العليل يعتقد أن الصداع البسيط ورم في المخ، واحتقان الأنف التهاب في الجيوب الأنفية، والتشنج البطني هو التهاب الزائدة الدودية أو التهاب البنكرياس، مما يزيد القلق ويفاقم المشكلة وربما يزعزع علاقة المريض بالفريق الصحي.

عزيزي المريض، عزيزي الصحيح، أحبتي الأقارب، إلى كل صديق وحبيب، قريب أو بعيد.. لا «تقوقل» ما تشعر به بقدر الإمكان أيًا كان، لأن القوقلة ستنتهي بمعلومات مضللة، يتبعها خوف، ثم شعور بمرض خطير وينتهي الحال بدوامة لا نهاية لها وربما يقتلك الوهم.

في ما مضى كانت المشورة من الأقارب أو الجيران وضررها محدود، لأن الغالبية لا تجرؤ على الفتوى فيما لا تعلم، أما اليوم فقد تقابل مريضًا بالعيادة وهبه الله من المعلومات القوقلية (مصدرها قوقل) الكثير، ودون حرج أو تردد قد يدخل معك في نقاش حاد وربما ينتهي بالهجوم على الفريق الصحي.

لا نقول لك لا تبحث، ولا تسأل، بل نقف إلى جانبك شريطة أن تجد المكان المناسب، فقوقل تحتوي على كمية هائلة من المعلومات ولكنها تفتقر إلى التمييز، وهذه مشكلة شائعة لدرجة أن هناك نكتة مستمرة بين المتخصصين في الرعاية الصحية مفادها أنه إذا بحثت في جوجل عن أحد الأعراض (أي عرض)، فسيتم إخبارك حتمًا أنك مصاب بالسرطان.

هناك أيضًا مشكلة تتعلق بموثوقية المواقع التي تعدُ بتشخيص سهل ومجاني وأنت مسترخٍ على أريكتك، وبينما تكون بعض مواقع الويب صحيحة بنسبة تزيد عن 50 في المائة من الوقت، فإن البعض الآخر يفتقر إلى حد كبير للمصداقية.

وفقًا لمسح أجراه مركز بيو للأبحاث عام 2013 ، قال 72% من مستخدمي الإنترنت الأمريكيين البالغين إنهم بحثوا عبر الإنترنت عن المعلومات الصحية في العام السابق. واعترف 35% من البالغين الأمريكيين بالاتصال بالإنترنت لغرض وحيد هو إيجاد تشخيص طبي لأنفسهم أو لأحبائهم.

عزيزي المقوقل: هل تعرف الأطباء والدور الذي يقومون به لمساعدتك؟ هل تعرف كم من الوقت قضوا في كليات الطب، ثم برامج التدريب وانتهاءً بالتخصص الدقيق؟ وكم من الوقت يمضون في القراءة ومتابعة كل جديد؟ الطب معقد! الأمر كله يتعلق بتقييم المريض ومعرفة الاحتمالات التي يجب مراعاتها، وكل هذا لا يمكن عمله بضغطة زر على قوقل.

وختاماً للعلم والمعرفة.. أفضل المعلومات المتوفرة عبر الإنترنت قد لا تنطبق على حالتك. ود. قوقل ليس بديلاً عن مقدم الرعاية الصحية.

أخبار قد تعجبك

No stories found.
صحيفة سبق الالكترونية
sabq.org