كم ساعة في الدقيقة؟

قد يتبادر إلى ذهن القارئ العزيز أن وراء السؤال فلسفة عميقة؛ لما له من أبعاد مختلفة من حيث المكان والزمان والوقت بكل ساعاته ودقائقه وثوانيه.. وله الحق في ذلك، فضلاً عما تحمله المقالة من رسائل موجهة.

فمن حيث المكان يعترف جميع العرب بأن الوقت في الغرب (أمريكا وأوروبا) مقدس وثمين، والمواعيد مضبوطة بالثانية، وتكاد تكون مثالية على المستوى العالمي.. وهناك مثالية أخرى في ضبط الوقت، وبنِسَب كبيرة، لدول أخرى متحضرة (غير عربية) في آسيا وإفريقيا. وعلى العكس من ذلك نجد الوقت عند العرب مهملاً تمامًا، والمواعيد لا يلقون لها بالاً، وغير دقيقة، وتعطَى بلا مبالاة، ولا يُعتدُّ بالوقت العربي، ولا يعتمد عليه؛ فالوقت في الغالب ضائع، ولا يستفاد منه.

ولن أكون قاسيًا على أبناء جلدتي؛ فربما بعضهم يهتم بدقة الوقت، ويثمنه عاليًا، ويستفيد منه، ولكن النسبة المئوية في هذا الأمر ليست في صالح العرب عمومًا؛ فالذين يستفيدون منه عدد قليل جدًّا.

هناك في بعض البلدان العربية وعواصمها المختلفة، التي لها حضاراتها الممتدة لآلاف السنين، وحين يهاتفنا الأصدقاء والصديقات، وخصوصًا الأكاديميين والأكاديميات، الذين تعوَّدنا منهم الرقي في التعامل، ويعطون موعدًا محددًا، نلتزم به، وإذا تأخر أحدهم نهاتفه فيستأذن (دقيقة واحدة)، وسيكون في الموعد، وما علينا سوى الانتظار. هكذا تعودنا أن الأمر عادي جدًّا. ومع يقيني أن خطوط الهاتف المتنقل (الجوال) غير متداخلة ونقية بدرجة عالية جدًّا إلا أنها تنتظر في صمت، ويطول الانتظار، ويتجاوز الساعة والساعتين، ولم يصل إلينا أحد، أو يتصل بنا، وحينما نهاتف أحدهم معاتبين بأن لدينا مواعيد أخرى تعطلت بسبب انتظارنا، وعندنا ارتباطات أخرى نضطر للاعتذار عنها بسبب الانتظار الممل، حتى أن سائقي السيارات الخاصة يحسبون علينا الوقت بالساعة والدقيقة، يأتي الرد هادئًا مغلفًا بالاعتذار وطلب الانتظار زيادة (كمان شوية)؛ ونبقى في حيرة من الأمر، ويغلب علينا الحياء؛ فلم نستطع مغادرة المكان.. وتشتعل في الرأس الأسئلة المفتوحة (حتى متى نستهتر بالوقت؟ وحتى متى لا نشعر بقيمة الوقت عند أصدقائنا؟ وكيف تتحملنا أنفسنا ونحن نهمل مواعيدنا، ونترك أصحابنا ينتظرون فترات طويلة غير آبهين بقيمة الوقت، ونحن نعلم أن لحظات الانتظار مريرة جدًّا، ومؤلمة حد الوجع، وخصوصًا إذا وجدنا أن من [يلطعنا] كل هذا الوقت لا يوجد لديه تبرير كافٍ يشفع له بالبقاء على الأقل في قائمة الأصدقاء؟!).

لا أريد أن أكون قاسيًا؛ فلم يتعود قلبي على ذلك، ولم يمتهن قلمي القسوة في خطابه، لكنَّ لي أملاً كبيرًا في الأحباب العرب بأن يلتزموا بالمواعيد ودقتها؛ حتى لا تضيع منا ومنهم فرصٌ جميلة، ومواعيد أخرى مهمة.. وأرجو أن يتحقق هذا الأمل، وهم قادرون على فعله!

اعلان
كم ساعة في الدقيقة؟
سبق

قد يتبادر إلى ذهن القارئ العزيز أن وراء السؤال فلسفة عميقة؛ لما له من أبعاد مختلفة من حيث المكان والزمان والوقت بكل ساعاته ودقائقه وثوانيه.. وله الحق في ذلك، فضلاً عما تحمله المقالة من رسائل موجهة.

فمن حيث المكان يعترف جميع العرب بأن الوقت في الغرب (أمريكا وأوروبا) مقدس وثمين، والمواعيد مضبوطة بالثانية، وتكاد تكون مثالية على المستوى العالمي.. وهناك مثالية أخرى في ضبط الوقت، وبنِسَب كبيرة، لدول أخرى متحضرة (غير عربية) في آسيا وإفريقيا. وعلى العكس من ذلك نجد الوقت عند العرب مهملاً تمامًا، والمواعيد لا يلقون لها بالاً، وغير دقيقة، وتعطَى بلا مبالاة، ولا يُعتدُّ بالوقت العربي، ولا يعتمد عليه؛ فالوقت في الغالب ضائع، ولا يستفاد منه.

ولن أكون قاسيًا على أبناء جلدتي؛ فربما بعضهم يهتم بدقة الوقت، ويثمنه عاليًا، ويستفيد منه، ولكن النسبة المئوية في هذا الأمر ليست في صالح العرب عمومًا؛ فالذين يستفيدون منه عدد قليل جدًّا.

هناك في بعض البلدان العربية وعواصمها المختلفة، التي لها حضاراتها الممتدة لآلاف السنين، وحين يهاتفنا الأصدقاء والصديقات، وخصوصًا الأكاديميين والأكاديميات، الذين تعوَّدنا منهم الرقي في التعامل، ويعطون موعدًا محددًا، نلتزم به، وإذا تأخر أحدهم نهاتفه فيستأذن (دقيقة واحدة)، وسيكون في الموعد، وما علينا سوى الانتظار. هكذا تعودنا أن الأمر عادي جدًّا. ومع يقيني أن خطوط الهاتف المتنقل (الجوال) غير متداخلة ونقية بدرجة عالية جدًّا إلا أنها تنتظر في صمت، ويطول الانتظار، ويتجاوز الساعة والساعتين، ولم يصل إلينا أحد، أو يتصل بنا، وحينما نهاتف أحدهم معاتبين بأن لدينا مواعيد أخرى تعطلت بسبب انتظارنا، وعندنا ارتباطات أخرى نضطر للاعتذار عنها بسبب الانتظار الممل، حتى أن سائقي السيارات الخاصة يحسبون علينا الوقت بالساعة والدقيقة، يأتي الرد هادئًا مغلفًا بالاعتذار وطلب الانتظار زيادة (كمان شوية)؛ ونبقى في حيرة من الأمر، ويغلب علينا الحياء؛ فلم نستطع مغادرة المكان.. وتشتعل في الرأس الأسئلة المفتوحة (حتى متى نستهتر بالوقت؟ وحتى متى لا نشعر بقيمة الوقت عند أصدقائنا؟ وكيف تتحملنا أنفسنا ونحن نهمل مواعيدنا، ونترك أصحابنا ينتظرون فترات طويلة غير آبهين بقيمة الوقت، ونحن نعلم أن لحظات الانتظار مريرة جدًّا، ومؤلمة حد الوجع، وخصوصًا إذا وجدنا أن من [يلطعنا] كل هذا الوقت لا يوجد لديه تبرير كافٍ يشفع له بالبقاء على الأقل في قائمة الأصدقاء؟!).

لا أريد أن أكون قاسيًا؛ فلم يتعود قلبي على ذلك، ولم يمتهن قلمي القسوة في خطابه، لكنَّ لي أملاً كبيرًا في الأحباب العرب بأن يلتزموا بالمواعيد ودقتها؛ حتى لا تضيع منا ومنهم فرصٌ جميلة، ومواعيد أخرى مهمة.. وأرجو أن يتحقق هذا الأمل، وهم قادرون على فعله!

09 مايو 2018 - 23 شعبان 1439
08:45 PM

كم ساعة في الدقيقة؟

أحمد الحربي - الرياض
A A A
0
1,453

قد يتبادر إلى ذهن القارئ العزيز أن وراء السؤال فلسفة عميقة؛ لما له من أبعاد مختلفة من حيث المكان والزمان والوقت بكل ساعاته ودقائقه وثوانيه.. وله الحق في ذلك، فضلاً عما تحمله المقالة من رسائل موجهة.

فمن حيث المكان يعترف جميع العرب بأن الوقت في الغرب (أمريكا وأوروبا) مقدس وثمين، والمواعيد مضبوطة بالثانية، وتكاد تكون مثالية على المستوى العالمي.. وهناك مثالية أخرى في ضبط الوقت، وبنِسَب كبيرة، لدول أخرى متحضرة (غير عربية) في آسيا وإفريقيا. وعلى العكس من ذلك نجد الوقت عند العرب مهملاً تمامًا، والمواعيد لا يلقون لها بالاً، وغير دقيقة، وتعطَى بلا مبالاة، ولا يُعتدُّ بالوقت العربي، ولا يعتمد عليه؛ فالوقت في الغالب ضائع، ولا يستفاد منه.

ولن أكون قاسيًا على أبناء جلدتي؛ فربما بعضهم يهتم بدقة الوقت، ويثمنه عاليًا، ويستفيد منه، ولكن النسبة المئوية في هذا الأمر ليست في صالح العرب عمومًا؛ فالذين يستفيدون منه عدد قليل جدًّا.

هناك في بعض البلدان العربية وعواصمها المختلفة، التي لها حضاراتها الممتدة لآلاف السنين، وحين يهاتفنا الأصدقاء والصديقات، وخصوصًا الأكاديميين والأكاديميات، الذين تعوَّدنا منهم الرقي في التعامل، ويعطون موعدًا محددًا، نلتزم به، وإذا تأخر أحدهم نهاتفه فيستأذن (دقيقة واحدة)، وسيكون في الموعد، وما علينا سوى الانتظار. هكذا تعودنا أن الأمر عادي جدًّا. ومع يقيني أن خطوط الهاتف المتنقل (الجوال) غير متداخلة ونقية بدرجة عالية جدًّا إلا أنها تنتظر في صمت، ويطول الانتظار، ويتجاوز الساعة والساعتين، ولم يصل إلينا أحد، أو يتصل بنا، وحينما نهاتف أحدهم معاتبين بأن لدينا مواعيد أخرى تعطلت بسبب انتظارنا، وعندنا ارتباطات أخرى نضطر للاعتذار عنها بسبب الانتظار الممل، حتى أن سائقي السيارات الخاصة يحسبون علينا الوقت بالساعة والدقيقة، يأتي الرد هادئًا مغلفًا بالاعتذار وطلب الانتظار زيادة (كمان شوية)؛ ونبقى في حيرة من الأمر، ويغلب علينا الحياء؛ فلم نستطع مغادرة المكان.. وتشتعل في الرأس الأسئلة المفتوحة (حتى متى نستهتر بالوقت؟ وحتى متى لا نشعر بقيمة الوقت عند أصدقائنا؟ وكيف تتحملنا أنفسنا ونحن نهمل مواعيدنا، ونترك أصحابنا ينتظرون فترات طويلة غير آبهين بقيمة الوقت، ونحن نعلم أن لحظات الانتظار مريرة جدًّا، ومؤلمة حد الوجع، وخصوصًا إذا وجدنا أن من [يلطعنا] كل هذا الوقت لا يوجد لديه تبرير كافٍ يشفع له بالبقاء على الأقل في قائمة الأصدقاء؟!).

لا أريد أن أكون قاسيًا؛ فلم يتعود قلبي على ذلك، ولم يمتهن قلمي القسوة في خطابه، لكنَّ لي أملاً كبيرًا في الأحباب العرب بأن يلتزموا بالمواعيد ودقتها؛ حتى لا تضيع منا ومنهم فرصٌ جميلة، ومواعيد أخرى مهمة.. وأرجو أن يتحقق هذا الأمل، وهم قادرون على فعله!