الإفراد يا حجاج الداخل

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: 
يتساءل كثير من الحجاج عن أيهم أفضل: التمتع، أم الإفراد، أم القِران، إذا كانوا من حجاج الداخل الذين يتوجهون لمكة في ظهر يوم السابع وما بعده؟ 
الجواب بمعونة الملك الوهاب:
أجمع أهل العلم على جواز الأنساك الثلاثة، واختلفوا في أفضلها. وقال بعض أهل العلم: إن الإفراد أفضل، وهذا قول مالك وأصحابه، والشافعي في الصحيح من مذهبه، وقال النووي في شرح المهذب: "وبه قال عمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وجابر، وعائشة رضي الله عنهم أجمعين". وقال الشنقيطي: "إن الإفراد هو الذي كان الخلفاء الراشدون يفعلونه، وهم أفضل الناس وأتقاهم، وأشدهم اتباعًاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد حج أبو بكر رضي الله عنه بالناس مفردًاً، وحج عمر- رضي الله عنه - عشر سنين مفردًاً، وحج عثمان - رضي الله عنه - مدة خلافته مفردًاً. ومدة هؤلاء الخلفاء الراشدين الثلاثة نحو أربع وعشرين سنة، وهم يحجون بالناس مفردين، ولو لم يكن الإفراد أفضل من غيره لما واظبوا عليه هذه المدة الطويلة( ). وذهب أبو حنيفة وأصحابه، وسفيان وإسحاق، وغيرهم من أهل العلم، إلى أن القران أفضل، وذهب الإمام أحمد - رحمه الله - إلى أن التمتع أفضل، والراجح أن التمتع هو أفضل الأنساك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه بذلك، وهذه الأفضلية لأن في التمتع رحمةً وتيسيرًاً؛ لأن الحاج بعد قدومه يعاني وعثاء السفر، فيحتاج إلى التمتع بالحل. لكن هذه الفوائد التي ينالها المتمتع يستفيد منها مَنْ قدم إلى مكة قبل الحج بأيام، أما مَنْ قدم إلى الحج في آخر يوم السابع، أو صباح الثامن، فإنه قد لا يتمكن من التمتع لعدم وجود الوقت الكافي الذي يحصل من خلاله على هذه الفوائد؛ لأن الحاج يُسن له أن يحرم في صباح يوم الثامن، أما مَنْ قدم في آخر يوم السابع فإنه قد لا يستطيع أن ينهي عمرته إذا كان متمتعًا إلا في آخر اليوم، بل ربما لم يستطع إلا في صبيحة يوم الثامن، وهنا لا يتأتى له التمتع، بل تجده لا يتمكن حتى من خلع ملابسه.
 
وغالب حملات الداخل لا تتوجه إلى مكة إلا في ظهر يوم السابع أو الثامن مما لا يمكنهم من أن يحصلوا على فوائد التمتع. والعجيب أن بعض الحجاج يحج في يوم السابع متمتعاً، ثم لا يدخل في النسك إلا في صباح يوم التاسع (يوم عرفة)، بل بعضهم في منتصفه، وهذا التأخير منهم في الإحرام بالحج بسبب رغبتهم في التمتع. وهنا خالفوا السنة في تركهم الإحرام في صبيحة يوم الثامن، وخالفوها بأن باتوا في يوم التروية غير محرمين، وبعضهم يتوجه إلى عرفة غير محرم، فحصل لهم من ذلك مخالفة السُّنة في كثير من الأمور؛ لذا فالأفضل لمثل هؤلاء أن يحجوا إما مفردين أو قارنين. وفائدة القران والإفراد في مثل هذه الحال أن فيه من التيسير المعتمد على الدليل، وفيه من الرحمة بالحاج نفسه، والحجاج عامة، خاصة مع الزحام الشديد؛ لأن الحاج في هذه الحال إذا قدم مفردًا أو قارنًا فإنه يطوف طواف القدوم، ثم يسعى سعي الحج، فلا يبقى عليه بعد عرفة إلا طواف الإفاضة والوداع، ولا يلزمه بعدهما سعي، وهنا حصل له التيسير؛ إذ إنه لم يُلزم إلا بسعي واحد، أداه عند قدومه، فخفف على نفسه ومن معه يوم النحر، خاصة إذا كان معه نسوة وكبار سن وأطفال، وكذلك على بقية الحجاج؛ إذ يكتظ المسعى يوم النحر وبقية أيام التشريق بمئات الآلاف من المتمتعين الذين قدموا في شهر ذي القعدة، أو في أوائل ذي الحجة من خارج السعودية؛ لذا فإن الإفراد أفضل لمن أتى متأخرًا، وتتأكد أفضليته إذا استحضر الإنسان النية في التخفيف عن عباد الله، خاصة في هذا العام 1435هـ نظرًا لمشروع توسعة المطاف.
 
وأما ما يقوله كثير من الناس بأنه يرغب في التمتع لأنه يرغب في ذبح هدي فيقال له: إن لك أن تذبح هدي تطوع لو كنت مفرداً، ولك أن تحج قارنًا فتحصل بذلك على أجر حجة وعمرة وتلزم بذبح الهدي. علماً بأن الإفراد نص على أفضليته كثير من أهل العلم؛ إذ نص الإمام الشافعي على أن الأفضل هو الإفراد، ونقل الطرطوشي أن هذا القول هو الذي اتفق عليه مالك وجميع أصحابه.
 
وصفوة القول: الأيسر لمن قدموا مكة في آخر يوم السابع وما بعده أن يحجوا قارنين أو مفردين. والله جل في عليائه أعلى وأعز وأعلم. 

اعلان
الإفراد يا حجاج الداخل
سبق
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: 
يتساءل كثير من الحجاج عن أيهم أفضل: التمتع، أم الإفراد، أم القِران، إذا كانوا من حجاج الداخل الذين يتوجهون لمكة في ظهر يوم السابع وما بعده؟ 
الجواب بمعونة الملك الوهاب:
أجمع أهل العلم على جواز الأنساك الثلاثة، واختلفوا في أفضلها. وقال بعض أهل العلم: إن الإفراد أفضل، وهذا قول مالك وأصحابه، والشافعي في الصحيح من مذهبه، وقال النووي في شرح المهذب: "وبه قال عمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وجابر، وعائشة رضي الله عنهم أجمعين". وقال الشنقيطي: "إن الإفراد هو الذي كان الخلفاء الراشدون يفعلونه، وهم أفضل الناس وأتقاهم، وأشدهم اتباعًاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد حج أبو بكر رضي الله عنه بالناس مفردًاً، وحج عمر- رضي الله عنه - عشر سنين مفردًاً، وحج عثمان - رضي الله عنه - مدة خلافته مفردًاً. ومدة هؤلاء الخلفاء الراشدين الثلاثة نحو أربع وعشرين سنة، وهم يحجون بالناس مفردين، ولو لم يكن الإفراد أفضل من غيره لما واظبوا عليه هذه المدة الطويلة( ). وذهب أبو حنيفة وأصحابه، وسفيان وإسحاق، وغيرهم من أهل العلم، إلى أن القران أفضل، وذهب الإمام أحمد - رحمه الله - إلى أن التمتع أفضل، والراجح أن التمتع هو أفضل الأنساك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه بذلك، وهذه الأفضلية لأن في التمتع رحمةً وتيسيرًاً؛ لأن الحاج بعد قدومه يعاني وعثاء السفر، فيحتاج إلى التمتع بالحل. لكن هذه الفوائد التي ينالها المتمتع يستفيد منها مَنْ قدم إلى مكة قبل الحج بأيام، أما مَنْ قدم إلى الحج في آخر يوم السابع، أو صباح الثامن، فإنه قد لا يتمكن من التمتع لعدم وجود الوقت الكافي الذي يحصل من خلاله على هذه الفوائد؛ لأن الحاج يُسن له أن يحرم في صباح يوم الثامن، أما مَنْ قدم في آخر يوم السابع فإنه قد لا يستطيع أن ينهي عمرته إذا كان متمتعًا إلا في آخر اليوم، بل ربما لم يستطع إلا في صبيحة يوم الثامن، وهنا لا يتأتى له التمتع، بل تجده لا يتمكن حتى من خلع ملابسه.
 
وغالب حملات الداخل لا تتوجه إلى مكة إلا في ظهر يوم السابع أو الثامن مما لا يمكنهم من أن يحصلوا على فوائد التمتع. والعجيب أن بعض الحجاج يحج في يوم السابع متمتعاً، ثم لا يدخل في النسك إلا في صباح يوم التاسع (يوم عرفة)، بل بعضهم في منتصفه، وهذا التأخير منهم في الإحرام بالحج بسبب رغبتهم في التمتع. وهنا خالفوا السنة في تركهم الإحرام في صبيحة يوم الثامن، وخالفوها بأن باتوا في يوم التروية غير محرمين، وبعضهم يتوجه إلى عرفة غير محرم، فحصل لهم من ذلك مخالفة السُّنة في كثير من الأمور؛ لذا فالأفضل لمثل هؤلاء أن يحجوا إما مفردين أو قارنين. وفائدة القران والإفراد في مثل هذه الحال أن فيه من التيسير المعتمد على الدليل، وفيه من الرحمة بالحاج نفسه، والحجاج عامة، خاصة مع الزحام الشديد؛ لأن الحاج في هذه الحال إذا قدم مفردًا أو قارنًا فإنه يطوف طواف القدوم، ثم يسعى سعي الحج، فلا يبقى عليه بعد عرفة إلا طواف الإفاضة والوداع، ولا يلزمه بعدهما سعي، وهنا حصل له التيسير؛ إذ إنه لم يُلزم إلا بسعي واحد، أداه عند قدومه، فخفف على نفسه ومن معه يوم النحر، خاصة إذا كان معه نسوة وكبار سن وأطفال، وكذلك على بقية الحجاج؛ إذ يكتظ المسعى يوم النحر وبقية أيام التشريق بمئات الآلاف من المتمتعين الذين قدموا في شهر ذي القعدة، أو في أوائل ذي الحجة من خارج السعودية؛ لذا فإن الإفراد أفضل لمن أتى متأخرًا، وتتأكد أفضليته إذا استحضر الإنسان النية في التخفيف عن عباد الله، خاصة في هذا العام 1435هـ نظرًا لمشروع توسعة المطاف.
 
وأما ما يقوله كثير من الناس بأنه يرغب في التمتع لأنه يرغب في ذبح هدي فيقال له: إن لك أن تذبح هدي تطوع لو كنت مفرداً، ولك أن تحج قارنًا فتحصل بذلك على أجر حجة وعمرة وتلزم بذبح الهدي. علماً بأن الإفراد نص على أفضليته كثير من أهل العلم؛ إذ نص الإمام الشافعي على أن الأفضل هو الإفراد، ونقل الطرطوشي أن هذا القول هو الذي اتفق عليه مالك وجميع أصحابه.
 
وصفوة القول: الأيسر لمن قدموا مكة في آخر يوم السابع وما بعده أن يحجوا قارنين أو مفردين. والله جل في عليائه أعلى وأعز وأعلم. 
28 سبتمبر 2014 - 4 ذو الحجة 1435
12:46 AM

الإفراد يا حجاج الداخل

A A A
0
9,401

بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد: 
يتساءل كثير من الحجاج عن أيهم أفضل: التمتع، أم الإفراد، أم القِران، إذا كانوا من حجاج الداخل الذين يتوجهون لمكة في ظهر يوم السابع وما بعده؟ 
الجواب بمعونة الملك الوهاب:
أجمع أهل العلم على جواز الأنساك الثلاثة، واختلفوا في أفضلها. وقال بعض أهل العلم: إن الإفراد أفضل، وهذا قول مالك وأصحابه، والشافعي في الصحيح من مذهبه، وقال النووي في شرح المهذب: "وبه قال عمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وجابر، وعائشة رضي الله عنهم أجمعين". وقال الشنقيطي: "إن الإفراد هو الذي كان الخلفاء الراشدون يفعلونه، وهم أفضل الناس وأتقاهم، وأشدهم اتباعًاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد حج أبو بكر رضي الله عنه بالناس مفردًاً، وحج عمر- رضي الله عنه - عشر سنين مفردًاً، وحج عثمان - رضي الله عنه - مدة خلافته مفردًاً. ومدة هؤلاء الخلفاء الراشدين الثلاثة نحو أربع وعشرين سنة، وهم يحجون بالناس مفردين، ولو لم يكن الإفراد أفضل من غيره لما واظبوا عليه هذه المدة الطويلة( ). وذهب أبو حنيفة وأصحابه، وسفيان وإسحاق، وغيرهم من أهل العلم، إلى أن القران أفضل، وذهب الإمام أحمد - رحمه الله - إلى أن التمتع أفضل، والراجح أن التمتع هو أفضل الأنساك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أصحابه بذلك، وهذه الأفضلية لأن في التمتع رحمةً وتيسيرًاً؛ لأن الحاج بعد قدومه يعاني وعثاء السفر، فيحتاج إلى التمتع بالحل. لكن هذه الفوائد التي ينالها المتمتع يستفيد منها مَنْ قدم إلى مكة قبل الحج بأيام، أما مَنْ قدم إلى الحج في آخر يوم السابع، أو صباح الثامن، فإنه قد لا يتمكن من التمتع لعدم وجود الوقت الكافي الذي يحصل من خلاله على هذه الفوائد؛ لأن الحاج يُسن له أن يحرم في صباح يوم الثامن، أما مَنْ قدم في آخر يوم السابع فإنه قد لا يستطيع أن ينهي عمرته إذا كان متمتعًا إلا في آخر اليوم، بل ربما لم يستطع إلا في صبيحة يوم الثامن، وهنا لا يتأتى له التمتع، بل تجده لا يتمكن حتى من خلع ملابسه.
 
وغالب حملات الداخل لا تتوجه إلى مكة إلا في ظهر يوم السابع أو الثامن مما لا يمكنهم من أن يحصلوا على فوائد التمتع. والعجيب أن بعض الحجاج يحج في يوم السابع متمتعاً، ثم لا يدخل في النسك إلا في صباح يوم التاسع (يوم عرفة)، بل بعضهم في منتصفه، وهذا التأخير منهم في الإحرام بالحج بسبب رغبتهم في التمتع. وهنا خالفوا السنة في تركهم الإحرام في صبيحة يوم الثامن، وخالفوها بأن باتوا في يوم التروية غير محرمين، وبعضهم يتوجه إلى عرفة غير محرم، فحصل لهم من ذلك مخالفة السُّنة في كثير من الأمور؛ لذا فالأفضل لمثل هؤلاء أن يحجوا إما مفردين أو قارنين. وفائدة القران والإفراد في مثل هذه الحال أن فيه من التيسير المعتمد على الدليل، وفيه من الرحمة بالحاج نفسه، والحجاج عامة، خاصة مع الزحام الشديد؛ لأن الحاج في هذه الحال إذا قدم مفردًا أو قارنًا فإنه يطوف طواف القدوم، ثم يسعى سعي الحج، فلا يبقى عليه بعد عرفة إلا طواف الإفاضة والوداع، ولا يلزمه بعدهما سعي، وهنا حصل له التيسير؛ إذ إنه لم يُلزم إلا بسعي واحد، أداه عند قدومه، فخفف على نفسه ومن معه يوم النحر، خاصة إذا كان معه نسوة وكبار سن وأطفال، وكذلك على بقية الحجاج؛ إذ يكتظ المسعى يوم النحر وبقية أيام التشريق بمئات الآلاف من المتمتعين الذين قدموا في شهر ذي القعدة، أو في أوائل ذي الحجة من خارج السعودية؛ لذا فإن الإفراد أفضل لمن أتى متأخرًا، وتتأكد أفضليته إذا استحضر الإنسان النية في التخفيف عن عباد الله، خاصة في هذا العام 1435هـ نظرًا لمشروع توسعة المطاف.
 
وأما ما يقوله كثير من الناس بأنه يرغب في التمتع لأنه يرغب في ذبح هدي فيقال له: إن لك أن تذبح هدي تطوع لو كنت مفرداً، ولك أن تحج قارنًا فتحصل بذلك على أجر حجة وعمرة وتلزم بذبح الهدي. علماً بأن الإفراد نص على أفضليته كثير من أهل العلم؛ إذ نص الإمام الشافعي على أن الأفضل هو الإفراد، ونقل الطرطوشي أن هذا القول هو الذي اتفق عليه مالك وجميع أصحابه.
 
وصفوة القول: الأيسر لمن قدموا مكة في آخر يوم السابع وما بعده أن يحجوا قارنين أو مفردين. والله جل في عليائه أعلى وأعز وأعلم.