ملك البياض وملك الوفاء

قال تعالى {يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي، وادخلي جنتي}. وقال تعالى {وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون}.
 
وقال تعالى {كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام}. هذه الآيات الكريمة تثبتنا على عظم المصيبة بوفاة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وانتقاله إلى رحمة الله. فقد كان إنساناً مختلفاً قبل أن يكون ملكاً عظيماً. كان ملك البياض، وملك الوضوح، وملك الصدق.. وكانت شمائل الفروسية والشهامة والنقاء متجسدة في شخصيته النقية.
 
وعندما بدأ ذلك الخبر السيئ في الانتشار من خلال الرسائل وعبر وسائل الاتصال والهواتف النقالة، وتنقل الخبر دون تثبت، هربت إلى فراشي في الحادية عشرة ليلاً محاولاً النوم حتى لا أصدق الخبر ولا أعايشه، وحتى أتجنب تلك الرسائل الهائلة العدد والاتصالات من أقارب وأصدقاء، التي تستفسر عن الخبر.
 
وفعلاً أغلقت الجوالات، وأطفأت الأنوار، وذهبت محاولاً النوم وأنا أعيش الخوف والقلق والحزن، راجياً أن لا يكون الخبر صحيحاً، وأن وطني لا يزال يريدك أيها النبيل الكريم الناصع البياض النقي السريرة.
 
استيقظت من النوم، وفتحت التلفاز، فإذا القنوات تعلن النبأ، وتكرر الخبر، وتنعى خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله - رحمه الله - وتولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان مقاليد الحكم والأمير مقرن ولياً للعهد، فلم أتمالك نفسي، وبدأت بالبكاء كالطفل الذي فقد أغلى ما عنده؛ إذ كان الفقيد والدنا وحبيبنا وفارسنا، الرجل الذي لامس شغاف القلوب، وتعمق في حنايا المشاعر، وتربع في جوانب الوجدان، وعمل لأجلنا بكل صدق ووضوح وعدالة.
 
وبعد أن فتحت الجوالات وجدت اتصالات من قنوات عدة، كان منها قناة الإخبارية السعودية للتعليق على النبأ، وبدأت في الحديث على الهواء مباشرة وأنا بين مصدق ومكذب، وعددت مناقب الملك الفارس، وكان ذلك قبل الفجر بقليل، وكنا مع المذيع وضيفه في حالة من التأثر والألم والحزن. وخرجت لصلاة الفجر، فكان الوضع هادئاً ونسمات فجر الجمعة تحمل الأمن والسلام في مدينتي الجميلة.
 
وبعد الصلاة رجعت بالذاكرة إلى عام 1401، عندما تخرجت من الجامعة، وذهبت لديوان الخدمة المدنية كما يفعل الخريجون آنذاك، ووجدت نفسي موجهاً إلى رئاسة الحرس الوطني التي يتولى رئاستها خادم الحرمين الشريفين - رحمه الله - في وقت حكم الملك خالد - رحمه الله -.
 
وكان نشاطي الصحفي في جريدة الرياض الذي بدأته وأنا في آخر سنة في الثانوية العامة متعاوناً، وبوابة الدخول للحرس الوطني في العمل الإضافي إضافة لعملي الرسمي كنشاط مع المسؤولين في الحرس الوطني، وعلى رأسهم الأمير بدر بن عبد العزيز والأمير متعب بن عبدالله والشيخ عبدالعزيز بن عبد المحسن التويجري والأستاذ محمد أبوساق والأستاذ عبدالعزيز العلي التويجري والأستاذ عبدالرحمن أبوحيمد والأستاذ محمد الركبان والأستاذ ناصر العمير والدكتور عبدالرحمن السبيت والأستاذ عبدالرحمن الشثري واللواء عيسى الرشيد والدكتور سليمان الزهير والدكتور علي القاسم والأستاذ عبدالهادي الوادي والدكتور عبدالعزيز الشعيل والعقيد عبدالعزيز الشلهوب، وغيرهم كثير.
 
لكن كان الفارس الملك عبدالله بن عبدالعزيز هو الرجل العملي القائد المتواضع؛ إذ يستقبل الجميع كل أربعاء من منسوبي الحرس أو المواطنين، وكانت خطوات البناء قائمة من مدارس ومستشفيات ومساكن وأنظمة تدريب وابتعاث وتأهيل وتدريب وتسليح، وشرفت بأن أكون من أوائل مبتعثي كلية الملك خالد العسكرية الذين ابتُعثوا إلى مختلف الجامعات وفي تنوع التخصصات العلمية، إضافة إلى المبتعثين في مجالات الطب والهندسة والإدارة وغيرها؛ إذ أصبحت مستشفيات ومساكن ومباني الحرس الوطني هي الأكثر تميزاً مستوى وتجهيزات. كما كان المهرجان الوطني للتراث والثقافة الذي عملت في بعض لجانه عملاً حضارياً فكرياً وتراثياً، وجمع مفكري العالم، واستقطب الجماهير لمشاهدته والاستمتاع بفعالياته. وبقيت صورتان تشرفت بالتقاطهما مع هذا الرجل العظيم، الأولى بالأسود والأبيض قبل 34 عاماً، بوصفي أحد المكرمين في إحدى مناسبات الحرس الوطني، والثانية قبل عشر سنوات بعد فوز برنامج دعوة للحوار بالجائزة الذهبية لمهرجان القاهرة الخامس للإذاعة والتلفزيون، وهي تجربة استمرت 18 عاماً في الحرس الوطني.
 
(التربية والتعليم)
 
كان ملك البياض والنقاء والصفاء مهتماً بالتربية والتعليم؛ وأهمية ذلك لبناء الأمم؛ وبدا ذلك واضحاً من خلال اهتمامه بالتعليم والتدريب والابتعاث لمنسوبي الحرس الوطني، وكان مباشراً في تعليماته لمنسوبي وزارة التربية في اللقاءات التي كان يعقدها سنوياً معهم، وتشرفت بحضورها خلال عملي في الوزارة، ثم دشن مشروع الملك عبدالله لتطوير التعليم الذي يشمل تطوير وتدريب المعلم وتطوير المناهج والارتقاء بالبيئة المدرسية من مبانٍ وتجهيزات، كما توج ذلك بمشروع الابتعاث الضخم إلى مختلف الجامعات العالمية والدول المتقدمة، كما أنشأ جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية؛ لتكون جامعة متخصصة عالمية في هذا المجال، وإحداث جامعات جديدة ومبانٍ ضخمة، منها أكبر جامعة بنات في العالم (جامعة الأميرة نورة).
 
(محاربة الإرهاب)
 
كان ملك البياض والوضوح والرجل الذي يحارب التلون والخداع والخبث حازماً في محاربة الإرهاب وكسر شوكة الخوارج ومحاربتهم فكرياً وأمنياً ونظامياً، وكانت كلمته الشهيرة عندما كان ولياً للعهد عقب تفجيرات الحمراء في الرياض رسالة قوية، أكدت تصميم السعودية على محاربة الإرهاب بكل حزم وتصميم، وهذا ما حدث؛ إذ تميز عهده بالقوة ودعم القطاعات الأمنية واتخاذ أساليب حضارية عبر إشاعة مبدأ الحوار بإنشاء مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني ومركز الحوار العالمي وحوار الحضارات وإقامة المؤتمر العالمي للإرهاب والمركز الدولي للإرهاب؛ ما جعل السعودية تحارب الإرهاب نيابة عن العالم.
 
إن الحديث عن ملك البياض يطول، لكن إنجازاته في المجال القضائي والأكاديمي والصحي والتربوي والاجتماعي والبحثي والثقافي متعددة وشاملة، لكن عنايته بالحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة والتوجيه بدفع عشرات المليارات لمشاريع ضخمة كانت حاضرة في وجدانه لحرصه على العقيدة الإسلامية ونشر دعوة التوحيد، فوصلت رسالة الإسلام عبر الفضائيات وصلاة الجمعة المترجمة ومناسك الحج والعمرة إلى جميع أنحاء المعمورة، وتوسعت رسالة الإسلام، ووصلت الدعوة إلى دول وبشر في كل مكان.
 
وبحمد الله واصلت الدولة السعودية مسيرتها عبر 300 عام منذ ميثاق الدرعية بين الإمامين محمد بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب - رحمهما الله - في الدولة السعودية الأولى، ثم الوحدة الحديثة التي أعان الله - عز وجل - الملك عبدالعزيز - رحمه الله - ليقيم هذه الدولة الحضارية المتقدمة في التعليم والعمران والتنمية؛ لتصبح ضمن الدول العشرين الأقوى اقتصاداً في العالم. وبحمد الله جاء الانتقال الطبيعي للحكم من ملك البياض إلى ملك الوفاء خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز؛ ليمثل رسالة واضحة بالتماسك السعودي بين القادة والشعب، الذي تمثل بمئات الآلاف الذين توافدوا على قصر الحكم والديوان الملكي وأمارات المناطق والمحافظات للبيعة والاستمرار بمسيرة الأمن والاستقرار حيث الملك القريب من المواطنين من علماء وقضاة ومفكرين ومثقفين ودعاة وإعلاميين، المنضبط في وقته، العامل بجد واجتهاد، الناذر وقته للعمل الخيري والإنساني في مجال حفظ القرآن الكريم والمعاقين والأيتام وزراعة الكلى والتعليم الجامعي وتربية أبنائه على هذه القيم النبيلة.. وكان ملك الوفاء نعم الوفي مع إخوته الملوك ومع إخوانه الأمراء باذلاً جهده ووقته وعمله لهم، كما كان وفيًّا مع المواطنين، يعرف قبائلهم وأسرهم ووالديهم، ويثني على الخادمين بإخلاص منهم، ويقدر عطاءهم. كما تم تولية الأمير مقرن بن عبدالعزيز ولاية العهد أميراً تقنياً إدارياً مولعاً بالعلم والفلك والبحث في الطبيعة والثقافة الشمولية؛ إذ اكتسب من الطيران الدقة والانضباط والشجاعة والإقدام ووضوح الهدف وتحديده، مع حسن الخلق والتواضع والابتسامة واحترام الناس. كما تم اختيار الأمير محمد بن نايف ولياً لولي العهد نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء، الذي حظي بموافقة هيئة البيعة وقبول ورضا مختلف فئات المجتمع، من علماء وقضاة ومثقفين ورجال أعمال؛ كون سموه عُرف بالجدية والنزاهة، ووضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتكوين خط أحمر ضد أي مصلحة خاصة أو تجاوز، وكان نجاحه باهراً في محاربة الإرهاب بحزم وعقل؛ إذ تميز بالأسلوب الإنساني الحكيم مع الشجاعة والقوة بعد تطوير آليات التدريب والتسليح للقطاعات الأمنية كافة، من قوات الأمن الخاصة والأمن العام والدفاع المدني وحرس الحدود والجوازات، مع حرص على استخدام التقنية حتى أصبحت أعمال وزارة الداخلية مضرب المثل في العمل الإلكتروني المميز.. وهو إلى جانب ذلك يعمل بصمت وصبر وساعات طوال من أجل خدمة الصالح العام، مع مقابلة المراجعين بعدالة وشفافية، ووضع الإجراءات والأنظمة الواضحة لمحاربة الاستثناءات والمصالح الخاصة. كما جاء الدفع بالأمير الشاب محمد بن سلمان؛ ليكون وزيراً للدفاع رئيساً للديوان الملكي ومستشاراً خاصاً، بعد أن أثبت نجابة ودقة وحرصاً وانضباطاً في العمل وتطوير أساليب عمل ديوان ولي العهد باستخدام التقنية وبرمجة الإجراءات وتحديث منهجية الاتصالات؛ ليكون العمل منظماً احترافياً متقدماً. كما أنها رسالة من الملك سلمان بالاهتمام بالشباب الذين يمثل من هم أقل من 39 سنة منهم ما نسبته 83 في المئة بالمجتمع السعودي؛ فجاءت أعمال مركز الأمير سلمان للشباب، ومشاركة الملك شخصياً في وسائل التواصل الاجتماعي؛ لتكون الرسالة واضحة لكل مسؤول بالمشاركة في وسائل التواصل الاجتماعي.  
 
توفي ملك البياض - رحمه الله - الواضح المبتسم الصادق الناصع، الذي لا يعرف الابتسامات الصفراء، ويعامل الناس بأبوة وتسامح، ولا يحمل في قلبه غلاً أو حقداً، منهجه التأكد مما يصله من معلومات عن أشخاص أو أجهزة بسؤال الناس والسماع منهم مباشرة، وفتح المجال لهم لتوضيح وجهة نظرهم، حتى لو كان بكلام على ألسنتهم؛ فربما لديهم ما يقولونه ويوضحونه.. وكان أكبر من الخلافات وأكبر من العداوات نقياً بهياً صافياً جميلاً مبتسماً، أحبه الناس من قلوبهم، وزفوه في ليلة وفاته إلى المنزل الأجمل في الجنة - بإذن الله - لأن لديه كاريزما عظيمة في التسامح والوفاء والعطاء والكرم والنبل، فإلى جنة الخلد يا حبيبنا عبدالله. و{إنا لله وإنا إليه راجعون}.

اعلان
ملك البياض وملك الوفاء
سبق
قال تعالى {يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي، وادخلي جنتي}. وقال تعالى {وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون}.
 
وقال تعالى {كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام}. هذه الآيات الكريمة تثبتنا على عظم المصيبة بوفاة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وانتقاله إلى رحمة الله. فقد كان إنساناً مختلفاً قبل أن يكون ملكاً عظيماً. كان ملك البياض، وملك الوضوح، وملك الصدق.. وكانت شمائل الفروسية والشهامة والنقاء متجسدة في شخصيته النقية.
 
وعندما بدأ ذلك الخبر السيئ في الانتشار من خلال الرسائل وعبر وسائل الاتصال والهواتف النقالة، وتنقل الخبر دون تثبت، هربت إلى فراشي في الحادية عشرة ليلاً محاولاً النوم حتى لا أصدق الخبر ولا أعايشه، وحتى أتجنب تلك الرسائل الهائلة العدد والاتصالات من أقارب وأصدقاء، التي تستفسر عن الخبر.
 
وفعلاً أغلقت الجوالات، وأطفأت الأنوار، وذهبت محاولاً النوم وأنا أعيش الخوف والقلق والحزن، راجياً أن لا يكون الخبر صحيحاً، وأن وطني لا يزال يريدك أيها النبيل الكريم الناصع البياض النقي السريرة.
 
استيقظت من النوم، وفتحت التلفاز، فإذا القنوات تعلن النبأ، وتكرر الخبر، وتنعى خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله - رحمه الله - وتولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان مقاليد الحكم والأمير مقرن ولياً للعهد، فلم أتمالك نفسي، وبدأت بالبكاء كالطفل الذي فقد أغلى ما عنده؛ إذ كان الفقيد والدنا وحبيبنا وفارسنا، الرجل الذي لامس شغاف القلوب، وتعمق في حنايا المشاعر، وتربع في جوانب الوجدان، وعمل لأجلنا بكل صدق ووضوح وعدالة.
 
وبعد أن فتحت الجوالات وجدت اتصالات من قنوات عدة، كان منها قناة الإخبارية السعودية للتعليق على النبأ، وبدأت في الحديث على الهواء مباشرة وأنا بين مصدق ومكذب، وعددت مناقب الملك الفارس، وكان ذلك قبل الفجر بقليل، وكنا مع المذيع وضيفه في حالة من التأثر والألم والحزن. وخرجت لصلاة الفجر، فكان الوضع هادئاً ونسمات فجر الجمعة تحمل الأمن والسلام في مدينتي الجميلة.
 
وبعد الصلاة رجعت بالذاكرة إلى عام 1401، عندما تخرجت من الجامعة، وذهبت لديوان الخدمة المدنية كما يفعل الخريجون آنذاك، ووجدت نفسي موجهاً إلى رئاسة الحرس الوطني التي يتولى رئاستها خادم الحرمين الشريفين - رحمه الله - في وقت حكم الملك خالد - رحمه الله -.
 
وكان نشاطي الصحفي في جريدة الرياض الذي بدأته وأنا في آخر سنة في الثانوية العامة متعاوناً، وبوابة الدخول للحرس الوطني في العمل الإضافي إضافة لعملي الرسمي كنشاط مع المسؤولين في الحرس الوطني، وعلى رأسهم الأمير بدر بن عبد العزيز والأمير متعب بن عبدالله والشيخ عبدالعزيز بن عبد المحسن التويجري والأستاذ محمد أبوساق والأستاذ عبدالعزيز العلي التويجري والأستاذ عبدالرحمن أبوحيمد والأستاذ محمد الركبان والأستاذ ناصر العمير والدكتور عبدالرحمن السبيت والأستاذ عبدالرحمن الشثري واللواء عيسى الرشيد والدكتور سليمان الزهير والدكتور علي القاسم والأستاذ عبدالهادي الوادي والدكتور عبدالعزيز الشعيل والعقيد عبدالعزيز الشلهوب، وغيرهم كثير.
 
لكن كان الفارس الملك عبدالله بن عبدالعزيز هو الرجل العملي القائد المتواضع؛ إذ يستقبل الجميع كل أربعاء من منسوبي الحرس أو المواطنين، وكانت خطوات البناء قائمة من مدارس ومستشفيات ومساكن وأنظمة تدريب وابتعاث وتأهيل وتدريب وتسليح، وشرفت بأن أكون من أوائل مبتعثي كلية الملك خالد العسكرية الذين ابتُعثوا إلى مختلف الجامعات وفي تنوع التخصصات العلمية، إضافة إلى المبتعثين في مجالات الطب والهندسة والإدارة وغيرها؛ إذ أصبحت مستشفيات ومساكن ومباني الحرس الوطني هي الأكثر تميزاً مستوى وتجهيزات. كما كان المهرجان الوطني للتراث والثقافة الذي عملت في بعض لجانه عملاً حضارياً فكرياً وتراثياً، وجمع مفكري العالم، واستقطب الجماهير لمشاهدته والاستمتاع بفعالياته. وبقيت صورتان تشرفت بالتقاطهما مع هذا الرجل العظيم، الأولى بالأسود والأبيض قبل 34 عاماً، بوصفي أحد المكرمين في إحدى مناسبات الحرس الوطني، والثانية قبل عشر سنوات بعد فوز برنامج دعوة للحوار بالجائزة الذهبية لمهرجان القاهرة الخامس للإذاعة والتلفزيون، وهي تجربة استمرت 18 عاماً في الحرس الوطني.
 
(التربية والتعليم)
 
كان ملك البياض والنقاء والصفاء مهتماً بالتربية والتعليم؛ وأهمية ذلك لبناء الأمم؛ وبدا ذلك واضحاً من خلال اهتمامه بالتعليم والتدريب والابتعاث لمنسوبي الحرس الوطني، وكان مباشراً في تعليماته لمنسوبي وزارة التربية في اللقاءات التي كان يعقدها سنوياً معهم، وتشرفت بحضورها خلال عملي في الوزارة، ثم دشن مشروع الملك عبدالله لتطوير التعليم الذي يشمل تطوير وتدريب المعلم وتطوير المناهج والارتقاء بالبيئة المدرسية من مبانٍ وتجهيزات، كما توج ذلك بمشروع الابتعاث الضخم إلى مختلف الجامعات العالمية والدول المتقدمة، كما أنشأ جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية؛ لتكون جامعة متخصصة عالمية في هذا المجال، وإحداث جامعات جديدة ومبانٍ ضخمة، منها أكبر جامعة بنات في العالم (جامعة الأميرة نورة).
 
(محاربة الإرهاب)
 
كان ملك البياض والوضوح والرجل الذي يحارب التلون والخداع والخبث حازماً في محاربة الإرهاب وكسر شوكة الخوارج ومحاربتهم فكرياً وأمنياً ونظامياً، وكانت كلمته الشهيرة عندما كان ولياً للعهد عقب تفجيرات الحمراء في الرياض رسالة قوية، أكدت تصميم السعودية على محاربة الإرهاب بكل حزم وتصميم، وهذا ما حدث؛ إذ تميز عهده بالقوة ودعم القطاعات الأمنية واتخاذ أساليب حضارية عبر إشاعة مبدأ الحوار بإنشاء مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني ومركز الحوار العالمي وحوار الحضارات وإقامة المؤتمر العالمي للإرهاب والمركز الدولي للإرهاب؛ ما جعل السعودية تحارب الإرهاب نيابة عن العالم.
 
إن الحديث عن ملك البياض يطول، لكن إنجازاته في المجال القضائي والأكاديمي والصحي والتربوي والاجتماعي والبحثي والثقافي متعددة وشاملة، لكن عنايته بالحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة والتوجيه بدفع عشرات المليارات لمشاريع ضخمة كانت حاضرة في وجدانه لحرصه على العقيدة الإسلامية ونشر دعوة التوحيد، فوصلت رسالة الإسلام عبر الفضائيات وصلاة الجمعة المترجمة ومناسك الحج والعمرة إلى جميع أنحاء المعمورة، وتوسعت رسالة الإسلام، ووصلت الدعوة إلى دول وبشر في كل مكان.
 
وبحمد الله واصلت الدولة السعودية مسيرتها عبر 300 عام منذ ميثاق الدرعية بين الإمامين محمد بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب - رحمهما الله - في الدولة السعودية الأولى، ثم الوحدة الحديثة التي أعان الله - عز وجل - الملك عبدالعزيز - رحمه الله - ليقيم هذه الدولة الحضارية المتقدمة في التعليم والعمران والتنمية؛ لتصبح ضمن الدول العشرين الأقوى اقتصاداً في العالم. وبحمد الله جاء الانتقال الطبيعي للحكم من ملك البياض إلى ملك الوفاء خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز؛ ليمثل رسالة واضحة بالتماسك السعودي بين القادة والشعب، الذي تمثل بمئات الآلاف الذين توافدوا على قصر الحكم والديوان الملكي وأمارات المناطق والمحافظات للبيعة والاستمرار بمسيرة الأمن والاستقرار حيث الملك القريب من المواطنين من علماء وقضاة ومفكرين ومثقفين ودعاة وإعلاميين، المنضبط في وقته، العامل بجد واجتهاد، الناذر وقته للعمل الخيري والإنساني في مجال حفظ القرآن الكريم والمعاقين والأيتام وزراعة الكلى والتعليم الجامعي وتربية أبنائه على هذه القيم النبيلة.. وكان ملك الوفاء نعم الوفي مع إخوته الملوك ومع إخوانه الأمراء باذلاً جهده ووقته وعمله لهم، كما كان وفيًّا مع المواطنين، يعرف قبائلهم وأسرهم ووالديهم، ويثني على الخادمين بإخلاص منهم، ويقدر عطاءهم. كما تم تولية الأمير مقرن بن عبدالعزيز ولاية العهد أميراً تقنياً إدارياً مولعاً بالعلم والفلك والبحث في الطبيعة والثقافة الشمولية؛ إذ اكتسب من الطيران الدقة والانضباط والشجاعة والإقدام ووضوح الهدف وتحديده، مع حسن الخلق والتواضع والابتسامة واحترام الناس. كما تم اختيار الأمير محمد بن نايف ولياً لولي العهد نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء، الذي حظي بموافقة هيئة البيعة وقبول ورضا مختلف فئات المجتمع، من علماء وقضاة ومثقفين ورجال أعمال؛ كون سموه عُرف بالجدية والنزاهة، ووضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتكوين خط أحمر ضد أي مصلحة خاصة أو تجاوز، وكان نجاحه باهراً في محاربة الإرهاب بحزم وعقل؛ إذ تميز بالأسلوب الإنساني الحكيم مع الشجاعة والقوة بعد تطوير آليات التدريب والتسليح للقطاعات الأمنية كافة، من قوات الأمن الخاصة والأمن العام والدفاع المدني وحرس الحدود والجوازات، مع حرص على استخدام التقنية حتى أصبحت أعمال وزارة الداخلية مضرب المثل في العمل الإلكتروني المميز.. وهو إلى جانب ذلك يعمل بصمت وصبر وساعات طوال من أجل خدمة الصالح العام، مع مقابلة المراجعين بعدالة وشفافية، ووضع الإجراءات والأنظمة الواضحة لمحاربة الاستثناءات والمصالح الخاصة. كما جاء الدفع بالأمير الشاب محمد بن سلمان؛ ليكون وزيراً للدفاع رئيساً للديوان الملكي ومستشاراً خاصاً، بعد أن أثبت نجابة ودقة وحرصاً وانضباطاً في العمل وتطوير أساليب عمل ديوان ولي العهد باستخدام التقنية وبرمجة الإجراءات وتحديث منهجية الاتصالات؛ ليكون العمل منظماً احترافياً متقدماً. كما أنها رسالة من الملك سلمان بالاهتمام بالشباب الذين يمثل من هم أقل من 39 سنة منهم ما نسبته 83 في المئة بالمجتمع السعودي؛ فجاءت أعمال مركز الأمير سلمان للشباب، ومشاركة الملك شخصياً في وسائل التواصل الاجتماعي؛ لتكون الرسالة واضحة لكل مسؤول بالمشاركة في وسائل التواصل الاجتماعي.  
 
توفي ملك البياض - رحمه الله - الواضح المبتسم الصادق الناصع، الذي لا يعرف الابتسامات الصفراء، ويعامل الناس بأبوة وتسامح، ولا يحمل في قلبه غلاً أو حقداً، منهجه التأكد مما يصله من معلومات عن أشخاص أو أجهزة بسؤال الناس والسماع منهم مباشرة، وفتح المجال لهم لتوضيح وجهة نظرهم، حتى لو كان بكلام على ألسنتهم؛ فربما لديهم ما يقولونه ويوضحونه.. وكان أكبر من الخلافات وأكبر من العداوات نقياً بهياً صافياً جميلاً مبتسماً، أحبه الناس من قلوبهم، وزفوه في ليلة وفاته إلى المنزل الأجمل في الجنة - بإذن الله - لأن لديه كاريزما عظيمة في التسامح والوفاء والعطاء والكرم والنبل، فإلى جنة الخلد يا حبيبنا عبدالله. و{إنا لله وإنا إليه راجعون}.
29 يناير 2015 - 9 ربيع الآخر 1436
12:55 AM

ملك البياض وملك الوفاء

A A A
0
5,849

قال تعالى {يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضية مرضية، فادخلي في عبادي، وادخلي جنتي}. وقال تعالى {وبشر الصابرين، الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون}.
 
وقال تعالى {كل من عليها فان، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام}. هذه الآيات الكريمة تثبتنا على عظم المصيبة بوفاة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وانتقاله إلى رحمة الله. فقد كان إنساناً مختلفاً قبل أن يكون ملكاً عظيماً. كان ملك البياض، وملك الوضوح، وملك الصدق.. وكانت شمائل الفروسية والشهامة والنقاء متجسدة في شخصيته النقية.
 
وعندما بدأ ذلك الخبر السيئ في الانتشار من خلال الرسائل وعبر وسائل الاتصال والهواتف النقالة، وتنقل الخبر دون تثبت، هربت إلى فراشي في الحادية عشرة ليلاً محاولاً النوم حتى لا أصدق الخبر ولا أعايشه، وحتى أتجنب تلك الرسائل الهائلة العدد والاتصالات من أقارب وأصدقاء، التي تستفسر عن الخبر.
 
وفعلاً أغلقت الجوالات، وأطفأت الأنوار، وذهبت محاولاً النوم وأنا أعيش الخوف والقلق والحزن، راجياً أن لا يكون الخبر صحيحاً، وأن وطني لا يزال يريدك أيها النبيل الكريم الناصع البياض النقي السريرة.
 
استيقظت من النوم، وفتحت التلفاز، فإذا القنوات تعلن النبأ، وتكرر الخبر، وتنعى خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله - رحمه الله - وتولي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان مقاليد الحكم والأمير مقرن ولياً للعهد، فلم أتمالك نفسي، وبدأت بالبكاء كالطفل الذي فقد أغلى ما عنده؛ إذ كان الفقيد والدنا وحبيبنا وفارسنا، الرجل الذي لامس شغاف القلوب، وتعمق في حنايا المشاعر، وتربع في جوانب الوجدان، وعمل لأجلنا بكل صدق ووضوح وعدالة.
 
وبعد أن فتحت الجوالات وجدت اتصالات من قنوات عدة، كان منها قناة الإخبارية السعودية للتعليق على النبأ، وبدأت في الحديث على الهواء مباشرة وأنا بين مصدق ومكذب، وعددت مناقب الملك الفارس، وكان ذلك قبل الفجر بقليل، وكنا مع المذيع وضيفه في حالة من التأثر والألم والحزن. وخرجت لصلاة الفجر، فكان الوضع هادئاً ونسمات فجر الجمعة تحمل الأمن والسلام في مدينتي الجميلة.
 
وبعد الصلاة رجعت بالذاكرة إلى عام 1401، عندما تخرجت من الجامعة، وذهبت لديوان الخدمة المدنية كما يفعل الخريجون آنذاك، ووجدت نفسي موجهاً إلى رئاسة الحرس الوطني التي يتولى رئاستها خادم الحرمين الشريفين - رحمه الله - في وقت حكم الملك خالد - رحمه الله -.
 
وكان نشاطي الصحفي في جريدة الرياض الذي بدأته وأنا في آخر سنة في الثانوية العامة متعاوناً، وبوابة الدخول للحرس الوطني في العمل الإضافي إضافة لعملي الرسمي كنشاط مع المسؤولين في الحرس الوطني، وعلى رأسهم الأمير بدر بن عبد العزيز والأمير متعب بن عبدالله والشيخ عبدالعزيز بن عبد المحسن التويجري والأستاذ محمد أبوساق والأستاذ عبدالعزيز العلي التويجري والأستاذ عبدالرحمن أبوحيمد والأستاذ محمد الركبان والأستاذ ناصر العمير والدكتور عبدالرحمن السبيت والأستاذ عبدالرحمن الشثري واللواء عيسى الرشيد والدكتور سليمان الزهير والدكتور علي القاسم والأستاذ عبدالهادي الوادي والدكتور عبدالعزيز الشعيل والعقيد عبدالعزيز الشلهوب، وغيرهم كثير.
 
لكن كان الفارس الملك عبدالله بن عبدالعزيز هو الرجل العملي القائد المتواضع؛ إذ يستقبل الجميع كل أربعاء من منسوبي الحرس أو المواطنين، وكانت خطوات البناء قائمة من مدارس ومستشفيات ومساكن وأنظمة تدريب وابتعاث وتأهيل وتدريب وتسليح، وشرفت بأن أكون من أوائل مبتعثي كلية الملك خالد العسكرية الذين ابتُعثوا إلى مختلف الجامعات وفي تنوع التخصصات العلمية، إضافة إلى المبتعثين في مجالات الطب والهندسة والإدارة وغيرها؛ إذ أصبحت مستشفيات ومساكن ومباني الحرس الوطني هي الأكثر تميزاً مستوى وتجهيزات. كما كان المهرجان الوطني للتراث والثقافة الذي عملت في بعض لجانه عملاً حضارياً فكرياً وتراثياً، وجمع مفكري العالم، واستقطب الجماهير لمشاهدته والاستمتاع بفعالياته. وبقيت صورتان تشرفت بالتقاطهما مع هذا الرجل العظيم، الأولى بالأسود والأبيض قبل 34 عاماً، بوصفي أحد المكرمين في إحدى مناسبات الحرس الوطني، والثانية قبل عشر سنوات بعد فوز برنامج دعوة للحوار بالجائزة الذهبية لمهرجان القاهرة الخامس للإذاعة والتلفزيون، وهي تجربة استمرت 18 عاماً في الحرس الوطني.
 
(التربية والتعليم)
 
كان ملك البياض والنقاء والصفاء مهتماً بالتربية والتعليم؛ وأهمية ذلك لبناء الأمم؛ وبدا ذلك واضحاً من خلال اهتمامه بالتعليم والتدريب والابتعاث لمنسوبي الحرس الوطني، وكان مباشراً في تعليماته لمنسوبي وزارة التربية في اللقاءات التي كان يعقدها سنوياً معهم، وتشرفت بحضورها خلال عملي في الوزارة، ثم دشن مشروع الملك عبدالله لتطوير التعليم الذي يشمل تطوير وتدريب المعلم وتطوير المناهج والارتقاء بالبيئة المدرسية من مبانٍ وتجهيزات، كما توج ذلك بمشروع الابتعاث الضخم إلى مختلف الجامعات العالمية والدول المتقدمة، كما أنشأ جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية؛ لتكون جامعة متخصصة عالمية في هذا المجال، وإحداث جامعات جديدة ومبانٍ ضخمة، منها أكبر جامعة بنات في العالم (جامعة الأميرة نورة).
 
(محاربة الإرهاب)
 
كان ملك البياض والوضوح والرجل الذي يحارب التلون والخداع والخبث حازماً في محاربة الإرهاب وكسر شوكة الخوارج ومحاربتهم فكرياً وأمنياً ونظامياً، وكانت كلمته الشهيرة عندما كان ولياً للعهد عقب تفجيرات الحمراء في الرياض رسالة قوية، أكدت تصميم السعودية على محاربة الإرهاب بكل حزم وتصميم، وهذا ما حدث؛ إذ تميز عهده بالقوة ودعم القطاعات الأمنية واتخاذ أساليب حضارية عبر إشاعة مبدأ الحوار بإنشاء مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني ومركز الحوار العالمي وحوار الحضارات وإقامة المؤتمر العالمي للإرهاب والمركز الدولي للإرهاب؛ ما جعل السعودية تحارب الإرهاب نيابة عن العالم.
 
إن الحديث عن ملك البياض يطول، لكن إنجازاته في المجال القضائي والأكاديمي والصحي والتربوي والاجتماعي والبحثي والثقافي متعددة وشاملة، لكن عنايته بالحرمين الشريفين والمشاعر المقدسة والتوجيه بدفع عشرات المليارات لمشاريع ضخمة كانت حاضرة في وجدانه لحرصه على العقيدة الإسلامية ونشر دعوة التوحيد، فوصلت رسالة الإسلام عبر الفضائيات وصلاة الجمعة المترجمة ومناسك الحج والعمرة إلى جميع أنحاء المعمورة، وتوسعت رسالة الإسلام، ووصلت الدعوة إلى دول وبشر في كل مكان.
 
وبحمد الله واصلت الدولة السعودية مسيرتها عبر 300 عام منذ ميثاق الدرعية بين الإمامين محمد بن سعود ومحمد بن عبدالوهاب - رحمهما الله - في الدولة السعودية الأولى، ثم الوحدة الحديثة التي أعان الله - عز وجل - الملك عبدالعزيز - رحمه الله - ليقيم هذه الدولة الحضارية المتقدمة في التعليم والعمران والتنمية؛ لتصبح ضمن الدول العشرين الأقوى اقتصاداً في العالم. وبحمد الله جاء الانتقال الطبيعي للحكم من ملك البياض إلى ملك الوفاء خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز؛ ليمثل رسالة واضحة بالتماسك السعودي بين القادة والشعب، الذي تمثل بمئات الآلاف الذين توافدوا على قصر الحكم والديوان الملكي وأمارات المناطق والمحافظات للبيعة والاستمرار بمسيرة الأمن والاستقرار حيث الملك القريب من المواطنين من علماء وقضاة ومفكرين ومثقفين ودعاة وإعلاميين، المنضبط في وقته، العامل بجد واجتهاد، الناذر وقته للعمل الخيري والإنساني في مجال حفظ القرآن الكريم والمعاقين والأيتام وزراعة الكلى والتعليم الجامعي وتربية أبنائه على هذه القيم النبيلة.. وكان ملك الوفاء نعم الوفي مع إخوته الملوك ومع إخوانه الأمراء باذلاً جهده ووقته وعمله لهم، كما كان وفيًّا مع المواطنين، يعرف قبائلهم وأسرهم ووالديهم، ويثني على الخادمين بإخلاص منهم، ويقدر عطاءهم. كما تم تولية الأمير مقرن بن عبدالعزيز ولاية العهد أميراً تقنياً إدارياً مولعاً بالعلم والفلك والبحث في الطبيعة والثقافة الشمولية؛ إذ اكتسب من الطيران الدقة والانضباط والشجاعة والإقدام ووضوح الهدف وتحديده، مع حسن الخلق والتواضع والابتسامة واحترام الناس. كما تم اختيار الأمير محمد بن نايف ولياً لولي العهد نائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء، الذي حظي بموافقة هيئة البيعة وقبول ورضا مختلف فئات المجتمع، من علماء وقضاة ومثقفين ورجال أعمال؛ كون سموه عُرف بالجدية والنزاهة، ووضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار، وتكوين خط أحمر ضد أي مصلحة خاصة أو تجاوز، وكان نجاحه باهراً في محاربة الإرهاب بحزم وعقل؛ إذ تميز بالأسلوب الإنساني الحكيم مع الشجاعة والقوة بعد تطوير آليات التدريب والتسليح للقطاعات الأمنية كافة، من قوات الأمن الخاصة والأمن العام والدفاع المدني وحرس الحدود والجوازات، مع حرص على استخدام التقنية حتى أصبحت أعمال وزارة الداخلية مضرب المثل في العمل الإلكتروني المميز.. وهو إلى جانب ذلك يعمل بصمت وصبر وساعات طوال من أجل خدمة الصالح العام، مع مقابلة المراجعين بعدالة وشفافية، ووضع الإجراءات والأنظمة الواضحة لمحاربة الاستثناءات والمصالح الخاصة. كما جاء الدفع بالأمير الشاب محمد بن سلمان؛ ليكون وزيراً للدفاع رئيساً للديوان الملكي ومستشاراً خاصاً، بعد أن أثبت نجابة ودقة وحرصاً وانضباطاً في العمل وتطوير أساليب عمل ديوان ولي العهد باستخدام التقنية وبرمجة الإجراءات وتحديث منهجية الاتصالات؛ ليكون العمل منظماً احترافياً متقدماً. كما أنها رسالة من الملك سلمان بالاهتمام بالشباب الذين يمثل من هم أقل من 39 سنة منهم ما نسبته 83 في المئة بالمجتمع السعودي؛ فجاءت أعمال مركز الأمير سلمان للشباب، ومشاركة الملك شخصياً في وسائل التواصل الاجتماعي؛ لتكون الرسالة واضحة لكل مسؤول بالمشاركة في وسائل التواصل الاجتماعي.  
 
توفي ملك البياض - رحمه الله - الواضح المبتسم الصادق الناصع، الذي لا يعرف الابتسامات الصفراء، ويعامل الناس بأبوة وتسامح، ولا يحمل في قلبه غلاً أو حقداً، منهجه التأكد مما يصله من معلومات عن أشخاص أو أجهزة بسؤال الناس والسماع منهم مباشرة، وفتح المجال لهم لتوضيح وجهة نظرهم، حتى لو كان بكلام على ألسنتهم؛ فربما لديهم ما يقولونه ويوضحونه.. وكان أكبر من الخلافات وأكبر من العداوات نقياً بهياً صافياً جميلاً مبتسماً، أحبه الناس من قلوبهم، وزفوه في ليلة وفاته إلى المنزل الأجمل في الجنة - بإذن الله - لأن لديه كاريزما عظيمة في التسامح والوفاء والعطاء والكرم والنبل، فإلى جنة الخلد يا حبيبنا عبدالله. و{إنا لله وإنا إليه راجعون}.