إمام المسجد النبوي: دمج الأولاد في برامج العمل الخيري يرفع طموحهم ويحميهم من الترهات

أكد أن المربي لا يستغني عن الحكمة والموعظة الطيبة ولين القول

أكد إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ عبدالباري بن عواض الثبيتي في خطبة الجمعة، أن الله تعالى هيّأ قلوب الوالدين على حب أبنائهم في التربية والإصلاح؛ فعن أسامة بن زيد رضي الله عنه، أنه قال: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يأخذني فيُقعدني على فخذه ويُقعد الحسن على فخذه الآخر، ثم يضمهما ثم يقول: (اللهم ارحمهما فإني أرحمهما).

وقال "الثبيتي": من مظاهر التربية إظهار الحب للأبناء، ومن ذلك تقبيل الصغار وضمهم؛ ففي الحديث (قَبّل النبي صلى الله عليه وسلم الحسن وعنده الأقرع بن حابس التميمي؛ فقال الأقرع: إن لي من الولد عشرة ما قبّلت أحداً منهم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه من لا يرحم لا يُرحم)، وفي الحديث أيضاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب أصحابه؛ إذ جاء الحسن والحسين يمشيان ويعثران؛ فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قال: (صدق الله {إنما أموالكم وأولادكم فتنة}، نظرتُ إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما).

وأضاف: رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمازح الصغار ويتواضع لهم ويراعي خصائصهم، قال لأحدهم: (يا ذا الأذنين) ولآخر: (يا أبا عمير ما فعل النغير).

وأردف: من أجلّ ممارسات التربية بالحب وأنفعها تأثيراً؛ هي دوام الدعاء لهم بالهداية والتوفيق والصلاح والحفظ قال جل من قائل: {ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً}، وقال على لسان زكريا: {فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضياً}.

وتابع: الدعاء على الأبناء منهيّ عنه لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم؛ لا توافق من ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم).

وقال "الثبيتي": القدوة الحسنة هي أساس التربية وهي أبلغ من القول والقراءة، قال عز وجل: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم}.

وأضاف: من هدي النبي صلى الله عليه وسلم إظهارُ الحب حتى في مواقف الزلل والتقصير؛ فعن أبي هريرة قال: (بينما نحن جلوس عند النبي إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكت. قال: ما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم -وفي رواية: أصبت أهلي في رمضان- فقال رسول الله: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا. قال: فمكث النبي؛ فبينا نحن على ذلك أُتِيَ النبي بعرق فيه تمر قال: أين السائل؟ قال: أنا. قال: خذ هذا، فتصدق به. فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟! فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك رسول الله حتى بدت أنيابه. ثم قال: أطعمه أهلك).

وأردف: المربي لا يستغني عن الحكمة والموعظة الحسنة ولين القول ورفق الجانب والبعد عن العنف والتجريح، قال الله تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين}، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مرحباً بابنتي)، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسرّ إليها حديثاً فبكت؛ فقلت لها: لم تبكين، ثم أسرّ إليها حديثاً فضحكت فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن؛ فسألتها عما قال؛ فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حتى قُبض النبي صلى الله عليه وسلم؛ فسألتها: فقالت أسرّ إليّ أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أَجَلي، وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي؛ فبكيت؛ فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين فضحكت لذلك.

وقال إمام وخطيب المسجد النبوي: ينبغي للمربي ألا يستصغر عقل مَن يربيه؛ عن ابن عباس أنه قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا غلام أو يا غليم ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ فقلت بلى، فقال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جف القلم بما هو كائن؛ فلو أن الخلق كلهم جميعاً أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً).

وأضاف: من مقتضى الحب العدلُ بين الأولاد؛ عن النعمان بن بشير أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَكُلَّ ولدك نحلته مثل هذا؟) قال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فأرجعه) وفي رواية: قال: (فاردده) وفي رواية: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفعلت هذا بولدك كلهم؟) قال: لا. قال: اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم، قال: فرجع أبي فردّ تلك الصدقة، وفي رواية قال: (فلا تُشهدني إذاً؛ فإني لا أشهد على جور).

وأردف: تربية البنات والإحسان لهن هدي نبوي؛ وذلك بتعليمهن وتنشئتهن على العفة؛ عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثته قالت: جاءتني امرأة معها ابنتان تسألني؛ فلم تجد عندي غير تمرة واحدة؛ فأعطيتها، فقسمتها بين ابنتيها، ثم قامت فخرجت؛ فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فحدّثته فقال: (من يلي من هذه البنات شيئاً فأحسن إليهن كن له ستراً من النار).

وتابع: دمج الأولاد في أنشطة جادة ومشاريع نافعة ومنها برامج العمل الخيري؛ يرفع طموحهم ويحمي من الهبوط في سفاسف الأمور والترهات؛ مضيفاً أن من نواقض التربية إهمالُ التأديب بزيادة التدليل، والمجاهرة بالذنب قال صلوات ربي وسلامه عليه: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت).

وقال "الثبيتي": وسائل التأثير العصرية تطورت، وأفرزت تغييرات جذرية في الأفكار والمفاهيم والسلوك؛ حتى أصبحت منافسة لدور الأسرة؛ فهنا تكمن أهمية التربية بالحب وتجديد أساليب التربية وزرع القيم.

ودعا المؤسسات التعليمية والتربوية للقيام برسالتها في المحافظة على أمل المستقبل وثروة الوطن بتحصين المبادئ والأخلاق والاهتمام بالشباب؛ حيث قال جل في علاه: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة}.

اعلان
إمام المسجد النبوي: دمج الأولاد في برامج العمل الخيري يرفع طموحهم ويحميهم من الترهات
سبق

أكد إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ عبدالباري بن عواض الثبيتي في خطبة الجمعة، أن الله تعالى هيّأ قلوب الوالدين على حب أبنائهم في التربية والإصلاح؛ فعن أسامة بن زيد رضي الله عنه، أنه قال: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يأخذني فيُقعدني على فخذه ويُقعد الحسن على فخذه الآخر، ثم يضمهما ثم يقول: (اللهم ارحمهما فإني أرحمهما).

وقال "الثبيتي": من مظاهر التربية إظهار الحب للأبناء، ومن ذلك تقبيل الصغار وضمهم؛ ففي الحديث (قَبّل النبي صلى الله عليه وسلم الحسن وعنده الأقرع بن حابس التميمي؛ فقال الأقرع: إن لي من الولد عشرة ما قبّلت أحداً منهم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه من لا يرحم لا يُرحم)، وفي الحديث أيضاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب أصحابه؛ إذ جاء الحسن والحسين يمشيان ويعثران؛ فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قال: (صدق الله {إنما أموالكم وأولادكم فتنة}، نظرتُ إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما).

وأضاف: رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمازح الصغار ويتواضع لهم ويراعي خصائصهم، قال لأحدهم: (يا ذا الأذنين) ولآخر: (يا أبا عمير ما فعل النغير).

وأردف: من أجلّ ممارسات التربية بالحب وأنفعها تأثيراً؛ هي دوام الدعاء لهم بالهداية والتوفيق والصلاح والحفظ قال جل من قائل: {ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً}، وقال على لسان زكريا: {فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضياً}.

وتابع: الدعاء على الأبناء منهيّ عنه لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم؛ لا توافق من ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم).

وقال "الثبيتي": القدوة الحسنة هي أساس التربية وهي أبلغ من القول والقراءة، قال عز وجل: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم}.

وأضاف: من هدي النبي صلى الله عليه وسلم إظهارُ الحب حتى في مواقف الزلل والتقصير؛ فعن أبي هريرة قال: (بينما نحن جلوس عند النبي إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكت. قال: ما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم -وفي رواية: أصبت أهلي في رمضان- فقال رسول الله: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا. قال: فمكث النبي؛ فبينا نحن على ذلك أُتِيَ النبي بعرق فيه تمر قال: أين السائل؟ قال: أنا. قال: خذ هذا، فتصدق به. فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟! فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك رسول الله حتى بدت أنيابه. ثم قال: أطعمه أهلك).

وأردف: المربي لا يستغني عن الحكمة والموعظة الحسنة ولين القول ورفق الجانب والبعد عن العنف والتجريح، قال الله تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين}، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مرحباً بابنتي)، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسرّ إليها حديثاً فبكت؛ فقلت لها: لم تبكين، ثم أسرّ إليها حديثاً فضحكت فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن؛ فسألتها عما قال؛ فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حتى قُبض النبي صلى الله عليه وسلم؛ فسألتها: فقالت أسرّ إليّ أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أَجَلي، وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي؛ فبكيت؛ فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين فضحكت لذلك.

وقال إمام وخطيب المسجد النبوي: ينبغي للمربي ألا يستصغر عقل مَن يربيه؛ عن ابن عباس أنه قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا غلام أو يا غليم ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ فقلت بلى، فقال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جف القلم بما هو كائن؛ فلو أن الخلق كلهم جميعاً أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً).

وأضاف: من مقتضى الحب العدلُ بين الأولاد؛ عن النعمان بن بشير أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَكُلَّ ولدك نحلته مثل هذا؟) قال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فأرجعه) وفي رواية: قال: (فاردده) وفي رواية: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفعلت هذا بولدك كلهم؟) قال: لا. قال: اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم، قال: فرجع أبي فردّ تلك الصدقة، وفي رواية قال: (فلا تُشهدني إذاً؛ فإني لا أشهد على جور).

وأردف: تربية البنات والإحسان لهن هدي نبوي؛ وذلك بتعليمهن وتنشئتهن على العفة؛ عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثته قالت: جاءتني امرأة معها ابنتان تسألني؛ فلم تجد عندي غير تمرة واحدة؛ فأعطيتها، فقسمتها بين ابنتيها، ثم قامت فخرجت؛ فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فحدّثته فقال: (من يلي من هذه البنات شيئاً فأحسن إليهن كن له ستراً من النار).

وتابع: دمج الأولاد في أنشطة جادة ومشاريع نافعة ومنها برامج العمل الخيري؛ يرفع طموحهم ويحمي من الهبوط في سفاسف الأمور والترهات؛ مضيفاً أن من نواقض التربية إهمالُ التأديب بزيادة التدليل، والمجاهرة بالذنب قال صلوات ربي وسلامه عليه: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت).

وقال "الثبيتي": وسائل التأثير العصرية تطورت، وأفرزت تغييرات جذرية في الأفكار والمفاهيم والسلوك؛ حتى أصبحت منافسة لدور الأسرة؛ فهنا تكمن أهمية التربية بالحب وتجديد أساليب التربية وزرع القيم.

ودعا المؤسسات التعليمية والتربوية للقيام برسالتها في المحافظة على أمل المستقبل وثروة الوطن بتحصين المبادئ والأخلاق والاهتمام بالشباب؛ حيث قال جل في علاه: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة}.

09 فبراير 2018 - 23 جمادى الأول 1439
05:18 PM

إمام المسجد النبوي: دمج الأولاد في برامج العمل الخيري يرفع طموحهم ويحميهم من الترهات

أكد أن المربي لا يستغني عن الحكمة والموعظة الطيبة ولين القول

A A A
4
3,627

أكد إمام وخطيب المسجد النبوي الشيخ عبدالباري بن عواض الثبيتي في خطبة الجمعة، أن الله تعالى هيّأ قلوب الوالدين على حب أبنائهم في التربية والإصلاح؛ فعن أسامة بن زيد رضي الله عنه، أنه قال: كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يأخذني فيُقعدني على فخذه ويُقعد الحسن على فخذه الآخر، ثم يضمهما ثم يقول: (اللهم ارحمهما فإني أرحمهما).

وقال "الثبيتي": من مظاهر التربية إظهار الحب للأبناء، ومن ذلك تقبيل الصغار وضمهم؛ ففي الحديث (قَبّل النبي صلى الله عليه وسلم الحسن وعنده الأقرع بن حابس التميمي؛ فقال الأقرع: إن لي من الولد عشرة ما قبّلت أحداً منهم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنه من لا يرحم لا يُرحم)، وفي الحديث أيضاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب أصحابه؛ إذ جاء الحسن والحسين يمشيان ويعثران؛ فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قال: (صدق الله {إنما أموالكم وأولادكم فتنة}، نظرتُ إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما).

وأضاف: رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمازح الصغار ويتواضع لهم ويراعي خصائصهم، قال لأحدهم: (يا ذا الأذنين) ولآخر: (يا أبا عمير ما فعل النغير).

وأردف: من أجلّ ممارسات التربية بالحب وأنفعها تأثيراً؛ هي دوام الدعاء لهم بالهداية والتوفيق والصلاح والحفظ قال جل من قائل: {ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً}، وقال على لسان زكريا: {فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضياً}.

وتابع: الدعاء على الأبناء منهيّ عنه لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم؛ لا توافق من ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم).

وقال "الثبيتي": القدوة الحسنة هي أساس التربية وهي أبلغ من القول والقراءة، قال عز وجل: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم}.

وأضاف: من هدي النبي صلى الله عليه وسلم إظهارُ الحب حتى في مواقف الزلل والتقصير؛ فعن أبي هريرة قال: (بينما نحن جلوس عند النبي إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكت. قال: ما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم -وفي رواية: أصبت أهلي في رمضان- فقال رسول الله: هل تجد رقبة تعتقها؟ قال: لا. قال: فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ قال: لا. قال: فمكث النبي؛ فبينا نحن على ذلك أُتِيَ النبي بعرق فيه تمر قال: أين السائل؟ قال: أنا. قال: خذ هذا، فتصدق به. فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟! فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي. فضحك رسول الله حتى بدت أنيابه. ثم قال: أطعمه أهلك).

وأردف: المربي لا يستغني عن الحكمة والموعظة الحسنة ولين القول ورفق الجانب والبعد عن العنف والتجريح، قال الله تعالى لنبيه صلوات الله وسلامه عليه: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين}، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مرحباً بابنتي)، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم أسرّ إليها حديثاً فبكت؛ فقلت لها: لم تبكين، ثم أسرّ إليها حديثاً فضحكت فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن؛ فسألتها عما قال؛ فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حتى قُبض النبي صلى الله عليه وسلم؛ فسألتها: فقالت أسرّ إليّ أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أَجَلي، وإنك أول أهل بيتي لحاقاً بي؛ فبكيت؛ فقال: أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين فضحكت لذلك.

وقال إمام وخطيب المسجد النبوي: ينبغي للمربي ألا يستصغر عقل مَن يربيه؛ عن ابن عباس أنه قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا غلام أو يا غليم ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ فقلت بلى، فقال: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرّف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جف القلم بما هو كائن؛ فلو أن الخلق كلهم جميعاً أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً).

وأضاف: من مقتضى الحب العدلُ بين الأولاد؛ عن النعمان بن بشير أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَكُلَّ ولدك نحلته مثل هذا؟) قال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فأرجعه) وفي رواية: قال: (فاردده) وفي رواية: فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أفعلت هذا بولدك كلهم؟) قال: لا. قال: اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم، قال: فرجع أبي فردّ تلك الصدقة، وفي رواية قال: (فلا تُشهدني إذاً؛ فإني لا أشهد على جور).

وأردف: تربية البنات والإحسان لهن هدي نبوي؛ وذلك بتعليمهن وتنشئتهن على العفة؛ عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثته قالت: جاءتني امرأة معها ابنتان تسألني؛ فلم تجد عندي غير تمرة واحدة؛ فأعطيتها، فقسمتها بين ابنتيها، ثم قامت فخرجت؛ فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فحدّثته فقال: (من يلي من هذه البنات شيئاً فأحسن إليهن كن له ستراً من النار).

وتابع: دمج الأولاد في أنشطة جادة ومشاريع نافعة ومنها برامج العمل الخيري؛ يرفع طموحهم ويحمي من الهبوط في سفاسف الأمور والترهات؛ مضيفاً أن من نواقض التربية إهمالُ التأديب بزيادة التدليل، والمجاهرة بالذنب قال صلوات ربي وسلامه عليه: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت).

وقال "الثبيتي": وسائل التأثير العصرية تطورت، وأفرزت تغييرات جذرية في الأفكار والمفاهيم والسلوك؛ حتى أصبحت منافسة لدور الأسرة؛ فهنا تكمن أهمية التربية بالحب وتجديد أساليب التربية وزرع القيم.

ودعا المؤسسات التعليمية والتربوية للقيام برسالتها في المحافظة على أمل المستقبل وثروة الوطن بتحصين المبادئ والأخلاق والاهتمام بالشباب؛ حيث قال جل في علاه: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة}.