طالب بتعيين السعوديات "قاضيات" في المحاكم.. الأدهم لـ"سبق": سيتميَّزن في قضايا المرور النسائي ومشاكل الأُسَر

الحديث "لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم إلى امرأة" هو تحريم توليها الحاكمية وليس القضاء

- الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما النساء شقائق الرجال".. وابن باز أكد أنهن مثيلات الرجال إلا ما استثناه الشارع كالإرث والشهادة

- القضاء النسائي نجح في الرعاية الاجتماعية النسائية ودور الأطفال والقصَّر ومحاكم الأسر

- الخليفة عمر بن الخطاب عيَّن الصحابية "أم الشفاء" في حسبة السوق وهي "المحكمة التجارية"

- لا بد من كتابة عدل نسائية في المدن الرئيسية وإنشاء مكاتب للإصلاح الأسري منفصلة عن "الشؤون"

- السياسة الشرعية مثل حال الفتوى تتغيَّر بتغيُّر المكان والزمان والأحوال والأشخاص

- في البحرين والإمارات نجحت "القاضيات" في المحاكم العامة والرُّتَب القضائية

أجرى الحوار/ شقران الرشيدي-سبق-الرياض: يقول فواز الأدهم، المستشار القانوني والباحث الشرعي ، إن المرأة السعودية حاليًا مؤهَّلة للعمل في القضاء في المحاكم المحلية، وفي دوائر نسائية مستقلة بعيدًا عن الرجال، كعملها في الدوائر القضائية التجارية الخاصة بالنساء، أو الدوائر الخاصة بقضايا دور الرعاية الاجتماعية للفتيات، أو الدوائر القضائية المرورية النسائية.

ويؤكد في حواره مع "سبق" أنه لا إجماع من علماء الشريعة على تحريم تولي النساء القضاء.

موضحًا أن السياسة الشرعية مثل حال الفتوى؛ تتغيَّر بتغيُّر المكان، والزمان، والأحوال، والأشخاص.

ويشير إلى أن حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" هو تحريم تولي المرأة الرئاسة، والحاكمية العامة، وليس القضاء. وكما هو معلوم إجماعًا، إن الحاكمية العامة خاصة بالرجال.

ويتناول الحوار عددًا من المحاور المهمة؛ فإلى التفاصيل:

** كثر النقاش حول جواز تولي النساء القضاء في الآونة الأخيرة، فهل عمل المرأة في سلك القضاء قاضية تحكم بين الناس جائزٌ شرعًا؟

إن مناقشة تولي المرأة القضاء من المواضيع المهمة، وقد ذكره أهل الفقه والعلم والمجتهدون عبر القرون، وبيَّنوا أدلته بين مؤيد لتولي المرأة القضاء في كل حال، ومنعها منه إطلاقًا، ومجيز لتوليتها القضاء في غير الحدود الشرعية والقصاص، وصحة توليها القضاء فيما تصح شهادتها. ونعلم أن العمل عليه عمليًّا وتطبيقًا تم في مختلف البلاد الإسلامية؛ وبالتالي فإن عمل المرأة في السلك القضائي جائز من الناحية الشرعية، والقانونية، التنظيمية، وفقًا للواقع الذي نعيشه، والتطور الذي يجري بسرعة فائقة، وصلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، ووفق الأدلة الشرعية الصحيحة، والمستند إلى أقوال أهل الاختصاص، والدراية، والعلم، والفقه والاجتهاد، وبدراسة ما يتعلق باشتراط الذكورية في تولي القضاء؛ فالأصل في المرأة شرعًا أنها كالرجل في التكاليف والأهلية الشرعية الكاملة إلا ما جاء به الاستثناء بالنص الصحيح على ذلك؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "إنما النساء شقائق الرجال". وقال عنه سماحة الشيخ ابن باز - رحمه الله –: "حديث صحيح". معلقًا على هذا الحديث: "إنهن مثيلات الرجال إلا ما استثناه الشارع، كالإرث والشهادة وغيرهما مما جاءت به الأدلة". ولا يوجد ما ينص نصًّا صريحًا ذا دلالة قطعية من كتاب الله - عز وجل -، ولا نصًّا صريحًا صحيحًا يدل دلالة قطعية من سنة رسول - الله صلى الله عليه وسلم -، ولا إجماع من علماء الشريعة على تحريم تولي النساء القضاء.

** وماذا عن اشتراط الذكورية في تولي القضاء عند بعض المذاهب؟

هذا اختلاف معتبر، ومحل اجتهاد، له اعتباره في الشريعة الإسلامية. وقد ذكر أهل العلم أن هناك شروطًا يجب توافرها فيمن يتولى القضاء، منها الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، وغيرها مما هو مذكور في كتب الفقه على المذاهب الأربعة المعروفة (الحنفي، والشافعي، والمالكي، والحنبلي) على اختلاف بينهم في تلك الشروط. ومن تلك الشروط المختلفة في وجوب توافرها لمن يتولى القضاء (الذكورية). وأقوال العلماء في ذلك متباينة؛ فالبعض اشترط الذكورية فيمن يتولى القضاء، أي عدم جواز تولي المرأة القضاء. وعند التمعن الدقيق ليس في واحد منها نص صريح من كتاب الله يدل دلالة قطعية، ولا نص صريح صحيح من سُنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدل دلالة قطعية، ولا إجماع؛ بل خالفهم مثلهم في المنزلة العلمية والفقه والاجتهاد.

** وماذا أيضًا عن حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"؟ أليس نصًّا صريحًا بعدم أهلية المرأة القضاء؟

هذا الحديث ورد بروايات عدة، منها بلفظ "لن يفلح قوم تملكهم امرأة"، وفي رواية "لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة"، وفي رواية "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، وفي رواية "ما أفلح قوم يلي أمرهم امرأة"، وغير ذلك من الروايات الأخرى. وهذا الحديث - كما في رواية البخاري - جاء في سياق تولي امرأة من الفرس مُلك بلادهم، وله دلالة قطعية عيّنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأرادها، وهي تحريم تولي المرأة الرئاسة، والحاكمية العامة. وكما هو معلوم إجماعًا أن الحاكمية العامة خاصة بالرجال، واستدلال أصحاب هذا القول بالحديث المشار إليه باشتراط الذكورية لمن يتولى القضاء ظني الدلالة، أي ليس بقطعي الدلالة، وخالفهم في ذلك جمع من علماء الشريعة، وأهل الاجتهاد، والرأي، والعلم. واختلف الفقهاء منذ القدم؛ إذ أجاز جمع من الفقهاء والعلماء وأهل الاجتهاد على مر التاريخ تولي المرأة القضاء وفق ما هو مبيَّن في كتب الفقه على المذاهب الأربعة.

** هناك من يرى أن تتولى المرأة بعض القضاء في المحاكم الأسرية، ولا تتولى في قضايا الحدود والقصاص، ما تعليقك؟

عند بعض العلماء قاعدة، هي (كل ما صحت شهادتها به صح قضاؤها فيه)، وهي قول الأحناف، وقول عبد الرحمن بن قاسم من المالكية. قال الإمام أبو حنيفة - رحمه الله -: "يجوز أن تقضي المرأة فيما تصح شهادتها، ولا يجوز أن تقضي فيما لا تصح فيه شهادتها".

** ما صحة ما يُروى عن الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه عيَّن الصحابية "أم الشفاء بنت عبد الله القرشية" - رضي الله عنها - في الحسبة على السوق، وهو بالمصطلح المعاصر ما يسمى بالمحكمة التجارية؟

لقد ذكر ذلك جمع من أهل التاريخ، وهناك من ترجم وأيَّد صحة توليتها تلك المسؤولية، وأن خليفة المسلمين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذا غدا أو دخل السوق دخل عليها. كذلك ما جاء عن أبي بلج يحيى ابن أبي سليم عندما قال: "رأيت سمراء بنت نهيك، الصحابية رضي الله عنها، عليها درع غليظة، وخمار غليظ، وبيدها سوط، تؤدب الناس، وتأمرهم بالمعروف، وتنهاهم عن المنكر". وذلك قياس القضاء على الشهادة، والإفتاء، وأن الأصل أن التكاليف والأهلية الشرعية للجنسين إلا ما جاء استثناؤه بنص شرعي صحيح كما ذكرنا سالفًا.

** هل هناك قاضيات مسلمات تولين سُلَّم القضاء في التاريخ الإسلامي؟

تذكر المراجع أن أول قاضية عُينت في الإسلام في بغداد عام 306هـ هي القاضية "ثمل القهرمانة"، أم موسى، ووليت القضاء، وكانت تجلس للفصل في الخصومات بين الناس كل جمعة في دار المظالم، وتحكم بين الناس، وساعدها في ذلك القاضي أبو الحسن ابن الأشناني، وكان يجلس لمجلسها القضاة والفقهاء والأعيان.

** هل يمنع القانون السعودي الحديث بنص صريح تولي النساء القضاء في المحاكم العامة؟

من الناحية القانونية فإنه لا يوجد نص صريح قطعي الدلالة في أي مادة من مواد نظام القضاء السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/ 78 بتاريخ 19/ 9/ 1428هـ يشترط بالنص الصريح الذكورية لتولي القضاء، بل إن المادة رقم 31 منه ذكرت شروط مَن يتولى القضاء، التي جاء منها (أن يكون متمتعًا بالأهلية الكاملة للقضاء بحسب ما نص عليه شرعًا)، ولا نجد نصًّا شرعيًّا ينص بالدلالة القاطعة اليقينية على اشتراط الذكورية لمن يتولى القضاء، ولا وصف اشتراط ذلك بالأهلية الكاملة، ولا نصًّا نظاميًّا ينص على اشتراطها لمن تولى القضاء، أو نصًّا نظاميًّا يشترط أن من كمال الأهلية لتولي القضاء الذكورية، بل الأهلية الشرعية كاملة للجنسين، ولا تسلب من المرأة إلا بنص شرعي صحيح.

** في بعض الدول العربية والإسلامية تعمل بعض النساء قاضيات في المحاكم، كيف تقيِّم تجربتهن؟

عند النظر والتمعن بالواقع العملي التطبيقي لقضاء المرأة المعمول به منذ فترة طويلة من تولي المرأة القضاء في الدول العربية والإسلامية، سواء عملها في القضاء بشقيه المدني أو الجنائي، أو عملها في اللجان شبه القضائية، أو عملها في مجال القضاء النسائي في دور الرعاية الاجتماعية النسائية، ودور الأطفال، والقصَّر، وانتشار العمل بذلك بين المسلمين في الأقطار، والأخذ بقول أولئك الفقهاء والأئمة العلماء في جواز تولي المرأة القضاء، وإجازة العمل بتولي المرأة القضاء عن طريق المجامع والمجالس العليا للقضاء في تلك الدول أو دور الإفتاء، وعدم اشتراط الذكورية.. تبيِّن نِسَب تولي المرأة القضاء في الدول العربية والإسلامية أن المملكة المغربية هي أول دولة عربية عيَّنت المرأة في القضاء، وكان ذلك عام 1961م، ونسبة عمل المرأة في القضاء بها 23.5 %. وفي عام 1965م تم تعيين أول قاضية في السودان. وعدد القاضيات العاملات فيها ممن هن في الدرجات العليا 89 قاضية. وفي عام 1967م تم تعيين أول قاضية في لبنان، وفي عام 1968م تم تعيين أول قاضية في تونس، ونسبة القاضيات من النساء في القضاء 48 %. وفي عام 1971م تم تعيين أول قاضية في اليمن، وفي عام 1975م تم تعيين أول قاضية في سوريا، وفي عام 1989م تم تعيين أول قاضية في ليبيا، ونسبة العاملات في هذا المجال فيها 39 %. وفي عام 1996م تم تعيين أول قاضية في الأردن، ونسبة عمل القاضيات فيها 18.5 %. وفي عام 2002م تم تعيين أول قاضية في دول مجلس التعاون الخليجي في البحرين، وفي عام 2003م تم تعيين أول قاضية في مصر، ويزيد عدد القاضيات في مصر على 66 قاضية بمختلف الرتب القضائية. وفي عام 2008م تم تعيين أول قاضية في الإمارات العربية المتحدة في إمارة أبو ظبي، وتم تعيين أول قاضية في موريتانيا عام 2015م، وفي عام 2016م تم تعيين أول قاضية في ماليزيا. وبلغ عدد القاضيات في العراق حتى عام 2014م (93 قاضية).

** بحكم اطلاعك.. بماذا تتميز النساء القاضيات عن الرجال في المحاكم؟

عند دراسة الواقع نجد أن من النساء من هن متخصصات، وذات خبرة عالية وفريدة في التخصصات الشرعية، والقانونية، والحاجة ماسة لسد النقص، والإسراع باختيار أهل الاختصاص والدراية من الجنسين؛ فالسياسة الشرعية مثل حال الفتوى؛ تتغيَّر بتغيُّر المكان، والزمان، والأحوال، والأشخاص.

** ما إمكانية أن تعمل النساء السعوديات المؤهلات في سلك القضاء قاضيات في المحاكم المحلية؟

في الإمكان أن تعمل المرأة السعودية المؤهلة في القضاء في دوائر نسائية مستقلة بعيدًا عن الرجال، كعملها في الدوائر القضائية التجارية الخاصة بالنساء، أو الدوائر الخاصة بقضايا دور الرعاية الاجتماعية للفتيات، أو الدوائر القضائية المرورية النسائية، أو في الدوائر القضائية التنفيذية الخاصة بالنساء، أو في الدوائر الخاصة بالصغار والقصَّر، أو دوائر الأوراق التجارية الخاصة بالنساء، أو الدوائر العمالية الخاصة بالنساء.. أو غير ذلك. وإن مما يُذكر هنا اقتراح كتابة عدل نسائية خاصة بهن في المدن الرئيسية على اعتبار أن كاتب العدل موثق وفقًا لنظام التوثيق، وتعريف للموثق، وإنشاء مكاتب للإصلاح الأسري النسائي مستقلة تابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية.

اعلان
طالب بتعيين السعوديات "قاضيات" في المحاكم.. الأدهم لـ"سبق": سيتميَّزن في قضايا المرور النسائي ومشاكل الأُسَر
سبق

- الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما النساء شقائق الرجال".. وابن باز أكد أنهن مثيلات الرجال إلا ما استثناه الشارع كالإرث والشهادة

- القضاء النسائي نجح في الرعاية الاجتماعية النسائية ودور الأطفال والقصَّر ومحاكم الأسر

- الخليفة عمر بن الخطاب عيَّن الصحابية "أم الشفاء" في حسبة السوق وهي "المحكمة التجارية"

- لا بد من كتابة عدل نسائية في المدن الرئيسية وإنشاء مكاتب للإصلاح الأسري منفصلة عن "الشؤون"

- السياسة الشرعية مثل حال الفتوى تتغيَّر بتغيُّر المكان والزمان والأحوال والأشخاص

- في البحرين والإمارات نجحت "القاضيات" في المحاكم العامة والرُّتَب القضائية

أجرى الحوار/ شقران الرشيدي-سبق-الرياض: يقول فواز الأدهم، المستشار القانوني والباحث الشرعي ، إن المرأة السعودية حاليًا مؤهَّلة للعمل في القضاء في المحاكم المحلية، وفي دوائر نسائية مستقلة بعيدًا عن الرجال، كعملها في الدوائر القضائية التجارية الخاصة بالنساء، أو الدوائر الخاصة بقضايا دور الرعاية الاجتماعية للفتيات، أو الدوائر القضائية المرورية النسائية.

ويؤكد في حواره مع "سبق" أنه لا إجماع من علماء الشريعة على تحريم تولي النساء القضاء.

موضحًا أن السياسة الشرعية مثل حال الفتوى؛ تتغيَّر بتغيُّر المكان، والزمان، والأحوال، والأشخاص.

ويشير إلى أن حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" هو تحريم تولي المرأة الرئاسة، والحاكمية العامة، وليس القضاء. وكما هو معلوم إجماعًا، إن الحاكمية العامة خاصة بالرجال.

ويتناول الحوار عددًا من المحاور المهمة؛ فإلى التفاصيل:

** كثر النقاش حول جواز تولي النساء القضاء في الآونة الأخيرة، فهل عمل المرأة في سلك القضاء قاضية تحكم بين الناس جائزٌ شرعًا؟

إن مناقشة تولي المرأة القضاء من المواضيع المهمة، وقد ذكره أهل الفقه والعلم والمجتهدون عبر القرون، وبيَّنوا أدلته بين مؤيد لتولي المرأة القضاء في كل حال، ومنعها منه إطلاقًا، ومجيز لتوليتها القضاء في غير الحدود الشرعية والقصاص، وصحة توليها القضاء فيما تصح شهادتها. ونعلم أن العمل عليه عمليًّا وتطبيقًا تم في مختلف البلاد الإسلامية؛ وبالتالي فإن عمل المرأة في السلك القضائي جائز من الناحية الشرعية، والقانونية، التنظيمية، وفقًا للواقع الذي نعيشه، والتطور الذي يجري بسرعة فائقة، وصلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، ووفق الأدلة الشرعية الصحيحة، والمستند إلى أقوال أهل الاختصاص، والدراية، والعلم، والفقه والاجتهاد، وبدراسة ما يتعلق باشتراط الذكورية في تولي القضاء؛ فالأصل في المرأة شرعًا أنها كالرجل في التكاليف والأهلية الشرعية الكاملة إلا ما جاء به الاستثناء بالنص الصحيح على ذلك؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "إنما النساء شقائق الرجال". وقال عنه سماحة الشيخ ابن باز - رحمه الله –: "حديث صحيح". معلقًا على هذا الحديث: "إنهن مثيلات الرجال إلا ما استثناه الشارع، كالإرث والشهادة وغيرهما مما جاءت به الأدلة". ولا يوجد ما ينص نصًّا صريحًا ذا دلالة قطعية من كتاب الله - عز وجل -، ولا نصًّا صريحًا صحيحًا يدل دلالة قطعية من سنة رسول - الله صلى الله عليه وسلم -، ولا إجماع من علماء الشريعة على تحريم تولي النساء القضاء.

** وماذا عن اشتراط الذكورية في تولي القضاء عند بعض المذاهب؟

هذا اختلاف معتبر، ومحل اجتهاد، له اعتباره في الشريعة الإسلامية. وقد ذكر أهل العلم أن هناك شروطًا يجب توافرها فيمن يتولى القضاء، منها الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، وغيرها مما هو مذكور في كتب الفقه على المذاهب الأربعة المعروفة (الحنفي، والشافعي، والمالكي، والحنبلي) على اختلاف بينهم في تلك الشروط. ومن تلك الشروط المختلفة في وجوب توافرها لمن يتولى القضاء (الذكورية). وأقوال العلماء في ذلك متباينة؛ فالبعض اشترط الذكورية فيمن يتولى القضاء، أي عدم جواز تولي المرأة القضاء. وعند التمعن الدقيق ليس في واحد منها نص صريح من كتاب الله يدل دلالة قطعية، ولا نص صريح صحيح من سُنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدل دلالة قطعية، ولا إجماع؛ بل خالفهم مثلهم في المنزلة العلمية والفقه والاجتهاد.

** وماذا أيضًا عن حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"؟ أليس نصًّا صريحًا بعدم أهلية المرأة القضاء؟

هذا الحديث ورد بروايات عدة، منها بلفظ "لن يفلح قوم تملكهم امرأة"، وفي رواية "لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة"، وفي رواية "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، وفي رواية "ما أفلح قوم يلي أمرهم امرأة"، وغير ذلك من الروايات الأخرى. وهذا الحديث - كما في رواية البخاري - جاء في سياق تولي امرأة من الفرس مُلك بلادهم، وله دلالة قطعية عيّنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأرادها، وهي تحريم تولي المرأة الرئاسة، والحاكمية العامة. وكما هو معلوم إجماعًا أن الحاكمية العامة خاصة بالرجال، واستدلال أصحاب هذا القول بالحديث المشار إليه باشتراط الذكورية لمن يتولى القضاء ظني الدلالة، أي ليس بقطعي الدلالة، وخالفهم في ذلك جمع من علماء الشريعة، وأهل الاجتهاد، والرأي، والعلم. واختلف الفقهاء منذ القدم؛ إذ أجاز جمع من الفقهاء والعلماء وأهل الاجتهاد على مر التاريخ تولي المرأة القضاء وفق ما هو مبيَّن في كتب الفقه على المذاهب الأربعة.

** هناك من يرى أن تتولى المرأة بعض القضاء في المحاكم الأسرية، ولا تتولى في قضايا الحدود والقصاص، ما تعليقك؟

عند بعض العلماء قاعدة، هي (كل ما صحت شهادتها به صح قضاؤها فيه)، وهي قول الأحناف، وقول عبد الرحمن بن قاسم من المالكية. قال الإمام أبو حنيفة - رحمه الله -: "يجوز أن تقضي المرأة فيما تصح شهادتها، ولا يجوز أن تقضي فيما لا تصح فيه شهادتها".

** ما صحة ما يُروى عن الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه عيَّن الصحابية "أم الشفاء بنت عبد الله القرشية" - رضي الله عنها - في الحسبة على السوق، وهو بالمصطلح المعاصر ما يسمى بالمحكمة التجارية؟

لقد ذكر ذلك جمع من أهل التاريخ، وهناك من ترجم وأيَّد صحة توليتها تلك المسؤولية، وأن خليفة المسلمين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذا غدا أو دخل السوق دخل عليها. كذلك ما جاء عن أبي بلج يحيى ابن أبي سليم عندما قال: "رأيت سمراء بنت نهيك، الصحابية رضي الله عنها، عليها درع غليظة، وخمار غليظ، وبيدها سوط، تؤدب الناس، وتأمرهم بالمعروف، وتنهاهم عن المنكر". وذلك قياس القضاء على الشهادة، والإفتاء، وأن الأصل أن التكاليف والأهلية الشرعية للجنسين إلا ما جاء استثناؤه بنص شرعي صحيح كما ذكرنا سالفًا.

** هل هناك قاضيات مسلمات تولين سُلَّم القضاء في التاريخ الإسلامي؟

تذكر المراجع أن أول قاضية عُينت في الإسلام في بغداد عام 306هـ هي القاضية "ثمل القهرمانة"، أم موسى، ووليت القضاء، وكانت تجلس للفصل في الخصومات بين الناس كل جمعة في دار المظالم، وتحكم بين الناس، وساعدها في ذلك القاضي أبو الحسن ابن الأشناني، وكان يجلس لمجلسها القضاة والفقهاء والأعيان.

** هل يمنع القانون السعودي الحديث بنص صريح تولي النساء القضاء في المحاكم العامة؟

من الناحية القانونية فإنه لا يوجد نص صريح قطعي الدلالة في أي مادة من مواد نظام القضاء السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/ 78 بتاريخ 19/ 9/ 1428هـ يشترط بالنص الصريح الذكورية لتولي القضاء، بل إن المادة رقم 31 منه ذكرت شروط مَن يتولى القضاء، التي جاء منها (أن يكون متمتعًا بالأهلية الكاملة للقضاء بحسب ما نص عليه شرعًا)، ولا نجد نصًّا شرعيًّا ينص بالدلالة القاطعة اليقينية على اشتراط الذكورية لمن يتولى القضاء، ولا وصف اشتراط ذلك بالأهلية الكاملة، ولا نصًّا نظاميًّا ينص على اشتراطها لمن تولى القضاء، أو نصًّا نظاميًّا يشترط أن من كمال الأهلية لتولي القضاء الذكورية، بل الأهلية الشرعية كاملة للجنسين، ولا تسلب من المرأة إلا بنص شرعي صحيح.

** في بعض الدول العربية والإسلامية تعمل بعض النساء قاضيات في المحاكم، كيف تقيِّم تجربتهن؟

عند النظر والتمعن بالواقع العملي التطبيقي لقضاء المرأة المعمول به منذ فترة طويلة من تولي المرأة القضاء في الدول العربية والإسلامية، سواء عملها في القضاء بشقيه المدني أو الجنائي، أو عملها في اللجان شبه القضائية، أو عملها في مجال القضاء النسائي في دور الرعاية الاجتماعية النسائية، ودور الأطفال، والقصَّر، وانتشار العمل بذلك بين المسلمين في الأقطار، والأخذ بقول أولئك الفقهاء والأئمة العلماء في جواز تولي المرأة القضاء، وإجازة العمل بتولي المرأة القضاء عن طريق المجامع والمجالس العليا للقضاء في تلك الدول أو دور الإفتاء، وعدم اشتراط الذكورية.. تبيِّن نِسَب تولي المرأة القضاء في الدول العربية والإسلامية أن المملكة المغربية هي أول دولة عربية عيَّنت المرأة في القضاء، وكان ذلك عام 1961م، ونسبة عمل المرأة في القضاء بها 23.5 %. وفي عام 1965م تم تعيين أول قاضية في السودان. وعدد القاضيات العاملات فيها ممن هن في الدرجات العليا 89 قاضية. وفي عام 1967م تم تعيين أول قاضية في لبنان، وفي عام 1968م تم تعيين أول قاضية في تونس، ونسبة القاضيات من النساء في القضاء 48 %. وفي عام 1971م تم تعيين أول قاضية في اليمن، وفي عام 1975م تم تعيين أول قاضية في سوريا، وفي عام 1989م تم تعيين أول قاضية في ليبيا، ونسبة العاملات في هذا المجال فيها 39 %. وفي عام 1996م تم تعيين أول قاضية في الأردن، ونسبة عمل القاضيات فيها 18.5 %. وفي عام 2002م تم تعيين أول قاضية في دول مجلس التعاون الخليجي في البحرين، وفي عام 2003م تم تعيين أول قاضية في مصر، ويزيد عدد القاضيات في مصر على 66 قاضية بمختلف الرتب القضائية. وفي عام 2008م تم تعيين أول قاضية في الإمارات العربية المتحدة في إمارة أبو ظبي، وتم تعيين أول قاضية في موريتانيا عام 2015م، وفي عام 2016م تم تعيين أول قاضية في ماليزيا. وبلغ عدد القاضيات في العراق حتى عام 2014م (93 قاضية).

** بحكم اطلاعك.. بماذا تتميز النساء القاضيات عن الرجال في المحاكم؟

عند دراسة الواقع نجد أن من النساء من هن متخصصات، وذات خبرة عالية وفريدة في التخصصات الشرعية، والقانونية، والحاجة ماسة لسد النقص، والإسراع باختيار أهل الاختصاص والدراية من الجنسين؛ فالسياسة الشرعية مثل حال الفتوى؛ تتغيَّر بتغيُّر المكان، والزمان، والأحوال، والأشخاص.

** ما إمكانية أن تعمل النساء السعوديات المؤهلات في سلك القضاء قاضيات في المحاكم المحلية؟

في الإمكان أن تعمل المرأة السعودية المؤهلة في القضاء في دوائر نسائية مستقلة بعيدًا عن الرجال، كعملها في الدوائر القضائية التجارية الخاصة بالنساء، أو الدوائر الخاصة بقضايا دور الرعاية الاجتماعية للفتيات، أو الدوائر القضائية المرورية النسائية، أو في الدوائر القضائية التنفيذية الخاصة بالنساء، أو في الدوائر الخاصة بالصغار والقصَّر، أو دوائر الأوراق التجارية الخاصة بالنساء، أو الدوائر العمالية الخاصة بالنساء.. أو غير ذلك. وإن مما يُذكر هنا اقتراح كتابة عدل نسائية خاصة بهن في المدن الرئيسية على اعتبار أن كاتب العدل موثق وفقًا لنظام التوثيق، وتعريف للموثق، وإنشاء مكاتب للإصلاح الأسري النسائي مستقلة تابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية.

09 سبتمبر 2018 - 29 ذو الحجة 1439
10:16 PM
اخر تعديل
19 سبتمبر 2018 - 9 محرّم 1440
07:58 PM

طالب بتعيين السعوديات "قاضيات" في المحاكم.. الأدهم لـ"سبق": سيتميَّزن في قضايا المرور النسائي ومشاكل الأُسَر

الحديث "لن يفلح قوم ولَّوا أمرهم إلى امرأة" هو تحريم توليها الحاكمية وليس القضاء

A A A
90
50,860

- الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما النساء شقائق الرجال".. وابن باز أكد أنهن مثيلات الرجال إلا ما استثناه الشارع كالإرث والشهادة

- القضاء النسائي نجح في الرعاية الاجتماعية النسائية ودور الأطفال والقصَّر ومحاكم الأسر

- الخليفة عمر بن الخطاب عيَّن الصحابية "أم الشفاء" في حسبة السوق وهي "المحكمة التجارية"

- لا بد من كتابة عدل نسائية في المدن الرئيسية وإنشاء مكاتب للإصلاح الأسري منفصلة عن "الشؤون"

- السياسة الشرعية مثل حال الفتوى تتغيَّر بتغيُّر المكان والزمان والأحوال والأشخاص

- في البحرين والإمارات نجحت "القاضيات" في المحاكم العامة والرُّتَب القضائية

أجرى الحوار/ شقران الرشيدي-سبق-الرياض: يقول فواز الأدهم، المستشار القانوني والباحث الشرعي ، إن المرأة السعودية حاليًا مؤهَّلة للعمل في القضاء في المحاكم المحلية، وفي دوائر نسائية مستقلة بعيدًا عن الرجال، كعملها في الدوائر القضائية التجارية الخاصة بالنساء، أو الدوائر الخاصة بقضايا دور الرعاية الاجتماعية للفتيات، أو الدوائر القضائية المرورية النسائية.

ويؤكد في حواره مع "سبق" أنه لا إجماع من علماء الشريعة على تحريم تولي النساء القضاء.

موضحًا أن السياسة الشرعية مثل حال الفتوى؛ تتغيَّر بتغيُّر المكان، والزمان، والأحوال، والأشخاص.

ويشير إلى أن حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة" هو تحريم تولي المرأة الرئاسة، والحاكمية العامة، وليس القضاء. وكما هو معلوم إجماعًا، إن الحاكمية العامة خاصة بالرجال.

ويتناول الحوار عددًا من المحاور المهمة؛ فإلى التفاصيل:

** كثر النقاش حول جواز تولي النساء القضاء في الآونة الأخيرة، فهل عمل المرأة في سلك القضاء قاضية تحكم بين الناس جائزٌ شرعًا؟

إن مناقشة تولي المرأة القضاء من المواضيع المهمة، وقد ذكره أهل الفقه والعلم والمجتهدون عبر القرون، وبيَّنوا أدلته بين مؤيد لتولي المرأة القضاء في كل حال، ومنعها منه إطلاقًا، ومجيز لتوليتها القضاء في غير الحدود الشرعية والقصاص، وصحة توليها القضاء فيما تصح شهادتها. ونعلم أن العمل عليه عمليًّا وتطبيقًا تم في مختلف البلاد الإسلامية؛ وبالتالي فإن عمل المرأة في السلك القضائي جائز من الناحية الشرعية، والقانونية، التنظيمية، وفقًا للواقع الذي نعيشه، والتطور الذي يجري بسرعة فائقة، وصلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، ووفق الأدلة الشرعية الصحيحة، والمستند إلى أقوال أهل الاختصاص، والدراية، والعلم، والفقه والاجتهاد، وبدراسة ما يتعلق باشتراط الذكورية في تولي القضاء؛ فالأصل في المرأة شرعًا أنها كالرجل في التكاليف والأهلية الشرعية الكاملة إلا ما جاء به الاستثناء بالنص الصحيح على ذلك؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "إنما النساء شقائق الرجال". وقال عنه سماحة الشيخ ابن باز - رحمه الله –: "حديث صحيح". معلقًا على هذا الحديث: "إنهن مثيلات الرجال إلا ما استثناه الشارع، كالإرث والشهادة وغيرهما مما جاءت به الأدلة". ولا يوجد ما ينص نصًّا صريحًا ذا دلالة قطعية من كتاب الله - عز وجل -، ولا نصًّا صريحًا صحيحًا يدل دلالة قطعية من سنة رسول - الله صلى الله عليه وسلم -، ولا إجماع من علماء الشريعة على تحريم تولي النساء القضاء.

** وماذا عن اشتراط الذكورية في تولي القضاء عند بعض المذاهب؟

هذا اختلاف معتبر، ومحل اجتهاد، له اعتباره في الشريعة الإسلامية. وقد ذكر أهل العلم أن هناك شروطًا يجب توافرها فيمن يتولى القضاء، منها الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، وغيرها مما هو مذكور في كتب الفقه على المذاهب الأربعة المعروفة (الحنفي، والشافعي، والمالكي، والحنبلي) على اختلاف بينهم في تلك الشروط. ومن تلك الشروط المختلفة في وجوب توافرها لمن يتولى القضاء (الذكورية). وأقوال العلماء في ذلك متباينة؛ فالبعض اشترط الذكورية فيمن يتولى القضاء، أي عدم جواز تولي المرأة القضاء. وعند التمعن الدقيق ليس في واحد منها نص صريح من كتاب الله يدل دلالة قطعية، ولا نص صريح صحيح من سُنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدل دلالة قطعية، ولا إجماع؛ بل خالفهم مثلهم في المنزلة العلمية والفقه والاجتهاد.

** وماذا أيضًا عن حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"؟ أليس نصًّا صريحًا بعدم أهلية المرأة القضاء؟

هذا الحديث ورد بروايات عدة، منها بلفظ "لن يفلح قوم تملكهم امرأة"، وفي رواية "لن يفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة"، وفي رواية "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، وفي رواية "ما أفلح قوم يلي أمرهم امرأة"، وغير ذلك من الروايات الأخرى. وهذا الحديث - كما في رواية البخاري - جاء في سياق تولي امرأة من الفرس مُلك بلادهم، وله دلالة قطعية عيّنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأرادها، وهي تحريم تولي المرأة الرئاسة، والحاكمية العامة. وكما هو معلوم إجماعًا أن الحاكمية العامة خاصة بالرجال، واستدلال أصحاب هذا القول بالحديث المشار إليه باشتراط الذكورية لمن يتولى القضاء ظني الدلالة، أي ليس بقطعي الدلالة، وخالفهم في ذلك جمع من علماء الشريعة، وأهل الاجتهاد، والرأي، والعلم. واختلف الفقهاء منذ القدم؛ إذ أجاز جمع من الفقهاء والعلماء وأهل الاجتهاد على مر التاريخ تولي المرأة القضاء وفق ما هو مبيَّن في كتب الفقه على المذاهب الأربعة.

** هناك من يرى أن تتولى المرأة بعض القضاء في المحاكم الأسرية، ولا تتولى في قضايا الحدود والقصاص، ما تعليقك؟

عند بعض العلماء قاعدة، هي (كل ما صحت شهادتها به صح قضاؤها فيه)، وهي قول الأحناف، وقول عبد الرحمن بن قاسم من المالكية. قال الإمام أبو حنيفة - رحمه الله -: "يجوز أن تقضي المرأة فيما تصح شهادتها، ولا يجوز أن تقضي فيما لا تصح فيه شهادتها".

** ما صحة ما يُروى عن الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه عيَّن الصحابية "أم الشفاء بنت عبد الله القرشية" - رضي الله عنها - في الحسبة على السوق، وهو بالمصطلح المعاصر ما يسمى بالمحكمة التجارية؟

لقد ذكر ذلك جمع من أهل التاريخ، وهناك من ترجم وأيَّد صحة توليتها تلك المسؤولية، وأن خليفة المسلمين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إذا غدا أو دخل السوق دخل عليها. كذلك ما جاء عن أبي بلج يحيى ابن أبي سليم عندما قال: "رأيت سمراء بنت نهيك، الصحابية رضي الله عنها، عليها درع غليظة، وخمار غليظ، وبيدها سوط، تؤدب الناس، وتأمرهم بالمعروف، وتنهاهم عن المنكر". وذلك قياس القضاء على الشهادة، والإفتاء، وأن الأصل أن التكاليف والأهلية الشرعية للجنسين إلا ما جاء استثناؤه بنص شرعي صحيح كما ذكرنا سالفًا.

** هل هناك قاضيات مسلمات تولين سُلَّم القضاء في التاريخ الإسلامي؟

تذكر المراجع أن أول قاضية عُينت في الإسلام في بغداد عام 306هـ هي القاضية "ثمل القهرمانة"، أم موسى، ووليت القضاء، وكانت تجلس للفصل في الخصومات بين الناس كل جمعة في دار المظالم، وتحكم بين الناس، وساعدها في ذلك القاضي أبو الحسن ابن الأشناني، وكان يجلس لمجلسها القضاة والفقهاء والأعيان.

** هل يمنع القانون السعودي الحديث بنص صريح تولي النساء القضاء في المحاكم العامة؟

من الناحية القانونية فإنه لا يوجد نص صريح قطعي الدلالة في أي مادة من مواد نظام القضاء السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/ 78 بتاريخ 19/ 9/ 1428هـ يشترط بالنص الصريح الذكورية لتولي القضاء، بل إن المادة رقم 31 منه ذكرت شروط مَن يتولى القضاء، التي جاء منها (أن يكون متمتعًا بالأهلية الكاملة للقضاء بحسب ما نص عليه شرعًا)، ولا نجد نصًّا شرعيًّا ينص بالدلالة القاطعة اليقينية على اشتراط الذكورية لمن يتولى القضاء، ولا وصف اشتراط ذلك بالأهلية الكاملة، ولا نصًّا نظاميًّا ينص على اشتراطها لمن تولى القضاء، أو نصًّا نظاميًّا يشترط أن من كمال الأهلية لتولي القضاء الذكورية، بل الأهلية الشرعية كاملة للجنسين، ولا تسلب من المرأة إلا بنص شرعي صحيح.

** في بعض الدول العربية والإسلامية تعمل بعض النساء قاضيات في المحاكم، كيف تقيِّم تجربتهن؟

عند النظر والتمعن بالواقع العملي التطبيقي لقضاء المرأة المعمول به منذ فترة طويلة من تولي المرأة القضاء في الدول العربية والإسلامية، سواء عملها في القضاء بشقيه المدني أو الجنائي، أو عملها في اللجان شبه القضائية، أو عملها في مجال القضاء النسائي في دور الرعاية الاجتماعية النسائية، ودور الأطفال، والقصَّر، وانتشار العمل بذلك بين المسلمين في الأقطار، والأخذ بقول أولئك الفقهاء والأئمة العلماء في جواز تولي المرأة القضاء، وإجازة العمل بتولي المرأة القضاء عن طريق المجامع والمجالس العليا للقضاء في تلك الدول أو دور الإفتاء، وعدم اشتراط الذكورية.. تبيِّن نِسَب تولي المرأة القضاء في الدول العربية والإسلامية أن المملكة المغربية هي أول دولة عربية عيَّنت المرأة في القضاء، وكان ذلك عام 1961م، ونسبة عمل المرأة في القضاء بها 23.5 %. وفي عام 1965م تم تعيين أول قاضية في السودان. وعدد القاضيات العاملات فيها ممن هن في الدرجات العليا 89 قاضية. وفي عام 1967م تم تعيين أول قاضية في لبنان، وفي عام 1968م تم تعيين أول قاضية في تونس، ونسبة القاضيات من النساء في القضاء 48 %. وفي عام 1971م تم تعيين أول قاضية في اليمن، وفي عام 1975م تم تعيين أول قاضية في سوريا، وفي عام 1989م تم تعيين أول قاضية في ليبيا، ونسبة العاملات في هذا المجال فيها 39 %. وفي عام 1996م تم تعيين أول قاضية في الأردن، ونسبة عمل القاضيات فيها 18.5 %. وفي عام 2002م تم تعيين أول قاضية في دول مجلس التعاون الخليجي في البحرين، وفي عام 2003م تم تعيين أول قاضية في مصر، ويزيد عدد القاضيات في مصر على 66 قاضية بمختلف الرتب القضائية. وفي عام 2008م تم تعيين أول قاضية في الإمارات العربية المتحدة في إمارة أبو ظبي، وتم تعيين أول قاضية في موريتانيا عام 2015م، وفي عام 2016م تم تعيين أول قاضية في ماليزيا. وبلغ عدد القاضيات في العراق حتى عام 2014م (93 قاضية).

** بحكم اطلاعك.. بماذا تتميز النساء القاضيات عن الرجال في المحاكم؟

عند دراسة الواقع نجد أن من النساء من هن متخصصات، وذات خبرة عالية وفريدة في التخصصات الشرعية، والقانونية، والحاجة ماسة لسد النقص، والإسراع باختيار أهل الاختصاص والدراية من الجنسين؛ فالسياسة الشرعية مثل حال الفتوى؛ تتغيَّر بتغيُّر المكان، والزمان، والأحوال، والأشخاص.

** ما إمكانية أن تعمل النساء السعوديات المؤهلات في سلك القضاء قاضيات في المحاكم المحلية؟

في الإمكان أن تعمل المرأة السعودية المؤهلة في القضاء في دوائر نسائية مستقلة بعيدًا عن الرجال، كعملها في الدوائر القضائية التجارية الخاصة بالنساء، أو الدوائر الخاصة بقضايا دور الرعاية الاجتماعية للفتيات، أو الدوائر القضائية المرورية النسائية، أو في الدوائر القضائية التنفيذية الخاصة بالنساء، أو في الدوائر الخاصة بالصغار والقصَّر، أو دوائر الأوراق التجارية الخاصة بالنساء، أو الدوائر العمالية الخاصة بالنساء.. أو غير ذلك. وإن مما يُذكر هنا اقتراح كتابة عدل نسائية خاصة بهن في المدن الرئيسية على اعتبار أن كاتب العدل موثق وفقًا لنظام التوثيق، وتعريف للموثق، وإنشاء مكاتب للإصلاح الأسري النسائي مستقلة تابعة لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية.