موسم الحج وفلسفة التغییر

الإسلام لیس دینًا نظریًّا یركز على العبادات والشعائر وحسب، بل هو دین عظیم متكامل، یهتم بتهذیب السلوك والأخلاق، ویدعو إلى فضائل الأعمال. وموسم الحج أشبه ما یكون بدورة تدریبیة مكثفة للتغییر الإیجابي، وتأهیل النفس البشریة، وتعویدها على الطاعة، وكسر شهوة النفس، وحملها على فعل مراد الله تعالى بكل شوق ومحبة ورغبة صادقة في الأجر والثواب منه سبحانه وتعالى.

وإذا كنا لم نتمكن هذا العام من الذهاب للحج بسبب جائحة كورونا حفاظًا على ضیوف الرحمن، وهذا من أعظم مقاصد الشریعة الإسلامیة، فبالإمكان استثمار موسم الحج في إحداث التغیُّر الإیجابي في حیاتنا أفرادًا ومجتمعات. فكم بیننا من مخالف لتعالیم الإسلام بعید عن منهج الله؟!! كم بیننا من صانع للحقد والكراهیة وناشر للبغضاء بین الناس بما ینفثه من سم زعاف!! كم بیننا من ظالم آكل لحقوق غیره؟!! وكم بیننا من أكَّال للربا، ومستحلٍّ للسحت والمال الحرام!! وكم بیننا من ساعٍ بین الناس بالغیبة والنمیمة!! كم بیننا من فتَّان یفتن الناس عن دینهم وهو یظن أنه ینفعهم بفعله!! كم من طمَّاع حسود یحسد الخلق على ما آتاهم الله من فضله، ویسعى بكل وسعه وطاقته لنشر البؤس والتعاسة بین الجمیع!! وكم بیننا ممن یظلم وطنه ویسيء إلیه بإهدار أوقات العمل فیما لا یفید!! كم بیننا ممن یضیع بإهماله وتقصیره على المؤسسة أو الشركة التي یعمل فیها فرص النمو والتطور؛ لأنه أناني، لا یفكر إلا في مصالحه الشخصیة، ولا یهتم إلا بما یعود علیه وحده بالنفع!! هل یكفي هؤلاء مجرد أداء العبادات كمناسك الحج مثلاً، وقضاء بعض الوقت في العبادة الشكلیة دون تأثیرٍ عمیق وتغییٍر إیجابي جوهري في التصرفات والسلوك؟!! هل البكاء الحار وحده عند أداء عبادةٍ من العبادات كافٍ لإصلاح ما فینا من خلل واعوجاج؟!! هیهات؛ فلن تنفعنا هذه اللحظات المؤقتة من التأثر والانفعال العاطفي، ولن یثمر بكاؤنا كثیرًا ما لم یولِّد فینا توبةً صادقة، ونیةً جازمة وإرادةً قویة للتغییر إلى الأفضل، یتبعها عملٌ جاد، وجهدٌ متواصل؛ إذ لا بد من مسیرةٍ طویلة على طریق الإصلاح، تحفل بالعمل الجاد، ومجاهدة النفس لحملها على الصواب، وإلزامها طریق الله -عز وجل- الذي هو طریق كل خیر وفلاح. وهذه المسیرة لا بد أن تكون مسیرةً جادة، تستمر سنوات وسنوات، ولیس فقط مجرد دقائق أو ساعات أو أیام..!! ولن تفیدنا الأماني كثیرًا، ولن تنفعنا بشيء یذكر ما لم یعقبها عمل جاد وجهد متواصل للتغییر إلى الأفضل؛ فالجائع مثلاً لن تكفیه أحلام الشبع، ولن تغنیه عن الأكل، ولا بد له من بذل الجهد الكافي للحصول على الطعام.

إن الله سبحانه وتعالى لا یرید منا فقط مجرد التأثر العاطفي أو الشكلي، بل العمل الحقیقي النافع الذي یفید الناس في أرض الواقع.. وإن كانت العواطف الصادقة مطلوبة، وأماني الإصلاح خطوة مهمة على الطریق، لكن هذا لا یكفي وحده، ونحن نعلم مدلول قوله تعالى {إنَّ اللهَّ لاَ یُغَیِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى یُغَیِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهمْ} [الرعد:11]

غسان عسيلان
اعلان
موسم الحج وفلسفة التغییر
سبق

الإسلام لیس دینًا نظریًّا یركز على العبادات والشعائر وحسب، بل هو دین عظیم متكامل، یهتم بتهذیب السلوك والأخلاق، ویدعو إلى فضائل الأعمال. وموسم الحج أشبه ما یكون بدورة تدریبیة مكثفة للتغییر الإیجابي، وتأهیل النفس البشریة، وتعویدها على الطاعة، وكسر شهوة النفس، وحملها على فعل مراد الله تعالى بكل شوق ومحبة ورغبة صادقة في الأجر والثواب منه سبحانه وتعالى.

وإذا كنا لم نتمكن هذا العام من الذهاب للحج بسبب جائحة كورونا حفاظًا على ضیوف الرحمن، وهذا من أعظم مقاصد الشریعة الإسلامیة، فبالإمكان استثمار موسم الحج في إحداث التغیُّر الإیجابي في حیاتنا أفرادًا ومجتمعات. فكم بیننا من مخالف لتعالیم الإسلام بعید عن منهج الله؟!! كم بیننا من صانع للحقد والكراهیة وناشر للبغضاء بین الناس بما ینفثه من سم زعاف!! كم بیننا من ظالم آكل لحقوق غیره؟!! وكم بیننا من أكَّال للربا، ومستحلٍّ للسحت والمال الحرام!! وكم بیننا من ساعٍ بین الناس بالغیبة والنمیمة!! كم بیننا من فتَّان یفتن الناس عن دینهم وهو یظن أنه ینفعهم بفعله!! كم من طمَّاع حسود یحسد الخلق على ما آتاهم الله من فضله، ویسعى بكل وسعه وطاقته لنشر البؤس والتعاسة بین الجمیع!! وكم بیننا ممن یظلم وطنه ویسيء إلیه بإهدار أوقات العمل فیما لا یفید!! كم بیننا ممن یضیع بإهماله وتقصیره على المؤسسة أو الشركة التي یعمل فیها فرص النمو والتطور؛ لأنه أناني، لا یفكر إلا في مصالحه الشخصیة، ولا یهتم إلا بما یعود علیه وحده بالنفع!! هل یكفي هؤلاء مجرد أداء العبادات كمناسك الحج مثلاً، وقضاء بعض الوقت في العبادة الشكلیة دون تأثیرٍ عمیق وتغییٍر إیجابي جوهري في التصرفات والسلوك؟!! هل البكاء الحار وحده عند أداء عبادةٍ من العبادات كافٍ لإصلاح ما فینا من خلل واعوجاج؟!! هیهات؛ فلن تنفعنا هذه اللحظات المؤقتة من التأثر والانفعال العاطفي، ولن یثمر بكاؤنا كثیرًا ما لم یولِّد فینا توبةً صادقة، ونیةً جازمة وإرادةً قویة للتغییر إلى الأفضل، یتبعها عملٌ جاد، وجهدٌ متواصل؛ إذ لا بد من مسیرةٍ طویلة على طریق الإصلاح، تحفل بالعمل الجاد، ومجاهدة النفس لحملها على الصواب، وإلزامها طریق الله -عز وجل- الذي هو طریق كل خیر وفلاح. وهذه المسیرة لا بد أن تكون مسیرةً جادة، تستمر سنوات وسنوات، ولیس فقط مجرد دقائق أو ساعات أو أیام..!! ولن تفیدنا الأماني كثیرًا، ولن تنفعنا بشيء یذكر ما لم یعقبها عمل جاد وجهد متواصل للتغییر إلى الأفضل؛ فالجائع مثلاً لن تكفیه أحلام الشبع، ولن تغنیه عن الأكل، ولا بد له من بذل الجهد الكافي للحصول على الطعام.

إن الله سبحانه وتعالى لا یرید منا فقط مجرد التأثر العاطفي أو الشكلي، بل العمل الحقیقي النافع الذي یفید الناس في أرض الواقع.. وإن كانت العواطف الصادقة مطلوبة، وأماني الإصلاح خطوة مهمة على الطریق، لكن هذا لا یكفي وحده، ونحن نعلم مدلول قوله تعالى {إنَّ اللهَّ لاَ یُغَیِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى یُغَیِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهمْ} [الرعد:11]

26 يوليو 2020 - 5 ذو الحجة 1441
09:16 PM
اخر تعديل
12 سبتمبر 2020 - 24 محرّم 1442
05:24 AM

موسم الحج وفلسفة التغییر

غسان محمد عسيلان - الرياض
A A A
0
612

الإسلام لیس دینًا نظریًّا یركز على العبادات والشعائر وحسب، بل هو دین عظیم متكامل، یهتم بتهذیب السلوك والأخلاق، ویدعو إلى فضائل الأعمال. وموسم الحج أشبه ما یكون بدورة تدریبیة مكثفة للتغییر الإیجابي، وتأهیل النفس البشریة، وتعویدها على الطاعة، وكسر شهوة النفس، وحملها على فعل مراد الله تعالى بكل شوق ومحبة ورغبة صادقة في الأجر والثواب منه سبحانه وتعالى.

وإذا كنا لم نتمكن هذا العام من الذهاب للحج بسبب جائحة كورونا حفاظًا على ضیوف الرحمن، وهذا من أعظم مقاصد الشریعة الإسلامیة، فبالإمكان استثمار موسم الحج في إحداث التغیُّر الإیجابي في حیاتنا أفرادًا ومجتمعات. فكم بیننا من مخالف لتعالیم الإسلام بعید عن منهج الله؟!! كم بیننا من صانع للحقد والكراهیة وناشر للبغضاء بین الناس بما ینفثه من سم زعاف!! كم بیننا من ظالم آكل لحقوق غیره؟!! وكم بیننا من أكَّال للربا، ومستحلٍّ للسحت والمال الحرام!! وكم بیننا من ساعٍ بین الناس بالغیبة والنمیمة!! كم بیننا من فتَّان یفتن الناس عن دینهم وهو یظن أنه ینفعهم بفعله!! كم من طمَّاع حسود یحسد الخلق على ما آتاهم الله من فضله، ویسعى بكل وسعه وطاقته لنشر البؤس والتعاسة بین الجمیع!! وكم بیننا ممن یظلم وطنه ویسيء إلیه بإهدار أوقات العمل فیما لا یفید!! كم بیننا ممن یضیع بإهماله وتقصیره على المؤسسة أو الشركة التي یعمل فیها فرص النمو والتطور؛ لأنه أناني، لا یفكر إلا في مصالحه الشخصیة، ولا یهتم إلا بما یعود علیه وحده بالنفع!! هل یكفي هؤلاء مجرد أداء العبادات كمناسك الحج مثلاً، وقضاء بعض الوقت في العبادة الشكلیة دون تأثیرٍ عمیق وتغییٍر إیجابي جوهري في التصرفات والسلوك؟!! هل البكاء الحار وحده عند أداء عبادةٍ من العبادات كافٍ لإصلاح ما فینا من خلل واعوجاج؟!! هیهات؛ فلن تنفعنا هذه اللحظات المؤقتة من التأثر والانفعال العاطفي، ولن یثمر بكاؤنا كثیرًا ما لم یولِّد فینا توبةً صادقة، ونیةً جازمة وإرادةً قویة للتغییر إلى الأفضل، یتبعها عملٌ جاد، وجهدٌ متواصل؛ إذ لا بد من مسیرةٍ طویلة على طریق الإصلاح، تحفل بالعمل الجاد، ومجاهدة النفس لحملها على الصواب، وإلزامها طریق الله -عز وجل- الذي هو طریق كل خیر وفلاح. وهذه المسیرة لا بد أن تكون مسیرةً جادة، تستمر سنوات وسنوات، ولیس فقط مجرد دقائق أو ساعات أو أیام..!! ولن تفیدنا الأماني كثیرًا، ولن تنفعنا بشيء یذكر ما لم یعقبها عمل جاد وجهد متواصل للتغییر إلى الأفضل؛ فالجائع مثلاً لن تكفیه أحلام الشبع، ولن تغنیه عن الأكل، ولا بد له من بذل الجهد الكافي للحصول على الطعام.

إن الله سبحانه وتعالى لا یرید منا فقط مجرد التأثر العاطفي أو الشكلي، بل العمل الحقیقي النافع الذي یفید الناس في أرض الواقع.. وإن كانت العواطف الصادقة مطلوبة، وأماني الإصلاح خطوة مهمة على الطریق، لكن هذا لا یكفي وحده، ونحن نعلم مدلول قوله تعالى {إنَّ اللهَّ لاَ یُغَیِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى یُغَیِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهمْ} [الرعد:11]