من "القانوني" قبل 5 قرون إلى "الوافد" اليوم.. تاريخ تركي أسود في نهب مقتنيات الحرمين

كرروا فعلة القرامطة بسرقة الحجر الأسود.. ولا يتورعون عن استغلالها سياسيًّا واقتصاديًّا

من النادر أن يعيد التاريخ نفسه إلا في حال تمسُّك دولة ما بتوجُّه معين، تحاول تحقيقه في الواقع بين فترة زمنية وأخرى، عندها يعيد التاريخ نفسه بوتيرة متقاربة، وليست نادرة. وذلك ما ينطبق تمامًا على تركيا في استيلائها على الآثار الإسلامية والكنوز والمقتنيات النبوية الشريفة على مدار تاريخها منذ تأسيس الدولة العثمانية عام 1299هـ، واحتلالها العالم العربي إلى الوقت الحاضر. ولا يُتوقع أن تتخلى عن ذلك التوجه الآثم في المستقبل في ظل استيلائها الذي لا يتوقف على الآثار والمقتنيات الإسلامية.

ففي عام 1571 تجرأ السلطان العثماني سليمان القانوني وسرق ست قطع من الحجر الأسود من الكعبة المشرفة، ونقلها إلى إسطنبول عاصمة ملكه، وطلب من المعماري سنان باشا تثبيت أربع منها في جامع صوقوللو محمد باشا، بينما وضعت القطعة الخامسة في جامع أسكي في ولاية أدرنة شمال غربي تركيا، فيما احتفظ السلطان سليمان القانوني بأكبر قطعة لتثبت على قبره، وهي موجودة الآن على مدخل الضريح بالفعل. ولقد اقترف "القانوني" جريمته دون اعتبار لما يمثله الحجر الأسود من أهمية في الدين الإسلامي؛ إذ يرتبط بأداء فريضة الحج، الركن الخامس في الإسلام، وكذلك شعيرة العمرة، مكررًا فعلة القرامطة الذين انتزعوا الحجر الأسود في القرن الرابع الهجري، وغيّبوه عن موقعه لأكثر من عقدين.

وفي عام 1917م عقب تعرُّض القوات العثمانية للهزيمة أمام قوات الشريف حسين اقترح السفاح العثماني فخري باشا، الذي فرّغ المدينة المنورة من سكانها عام 1915 في الجريمة المعروفة بـ"سفر برلك"، الاستيلاء على الأمانات النبوية، ونقلها إلى إسطنبول، فجاءته الموافقة؛ فسرق كل الآثار والهدايا التي أُهديت لحجرة النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- على مدار 1300 سنة دون أن يستثني شيئًا، وتولى نقلها عبر ما عُرف بـ"قطار الأمانات المقدسة" عام 1917، ورافقتها حراسة مكونة من ألفَي جندي تركي. وبحسب ما ذكرت المصادر التاريخية، فإن فخري باشا أخرج من الحجرة 14 صندوقًا محملة باللؤلؤ والمشغولات الذهبية والفضية، بعضها يعود إلى عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذ احتفظت أسماء بنت أبي بكر بـ"جبة الرسول" بعد أن أخذتها عن السيدة عائشة.

وبالأمس القريب، وتحديدًا يوم الجمعة الثامن من نوفمبر الماضي، قبضت قوات الأمن السعودية على وافد تركي الجنسية، يبلغ من العمر 24 عامًا، أثناء محاولته سرقة مقتنيات أثرية وأحجار كريمة من داخل معرض الحرمين الشريفين في مكة المكرمة. واعترف المتهم الذي أحالته النيابة العامة إلى المحكمة الجزائية بمكة اليوم (الاثنين) بتسلله إلى المعرض السابعة من صباح الجمعة عبر فتحات التكييف الخاصة بدورات المياه، ومحاولة سرقة مقتنيات وأحجار كريمة، بعد أن تمكن من تعطيل بعض كاميرات المراقبة في المعرض الذي يحتوي على العديد من المقتنيات الأثرية النادرة، والصور الفوتوغرافية القديمة والحديثة للحرمين الشريفين، كما يضم مجموعة من المخطوطات والمصاحف النادرة من مكتبتَي المسجد الحرام والمسجد النبوي.

والمتتبِّع لتلك الوقائع المخزية يتيقن أن الجرم التركي في سرقة المقتنيات النبوية والآثار الإسلامية قديم ومتأصل، وليس عارضًا أو استثنائيًّا؛ ما يعني أنه يشكِّل توجهًا أساسيًّا لدى الدولة التركية. ولا يمكن تبرير تركيا لهذا التوجه بمزاعمها الاعتزاز بالإسلام والمحافظة على الآثار الإسلامية من الانتقال إلى المتاحف الأوروبية؛ لأنه لو كان ذلك صحيحًا لأعادت تركيا تلك الكنوز إلى أماكنها الأصلية في مكة المكرمة والمدينة المنورة حيث يتاح للمسلمين رؤيتها، ولاسيما قطع الحجر الأسود التي لا يصح استمرار الاستيلاء عليها في الوقت الذي يرتبط فيه بأداء الركن الخامس في الإسلام.

ولا تستطيع تركيا إنكار جرائم السرقة الثابتة بوجود الآثار والمقتنيات النبوية لديها، كما لا تستطيع أن تنفي استغلالها السياسي لهذه الكنوز المسروقة، وبناء صورة إيجابية لدى المسلمين، وتشجيع السياحة، التي تدر عليها مليارات الدولارات، وتعد موردًا أساسيًّا للدخل. فتلك هي الأهداف الحقيقية لإصرار تركيا على السطو على الكنوز الإسلامية التي نهبتها، وهي كذلك الدافع الذي حدا بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الزعم بأن "الكنوز النبوية جزءٌ من إرث الدولة العثمانية التاريخي"؛ فطبيعة الإرث أن يكون منجزًا قوميًّا وليس مجلوبًا عن طريق السرقة.

تركيا الدولة العثمانية العالم العربي الآثار الإسلامية المقتنيات النبوية الشريفة
اعلان
من "القانوني" قبل 5 قرون إلى "الوافد" اليوم.. تاريخ تركي أسود في نهب مقتنيات الحرمين
سبق

من النادر أن يعيد التاريخ نفسه إلا في حال تمسُّك دولة ما بتوجُّه معين، تحاول تحقيقه في الواقع بين فترة زمنية وأخرى، عندها يعيد التاريخ نفسه بوتيرة متقاربة، وليست نادرة. وذلك ما ينطبق تمامًا على تركيا في استيلائها على الآثار الإسلامية والكنوز والمقتنيات النبوية الشريفة على مدار تاريخها منذ تأسيس الدولة العثمانية عام 1299هـ، واحتلالها العالم العربي إلى الوقت الحاضر. ولا يُتوقع أن تتخلى عن ذلك التوجه الآثم في المستقبل في ظل استيلائها الذي لا يتوقف على الآثار والمقتنيات الإسلامية.

ففي عام 1571 تجرأ السلطان العثماني سليمان القانوني وسرق ست قطع من الحجر الأسود من الكعبة المشرفة، ونقلها إلى إسطنبول عاصمة ملكه، وطلب من المعماري سنان باشا تثبيت أربع منها في جامع صوقوللو محمد باشا، بينما وضعت القطعة الخامسة في جامع أسكي في ولاية أدرنة شمال غربي تركيا، فيما احتفظ السلطان سليمان القانوني بأكبر قطعة لتثبت على قبره، وهي موجودة الآن على مدخل الضريح بالفعل. ولقد اقترف "القانوني" جريمته دون اعتبار لما يمثله الحجر الأسود من أهمية في الدين الإسلامي؛ إذ يرتبط بأداء فريضة الحج، الركن الخامس في الإسلام، وكذلك شعيرة العمرة، مكررًا فعلة القرامطة الذين انتزعوا الحجر الأسود في القرن الرابع الهجري، وغيّبوه عن موقعه لأكثر من عقدين.

وفي عام 1917م عقب تعرُّض القوات العثمانية للهزيمة أمام قوات الشريف حسين اقترح السفاح العثماني فخري باشا، الذي فرّغ المدينة المنورة من سكانها عام 1915 في الجريمة المعروفة بـ"سفر برلك"، الاستيلاء على الأمانات النبوية، ونقلها إلى إسطنبول، فجاءته الموافقة؛ فسرق كل الآثار والهدايا التي أُهديت لحجرة النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- على مدار 1300 سنة دون أن يستثني شيئًا، وتولى نقلها عبر ما عُرف بـ"قطار الأمانات المقدسة" عام 1917، ورافقتها حراسة مكونة من ألفَي جندي تركي. وبحسب ما ذكرت المصادر التاريخية، فإن فخري باشا أخرج من الحجرة 14 صندوقًا محملة باللؤلؤ والمشغولات الذهبية والفضية، بعضها يعود إلى عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذ احتفظت أسماء بنت أبي بكر بـ"جبة الرسول" بعد أن أخذتها عن السيدة عائشة.

وبالأمس القريب، وتحديدًا يوم الجمعة الثامن من نوفمبر الماضي، قبضت قوات الأمن السعودية على وافد تركي الجنسية، يبلغ من العمر 24 عامًا، أثناء محاولته سرقة مقتنيات أثرية وأحجار كريمة من داخل معرض الحرمين الشريفين في مكة المكرمة. واعترف المتهم الذي أحالته النيابة العامة إلى المحكمة الجزائية بمكة اليوم (الاثنين) بتسلله إلى المعرض السابعة من صباح الجمعة عبر فتحات التكييف الخاصة بدورات المياه، ومحاولة سرقة مقتنيات وأحجار كريمة، بعد أن تمكن من تعطيل بعض كاميرات المراقبة في المعرض الذي يحتوي على العديد من المقتنيات الأثرية النادرة، والصور الفوتوغرافية القديمة والحديثة للحرمين الشريفين، كما يضم مجموعة من المخطوطات والمصاحف النادرة من مكتبتَي المسجد الحرام والمسجد النبوي.

والمتتبِّع لتلك الوقائع المخزية يتيقن أن الجرم التركي في سرقة المقتنيات النبوية والآثار الإسلامية قديم ومتأصل، وليس عارضًا أو استثنائيًّا؛ ما يعني أنه يشكِّل توجهًا أساسيًّا لدى الدولة التركية. ولا يمكن تبرير تركيا لهذا التوجه بمزاعمها الاعتزاز بالإسلام والمحافظة على الآثار الإسلامية من الانتقال إلى المتاحف الأوروبية؛ لأنه لو كان ذلك صحيحًا لأعادت تركيا تلك الكنوز إلى أماكنها الأصلية في مكة المكرمة والمدينة المنورة حيث يتاح للمسلمين رؤيتها، ولاسيما قطع الحجر الأسود التي لا يصح استمرار الاستيلاء عليها في الوقت الذي يرتبط فيه بأداء الركن الخامس في الإسلام.

ولا تستطيع تركيا إنكار جرائم السرقة الثابتة بوجود الآثار والمقتنيات النبوية لديها، كما لا تستطيع أن تنفي استغلالها السياسي لهذه الكنوز المسروقة، وبناء صورة إيجابية لدى المسلمين، وتشجيع السياحة، التي تدر عليها مليارات الدولارات، وتعد موردًا أساسيًّا للدخل. فتلك هي الأهداف الحقيقية لإصرار تركيا على السطو على الكنوز الإسلامية التي نهبتها، وهي كذلك الدافع الذي حدا بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الزعم بأن "الكنوز النبوية جزءٌ من إرث الدولة العثمانية التاريخي"؛ فطبيعة الإرث أن يكون منجزًا قوميًّا وليس مجلوبًا عن طريق السرقة.

06 يناير 2020 - 11 جمادى الأول 1441
10:31 PM

من "القانوني" قبل 5 قرون إلى "الوافد" اليوم.. تاريخ تركي أسود في نهب مقتنيات الحرمين

كرروا فعلة القرامطة بسرقة الحجر الأسود.. ولا يتورعون عن استغلالها سياسيًّا واقتصاديًّا

A A A
7
10,603

من النادر أن يعيد التاريخ نفسه إلا في حال تمسُّك دولة ما بتوجُّه معين، تحاول تحقيقه في الواقع بين فترة زمنية وأخرى، عندها يعيد التاريخ نفسه بوتيرة متقاربة، وليست نادرة. وذلك ما ينطبق تمامًا على تركيا في استيلائها على الآثار الإسلامية والكنوز والمقتنيات النبوية الشريفة على مدار تاريخها منذ تأسيس الدولة العثمانية عام 1299هـ، واحتلالها العالم العربي إلى الوقت الحاضر. ولا يُتوقع أن تتخلى عن ذلك التوجه الآثم في المستقبل في ظل استيلائها الذي لا يتوقف على الآثار والمقتنيات الإسلامية.

ففي عام 1571 تجرأ السلطان العثماني سليمان القانوني وسرق ست قطع من الحجر الأسود من الكعبة المشرفة، ونقلها إلى إسطنبول عاصمة ملكه، وطلب من المعماري سنان باشا تثبيت أربع منها في جامع صوقوللو محمد باشا، بينما وضعت القطعة الخامسة في جامع أسكي في ولاية أدرنة شمال غربي تركيا، فيما احتفظ السلطان سليمان القانوني بأكبر قطعة لتثبت على قبره، وهي موجودة الآن على مدخل الضريح بالفعل. ولقد اقترف "القانوني" جريمته دون اعتبار لما يمثله الحجر الأسود من أهمية في الدين الإسلامي؛ إذ يرتبط بأداء فريضة الحج، الركن الخامس في الإسلام، وكذلك شعيرة العمرة، مكررًا فعلة القرامطة الذين انتزعوا الحجر الأسود في القرن الرابع الهجري، وغيّبوه عن موقعه لأكثر من عقدين.

وفي عام 1917م عقب تعرُّض القوات العثمانية للهزيمة أمام قوات الشريف حسين اقترح السفاح العثماني فخري باشا، الذي فرّغ المدينة المنورة من سكانها عام 1915 في الجريمة المعروفة بـ"سفر برلك"، الاستيلاء على الأمانات النبوية، ونقلها إلى إسطنبول، فجاءته الموافقة؛ فسرق كل الآثار والهدايا التي أُهديت لحجرة النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- على مدار 1300 سنة دون أن يستثني شيئًا، وتولى نقلها عبر ما عُرف بـ"قطار الأمانات المقدسة" عام 1917، ورافقتها حراسة مكونة من ألفَي جندي تركي. وبحسب ما ذكرت المصادر التاريخية، فإن فخري باشا أخرج من الحجرة 14 صندوقًا محملة باللؤلؤ والمشغولات الذهبية والفضية، بعضها يعود إلى عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- إذ احتفظت أسماء بنت أبي بكر بـ"جبة الرسول" بعد أن أخذتها عن السيدة عائشة.

وبالأمس القريب، وتحديدًا يوم الجمعة الثامن من نوفمبر الماضي، قبضت قوات الأمن السعودية على وافد تركي الجنسية، يبلغ من العمر 24 عامًا، أثناء محاولته سرقة مقتنيات أثرية وأحجار كريمة من داخل معرض الحرمين الشريفين في مكة المكرمة. واعترف المتهم الذي أحالته النيابة العامة إلى المحكمة الجزائية بمكة اليوم (الاثنين) بتسلله إلى المعرض السابعة من صباح الجمعة عبر فتحات التكييف الخاصة بدورات المياه، ومحاولة سرقة مقتنيات وأحجار كريمة، بعد أن تمكن من تعطيل بعض كاميرات المراقبة في المعرض الذي يحتوي على العديد من المقتنيات الأثرية النادرة، والصور الفوتوغرافية القديمة والحديثة للحرمين الشريفين، كما يضم مجموعة من المخطوطات والمصاحف النادرة من مكتبتَي المسجد الحرام والمسجد النبوي.

والمتتبِّع لتلك الوقائع المخزية يتيقن أن الجرم التركي في سرقة المقتنيات النبوية والآثار الإسلامية قديم ومتأصل، وليس عارضًا أو استثنائيًّا؛ ما يعني أنه يشكِّل توجهًا أساسيًّا لدى الدولة التركية. ولا يمكن تبرير تركيا لهذا التوجه بمزاعمها الاعتزاز بالإسلام والمحافظة على الآثار الإسلامية من الانتقال إلى المتاحف الأوروبية؛ لأنه لو كان ذلك صحيحًا لأعادت تركيا تلك الكنوز إلى أماكنها الأصلية في مكة المكرمة والمدينة المنورة حيث يتاح للمسلمين رؤيتها، ولاسيما قطع الحجر الأسود التي لا يصح استمرار الاستيلاء عليها في الوقت الذي يرتبط فيه بأداء الركن الخامس في الإسلام.

ولا تستطيع تركيا إنكار جرائم السرقة الثابتة بوجود الآثار والمقتنيات النبوية لديها، كما لا تستطيع أن تنفي استغلالها السياسي لهذه الكنوز المسروقة، وبناء صورة إيجابية لدى المسلمين، وتشجيع السياحة، التي تدر عليها مليارات الدولارات، وتعد موردًا أساسيًّا للدخل. فتلك هي الأهداف الحقيقية لإصرار تركيا على السطو على الكنوز الإسلامية التي نهبتها، وهي كذلك الدافع الذي حدا بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى الزعم بأن "الكنوز النبوية جزءٌ من إرث الدولة العثمانية التاريخي"؛ فطبيعة الإرث أن يكون منجزًا قوميًّا وليس مجلوبًا عن طريق السرقة.