إهانة حفيد الباشا العثماني لحفيد الملك نمر السوداني!

لم يستطع الرئيس السوداني عمر البشير أن يحتفل بذكرى ميلاده الرابع والسبعين في غرة يناير، دون أن يحفر اسمه في التاريخ، كرئيس استثنائي؛ فلم يسبقه أحد من رؤساء جمهورية السودان طوال الإحدى وستين عاماً من استقلالها في عام ١٩٥٦م، أن قسم أو تنازل عن شبر من المليونين كيلو متر مربع تقريباً، وفعلها المشير البشير في عام ٢٠١١م.

لم يكن قبول عمر البشير باستقلال جنوب السودان عن بلاده، الحدثَ الوحيد في رئاسته الممتدة لتسعة وعشرين عاماً بعد الانقلاب العسكري الذي قاده في ١٩٨٩م ضد الرئيس المنتخب الصادق المهدي؛ بل وأعاد العثمانيين إلى السودان بعد ثلاثة قرون من نهاية حكمهم في ١٨٨٢م بإعادة ذكرى "مديرية الحبشة العثمانية"؛ ليكرر الرئيس التركي أردوغان فِعْل جده سليم الأول في ١٥١٧م، بزيارة تاريخية نجح فيها في استلام إدارة وتأهيل "جزيرة سواكن" ومينائها، لفترة زمنية لم تحدد، بالإضافة إلى وجود ملحق لم يتم الإعلان عنه.

لست هنا لأشيد أو أنتقد ما فعله الرئيس السوداني؛ ولكن فقط أستذكر مع إخوتي السودانيين جرائم الدولة العثمانية خلال ٣ قرون تقريباً احتلوا فيها السودان، وبالأخص جزيرة "سواكن"؛ خاصة بعدما صُدمتُ وأنا أقرأ في الإعلام السوداني إساءةً لرمز كالملك "نمر"، والذي يدّعي عمر البشير أنه من ذات القبيلة الجعليين؛ إلا أنه تناسى جده حين قتل العثماني إسماعيل محمد علي باشا في ١٨٢٢م، انتقاماً من إهانته له ولأسرته، ولَم يخجل -ولو قليلاً- حين وصف تركيا بآخر معاقل الخلافة الإسلامية تحت قيادة رجب الطيب أردوغان، كما تناست نائب رئيس حزب الأمة الحاكم الدكتورة مريم الصادق المهدي، أنها طالبت الزعيم التركي بالاعتذار للسودانيين عن الإرث السيئ للدولة العثمانية وما سبّبته من أذى في السودان قبل الزيارة، وقد يكون البشير أو الإعلام السوداني أو حتى البرلمان السوداني الذي هلّل وكبر بمقدم الرئيس أردوغان؛ أرادوا أن يعتذروا لأحفاد إسماعيل باشا بإهداء "سواكن" لهم والإساءة لرمز عربي سوداني كالملك نمر.

حجم التناقض السوداني يفسّر الإهانة التي كرّرها لهم أردوغان ثلاثاً في زيارته للسودان؛ مرة برفعه شعاراً ماسونياً صُنّف إرهاباً ويقف خلف جرائم الإرهاب والتفجيرات في دول تشاركهم العرق؛ كانت الأولى في رفع يده مشيراً بـ"رابعة" من داخل القصر الرئاسي السوداني؛ في إساءة للرئيس السوداني وحكومته.. أما الثانية فكانت في البرلمان السوداني مكرراً ذات الإشارة وكأنه لم يجد مَن يستحق الاحترام أو يستحق الالتزام بالبروتوكول السياسي، وفعلها ثالثة في صرح العلم الأول في السودان جامعة الخرطوم؛ ولكن هذه المرة بكلتا يديه، بعدما اطمأن إلى أن أحداً لن يوبخه؛ بينما في زيارته التالية في تونس فعلها مرة إلى جانب رئيس الجمهورية التونسية الباجي قائد السبسي؛ فوبخه سريعاً وصفعه؛ مذكراً إياه أنه رئيس دولة وليس قائد عصابة؛ فلم يكررها في تونس، ولَم يفكر في أن يكررها في زيارته التي تلتها إلى دولة تشاد أبداً؛ لسببين: الأول عدم وجود جماهير ساذجة لاستمالتهم بشعارات كذابة، والآخر احترامه للرئيس التشادي إدريس ديبي أتنو.

حق مكفول لتركيا ورئيسها التحرك في كل اتجاه؛ فلم نتحدث حين زار طهران تزامناً مع إطلاق "عاصفة الحزم".. هذا حق سياسي له ولدولته، كما أن السعودية تملك الحق في فتح خط علاقات وتعاون وإنشاء قواعد عسكرية مع قبرص وأرمينيا وسواهم متى ما دعت الحاجة.. عَتَبي الوحيد وهو عَتَب شخصي؛ أن يتم التعدي على شعوب وحكومات عربية وإهانتهم في عقر دارهم، أما القواعد التركية في بلدان مجاورة للمملكة؛ فلن تَمَس شعرة من اهتمامنا كسعوديين، نحن نعرف جيداً أن قوة بلادنا عسكرياً وفكرياً اليوم تتجاوز كل القوى التي تكيد لبلادنا شراً.

اعلان
إهانة حفيد الباشا العثماني لحفيد الملك نمر السوداني!
سبق

لم يستطع الرئيس السوداني عمر البشير أن يحتفل بذكرى ميلاده الرابع والسبعين في غرة يناير، دون أن يحفر اسمه في التاريخ، كرئيس استثنائي؛ فلم يسبقه أحد من رؤساء جمهورية السودان طوال الإحدى وستين عاماً من استقلالها في عام ١٩٥٦م، أن قسم أو تنازل عن شبر من المليونين كيلو متر مربع تقريباً، وفعلها المشير البشير في عام ٢٠١١م.

لم يكن قبول عمر البشير باستقلال جنوب السودان عن بلاده، الحدثَ الوحيد في رئاسته الممتدة لتسعة وعشرين عاماً بعد الانقلاب العسكري الذي قاده في ١٩٨٩م ضد الرئيس المنتخب الصادق المهدي؛ بل وأعاد العثمانيين إلى السودان بعد ثلاثة قرون من نهاية حكمهم في ١٨٨٢م بإعادة ذكرى "مديرية الحبشة العثمانية"؛ ليكرر الرئيس التركي أردوغان فِعْل جده سليم الأول في ١٥١٧م، بزيارة تاريخية نجح فيها في استلام إدارة وتأهيل "جزيرة سواكن" ومينائها، لفترة زمنية لم تحدد، بالإضافة إلى وجود ملحق لم يتم الإعلان عنه.

لست هنا لأشيد أو أنتقد ما فعله الرئيس السوداني؛ ولكن فقط أستذكر مع إخوتي السودانيين جرائم الدولة العثمانية خلال ٣ قرون تقريباً احتلوا فيها السودان، وبالأخص جزيرة "سواكن"؛ خاصة بعدما صُدمتُ وأنا أقرأ في الإعلام السوداني إساءةً لرمز كالملك "نمر"، والذي يدّعي عمر البشير أنه من ذات القبيلة الجعليين؛ إلا أنه تناسى جده حين قتل العثماني إسماعيل محمد علي باشا في ١٨٢٢م، انتقاماً من إهانته له ولأسرته، ولَم يخجل -ولو قليلاً- حين وصف تركيا بآخر معاقل الخلافة الإسلامية تحت قيادة رجب الطيب أردوغان، كما تناست نائب رئيس حزب الأمة الحاكم الدكتورة مريم الصادق المهدي، أنها طالبت الزعيم التركي بالاعتذار للسودانيين عن الإرث السيئ للدولة العثمانية وما سبّبته من أذى في السودان قبل الزيارة، وقد يكون البشير أو الإعلام السوداني أو حتى البرلمان السوداني الذي هلّل وكبر بمقدم الرئيس أردوغان؛ أرادوا أن يعتذروا لأحفاد إسماعيل باشا بإهداء "سواكن" لهم والإساءة لرمز عربي سوداني كالملك نمر.

حجم التناقض السوداني يفسّر الإهانة التي كرّرها لهم أردوغان ثلاثاً في زيارته للسودان؛ مرة برفعه شعاراً ماسونياً صُنّف إرهاباً ويقف خلف جرائم الإرهاب والتفجيرات في دول تشاركهم العرق؛ كانت الأولى في رفع يده مشيراً بـ"رابعة" من داخل القصر الرئاسي السوداني؛ في إساءة للرئيس السوداني وحكومته.. أما الثانية فكانت في البرلمان السوداني مكرراً ذات الإشارة وكأنه لم يجد مَن يستحق الاحترام أو يستحق الالتزام بالبروتوكول السياسي، وفعلها ثالثة في صرح العلم الأول في السودان جامعة الخرطوم؛ ولكن هذه المرة بكلتا يديه، بعدما اطمأن إلى أن أحداً لن يوبخه؛ بينما في زيارته التالية في تونس فعلها مرة إلى جانب رئيس الجمهورية التونسية الباجي قائد السبسي؛ فوبخه سريعاً وصفعه؛ مذكراً إياه أنه رئيس دولة وليس قائد عصابة؛ فلم يكررها في تونس، ولَم يفكر في أن يكررها في زيارته التي تلتها إلى دولة تشاد أبداً؛ لسببين: الأول عدم وجود جماهير ساذجة لاستمالتهم بشعارات كذابة، والآخر احترامه للرئيس التشادي إدريس ديبي أتنو.

حق مكفول لتركيا ورئيسها التحرك في كل اتجاه؛ فلم نتحدث حين زار طهران تزامناً مع إطلاق "عاصفة الحزم".. هذا حق سياسي له ولدولته، كما أن السعودية تملك الحق في فتح خط علاقات وتعاون وإنشاء قواعد عسكرية مع قبرص وأرمينيا وسواهم متى ما دعت الحاجة.. عَتَبي الوحيد وهو عَتَب شخصي؛ أن يتم التعدي على شعوب وحكومات عربية وإهانتهم في عقر دارهم، أما القواعد التركية في بلدان مجاورة للمملكة؛ فلن تَمَس شعرة من اهتمامنا كسعوديين، نحن نعرف جيداً أن قوة بلادنا عسكرياً وفكرياً اليوم تتجاوز كل القوى التي تكيد لبلادنا شراً.

28 ديسمبر 2017 - 10 ربيع الآخر 1439
10:06 AM
اخر تعديل
08 يوليو 2018 - 24 شوّال 1439
06:45 PM

إهانة حفيد الباشا العثماني لحفيد الملك نمر السوداني!

صالح السعيد - الرياض
A A A
1
6,711

لم يستطع الرئيس السوداني عمر البشير أن يحتفل بذكرى ميلاده الرابع والسبعين في غرة يناير، دون أن يحفر اسمه في التاريخ، كرئيس استثنائي؛ فلم يسبقه أحد من رؤساء جمهورية السودان طوال الإحدى وستين عاماً من استقلالها في عام ١٩٥٦م، أن قسم أو تنازل عن شبر من المليونين كيلو متر مربع تقريباً، وفعلها المشير البشير في عام ٢٠١١م.

لم يكن قبول عمر البشير باستقلال جنوب السودان عن بلاده، الحدثَ الوحيد في رئاسته الممتدة لتسعة وعشرين عاماً بعد الانقلاب العسكري الذي قاده في ١٩٨٩م ضد الرئيس المنتخب الصادق المهدي؛ بل وأعاد العثمانيين إلى السودان بعد ثلاثة قرون من نهاية حكمهم في ١٨٨٢م بإعادة ذكرى "مديرية الحبشة العثمانية"؛ ليكرر الرئيس التركي أردوغان فِعْل جده سليم الأول في ١٥١٧م، بزيارة تاريخية نجح فيها في استلام إدارة وتأهيل "جزيرة سواكن" ومينائها، لفترة زمنية لم تحدد، بالإضافة إلى وجود ملحق لم يتم الإعلان عنه.

لست هنا لأشيد أو أنتقد ما فعله الرئيس السوداني؛ ولكن فقط أستذكر مع إخوتي السودانيين جرائم الدولة العثمانية خلال ٣ قرون تقريباً احتلوا فيها السودان، وبالأخص جزيرة "سواكن"؛ خاصة بعدما صُدمتُ وأنا أقرأ في الإعلام السوداني إساءةً لرمز كالملك "نمر"، والذي يدّعي عمر البشير أنه من ذات القبيلة الجعليين؛ إلا أنه تناسى جده حين قتل العثماني إسماعيل محمد علي باشا في ١٨٢٢م، انتقاماً من إهانته له ولأسرته، ولَم يخجل -ولو قليلاً- حين وصف تركيا بآخر معاقل الخلافة الإسلامية تحت قيادة رجب الطيب أردوغان، كما تناست نائب رئيس حزب الأمة الحاكم الدكتورة مريم الصادق المهدي، أنها طالبت الزعيم التركي بالاعتذار للسودانيين عن الإرث السيئ للدولة العثمانية وما سبّبته من أذى في السودان قبل الزيارة، وقد يكون البشير أو الإعلام السوداني أو حتى البرلمان السوداني الذي هلّل وكبر بمقدم الرئيس أردوغان؛ أرادوا أن يعتذروا لأحفاد إسماعيل باشا بإهداء "سواكن" لهم والإساءة لرمز عربي سوداني كالملك نمر.

حجم التناقض السوداني يفسّر الإهانة التي كرّرها لهم أردوغان ثلاثاً في زيارته للسودان؛ مرة برفعه شعاراً ماسونياً صُنّف إرهاباً ويقف خلف جرائم الإرهاب والتفجيرات في دول تشاركهم العرق؛ كانت الأولى في رفع يده مشيراً بـ"رابعة" من داخل القصر الرئاسي السوداني؛ في إساءة للرئيس السوداني وحكومته.. أما الثانية فكانت في البرلمان السوداني مكرراً ذات الإشارة وكأنه لم يجد مَن يستحق الاحترام أو يستحق الالتزام بالبروتوكول السياسي، وفعلها ثالثة في صرح العلم الأول في السودان جامعة الخرطوم؛ ولكن هذه المرة بكلتا يديه، بعدما اطمأن إلى أن أحداً لن يوبخه؛ بينما في زيارته التالية في تونس فعلها مرة إلى جانب رئيس الجمهورية التونسية الباجي قائد السبسي؛ فوبخه سريعاً وصفعه؛ مذكراً إياه أنه رئيس دولة وليس قائد عصابة؛ فلم يكررها في تونس، ولَم يفكر في أن يكررها في زيارته التي تلتها إلى دولة تشاد أبداً؛ لسببين: الأول عدم وجود جماهير ساذجة لاستمالتهم بشعارات كذابة، والآخر احترامه للرئيس التشادي إدريس ديبي أتنو.

حق مكفول لتركيا ورئيسها التحرك في كل اتجاه؛ فلم نتحدث حين زار طهران تزامناً مع إطلاق "عاصفة الحزم".. هذا حق سياسي له ولدولته، كما أن السعودية تملك الحق في فتح خط علاقات وتعاون وإنشاء قواعد عسكرية مع قبرص وأرمينيا وسواهم متى ما دعت الحاجة.. عَتَبي الوحيد وهو عَتَب شخصي؛ أن يتم التعدي على شعوب وحكومات عربية وإهانتهم في عقر دارهم، أما القواعد التركية في بلدان مجاورة للمملكة؛ فلن تَمَس شعرة من اهتمامنا كسعوديين، نحن نعرف جيداً أن قوة بلادنا عسكرياً وفكرياً اليوم تتجاوز كل القوى التي تكيد لبلادنا شراً.