الدولة السعودية الرابعة

ما من شك لدي في أن فجر يوم الجمعة الثالث من شهر ربيع الأول من عام 1436هـ الموافق للثالث والعشرين من شهر يناير لعام 2015م قد شهد ميلاد الدولة السعودية الرابعة بكل ما تعنيه هذه العبارة من معان. لست أطلق هذا الزعم الكبير من فراغ ولا بتأثير عاطفة جيّاشة، وإنما بناء على معطيات واقعية وإلمام عميق بتاريخ المملكة البعيد والقريب واستشراف علمي للمستقبل ومعرفة لصيقة بحقيقة مؤسس هذه الدولة الرابعة ومن أتوقع أن يسهموا معه في بنائها.
 
التقيت خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله أول مرة قبل ما يقرب من ثلاثين عاماً في إحدى المناسبات الاجتماعية التي ضمت نخبة من أساتذة الجامعات والمثقفين، كان في حينها أميراً للرياض وكنت أستاذا في جامعة الملك سعود. كان لقاءً ملهماً بمن حضره وما دار فيه، وأتذكر أنني كنت من آخر المتحدثين وأكثرهم جرأة (قد يكون ذلك لكوني أصغرهم سناً)، وقد تلخص حديثي في القول: إن المملكة العربية السعودية قطعت أشواطاً بعيدة في تطورها في جميع الميادين ولكنها لم تتطور بالقدر الكافي في أهم مكونين من مكوناتها وهما المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية، واستطردت بالتأكيد على أن من أوجب واجباتنا أن نطور هاتين المؤسستين لتواكبا متطلبات المرحلة التاريخية التي نعيشها والتحديات التي نواجهها. لم يضجر الأمير سلمان في حينها لا من حديثي ولا من جرأتي في طرحه، وإنما حرص على رؤيتي بعد ذلك مرات ومرات والاستماع إلى ما لدي، لتتوثق علاقتي به ولأكتشف أنه كان أكثر وأعمق إدراكاً لحقيقة ما طرحته وأكبر حماساً لتحقيقه.
 
لا أتذكر على مدى السنوات الثلاثين الماضية أنني هاتفته حفظه الله في يوم من الأيام ولم يجب مباشرة، أو يعِد الاتصال بعد حين ليس بطويل، إلا مرة واحدة عاتبته فيها عتاباً أدبياً رقيقاً، ولا أذكر أنني طلبت مقابلته في يوم من الأيام إلا واستجاب في وقت قصير. هاتفته صباح الجمعة الماضي لأعزيه وأواسيه في فقيد الوطن ووالد الجميع الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله، وكنت متيقناً من أنها ستكون المرة الثانية التي لن يجيب فيها على اتصالي لأسباب كثيرة وكثيرة جداً، منها جلل المصاب وعظم المسؤوليات في ذلك اليوم الكئيب، ولكن لم تمر إلا دقائق معدودة بعد انتهائه من مراسم مبايعته في مساء الجمعة إلا وأفاجأ بمهاتفته لي، تماماً كما عهدته على مدى السنوات الثلاثين الماضية.
 
كان أحد أقرب أصدقائي وزملائي ضيفاً عندي في تلك اللحظة المذهلة فعزيناه سوية وسألنا الله له التأييد والتسديد، ولن أنسى تأكيده علي بألا أتوانى في تقديم المشورة وإسداء النصح له حفظه الله.
 
قال لي صديقي بعد انتهاء المكالمة مباشرة: هذا شيء عجيب بل لا يكاد يصدق! أفي مثل هذا اليوم وفي مثل هذه الساعة وبعد عناءاته والتزاماته الطويلة وفي خضم الاتصالات المنهالة عليه من جميع أنحاء العالم وقياداته يهتم الملك سلمان بإجابة اتصالك؟ كان تعليقي البدهي السريع: إن هذا أيها العزيز دليل على من هو سلمان بن عبدالعزيز ودليل على نبله وقوة عزيمته وقدرته الفائقة على تنظيم أوقاته.
 
ما بين ذكرى أول لقاء قبل ثلاثين عاماً والاتصال الهاتفي قبل أيام احتشدت في ذهني مسيرة علاقتي الطويلة والعميقة بالملك سلمان بن عبدالعزيز التي لم تكن صافية في كل الأوقات وإنما تخللتها خلافات حول شؤون عامة، وإنني أقولها للتاريخ: إنه على الرغم من شدة الخلافات وحدتها في بعض الأحيان إلا أنني لم أسمع منه في أي يوم من الأيام كلمة جارحة واحدة أو أر منه أي أثرٍ لخلافي معه على شؤوني وتعاملاتي الخاصة على الإطلاق، بل لقد وجدت في أحيان كثيرة شجاعة كبيرة وقدرة نادرة على الاعتذار عن سوء الفهم لعدم اتضاح الصورة. كان دائماً كتلة من الغيرة على الدين والحرص على الوطن والدفاع المستميت عما يعتقد أنه الحق، ولا أبالغ إذا قلت إن كل الذين يعرفونه سواء من يؤيدونه أم من يخالفونه يجمعون على احترامه وتقديره كما يجمعون على أنه من أكثر أبناء الملك عبدالعزيز رحمه الله أهلية للملك وقدرة على تحمل مسؤوليات القيادة.
 
إن من شبه المستحيل في نظري أن يتولى الحكم قائد بمكانة الملك سلمان بن عبدالعزيز وتاريخه وخبرته وتطلعاته وقدراته، خاصة في مثل هذه الظروف والأوضاع المحلية والإقليمية والعالمية التي نعيشها، ولا ينتج عن ذلك ميلاد دولة جديدة تجدد أصول الكيان وترسخ أركانه وتعيد بناءه على أسس تجمع بين ما قامت عليه الدولة الأولى وما توجبه متطلبات المرحلة التاريخية الحالية وتحدياتها، وإن من نعم الله، عز وجل أن الدولة السعودية الرابعة لا تبدأ والدولة الثالثة قد سقطت مثلما حدث للدولتين الأولى والثانية، وإنما تبدأ والثالثة قائمة على سوقها تهيئ للرابعة وتبشر بقيامها.
 
إن أهم ملامح الدولة الرابعة ستكون في نظري ما يلي:
أولاً: تجديد الفكر الديني الذي انطلقت على أساسه حركة الإصلاح والتصحيح التي قادها الإمامان محمد بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب رحمهما الله، الذي قامت على أساسه الدولة السعودية، وإعادة صياغته ليكون مواكباً لمتطلبات العصر دون تفريط في مكوناته الرئيسة وأهمها عقيدة التوحيد الصافية النقية من الشرك والبدع والجهالة والخرافة، ودون تردد في تطهيره من كل ما علق به مما ليس منه أو لم يكن معبراً عن حقيقته، وتجديد مبادئه الكبرى التي هي مبادئ الإسلام المتمثلة في اللامذهبية، ومرجعية الدليل الشرعي من الكتاب والسنة، والوسطية والاعتدال والتسامح وتشريع أبواب الاجتهاد والتجديد.
 
ثانيا: تطوير المؤسسات الشرعية بجميع أنواعها والارتقاء بمستوى العاملين فيها وتحديث إمكاناتها وقدراتها وتهيئتها لتكون مواكبة للعصر ومتطلباته ومعبرة بشكل لائق عن الدين الذي تمثله والشرع الذي تحمل لواءه والدولة والمجتمع التي تنتمي إليهما، وترسيخ الدور الريادي للمملكة في كونها المرجع العقائدي والفكري والثقافي للأمة والحاملة الأولى والكبرى للواء الإسلام.
 
ثالثاً: توطيد العلاقة بين القيادة السياسية والدعاة والعلماء والمفكرين وقادة الرأي من جميع الأطياف دون استثناء والارتقاء بها لتحقيق المصالح الكبرى المرجوة منها في بناء الجبهة الداخلية وتوحيدها وجمع كلمتها وفي تحقيق الشورى على أتم وجوهها وبناء النهضة الفكرية والثقافية المأمولة.
 
رابعاً: تطوير النظام السياسي بشكل عام من خلال إعادة صياغة النظام الأساسي للحكم وسد ثغراته وتضمينه ما يجعله أكثر ملاءمة لما طرأ وما قد يطرأ من مستجدات، واستكمال بناء المؤسسات الدستورية على مستوى الوطن والمناطق، وتطوير جميع المؤسسات السياسية لتكون أكثر قدرة على تحقيق المراد منها، وأكبر استجابة لتحقيق تطلعات وآمال القيادة والمجتمع، وإعادة هيكلة الدولة وتحديث أداء مؤسساتها لتواكب أرقى النماذج العالمية في الإدارة والإجراءات التنظيمية، ومن خلال تولية الأقوياء الأمناء وتنحية غير القادرين ومعاقبة الفاسدين.
 
خامساً: رد الاعتبار للعمل الدعوي والخيري والإغاثي السعودي واستعادة الريادة في مجالات الدعوة إلى الإسلام ومباشرة الأعمال الخيرية والإغاثية على مستوى العالم، وجعل المملكة المنارة الكبرى لنشر الهدي المحمدي ونهر الإغاثة والمواساة لكل شعوب العالم، وذلك من خلال تفتيح الأبواب للمبادرات الدعوية والخيرية والإغاثية وتنظيمها والارتقاء بمؤسساتها لتواكب الحاجات والتحديات المعاصرة ولتكون معبرة أتم التعبير وأكمله عن حقيقة الإسلام وحقيقة المجتمع السعودي.
 
سادساً: احتواء جميع التيارات الإسلامية القويمة في العالم وإعادة محورية دور المملكة، بصفتها قبلة الإسلام والمسلمين والراعية لشؤون الأمة، في التأثير عليها وحمايتها من الانحرافات والتنسيق معها للدفاع عن قضايا الأمة الكبرى وتحقيق الغايات والأهداف المشتركة.
 
سابعاً: تجديد الدور المحوري لرعاية المملكة لشؤون الأقليات المسلمة في العالم والدفاع عن قضاياها واستثمارها في التعريف بالإسلام القويم والدفاع عن قضايا الأمة العادلة وتجسير العلاقات بين المملكة وشعوب العالم الأخرى.
 
ثامناً: العناية بالفكر والثقافة وتشريع الأبواب على مصاريعها للإبداع والتأليف وتوسيع أفاق الحريات العلمية والثقافية والإعلامية المنضبطة بضوابط الشرع والعقل والملتزمة بآداب الإسلام وقيمة.
 
تاسعاً: العناية بقضايا الشباب، الذين يشكلون القطاع الأعظم من المجتمع، ومعالجة مشكلاتهم وسن سياسات جديدة تواجه البطالة في صفوفهم وتعد لهم فرص التعليم والتدريب اللذين يؤهلانهم للمشاركة في بناء الوطن، وتقديم التسهيلات للقادرين منهم على إنشاء المشاريع الصغيرة والمتوسطة في ظل خطة وطنية شاملة تهدف إلى تحويل المجتمع من ساحات الاستهلاك إلى ميادين الإنتاج.
 
عاشراً: اجتثاث النعرات الجاهلية سواء أكانت عرقية أم مناطقية أم مذهبية أم طائفية، ومحاربة الانحرافات الفكرية وتطهير المجتمع منها وإزالة أسباب وجودها ووضع السياسات والتراتيب الكفيلة بتحقيق كل ذلك، والعمل الدؤوب على صهر المجتمع في وحدة متعاضدة متكاملة على أساس من وحدة الدين والوطن والمصير المشترك.
 
حادي عشر: إعادة الاعتبار للمرأة في المجتمع السعودي وإزالة المعوقات التي حالت دون نيلها جميع حقوقها المشروعة التي كفلها لها الشرع، سواء أكان ذلك لأسباب اجتماعية أم إدارية أم اجتهادات فقهية مرجوحة، وتمكين المرأة من القيام بدورها في بناء الدولة والمجتمع وتحقيق النهضة المنشودة بعيداً عن التجاذبات والمزايدات وفي إطار ما يجيزه الشرع الحنيف.
 
ثاني عشر: إعادة رسم السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية على أساسٍ من المبادئ والقيم التي قامت عليها المملكة وعلى النهج الذي أرسى قواعده الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن طيب الله ثراه الذي تقف فيه المملكة مع الحق ولا تتدخل في شؤون الآخرين الداخلية إلا في حدود ما يوجبه الشرع وتمليه المبادئ، والدفاع الواضح والحازم والقوي عن قضايا العرب والمسلمين وعلى رأسها القضية الفلسطينية، والريادة للأمتين العربية والإسلامية والتسامي فوق الخلافات الطارئة مع الدول الشقيقة والسعي للتوفيق بين المتنازعين من العرب والمسلمين وجعل مصالح الشعوب العربية والإسلامية المعيار الذي تبنى عليه السياسات والمواقف في هذا الشأن، والنأي بالنفس عن الخصومات الفئوية والتنازعات الداخلية وممارسة دور الوالد والأم الرؤوم للجميع.
 
ثالث عشر: معالجة النزاعات والمشكلات الإقليمية المتفاقمة التي هددت وتهدد استقرار المنطقة، والتصدي بحزم وقوة للأطماع التوسعية التي حلمت وتحلم بها بعض القوى، وحشد وتنسيق المواقف العربية والإسلامية والدولية الكفيلة بإعادة الاستقرار للمنطقة وإزالة جميع الآثار السلبية للتجاوزات والتعديات التي وقعت خلال السنوات القليلة الماضية وإعادة الحق إلى نصابه وإلى أهله في أقرب وقت.
رابع عشر: قيادة الجهود لإعادة إحياء الوفاق العربي وتجديد بناء المنظمات العربية التي تصدعت خلال السنوات الخمس عشرة سنة الماضية بسبب النزاعات العربية والتدخلات الخارجية، وقيادة العالم العربي للانعتاق من التشرذم والتناحر وتفرق الكلمة والانطلاق به إلى التعاضد والتكامل والتوحد.
 
خامس عشر: إحياء دعوة التضامن الإسلامي وتجديد معالمها الكبرى وقيادة الأمة الإسلامية لتحقيق التعاون الواجب شرعاً واستثمار طاقات المسلمين وقدراتهم في كل مكان، وصيانة مصالح الأمة والذود عن حقوقها وقضاياها العادلة، وتمكينها من المزاحمة في ساحات التدافع الإنساني.
 
سادس عشر: وضع استراتيجية شاملة لمواجهة الغلو والتطرف والإرهاب على أسس فكرية وثقافية وتنويرية، تقوم على أسس علمية وتواجه الإنحرافات الفكرية بنشر فكر الاعتدال والوسطية، وتكون درعاً لحماية أبناء الأمة من الغلو والتطرف وسنداً فكرياً للمعالجات الأمنية.
 
سابع عشر: وضع استراتيجية مستقبلية شاملة تحدد مسار المملكة في جميع المجالات على مدى المئة سنة القادمة، تشارك في صياغتها كل القوى القادرة في المجتمع، ويسترشد فيها بكل التجارب الإنسانية السابقة وتراعى فيها المبادئ التي قامت عليها المملكة، ورسالتها ومقامها في الوجود، ومنزلتها ومكانتها في الأمة والعالم بوجه عام.
 
هذه هي بإجمال أهم ملامح الدولة السعودية الرابعة، في نظري، التي انطلقت بتولي الملك سلمان بن عبدالعزيز مقاليد الحكم، ولا أملك في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة إلا أن أسأل الله عزّ وجلّ أن يؤيد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بتأييده وأن يعينه على هذا الحمل الثقيل وأن يوفقه لتحقيق آمال شعبه وتطلعات الأمتين العربية والإسلامية فيه، كما لا أملك إلا أن أذكر جميع أبناء الوطن وفي مقدمتهم العلماء وقادة الرأي بأن من أوجب واجباتنا في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة أن نوحد صفوفنا وأن نتجاوز كل خلافاتنا وأن نتوحد خلف قيادتنا ونسهم جميعاً كل حسب استطاعته في بناء وطننا، وأن ندير شؤوننا في جو من التواد والتراحم والرغبة الصادقة في إعلاء كلمة الله وإعزاز الوطن. حفظ الله وطننا وقادتنا من كل سوء ووفقنا جميعاً إلى الحق والخير وهدانا إلى ما يرضيه، والحمد لله من قبل ومن بعد.

اعلان
الدولة السعودية الرابعة
سبق
ما من شك لدي في أن فجر يوم الجمعة الثالث من شهر ربيع الأول من عام 1436هـ الموافق للثالث والعشرين من شهر يناير لعام 2015م قد شهد ميلاد الدولة السعودية الرابعة بكل ما تعنيه هذه العبارة من معان. لست أطلق هذا الزعم الكبير من فراغ ولا بتأثير عاطفة جيّاشة، وإنما بناء على معطيات واقعية وإلمام عميق بتاريخ المملكة البعيد والقريب واستشراف علمي للمستقبل ومعرفة لصيقة بحقيقة مؤسس هذه الدولة الرابعة ومن أتوقع أن يسهموا معه في بنائها.
 
التقيت خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله أول مرة قبل ما يقرب من ثلاثين عاماً في إحدى المناسبات الاجتماعية التي ضمت نخبة من أساتذة الجامعات والمثقفين، كان في حينها أميراً للرياض وكنت أستاذا في جامعة الملك سعود. كان لقاءً ملهماً بمن حضره وما دار فيه، وأتذكر أنني كنت من آخر المتحدثين وأكثرهم جرأة (قد يكون ذلك لكوني أصغرهم سناً)، وقد تلخص حديثي في القول: إن المملكة العربية السعودية قطعت أشواطاً بعيدة في تطورها في جميع الميادين ولكنها لم تتطور بالقدر الكافي في أهم مكونين من مكوناتها وهما المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية، واستطردت بالتأكيد على أن من أوجب واجباتنا أن نطور هاتين المؤسستين لتواكبا متطلبات المرحلة التاريخية التي نعيشها والتحديات التي نواجهها. لم يضجر الأمير سلمان في حينها لا من حديثي ولا من جرأتي في طرحه، وإنما حرص على رؤيتي بعد ذلك مرات ومرات والاستماع إلى ما لدي، لتتوثق علاقتي به ولأكتشف أنه كان أكثر وأعمق إدراكاً لحقيقة ما طرحته وأكبر حماساً لتحقيقه.
 
لا أتذكر على مدى السنوات الثلاثين الماضية أنني هاتفته حفظه الله في يوم من الأيام ولم يجب مباشرة، أو يعِد الاتصال بعد حين ليس بطويل، إلا مرة واحدة عاتبته فيها عتاباً أدبياً رقيقاً، ولا أذكر أنني طلبت مقابلته في يوم من الأيام إلا واستجاب في وقت قصير. هاتفته صباح الجمعة الماضي لأعزيه وأواسيه في فقيد الوطن ووالد الجميع الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله، وكنت متيقناً من أنها ستكون المرة الثانية التي لن يجيب فيها على اتصالي لأسباب كثيرة وكثيرة جداً، منها جلل المصاب وعظم المسؤوليات في ذلك اليوم الكئيب، ولكن لم تمر إلا دقائق معدودة بعد انتهائه من مراسم مبايعته في مساء الجمعة إلا وأفاجأ بمهاتفته لي، تماماً كما عهدته على مدى السنوات الثلاثين الماضية.
 
كان أحد أقرب أصدقائي وزملائي ضيفاً عندي في تلك اللحظة المذهلة فعزيناه سوية وسألنا الله له التأييد والتسديد، ولن أنسى تأكيده علي بألا أتوانى في تقديم المشورة وإسداء النصح له حفظه الله.
 
قال لي صديقي بعد انتهاء المكالمة مباشرة: هذا شيء عجيب بل لا يكاد يصدق! أفي مثل هذا اليوم وفي مثل هذه الساعة وبعد عناءاته والتزاماته الطويلة وفي خضم الاتصالات المنهالة عليه من جميع أنحاء العالم وقياداته يهتم الملك سلمان بإجابة اتصالك؟ كان تعليقي البدهي السريع: إن هذا أيها العزيز دليل على من هو سلمان بن عبدالعزيز ودليل على نبله وقوة عزيمته وقدرته الفائقة على تنظيم أوقاته.
 
ما بين ذكرى أول لقاء قبل ثلاثين عاماً والاتصال الهاتفي قبل أيام احتشدت في ذهني مسيرة علاقتي الطويلة والعميقة بالملك سلمان بن عبدالعزيز التي لم تكن صافية في كل الأوقات وإنما تخللتها خلافات حول شؤون عامة، وإنني أقولها للتاريخ: إنه على الرغم من شدة الخلافات وحدتها في بعض الأحيان إلا أنني لم أسمع منه في أي يوم من الأيام كلمة جارحة واحدة أو أر منه أي أثرٍ لخلافي معه على شؤوني وتعاملاتي الخاصة على الإطلاق، بل لقد وجدت في أحيان كثيرة شجاعة كبيرة وقدرة نادرة على الاعتذار عن سوء الفهم لعدم اتضاح الصورة. كان دائماً كتلة من الغيرة على الدين والحرص على الوطن والدفاع المستميت عما يعتقد أنه الحق، ولا أبالغ إذا قلت إن كل الذين يعرفونه سواء من يؤيدونه أم من يخالفونه يجمعون على احترامه وتقديره كما يجمعون على أنه من أكثر أبناء الملك عبدالعزيز رحمه الله أهلية للملك وقدرة على تحمل مسؤوليات القيادة.
 
إن من شبه المستحيل في نظري أن يتولى الحكم قائد بمكانة الملك سلمان بن عبدالعزيز وتاريخه وخبرته وتطلعاته وقدراته، خاصة في مثل هذه الظروف والأوضاع المحلية والإقليمية والعالمية التي نعيشها، ولا ينتج عن ذلك ميلاد دولة جديدة تجدد أصول الكيان وترسخ أركانه وتعيد بناءه على أسس تجمع بين ما قامت عليه الدولة الأولى وما توجبه متطلبات المرحلة التاريخية الحالية وتحدياتها، وإن من نعم الله، عز وجل أن الدولة السعودية الرابعة لا تبدأ والدولة الثالثة قد سقطت مثلما حدث للدولتين الأولى والثانية، وإنما تبدأ والثالثة قائمة على سوقها تهيئ للرابعة وتبشر بقيامها.
 
إن أهم ملامح الدولة الرابعة ستكون في نظري ما يلي:
أولاً: تجديد الفكر الديني الذي انطلقت على أساسه حركة الإصلاح والتصحيح التي قادها الإمامان محمد بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب رحمهما الله، الذي قامت على أساسه الدولة السعودية، وإعادة صياغته ليكون مواكباً لمتطلبات العصر دون تفريط في مكوناته الرئيسة وأهمها عقيدة التوحيد الصافية النقية من الشرك والبدع والجهالة والخرافة، ودون تردد في تطهيره من كل ما علق به مما ليس منه أو لم يكن معبراً عن حقيقته، وتجديد مبادئه الكبرى التي هي مبادئ الإسلام المتمثلة في اللامذهبية، ومرجعية الدليل الشرعي من الكتاب والسنة، والوسطية والاعتدال والتسامح وتشريع أبواب الاجتهاد والتجديد.
 
ثانيا: تطوير المؤسسات الشرعية بجميع أنواعها والارتقاء بمستوى العاملين فيها وتحديث إمكاناتها وقدراتها وتهيئتها لتكون مواكبة للعصر ومتطلباته ومعبرة بشكل لائق عن الدين الذي تمثله والشرع الذي تحمل لواءه والدولة والمجتمع التي تنتمي إليهما، وترسيخ الدور الريادي للمملكة في كونها المرجع العقائدي والفكري والثقافي للأمة والحاملة الأولى والكبرى للواء الإسلام.
 
ثالثاً: توطيد العلاقة بين القيادة السياسية والدعاة والعلماء والمفكرين وقادة الرأي من جميع الأطياف دون استثناء والارتقاء بها لتحقيق المصالح الكبرى المرجوة منها في بناء الجبهة الداخلية وتوحيدها وجمع كلمتها وفي تحقيق الشورى على أتم وجوهها وبناء النهضة الفكرية والثقافية المأمولة.
 
رابعاً: تطوير النظام السياسي بشكل عام من خلال إعادة صياغة النظام الأساسي للحكم وسد ثغراته وتضمينه ما يجعله أكثر ملاءمة لما طرأ وما قد يطرأ من مستجدات، واستكمال بناء المؤسسات الدستورية على مستوى الوطن والمناطق، وتطوير جميع المؤسسات السياسية لتكون أكثر قدرة على تحقيق المراد منها، وأكبر استجابة لتحقيق تطلعات وآمال القيادة والمجتمع، وإعادة هيكلة الدولة وتحديث أداء مؤسساتها لتواكب أرقى النماذج العالمية في الإدارة والإجراءات التنظيمية، ومن خلال تولية الأقوياء الأمناء وتنحية غير القادرين ومعاقبة الفاسدين.
 
خامساً: رد الاعتبار للعمل الدعوي والخيري والإغاثي السعودي واستعادة الريادة في مجالات الدعوة إلى الإسلام ومباشرة الأعمال الخيرية والإغاثية على مستوى العالم، وجعل المملكة المنارة الكبرى لنشر الهدي المحمدي ونهر الإغاثة والمواساة لكل شعوب العالم، وذلك من خلال تفتيح الأبواب للمبادرات الدعوية والخيرية والإغاثية وتنظيمها والارتقاء بمؤسساتها لتواكب الحاجات والتحديات المعاصرة ولتكون معبرة أتم التعبير وأكمله عن حقيقة الإسلام وحقيقة المجتمع السعودي.
 
سادساً: احتواء جميع التيارات الإسلامية القويمة في العالم وإعادة محورية دور المملكة، بصفتها قبلة الإسلام والمسلمين والراعية لشؤون الأمة، في التأثير عليها وحمايتها من الانحرافات والتنسيق معها للدفاع عن قضايا الأمة الكبرى وتحقيق الغايات والأهداف المشتركة.
 
سابعاً: تجديد الدور المحوري لرعاية المملكة لشؤون الأقليات المسلمة في العالم والدفاع عن قضاياها واستثمارها في التعريف بالإسلام القويم والدفاع عن قضايا الأمة العادلة وتجسير العلاقات بين المملكة وشعوب العالم الأخرى.
 
ثامناً: العناية بالفكر والثقافة وتشريع الأبواب على مصاريعها للإبداع والتأليف وتوسيع أفاق الحريات العلمية والثقافية والإعلامية المنضبطة بضوابط الشرع والعقل والملتزمة بآداب الإسلام وقيمة.
 
تاسعاً: العناية بقضايا الشباب، الذين يشكلون القطاع الأعظم من المجتمع، ومعالجة مشكلاتهم وسن سياسات جديدة تواجه البطالة في صفوفهم وتعد لهم فرص التعليم والتدريب اللذين يؤهلانهم للمشاركة في بناء الوطن، وتقديم التسهيلات للقادرين منهم على إنشاء المشاريع الصغيرة والمتوسطة في ظل خطة وطنية شاملة تهدف إلى تحويل المجتمع من ساحات الاستهلاك إلى ميادين الإنتاج.
 
عاشراً: اجتثاث النعرات الجاهلية سواء أكانت عرقية أم مناطقية أم مذهبية أم طائفية، ومحاربة الانحرافات الفكرية وتطهير المجتمع منها وإزالة أسباب وجودها ووضع السياسات والتراتيب الكفيلة بتحقيق كل ذلك، والعمل الدؤوب على صهر المجتمع في وحدة متعاضدة متكاملة على أساس من وحدة الدين والوطن والمصير المشترك.
 
حادي عشر: إعادة الاعتبار للمرأة في المجتمع السعودي وإزالة المعوقات التي حالت دون نيلها جميع حقوقها المشروعة التي كفلها لها الشرع، سواء أكان ذلك لأسباب اجتماعية أم إدارية أم اجتهادات فقهية مرجوحة، وتمكين المرأة من القيام بدورها في بناء الدولة والمجتمع وتحقيق النهضة المنشودة بعيداً عن التجاذبات والمزايدات وفي إطار ما يجيزه الشرع الحنيف.
 
ثاني عشر: إعادة رسم السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية على أساسٍ من المبادئ والقيم التي قامت عليها المملكة وعلى النهج الذي أرسى قواعده الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن طيب الله ثراه الذي تقف فيه المملكة مع الحق ولا تتدخل في شؤون الآخرين الداخلية إلا في حدود ما يوجبه الشرع وتمليه المبادئ، والدفاع الواضح والحازم والقوي عن قضايا العرب والمسلمين وعلى رأسها القضية الفلسطينية، والريادة للأمتين العربية والإسلامية والتسامي فوق الخلافات الطارئة مع الدول الشقيقة والسعي للتوفيق بين المتنازعين من العرب والمسلمين وجعل مصالح الشعوب العربية والإسلامية المعيار الذي تبنى عليه السياسات والمواقف في هذا الشأن، والنأي بالنفس عن الخصومات الفئوية والتنازعات الداخلية وممارسة دور الوالد والأم الرؤوم للجميع.
 
ثالث عشر: معالجة النزاعات والمشكلات الإقليمية المتفاقمة التي هددت وتهدد استقرار المنطقة، والتصدي بحزم وقوة للأطماع التوسعية التي حلمت وتحلم بها بعض القوى، وحشد وتنسيق المواقف العربية والإسلامية والدولية الكفيلة بإعادة الاستقرار للمنطقة وإزالة جميع الآثار السلبية للتجاوزات والتعديات التي وقعت خلال السنوات القليلة الماضية وإعادة الحق إلى نصابه وإلى أهله في أقرب وقت.
رابع عشر: قيادة الجهود لإعادة إحياء الوفاق العربي وتجديد بناء المنظمات العربية التي تصدعت خلال السنوات الخمس عشرة سنة الماضية بسبب النزاعات العربية والتدخلات الخارجية، وقيادة العالم العربي للانعتاق من التشرذم والتناحر وتفرق الكلمة والانطلاق به إلى التعاضد والتكامل والتوحد.
 
خامس عشر: إحياء دعوة التضامن الإسلامي وتجديد معالمها الكبرى وقيادة الأمة الإسلامية لتحقيق التعاون الواجب شرعاً واستثمار طاقات المسلمين وقدراتهم في كل مكان، وصيانة مصالح الأمة والذود عن حقوقها وقضاياها العادلة، وتمكينها من المزاحمة في ساحات التدافع الإنساني.
 
سادس عشر: وضع استراتيجية شاملة لمواجهة الغلو والتطرف والإرهاب على أسس فكرية وثقافية وتنويرية، تقوم على أسس علمية وتواجه الإنحرافات الفكرية بنشر فكر الاعتدال والوسطية، وتكون درعاً لحماية أبناء الأمة من الغلو والتطرف وسنداً فكرياً للمعالجات الأمنية.
 
سابع عشر: وضع استراتيجية مستقبلية شاملة تحدد مسار المملكة في جميع المجالات على مدى المئة سنة القادمة، تشارك في صياغتها كل القوى القادرة في المجتمع، ويسترشد فيها بكل التجارب الإنسانية السابقة وتراعى فيها المبادئ التي قامت عليها المملكة، ورسالتها ومقامها في الوجود، ومنزلتها ومكانتها في الأمة والعالم بوجه عام.
 
هذه هي بإجمال أهم ملامح الدولة السعودية الرابعة، في نظري، التي انطلقت بتولي الملك سلمان بن عبدالعزيز مقاليد الحكم، ولا أملك في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة إلا أن أسأل الله عزّ وجلّ أن يؤيد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بتأييده وأن يعينه على هذا الحمل الثقيل وأن يوفقه لتحقيق آمال شعبه وتطلعات الأمتين العربية والإسلامية فيه، كما لا أملك إلا أن أذكر جميع أبناء الوطن وفي مقدمتهم العلماء وقادة الرأي بأن من أوجب واجباتنا في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة أن نوحد صفوفنا وأن نتجاوز كل خلافاتنا وأن نتوحد خلف قيادتنا ونسهم جميعاً كل حسب استطاعته في بناء وطننا، وأن ندير شؤوننا في جو من التواد والتراحم والرغبة الصادقة في إعلاء كلمة الله وإعزاز الوطن. حفظ الله وطننا وقادتنا من كل سوء ووفقنا جميعاً إلى الحق والخير وهدانا إلى ما يرضيه، والحمد لله من قبل ومن بعد.
28 يناير 2015 - 8 ربيع الآخر 1436
08:43 PM

الدولة السعودية الرابعة

A A A
0
256,939

ما من شك لدي في أن فجر يوم الجمعة الثالث من شهر ربيع الأول من عام 1436هـ الموافق للثالث والعشرين من شهر يناير لعام 2015م قد شهد ميلاد الدولة السعودية الرابعة بكل ما تعنيه هذه العبارة من معان. لست أطلق هذا الزعم الكبير من فراغ ولا بتأثير عاطفة جيّاشة، وإنما بناء على معطيات واقعية وإلمام عميق بتاريخ المملكة البعيد والقريب واستشراف علمي للمستقبل ومعرفة لصيقة بحقيقة مؤسس هذه الدولة الرابعة ومن أتوقع أن يسهموا معه في بنائها.
 
التقيت خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله أول مرة قبل ما يقرب من ثلاثين عاماً في إحدى المناسبات الاجتماعية التي ضمت نخبة من أساتذة الجامعات والمثقفين، كان في حينها أميراً للرياض وكنت أستاذا في جامعة الملك سعود. كان لقاءً ملهماً بمن حضره وما دار فيه، وأتذكر أنني كنت من آخر المتحدثين وأكثرهم جرأة (قد يكون ذلك لكوني أصغرهم سناً)، وقد تلخص حديثي في القول: إن المملكة العربية السعودية قطعت أشواطاً بعيدة في تطورها في جميع الميادين ولكنها لم تتطور بالقدر الكافي في أهم مكونين من مكوناتها وهما المؤسسة السياسية والمؤسسة الدينية، واستطردت بالتأكيد على أن من أوجب واجباتنا أن نطور هاتين المؤسستين لتواكبا متطلبات المرحلة التاريخية التي نعيشها والتحديات التي نواجهها. لم يضجر الأمير سلمان في حينها لا من حديثي ولا من جرأتي في طرحه، وإنما حرص على رؤيتي بعد ذلك مرات ومرات والاستماع إلى ما لدي، لتتوثق علاقتي به ولأكتشف أنه كان أكثر وأعمق إدراكاً لحقيقة ما طرحته وأكبر حماساً لتحقيقه.
 
لا أتذكر على مدى السنوات الثلاثين الماضية أنني هاتفته حفظه الله في يوم من الأيام ولم يجب مباشرة، أو يعِد الاتصال بعد حين ليس بطويل، إلا مرة واحدة عاتبته فيها عتاباً أدبياً رقيقاً، ولا أذكر أنني طلبت مقابلته في يوم من الأيام إلا واستجاب في وقت قصير. هاتفته صباح الجمعة الماضي لأعزيه وأواسيه في فقيد الوطن ووالد الجميع الملك عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله، وكنت متيقناً من أنها ستكون المرة الثانية التي لن يجيب فيها على اتصالي لأسباب كثيرة وكثيرة جداً، منها جلل المصاب وعظم المسؤوليات في ذلك اليوم الكئيب، ولكن لم تمر إلا دقائق معدودة بعد انتهائه من مراسم مبايعته في مساء الجمعة إلا وأفاجأ بمهاتفته لي، تماماً كما عهدته على مدى السنوات الثلاثين الماضية.
 
كان أحد أقرب أصدقائي وزملائي ضيفاً عندي في تلك اللحظة المذهلة فعزيناه سوية وسألنا الله له التأييد والتسديد، ولن أنسى تأكيده علي بألا أتوانى في تقديم المشورة وإسداء النصح له حفظه الله.
 
قال لي صديقي بعد انتهاء المكالمة مباشرة: هذا شيء عجيب بل لا يكاد يصدق! أفي مثل هذا اليوم وفي مثل هذه الساعة وبعد عناءاته والتزاماته الطويلة وفي خضم الاتصالات المنهالة عليه من جميع أنحاء العالم وقياداته يهتم الملك سلمان بإجابة اتصالك؟ كان تعليقي البدهي السريع: إن هذا أيها العزيز دليل على من هو سلمان بن عبدالعزيز ودليل على نبله وقوة عزيمته وقدرته الفائقة على تنظيم أوقاته.
 
ما بين ذكرى أول لقاء قبل ثلاثين عاماً والاتصال الهاتفي قبل أيام احتشدت في ذهني مسيرة علاقتي الطويلة والعميقة بالملك سلمان بن عبدالعزيز التي لم تكن صافية في كل الأوقات وإنما تخللتها خلافات حول شؤون عامة، وإنني أقولها للتاريخ: إنه على الرغم من شدة الخلافات وحدتها في بعض الأحيان إلا أنني لم أسمع منه في أي يوم من الأيام كلمة جارحة واحدة أو أر منه أي أثرٍ لخلافي معه على شؤوني وتعاملاتي الخاصة على الإطلاق، بل لقد وجدت في أحيان كثيرة شجاعة كبيرة وقدرة نادرة على الاعتذار عن سوء الفهم لعدم اتضاح الصورة. كان دائماً كتلة من الغيرة على الدين والحرص على الوطن والدفاع المستميت عما يعتقد أنه الحق، ولا أبالغ إذا قلت إن كل الذين يعرفونه سواء من يؤيدونه أم من يخالفونه يجمعون على احترامه وتقديره كما يجمعون على أنه من أكثر أبناء الملك عبدالعزيز رحمه الله أهلية للملك وقدرة على تحمل مسؤوليات القيادة.
 
إن من شبه المستحيل في نظري أن يتولى الحكم قائد بمكانة الملك سلمان بن عبدالعزيز وتاريخه وخبرته وتطلعاته وقدراته، خاصة في مثل هذه الظروف والأوضاع المحلية والإقليمية والعالمية التي نعيشها، ولا ينتج عن ذلك ميلاد دولة جديدة تجدد أصول الكيان وترسخ أركانه وتعيد بناءه على أسس تجمع بين ما قامت عليه الدولة الأولى وما توجبه متطلبات المرحلة التاريخية الحالية وتحدياتها، وإن من نعم الله، عز وجل أن الدولة السعودية الرابعة لا تبدأ والدولة الثالثة قد سقطت مثلما حدث للدولتين الأولى والثانية، وإنما تبدأ والثالثة قائمة على سوقها تهيئ للرابعة وتبشر بقيامها.
 
إن أهم ملامح الدولة الرابعة ستكون في نظري ما يلي:
أولاً: تجديد الفكر الديني الذي انطلقت على أساسه حركة الإصلاح والتصحيح التي قادها الإمامان محمد بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب رحمهما الله، الذي قامت على أساسه الدولة السعودية، وإعادة صياغته ليكون مواكباً لمتطلبات العصر دون تفريط في مكوناته الرئيسة وأهمها عقيدة التوحيد الصافية النقية من الشرك والبدع والجهالة والخرافة، ودون تردد في تطهيره من كل ما علق به مما ليس منه أو لم يكن معبراً عن حقيقته، وتجديد مبادئه الكبرى التي هي مبادئ الإسلام المتمثلة في اللامذهبية، ومرجعية الدليل الشرعي من الكتاب والسنة، والوسطية والاعتدال والتسامح وتشريع أبواب الاجتهاد والتجديد.
 
ثانيا: تطوير المؤسسات الشرعية بجميع أنواعها والارتقاء بمستوى العاملين فيها وتحديث إمكاناتها وقدراتها وتهيئتها لتكون مواكبة للعصر ومتطلباته ومعبرة بشكل لائق عن الدين الذي تمثله والشرع الذي تحمل لواءه والدولة والمجتمع التي تنتمي إليهما، وترسيخ الدور الريادي للمملكة في كونها المرجع العقائدي والفكري والثقافي للأمة والحاملة الأولى والكبرى للواء الإسلام.
 
ثالثاً: توطيد العلاقة بين القيادة السياسية والدعاة والعلماء والمفكرين وقادة الرأي من جميع الأطياف دون استثناء والارتقاء بها لتحقيق المصالح الكبرى المرجوة منها في بناء الجبهة الداخلية وتوحيدها وجمع كلمتها وفي تحقيق الشورى على أتم وجوهها وبناء النهضة الفكرية والثقافية المأمولة.
 
رابعاً: تطوير النظام السياسي بشكل عام من خلال إعادة صياغة النظام الأساسي للحكم وسد ثغراته وتضمينه ما يجعله أكثر ملاءمة لما طرأ وما قد يطرأ من مستجدات، واستكمال بناء المؤسسات الدستورية على مستوى الوطن والمناطق، وتطوير جميع المؤسسات السياسية لتكون أكثر قدرة على تحقيق المراد منها، وأكبر استجابة لتحقيق تطلعات وآمال القيادة والمجتمع، وإعادة هيكلة الدولة وتحديث أداء مؤسساتها لتواكب أرقى النماذج العالمية في الإدارة والإجراءات التنظيمية، ومن خلال تولية الأقوياء الأمناء وتنحية غير القادرين ومعاقبة الفاسدين.
 
خامساً: رد الاعتبار للعمل الدعوي والخيري والإغاثي السعودي واستعادة الريادة في مجالات الدعوة إلى الإسلام ومباشرة الأعمال الخيرية والإغاثية على مستوى العالم، وجعل المملكة المنارة الكبرى لنشر الهدي المحمدي ونهر الإغاثة والمواساة لكل شعوب العالم، وذلك من خلال تفتيح الأبواب للمبادرات الدعوية والخيرية والإغاثية وتنظيمها والارتقاء بمؤسساتها لتواكب الحاجات والتحديات المعاصرة ولتكون معبرة أتم التعبير وأكمله عن حقيقة الإسلام وحقيقة المجتمع السعودي.
 
سادساً: احتواء جميع التيارات الإسلامية القويمة في العالم وإعادة محورية دور المملكة، بصفتها قبلة الإسلام والمسلمين والراعية لشؤون الأمة، في التأثير عليها وحمايتها من الانحرافات والتنسيق معها للدفاع عن قضايا الأمة الكبرى وتحقيق الغايات والأهداف المشتركة.
 
سابعاً: تجديد الدور المحوري لرعاية المملكة لشؤون الأقليات المسلمة في العالم والدفاع عن قضاياها واستثمارها في التعريف بالإسلام القويم والدفاع عن قضايا الأمة العادلة وتجسير العلاقات بين المملكة وشعوب العالم الأخرى.
 
ثامناً: العناية بالفكر والثقافة وتشريع الأبواب على مصاريعها للإبداع والتأليف وتوسيع أفاق الحريات العلمية والثقافية والإعلامية المنضبطة بضوابط الشرع والعقل والملتزمة بآداب الإسلام وقيمة.
 
تاسعاً: العناية بقضايا الشباب، الذين يشكلون القطاع الأعظم من المجتمع، ومعالجة مشكلاتهم وسن سياسات جديدة تواجه البطالة في صفوفهم وتعد لهم فرص التعليم والتدريب اللذين يؤهلانهم للمشاركة في بناء الوطن، وتقديم التسهيلات للقادرين منهم على إنشاء المشاريع الصغيرة والمتوسطة في ظل خطة وطنية شاملة تهدف إلى تحويل المجتمع من ساحات الاستهلاك إلى ميادين الإنتاج.
 
عاشراً: اجتثاث النعرات الجاهلية سواء أكانت عرقية أم مناطقية أم مذهبية أم طائفية، ومحاربة الانحرافات الفكرية وتطهير المجتمع منها وإزالة أسباب وجودها ووضع السياسات والتراتيب الكفيلة بتحقيق كل ذلك، والعمل الدؤوب على صهر المجتمع في وحدة متعاضدة متكاملة على أساس من وحدة الدين والوطن والمصير المشترك.
 
حادي عشر: إعادة الاعتبار للمرأة في المجتمع السعودي وإزالة المعوقات التي حالت دون نيلها جميع حقوقها المشروعة التي كفلها لها الشرع، سواء أكان ذلك لأسباب اجتماعية أم إدارية أم اجتهادات فقهية مرجوحة، وتمكين المرأة من القيام بدورها في بناء الدولة والمجتمع وتحقيق النهضة المنشودة بعيداً عن التجاذبات والمزايدات وفي إطار ما يجيزه الشرع الحنيف.
 
ثاني عشر: إعادة رسم السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية على أساسٍ من المبادئ والقيم التي قامت عليها المملكة وعلى النهج الذي أرسى قواعده الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن طيب الله ثراه الذي تقف فيه المملكة مع الحق ولا تتدخل في شؤون الآخرين الداخلية إلا في حدود ما يوجبه الشرع وتمليه المبادئ، والدفاع الواضح والحازم والقوي عن قضايا العرب والمسلمين وعلى رأسها القضية الفلسطينية، والريادة للأمتين العربية والإسلامية والتسامي فوق الخلافات الطارئة مع الدول الشقيقة والسعي للتوفيق بين المتنازعين من العرب والمسلمين وجعل مصالح الشعوب العربية والإسلامية المعيار الذي تبنى عليه السياسات والمواقف في هذا الشأن، والنأي بالنفس عن الخصومات الفئوية والتنازعات الداخلية وممارسة دور الوالد والأم الرؤوم للجميع.
 
ثالث عشر: معالجة النزاعات والمشكلات الإقليمية المتفاقمة التي هددت وتهدد استقرار المنطقة، والتصدي بحزم وقوة للأطماع التوسعية التي حلمت وتحلم بها بعض القوى، وحشد وتنسيق المواقف العربية والإسلامية والدولية الكفيلة بإعادة الاستقرار للمنطقة وإزالة جميع الآثار السلبية للتجاوزات والتعديات التي وقعت خلال السنوات القليلة الماضية وإعادة الحق إلى نصابه وإلى أهله في أقرب وقت.
رابع عشر: قيادة الجهود لإعادة إحياء الوفاق العربي وتجديد بناء المنظمات العربية التي تصدعت خلال السنوات الخمس عشرة سنة الماضية بسبب النزاعات العربية والتدخلات الخارجية، وقيادة العالم العربي للانعتاق من التشرذم والتناحر وتفرق الكلمة والانطلاق به إلى التعاضد والتكامل والتوحد.
 
خامس عشر: إحياء دعوة التضامن الإسلامي وتجديد معالمها الكبرى وقيادة الأمة الإسلامية لتحقيق التعاون الواجب شرعاً واستثمار طاقات المسلمين وقدراتهم في كل مكان، وصيانة مصالح الأمة والذود عن حقوقها وقضاياها العادلة، وتمكينها من المزاحمة في ساحات التدافع الإنساني.
 
سادس عشر: وضع استراتيجية شاملة لمواجهة الغلو والتطرف والإرهاب على أسس فكرية وثقافية وتنويرية، تقوم على أسس علمية وتواجه الإنحرافات الفكرية بنشر فكر الاعتدال والوسطية، وتكون درعاً لحماية أبناء الأمة من الغلو والتطرف وسنداً فكرياً للمعالجات الأمنية.
 
سابع عشر: وضع استراتيجية مستقبلية شاملة تحدد مسار المملكة في جميع المجالات على مدى المئة سنة القادمة، تشارك في صياغتها كل القوى القادرة في المجتمع، ويسترشد فيها بكل التجارب الإنسانية السابقة وتراعى فيها المبادئ التي قامت عليها المملكة، ورسالتها ومقامها في الوجود، ومنزلتها ومكانتها في الأمة والعالم بوجه عام.
 
هذه هي بإجمال أهم ملامح الدولة السعودية الرابعة، في نظري، التي انطلقت بتولي الملك سلمان بن عبدالعزيز مقاليد الحكم، ولا أملك في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة إلا أن أسأل الله عزّ وجلّ أن يؤيد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بتأييده وأن يعينه على هذا الحمل الثقيل وأن يوفقه لتحقيق آمال شعبه وتطلعات الأمتين العربية والإسلامية فيه، كما لا أملك إلا أن أذكر جميع أبناء الوطن وفي مقدمتهم العلماء وقادة الرأي بأن من أوجب واجباتنا في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة أن نوحد صفوفنا وأن نتجاوز كل خلافاتنا وأن نتوحد خلف قيادتنا ونسهم جميعاً كل حسب استطاعته في بناء وطننا، وأن ندير شؤوننا في جو من التواد والتراحم والرغبة الصادقة في إعلاء كلمة الله وإعزاز الوطن. حفظ الله وطننا وقادتنا من كل سوء ووفقنا جميعاً إلى الحق والخير وهدانا إلى ما يرضيه، والحمد لله من قبل ومن بعد.