بشريات بين يدي أحزان مدير جامعة الجوف

تجري الأقدار الإلهية, كل الأقدار, في هذا الكون, بمشيئة الله عزّ وجلّ, فلا شيء يخرج عن مجريات القدر, وكل شيء لحكمة بالغة، وما يكون إلا ما يريد سبحانه، وما على العبد إلا الرضا والتسليم والإيمان بما قدّره الله عليه، علمها مَن علمها, وجهلها مَن جهلها, فهو سبحانه الحكيم في كل ما يقدر ويختار, "وَرَبّك يَخْلُق مَا يَشَاء وَيَخْتَار مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَة".
 
والعبد المؤمن هو الذي يسلم بجريان القدر, ويرى فيه إرادة الله - عزّ وجلّ -, الذي يقلب عبده بالسرّاء والضرّاء, ويمتحنه بالخير والشر, ليرفع درجته, ويعلي منزلته, فيقول سبحانه وتعالى:" كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ".
 
 وكما أخبرنا القرآن الكريم بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، فقد أخبرنا أيضاً بأن المبتلى فيها ليس فرداً في ابتلائه، وأنه ليس وحده المبتلى، قال تعالى: {ألم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} .
 
بل إن أشرف الناس - الأنبياء والمرسلين - كانوا أكثر الناس ابتلاءً، عَن سعد بن أَبي وَقاصِ، قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ اَلناسِ أَشَدُّ بَلاَءً؟ قَالَ: الأنبياء، ثُم الأمثل فالأمثل، يُبْتَلَى اَلْعَبْدُ على حَسَبِ دِينِهِ، فَإنْ كَانَ فِي دِينِهِ صلبا اَشتَد بَلاؤهُ، وإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقة أبتُلِيَ على حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ ألبَلاَءُ بِالعَبْدِ حَتُّىَ يَترُكَهُ يَمشِي على ألأَرضِ، ومَا عَلَيهِ مِن خَطِيئَةِ». أخرجه أحمد.
 
والصابرون هم من أعظم الناس جزاءً، ومن أكثرهم سعادة يوم القيامة قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} .
 
وكما أمرنا الله تعالى بالصبر مواساة لكل مصاب، ودفعاً للشك واليأس عن كل قلب متكبر مرتاب، فقد بشّر الله تعالى الصابرين بحسن الجزاء، وجزيل العطاء، فقال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}.
 
وهكذا لا تستقيم حياة العبد على وتيرة واحدة, فتارة يتقلب في نعم الله ليشكر ويحمد الخالق - سبحانه, وتارة ترى الابتلاءات تترى عليه ليصبر ويحتسب, وهو على الأحوال مأجور من قِبل خالقه, الذي هو أضحك وأبكى وأمات وأحيا, سبحانه وتعالى.
 
وتأتي تلك الكلمات تسلية وتذكيراً لمدير جامعة الجوف الدكتور إسماعيل البشري، الذي فقد خمسة من أبنائه إثر حادثٍ مروري بعد جمرك بطحاء الحدودي في طريق عودتهم للمملكة, هم ثلاثة أولاد وبنتان، في حين كان والدهم يرافقهم في سيارة أخرى، وتعرّض لانهيار عصبي بعدما شاهد الحادثة، نُقل على أثره للمستشفى.  نسأل الله أن ينزل على قلبه السكينة والطمأنينة وأن يعوضه خيراً في الدنيا والآخرة.
 
ونحن إذ نواسيه في فقد أولاده, رحمهم الله جميعاً, فحريٌّ بنا كذلك أن نزف إليه بشريات من الله الذي وعد الصابر على فقد ولده بالجنة، كما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة".
 
ووعده ببيت في الجنة، كما في رواية الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي موسى الأشعري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: "قبضتم ولد عبدي؟" فيقولون: نعم، فيقول: "قبضتم ثمرة فؤاده؟" فيقولون: نعم. فيقول: "ماذا قال عبدي؟" فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله: "ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمّوه بيت الحمد".
 
 وعَنْ ثَابِتٍ، عن أنس - رضي الله عنه - قال: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ، وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيمَ - عليه السلام -، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِبْرَاهِيمَ، فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، - رضي الله عنه -: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا رَحْمَةٌ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: ((إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ)) أخرجه أحمد و"البُخَارِي".
 
وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل.
 
قال ابن مسعود: ما منكم إلا ضيف، وماله عارية، والضيف مرتحل، والعارية مؤداة إلى أهلها.
 
ومات ابنٌ لعبد الرحمن بن مهدي، فجزع عليه جزعاً شديداً حتى امتنع عن الطعام والشراب، فبلغ ذلك الإمام الشافعي فكتب إليه أما بعد:
 
فَـعَـزِّ نفسك بما تـُعَـزِّ به غيرك، ولتستقبح من فعلك ما تستقبحه من فعل غيرك، واعلم أن أمضى المصائبِ فقـْـدُ سرورٍ مع حرمان أجر، فكيف إذا اجتمعا على اكتساب وزر؛ وأقول:
 
إني مُعَزِّيكَ لا إني على طمع **** من الخلود ولكن سـُنّةُ الـدينِ
فما المُعزِّي بباقٍ بعد صاحبه **** ولا المُعزَّى ولو عاشا إلى حين
 
 
قال الشاعر:
 
"وما المال والأهلون إلا ودائع *** ولا بُّد من يومٍ تُردُّ الودائعُ".
 
وقال الشاعر:
 
"حكم المنيـة في البريــة جاري *** ما هـذه الدنـيـــا بـدار قــرار
بينما يرى الإنسان فيها مخبرا *** ألفيـتـه خـبـرا مـن الأخبـــار
طبعت على كدر وأنت تريدهـا *** صفـوا من الأقـذار والأكــدار
ومكـلـف الأيــام ضد طبـاعـهـا *** متطـلب في الماء جذوة نــار
وإذا رجـوت المستحيـل فـإنما *** تبني الرجاء على شفير هـار".
 
 
قالت الخنساء في رثاء أخيها صخراً:
 
"ألا يا صخرُ لا أنسـاكَ حتـى *** أفارقَ مُهجتي ويُشقَّ رَمْسِـي
ولـولا كثرة الباكيـن حولـي *** على إخـوانهـم لقتلـْتُ نَفْسِـي
وما يَبكونَ مثلَ أخي ولكِـنْ *** اعزّي النَّفــسَ عنهُ بالتَّأســي".
 
 
وقال الشاعر:
 
"اصبر ففي الصبر خير لو علمت به *** لطبت نفساً ولم تجزع من الألــم
واعلــم بأنك لو لم تصطبر كرمـــــاً *** صبرت رغماً على ما خط بالقلـم".

اعلان
بشريات بين يدي أحزان مدير جامعة الجوف
سبق
تجري الأقدار الإلهية, كل الأقدار, في هذا الكون, بمشيئة الله عزّ وجلّ, فلا شيء يخرج عن مجريات القدر, وكل شيء لحكمة بالغة، وما يكون إلا ما يريد سبحانه، وما على العبد إلا الرضا والتسليم والإيمان بما قدّره الله عليه، علمها مَن علمها, وجهلها مَن جهلها, فهو سبحانه الحكيم في كل ما يقدر ويختار, "وَرَبّك يَخْلُق مَا يَشَاء وَيَخْتَار مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَة".
 
والعبد المؤمن هو الذي يسلم بجريان القدر, ويرى فيه إرادة الله - عزّ وجلّ -, الذي يقلب عبده بالسرّاء والضرّاء, ويمتحنه بالخير والشر, ليرفع درجته, ويعلي منزلته, فيقول سبحانه وتعالى:" كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ".
 
 وكما أخبرنا القرآن الكريم بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، فقد أخبرنا أيضاً بأن المبتلى فيها ليس فرداً في ابتلائه، وأنه ليس وحده المبتلى، قال تعالى: {ألم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} .
 
بل إن أشرف الناس - الأنبياء والمرسلين - كانوا أكثر الناس ابتلاءً، عَن سعد بن أَبي وَقاصِ، قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ اَلناسِ أَشَدُّ بَلاَءً؟ قَالَ: الأنبياء، ثُم الأمثل فالأمثل، يُبْتَلَى اَلْعَبْدُ على حَسَبِ دِينِهِ، فَإنْ كَانَ فِي دِينِهِ صلبا اَشتَد بَلاؤهُ، وإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقة أبتُلِيَ على حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ ألبَلاَءُ بِالعَبْدِ حَتُّىَ يَترُكَهُ يَمشِي على ألأَرضِ، ومَا عَلَيهِ مِن خَطِيئَةِ». أخرجه أحمد.
 
والصابرون هم من أعظم الناس جزاءً، ومن أكثرهم سعادة يوم القيامة قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} .
 
وكما أمرنا الله تعالى بالصبر مواساة لكل مصاب، ودفعاً للشك واليأس عن كل قلب متكبر مرتاب، فقد بشّر الله تعالى الصابرين بحسن الجزاء، وجزيل العطاء، فقال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}.
 
وهكذا لا تستقيم حياة العبد على وتيرة واحدة, فتارة يتقلب في نعم الله ليشكر ويحمد الخالق - سبحانه, وتارة ترى الابتلاءات تترى عليه ليصبر ويحتسب, وهو على الأحوال مأجور من قِبل خالقه, الذي هو أضحك وأبكى وأمات وأحيا, سبحانه وتعالى.
 
وتأتي تلك الكلمات تسلية وتذكيراً لمدير جامعة الجوف الدكتور إسماعيل البشري، الذي فقد خمسة من أبنائه إثر حادثٍ مروري بعد جمرك بطحاء الحدودي في طريق عودتهم للمملكة, هم ثلاثة أولاد وبنتان، في حين كان والدهم يرافقهم في سيارة أخرى، وتعرّض لانهيار عصبي بعدما شاهد الحادثة، نُقل على أثره للمستشفى.  نسأل الله أن ينزل على قلبه السكينة والطمأنينة وأن يعوضه خيراً في الدنيا والآخرة.
 
ونحن إذ نواسيه في فقد أولاده, رحمهم الله جميعاً, فحريٌّ بنا كذلك أن نزف إليه بشريات من الله الذي وعد الصابر على فقد ولده بالجنة، كما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة".
 
ووعده ببيت في الجنة، كما في رواية الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي موسى الأشعري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: "قبضتم ولد عبدي؟" فيقولون: نعم، فيقول: "قبضتم ثمرة فؤاده؟" فيقولون: نعم. فيقول: "ماذا قال عبدي؟" فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله: "ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمّوه بيت الحمد".
 
 وعَنْ ثَابِتٍ، عن أنس - رضي الله عنه - قال: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ، وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيمَ - عليه السلام -، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِبْرَاهِيمَ، فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، - رضي الله عنه -: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا رَحْمَةٌ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: ((إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ)) أخرجه أحمد و"البُخَارِي".
 
وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل.
 
قال ابن مسعود: ما منكم إلا ضيف، وماله عارية، والضيف مرتحل، والعارية مؤداة إلى أهلها.
 
ومات ابنٌ لعبد الرحمن بن مهدي، فجزع عليه جزعاً شديداً حتى امتنع عن الطعام والشراب، فبلغ ذلك الإمام الشافعي فكتب إليه أما بعد:
 
فَـعَـزِّ نفسك بما تـُعَـزِّ به غيرك، ولتستقبح من فعلك ما تستقبحه من فعل غيرك، واعلم أن أمضى المصائبِ فقـْـدُ سرورٍ مع حرمان أجر، فكيف إذا اجتمعا على اكتساب وزر؛ وأقول:
 
إني مُعَزِّيكَ لا إني على طمع **** من الخلود ولكن سـُنّةُ الـدينِ
فما المُعزِّي بباقٍ بعد صاحبه **** ولا المُعزَّى ولو عاشا إلى حين
 
 
قال الشاعر:
 
"وما المال والأهلون إلا ودائع *** ولا بُّد من يومٍ تُردُّ الودائعُ".
 
وقال الشاعر:
 
"حكم المنيـة في البريــة جاري *** ما هـذه الدنـيـــا بـدار قــرار
بينما يرى الإنسان فيها مخبرا *** ألفيـتـه خـبـرا مـن الأخبـــار
طبعت على كدر وأنت تريدهـا *** صفـوا من الأقـذار والأكــدار
ومكـلـف الأيــام ضد طبـاعـهـا *** متطـلب في الماء جذوة نــار
وإذا رجـوت المستحيـل فـإنما *** تبني الرجاء على شفير هـار".
 
 
قالت الخنساء في رثاء أخيها صخراً:
 
"ألا يا صخرُ لا أنسـاكَ حتـى *** أفارقَ مُهجتي ويُشقَّ رَمْسِـي
ولـولا كثرة الباكيـن حولـي *** على إخـوانهـم لقتلـْتُ نَفْسِـي
وما يَبكونَ مثلَ أخي ولكِـنْ *** اعزّي النَّفــسَ عنهُ بالتَّأســي".
 
 
وقال الشاعر:
 
"اصبر ففي الصبر خير لو علمت به *** لطبت نفساً ولم تجزع من الألــم
واعلــم بأنك لو لم تصطبر كرمـــــاً *** صبرت رغماً على ما خط بالقلـم".
30 مارس 2014 - 29 جمادى الأول 1435
12:26 PM

بشريات بين يدي أحزان مدير جامعة الجوف

A A A
0
30,868

تجري الأقدار الإلهية, كل الأقدار, في هذا الكون, بمشيئة الله عزّ وجلّ, فلا شيء يخرج عن مجريات القدر, وكل شيء لحكمة بالغة، وما يكون إلا ما يريد سبحانه، وما على العبد إلا الرضا والتسليم والإيمان بما قدّره الله عليه، علمها مَن علمها, وجهلها مَن جهلها, فهو سبحانه الحكيم في كل ما يقدر ويختار, "وَرَبّك يَخْلُق مَا يَشَاء وَيَخْتَار مَا كَانَ لَهُمْ الْخِيَرَة".
 
والعبد المؤمن هو الذي يسلم بجريان القدر, ويرى فيه إرادة الله - عزّ وجلّ -, الذي يقلب عبده بالسرّاء والضرّاء, ويمتحنه بالخير والشر, ليرفع درجته, ويعلي منزلته, فيقول سبحانه وتعالى:" كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ".
 
 وكما أخبرنا القرآن الكريم بأن الدنيا دار اختبار وابتلاء، فقد أخبرنا أيضاً بأن المبتلى فيها ليس فرداً في ابتلائه، وأنه ليس وحده المبتلى، قال تعالى: {ألم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} .
 
بل إن أشرف الناس - الأنبياء والمرسلين - كانوا أكثر الناس ابتلاءً، عَن سعد بن أَبي وَقاصِ، قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَيُّ اَلناسِ أَشَدُّ بَلاَءً؟ قَالَ: الأنبياء، ثُم الأمثل فالأمثل، يُبْتَلَى اَلْعَبْدُ على حَسَبِ دِينِهِ، فَإنْ كَانَ فِي دِينِهِ صلبا اَشتَد بَلاؤهُ، وإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقة أبتُلِيَ على حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ ألبَلاَءُ بِالعَبْدِ حَتُّىَ يَترُكَهُ يَمشِي على ألأَرضِ، ومَا عَلَيهِ مِن خَطِيئَةِ». أخرجه أحمد.
 
والصابرون هم من أعظم الناس جزاءً، ومن أكثرهم سعادة يوم القيامة قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} .
 
وكما أمرنا الله تعالى بالصبر مواساة لكل مصاب، ودفعاً للشك واليأس عن كل قلب متكبر مرتاب، فقد بشّر الله تعالى الصابرين بحسن الجزاء، وجزيل العطاء، فقال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ. الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون. أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}.
 
وهكذا لا تستقيم حياة العبد على وتيرة واحدة, فتارة يتقلب في نعم الله ليشكر ويحمد الخالق - سبحانه, وتارة ترى الابتلاءات تترى عليه ليصبر ويحتسب, وهو على الأحوال مأجور من قِبل خالقه, الذي هو أضحك وأبكى وأمات وأحيا, سبحانه وتعالى.
 
وتأتي تلك الكلمات تسلية وتذكيراً لمدير جامعة الجوف الدكتور إسماعيل البشري، الذي فقد خمسة من أبنائه إثر حادثٍ مروري بعد جمرك بطحاء الحدودي في طريق عودتهم للمملكة, هم ثلاثة أولاد وبنتان، في حين كان والدهم يرافقهم في سيارة أخرى، وتعرّض لانهيار عصبي بعدما شاهد الحادثة، نُقل على أثره للمستشفى.  نسأل الله أن ينزل على قلبه السكينة والطمأنينة وأن يعوضه خيراً في الدنيا والآخرة.
 
ونحن إذ نواسيه في فقد أولاده, رحمهم الله جميعاً, فحريٌّ بنا كذلك أن نزف إليه بشريات من الله الذي وعد الصابر على فقد ولده بالجنة، كما في صحيح البخاري من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة".
 
ووعده ببيت في الجنة، كما في رواية الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي موسى الأشعري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: "قبضتم ولد عبدي؟" فيقولون: نعم، فيقول: "قبضتم ثمرة فؤاده؟" فيقولون: نعم. فيقول: "ماذا قال عبدي؟" فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله: "ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمّوه بيت الحمد".
 
 وعَنْ ثَابِتٍ، عن أنس - رضي الله عنه - قال: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ، وَكَانَ ظِئْرًا لإِبْرَاهِيمَ - عليه السلام -، فَأَخَذَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِبْرَاهِيمَ، فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، - رضي الله عنه -: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟! فَقَالَ: يَا ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا رَحْمَةٌ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: ((إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ)) أخرجه أحمد و"البُخَارِي".
 
وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكل منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب وغداً حساب ولا عمل.
 
قال ابن مسعود: ما منكم إلا ضيف، وماله عارية، والضيف مرتحل، والعارية مؤداة إلى أهلها.
 
ومات ابنٌ لعبد الرحمن بن مهدي، فجزع عليه جزعاً شديداً حتى امتنع عن الطعام والشراب، فبلغ ذلك الإمام الشافعي فكتب إليه أما بعد:
 
فَـعَـزِّ نفسك بما تـُعَـزِّ به غيرك، ولتستقبح من فعلك ما تستقبحه من فعل غيرك، واعلم أن أمضى المصائبِ فقـْـدُ سرورٍ مع حرمان أجر، فكيف إذا اجتمعا على اكتساب وزر؛ وأقول:
 
إني مُعَزِّيكَ لا إني على طمع **** من الخلود ولكن سـُنّةُ الـدينِ
فما المُعزِّي بباقٍ بعد صاحبه **** ولا المُعزَّى ولو عاشا إلى حين
 
 
قال الشاعر:
 
"وما المال والأهلون إلا ودائع *** ولا بُّد من يومٍ تُردُّ الودائعُ".
 
وقال الشاعر:
 
"حكم المنيـة في البريــة جاري *** ما هـذه الدنـيـــا بـدار قــرار
بينما يرى الإنسان فيها مخبرا *** ألفيـتـه خـبـرا مـن الأخبـــار
طبعت على كدر وأنت تريدهـا *** صفـوا من الأقـذار والأكــدار
ومكـلـف الأيــام ضد طبـاعـهـا *** متطـلب في الماء جذوة نــار
وإذا رجـوت المستحيـل فـإنما *** تبني الرجاء على شفير هـار".
 
 
قالت الخنساء في رثاء أخيها صخراً:
 
"ألا يا صخرُ لا أنسـاكَ حتـى *** أفارقَ مُهجتي ويُشقَّ رَمْسِـي
ولـولا كثرة الباكيـن حولـي *** على إخـوانهـم لقتلـْتُ نَفْسِـي
وما يَبكونَ مثلَ أخي ولكِـنْ *** اعزّي النَّفــسَ عنهُ بالتَّأســي".
 
 
وقال الشاعر:
 
"اصبر ففي الصبر خير لو علمت به *** لطبت نفساً ولم تجزع من الألــم
واعلــم بأنك لو لم تصطبر كرمـــــاً *** صبرت رغماً على ما خط بالقلـم".