الكوارث المهنية وأزمات الإدارة

في اليوم الخامس من أغسطس من عام 2010، وفي وقت مبكر من بعد الظهيرة، شهد منجم سان خوسيه للذهب والنحاس في صحراء أتاكاما التشيلية انهيار أكثر من 700.000 طن متري من الصخور بصورة مفاجئة، سدت الممر المركزي للأنفاق فيه. تمكن بعض العمال المذعورين الذين كانوا قرب المدخل من الخروج سالمين، لكن بقي 33 من الرجال الذين كانوا يعملون في أعماق المنجم محتجزين تحت أقسى أنواع الصخور على وجه الأرض.

وبعد يومين من الحادث وقع انهيار ثانٍ للصخور؛ فأدى إلى سد منافذ التهوية للمنجم. وقدر الخبراء احتمال العثور على العمال المحتجزين وإخراجهم أحياء بنسبة لا تزيد على 1 %.

ومع ذلك، وفي 13 أكتوبر/ تشرين الأول، راقب أكثر من مليار شخص على شاشات التلفاز خروج العمال المحتجزين الذين أطلقوا على أنفسهم مجموعة الثلاث والثلاثين (Los 33)، وهم ضعفاء.

وأظهرت الحادثة كفاءة بإدارة الأزمة داخل المنجم، ثم احترافية بإدارة الإنقاذ خارجه. لقد تكللت الجهود بخروج جميع العمال سالمين.

جزئيات هذه الحادثة الملهمة لا تسعها مساحة المقال، بيد أنها مقاربة حية، بيّنت مدى استيعاب المسؤولين بقطاعات الأعمال عامة لوظائفهم، والاستعداد لمواجهة الحوادث المحتملة بأجهزتهم بفاعلية، ووفق معايير عالمية بأقصر وقت وأقل خسائر.. وهذا يحتاج إلى قادة قادرين على التوجيه والتمكين في الوقت ذاته. ولا يعني ذلك إرسال (رسائل) مختلطة عائمة للموظفين عن المهام، وإنما يقتضي توضيح ضرورة كل من خطوات التنفيذ والابتكار لتلبية متطلبات بيئة العمل.

لعل أفضل تعريف لإدارة الأزمات هو: أن تكون لديك القدرة على إدارة ما لا يُتوقَّع، ثم توظيفه إيجابيًّا، أو التخفيف من آثاره السلبية.

إن وقوع الحوادث، سواء الصغيرة أو الكبيرة، محتمل جدًّا في أي وقت، وبيئة عمل، بيد أن آثاره وتداعياته تختلف بناء على مدى الاستعدادات المهنية والأخلاقية لمواجهتها. في حين يُرقِّي البعض بإهماله وجهله الحادثة إلى مستوى كارثة؛ فيهوي بتهاونه وغروره، أو (قلة حيلته)، بسمعة الدولة إلى الهاوية.

يتزايد غموض التهديدات والفرص وقابلية تغيرها.. فأصبحت تحتاج إلى فريق عمل سلس، ومبدع ربما أكثر بكثير مما يمتلكه الأتباع. فمع إعادة تشكيل الواقع تتولد الحاجة إلى طرق جديدة للنجاح. وغالبًا ما يؤدي ذلك إلى تغيير جذري في مَن يجب أن يلتحق بالعمل؟ مع إخضاع الجميع بلا استثناء لاختبارات مهنية قوية لاجتياز مهام مختلفة في ظروف متعددة..

قضية خروج بعض المحطات الرئيسية بكهرباء الجنوب عن الخدمة حادث ملهم، وضوء أحمر للجميع.. منها خرجنا باستنتاجات عدة، أبرزها:

أولاً: بروز إهمال بقواعد وأسس العمل المهني، والارتهان إلى التقارير و"التطمينات".

ثانيًا: وضح عدم تطبيق سياسات و إجراءات السلامة باحترافية.

ثالثًا: تأكد عدم إجراء الصيانة اليومية للتأكد من كفاءة الأجهزة الحيوية الأساسية والاحتياطية، ومن ثم معالجة الأعطاب فورًا.

رابعًا: بدا تسليم أهل الثقة الخيط والمخيط، ومهام لا ترتبط بوظائفهم، اللهم إلا من باب "نفعني أنفعك"!

فهل نستقي من حوادثنا الدروس؟.. وهل نشهد تغييرًا بحجم الوطن؟

اعلان
الكوارث المهنية وأزمات الإدارة
سبق

في اليوم الخامس من أغسطس من عام 2010، وفي وقت مبكر من بعد الظهيرة، شهد منجم سان خوسيه للذهب والنحاس في صحراء أتاكاما التشيلية انهيار أكثر من 700.000 طن متري من الصخور بصورة مفاجئة، سدت الممر المركزي للأنفاق فيه. تمكن بعض العمال المذعورين الذين كانوا قرب المدخل من الخروج سالمين، لكن بقي 33 من الرجال الذين كانوا يعملون في أعماق المنجم محتجزين تحت أقسى أنواع الصخور على وجه الأرض.

وبعد يومين من الحادث وقع انهيار ثانٍ للصخور؛ فأدى إلى سد منافذ التهوية للمنجم. وقدر الخبراء احتمال العثور على العمال المحتجزين وإخراجهم أحياء بنسبة لا تزيد على 1 %.

ومع ذلك، وفي 13 أكتوبر/ تشرين الأول، راقب أكثر من مليار شخص على شاشات التلفاز خروج العمال المحتجزين الذين أطلقوا على أنفسهم مجموعة الثلاث والثلاثين (Los 33)، وهم ضعفاء.

وأظهرت الحادثة كفاءة بإدارة الأزمة داخل المنجم، ثم احترافية بإدارة الإنقاذ خارجه. لقد تكللت الجهود بخروج جميع العمال سالمين.

جزئيات هذه الحادثة الملهمة لا تسعها مساحة المقال، بيد أنها مقاربة حية، بيّنت مدى استيعاب المسؤولين بقطاعات الأعمال عامة لوظائفهم، والاستعداد لمواجهة الحوادث المحتملة بأجهزتهم بفاعلية، ووفق معايير عالمية بأقصر وقت وأقل خسائر.. وهذا يحتاج إلى قادة قادرين على التوجيه والتمكين في الوقت ذاته. ولا يعني ذلك إرسال (رسائل) مختلطة عائمة للموظفين عن المهام، وإنما يقتضي توضيح ضرورة كل من خطوات التنفيذ والابتكار لتلبية متطلبات بيئة العمل.

لعل أفضل تعريف لإدارة الأزمات هو: أن تكون لديك القدرة على إدارة ما لا يُتوقَّع، ثم توظيفه إيجابيًّا، أو التخفيف من آثاره السلبية.

إن وقوع الحوادث، سواء الصغيرة أو الكبيرة، محتمل جدًّا في أي وقت، وبيئة عمل، بيد أن آثاره وتداعياته تختلف بناء على مدى الاستعدادات المهنية والأخلاقية لمواجهتها. في حين يُرقِّي البعض بإهماله وجهله الحادثة إلى مستوى كارثة؛ فيهوي بتهاونه وغروره، أو (قلة حيلته)، بسمعة الدولة إلى الهاوية.

يتزايد غموض التهديدات والفرص وقابلية تغيرها.. فأصبحت تحتاج إلى فريق عمل سلس، ومبدع ربما أكثر بكثير مما يمتلكه الأتباع. فمع إعادة تشكيل الواقع تتولد الحاجة إلى طرق جديدة للنجاح. وغالبًا ما يؤدي ذلك إلى تغيير جذري في مَن يجب أن يلتحق بالعمل؟ مع إخضاع الجميع بلا استثناء لاختبارات مهنية قوية لاجتياز مهام مختلفة في ظروف متعددة..

قضية خروج بعض المحطات الرئيسية بكهرباء الجنوب عن الخدمة حادث ملهم، وضوء أحمر للجميع.. منها خرجنا باستنتاجات عدة، أبرزها:

أولاً: بروز إهمال بقواعد وأسس العمل المهني، والارتهان إلى التقارير و"التطمينات".

ثانيًا: وضح عدم تطبيق سياسات و إجراءات السلامة باحترافية.

ثالثًا: تأكد عدم إجراء الصيانة اليومية للتأكد من كفاءة الأجهزة الحيوية الأساسية والاحتياطية، ومن ثم معالجة الأعطاب فورًا.

رابعًا: بدا تسليم أهل الثقة الخيط والمخيط، ومهام لا ترتبط بوظائفهم، اللهم إلا من باب "نفعني أنفعك"!

فهل نستقي من حوادثنا الدروس؟.. وهل نشهد تغييرًا بحجم الوطن؟

06 يونيو 2019 - 3 شوّال 1440
01:37 AM

الكوارث المهنية وأزمات الإدارة

عبدالغني الشيخ - الرياض
A A A
0
844

في اليوم الخامس من أغسطس من عام 2010، وفي وقت مبكر من بعد الظهيرة، شهد منجم سان خوسيه للذهب والنحاس في صحراء أتاكاما التشيلية انهيار أكثر من 700.000 طن متري من الصخور بصورة مفاجئة، سدت الممر المركزي للأنفاق فيه. تمكن بعض العمال المذعورين الذين كانوا قرب المدخل من الخروج سالمين، لكن بقي 33 من الرجال الذين كانوا يعملون في أعماق المنجم محتجزين تحت أقسى أنواع الصخور على وجه الأرض.

وبعد يومين من الحادث وقع انهيار ثانٍ للصخور؛ فأدى إلى سد منافذ التهوية للمنجم. وقدر الخبراء احتمال العثور على العمال المحتجزين وإخراجهم أحياء بنسبة لا تزيد على 1 %.

ومع ذلك، وفي 13 أكتوبر/ تشرين الأول، راقب أكثر من مليار شخص على شاشات التلفاز خروج العمال المحتجزين الذين أطلقوا على أنفسهم مجموعة الثلاث والثلاثين (Los 33)، وهم ضعفاء.

وأظهرت الحادثة كفاءة بإدارة الأزمة داخل المنجم، ثم احترافية بإدارة الإنقاذ خارجه. لقد تكللت الجهود بخروج جميع العمال سالمين.

جزئيات هذه الحادثة الملهمة لا تسعها مساحة المقال، بيد أنها مقاربة حية، بيّنت مدى استيعاب المسؤولين بقطاعات الأعمال عامة لوظائفهم، والاستعداد لمواجهة الحوادث المحتملة بأجهزتهم بفاعلية، ووفق معايير عالمية بأقصر وقت وأقل خسائر.. وهذا يحتاج إلى قادة قادرين على التوجيه والتمكين في الوقت ذاته. ولا يعني ذلك إرسال (رسائل) مختلطة عائمة للموظفين عن المهام، وإنما يقتضي توضيح ضرورة كل من خطوات التنفيذ والابتكار لتلبية متطلبات بيئة العمل.

لعل أفضل تعريف لإدارة الأزمات هو: أن تكون لديك القدرة على إدارة ما لا يُتوقَّع، ثم توظيفه إيجابيًّا، أو التخفيف من آثاره السلبية.

إن وقوع الحوادث، سواء الصغيرة أو الكبيرة، محتمل جدًّا في أي وقت، وبيئة عمل، بيد أن آثاره وتداعياته تختلف بناء على مدى الاستعدادات المهنية والأخلاقية لمواجهتها. في حين يُرقِّي البعض بإهماله وجهله الحادثة إلى مستوى كارثة؛ فيهوي بتهاونه وغروره، أو (قلة حيلته)، بسمعة الدولة إلى الهاوية.

يتزايد غموض التهديدات والفرص وقابلية تغيرها.. فأصبحت تحتاج إلى فريق عمل سلس، ومبدع ربما أكثر بكثير مما يمتلكه الأتباع. فمع إعادة تشكيل الواقع تتولد الحاجة إلى طرق جديدة للنجاح. وغالبًا ما يؤدي ذلك إلى تغيير جذري في مَن يجب أن يلتحق بالعمل؟ مع إخضاع الجميع بلا استثناء لاختبارات مهنية قوية لاجتياز مهام مختلفة في ظروف متعددة..

قضية خروج بعض المحطات الرئيسية بكهرباء الجنوب عن الخدمة حادث ملهم، وضوء أحمر للجميع.. منها خرجنا باستنتاجات عدة، أبرزها:

أولاً: بروز إهمال بقواعد وأسس العمل المهني، والارتهان إلى التقارير و"التطمينات".

ثانيًا: وضح عدم تطبيق سياسات و إجراءات السلامة باحترافية.

ثالثًا: تأكد عدم إجراء الصيانة اليومية للتأكد من كفاءة الأجهزة الحيوية الأساسية والاحتياطية، ومن ثم معالجة الأعطاب فورًا.

رابعًا: بدا تسليم أهل الثقة الخيط والمخيط، ومهام لا ترتبط بوظائفهم، اللهم إلا من باب "نفعني أنفعك"!

فهل نستقي من حوادثنا الدروس؟.. وهل نشهد تغييرًا بحجم الوطن؟