حين تتقدّم الظِلال

مقال رأي

جيهان حساني

2026-07-07T06:28:14.319Z

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

المقال يؤكد أن قوة المؤسسات لا تُقاس بالمباني واللوائح بل بعدالة الفرص وتقديم الكفاءة على المحسوبية، محذّراً من أن توزيع المنافع على أساس القرابة والعلاقات يخلق جزرًا من الولاءات الخاصة ويُضعف روح الإبداع والاجتهاد. ويشير إلى أن المحسوبية لا تظلم الأفراد فقط بل تغيّر منظومة القيم وتُهدر العقول، بينم…

ليست المؤسسات جُدراناً تُشيَّد ، ولا لوائح تُعلَّق على الجدران ، وإنما هي منظومة من القيم و العدالة ، فإذا اختلَّ ميزانها ، بقي البناء قائماً وسقط المعنى .

وما من مؤسسةٍ يُرهقها نقص الموارد بقدر ما يُرهقها اختلال معيار الاستحقاق ، فحين تُوزَّع الفرص على الأسماء لا على الكفاءات ، وعلى القرب لا على الجدارة ، يبدأ نزيفٌ صامت لا تُظهره التقارير لكنه يظهر في وجوه المبدعين الذين تعلّموا أن الاجتهاد لا يكفي .

إن الكفاءة لا تخشى المنافسة وإنما تخشى أن تدخل سباقاً لا تُقاس فيه سرعة العدّائين ، بل تُقاس فيه المسافات بينهم وبين أصحاب القرار .

وحين تتحول دوائر العمل إلى دوائر مغلقة ، لا يدخلها إلا من يحمل مفتاح العلاقة ، تتكوّن مع الوقت جزرٌ صغيرة داخل المؤسسة ، لكل جزيرة ولاءاتها ، وأصواتها ، وامتيازاتها . 

وما يبدو في ظاهره انسجاماً يكون في حقيقته بداية الانقسام ، لأن المؤسسات لا تُبنى بضيق الدائرة بل باتساعها ، ولا تنهض بتشابه الوجوه بل بتكافؤ الفرص .

وأخطر ما في المحسوبية أنها لا تظلم فرداً واحداً بل تُربّي جيلاً كاملاً على أن الطريق إلى النجاح لا يمر عبر الإتقان وإنما عبر القُرب .

وهنا تتغير القيم قبل أن تتغير النتائج ، ويبدأ الناس بالاستثمار في العلاقات أكثر من استثمارهم في تطوير أنفسهم .

ومن المؤلم أن الموهبة لا تموت حين تُرفض مرة ، لكنها تذبل حين تتيقن أن معيار الاختيار لا ينظر إليها أصلاً . 

عندها تخسر المؤسسة أكثر مما يخسره الفرد ، لأنها دفعت أصحاب العقول إلى الصمت ، وأقنعت المجتهدين أن اجتهادهم لا يغيّر شيئاً .

ولهذا لم تجعل الدول الطموحة الإنسان محور التنمية عبثاً ، ولم يكن تمكين الكفاءات في رؤية المملكة 2030 شعاراً إعلامياً بل ضرورة حضارية ، لأن المستقبل لا تصنعه العلاقات وإنما تصنعه العقول ، والاستثمار الحقيقي ليس في الأشخاص الأقرب بل في الأشخاص الأقدر .

إن القائد الحقيقي لا يصنع دائرةً تدور حوله بل يصنع مؤسسة تستطيع أن تستمر من بعده ، ولا يقيس نجاحه بعدد الموالين وإنما بعدد الكفاءات التي اكتشفها والطاقات التي منحها حقها ، والفرص التي بقيت عادلة حتى لمن يختلفون معه .

فالعدل الإداري ليس فضيلة أخلاقية فحسب بل هو استراتيجية بناء ، وكل فرصة تُمنح لغير مستحقها لا تُسلب من شخص واحد بل تُقتطع من مستقبل مؤسسة بأكملها . 

أما حين ينتصر الاستحقاق على الهوى ، فإن المؤسسة لا تكسب موظفاً فحسب بل تكسب ثقة جميع من يعملون فيها ، وتلك هي الثروة التي لا تُقدَّر بثمن .