دبلوماسية الطعام.. أبرز أدوات القوة الناعمة

برزت خلال العقود الماضية، وتحديدًا منذ ظهور العولمة، مصطلح القوة الناعمة كخيار استراتيجي، تتبعه الدول لنشر ثقافاتها، وتحقيق أهدافها، وإقناع الآخرين بوجهات نظرها، ولاسيما في هذا العصر الذي يحكمه النظام العالمي الجديد الذي يرفض العنف وأنواع الدمار والقوة التقليدية كافة.

وتتعدد أساليب هذا السلاح الجديد، ومن أبرزها دبلوماسية الطعام التي باتت تؤثر في العديد من الشعوب، بل إن كثيرًا من الدول المتقدمة تلجأ لها للوصول إلى تفاهمات مع بقية الدول، وتقوية علاقاتها الثنائية؛ لذلك انتشرت مصطلحات "غداء العمل"، وتوقيع الصفقات التجارية أثناء تناول الطعام.

إذا نظرنا إلى فرنسا -على سبيل المثال- نجد أن المطبخ الفرنسي المعروف بعراقته ظل يلعب دورًا كبيرًا خلال السنين الماضية في دعم سياسة بلاده، وتصدير الثقافة الباريسية إلى العديد من دول العالم، بل إن السياحة في ذلك البلد تعتمد بشكل رئيسي وكبير على أصناف الطعام التي عُرف بها المطبخ الفرنسي، وباتت جزءًا أصيلاً من ثقافة الشعب.

الأمر نفسه ينطبق على إيطاليا التي تشتهر بأطباق البيتزا والمعكرونة التي لا تكاد تخلو منها مائدة في أي من دول العالم، كما اجتاحت ثقافة البرغر الأمريكية معظم دول العالم. وفي الفترة الأخيرة دخلت دول آسيوية أخرى، مثل الهند والصين، على الميدان ذاته، وبدأت تنشر ثقافاتها وأنماط حياتها عبر المأكولات التي اشتهرت بها.

المتأمل لواقعنا يجد أننا – للأسف – شعب استهلاكي؛ يميل إلى التناغم مع منتجات الآخرين. وذلك ليس خطأ في حد ذاته، لكن التقصير الذي أراه يتمثل في الإحجام عن نشر ثقافتنا الغذائية السعودية لدى الآخرين. فمعظم دول العالم لا تعرف عنا سوى "الكبسة" التي تتبادر إلى الأذهان عندما ينطق اسم السعودية أمام الآخرين.

ولا شك أن الكبسة هي من أشهر المأكولات التي عُرفنا بها خلال التاريخ، لكنها قطعًا ليست الوحيدة، بل إن المطبخ السعودي عامر بالكثير من الوجبات اللذيذة الصحية التي يمكن أن تجد قبولاً كبيرًا في الخارج إذا وجدت الترويج المناسب، ولاسيما أننا نعتمد في غذائنا على مكونات طبيعية، تبتعد عن التصنيع الغذائي، وتميل إلى استخدام المكونات الطازجة.

السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان هو: كيف نسهم في تعريف الآخرين بأنماطنا الغذائية ونوع الطعام الذي نتناوله، الذي يعكس هويتنا، وينشر ثقافتنا في الخارج؟ والإجابة عنه تتمثل في ضرورة بذل جهود من أكثر من جهة.

على الصعيد الداخلي فإن وزارة الثقافة أولت اهتمامًا لافتًا لهذه القضية، وذلك من خلال إنشائها هيئة فنون الطهي التي تسعى إلى نشر ثقافة الغذاء السعودي كونه يمثل محورًا أساسيًّا في ثقافتنا وتاريخنا، ويعكس مقدار الحضارة التي عرفتها بلادنا منذ آلاف السنين.

وتعمل الهيئة على العديد من المحاور التي تشمل تطوير أساليب صناعة وتقديم الطعام، وتأهيل الكوادر الشبابية في أرقى المعاهد والمؤسسات المتخصصة في العالم ضمن برنامج الابتعاث الثقافي. كما تشجع الهيئة الشباب على افتتاح مشاريع غذائية بأساليب مبتكرة وغير تقليدية لتقديم الطعام للمقيمين والسياح؛ وذلك لنشر ثقافة الضيافة العريقة التي تمتاز بها السعودية.

الدور الأكبر -من وجهة نظري- مُلقى على عاتق سفاراتنا وملحقياتنا الثقافية في الخارج، وذلك بتشجيع المستثمرين على افتتاح مطاعم في مختلف مدن العالم، شريطة الاهتمام بالجودة، ومراعاة الاختلافات في أذواق تلك الشعوب وثقافاتها، وأن لا يكون الهدف من افتتاح تلك المنافذ الغذائية هو تحقيق الربح المادي، بل نشر الثقافة، والتعريف بالرصيد الحضاري.

ختامًا، فإن ثقافة الطعام أصبحت جزءًا لا يتجزأ من ثقافات الشعوب، وهي تمثل أهمية كبرى في الترويج السياحي والثقافي، خاصة في ظل الانفتاح الذي يشهده العالم في العصر الحالي مع تزايد انتشار وسائط التواصل الاجتماعي وثورة الفضائيات والاتصالات التي جعلت العالم أشبه ما يكون بالقرية الصغيرة. وفي ظل التركيز الذي توليه الدولة لإنعاش القطاع السياحي فإننا في حاجة ماسة لاستخدام أدوات القوة كافة التي نملكها، وفي مقدمتها دبلوماسية الطعام.

كذلك فإن كثيرًا من دول العالم التي لا تمتلك ربع ما نمتلكه من مقومات سياحية متفردة، وآثار فريدة، وبنية تحتية متطورة، تبذل جهودًا كبيرة لإقامة مهرجانات واحتفالات عديدة لدعم صناعة السياحة، والتواصل الدائم مع العالم الخارجي.. وبأيدينا الكثير مما نمتلكه، ويمكن أن يكون مؤثرًا في هذا الجانب إذا امتلكنا الإرادة والقدرة على التخطيط السليم.

أخبار قد تعجبك

No stories found.
صحيفة سبق الالكترونية
sabq.org