طبائع البشر في الجوع والشبع!!

من البديهي أن للغذاء الأثر الكبير على جسم الإنسان وحالته الصحية والنفسية؛ فالغذاء بالزيادة والنقصان له أثر على روح وأخلاق وسلوك الإنسان.. قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}. وفي ذلك يعتقد بعض المفسرين أن ارتباط )أكل الطيبات والعمل الصالح) هو خير دليل على وثاقة العلاقة بينهما، وهي إشارة إلى أن الأطعمة (الحلال) الطيبة تترك أثرًا طيبًا على الروح والأخلاق والسلوك، بخلاف الأطعمة المحرَّمة، التي تترك الأثر السيئ عليها.

الأهم لدينا في هذا السياق هو تغيُّر طبائع البشر عند الجوع بالذات..

مررتُ في ظهيرة أول يوم من رمضان على بائع في أحد المحال، ولحظت في نظراته الحدة، وفي ردوده الجفوة، على غير ما عرفته عنه في الفطر؛ فهو صاحب ابتسامة وكلام حسن.. حينها أيقنت أن (الجوع يخلف الطبوع).

ما أجمل الوسطية في الأكل والشرب! وما أعظم الحكمة في البُعد عن الشبع والجوع. فالشبع يُذهب الفطنة، ويقسي القلب، ويثقل البدن.. وفي المقابل نرى أن لا سلام مع الجياع؛ فالرجل الجائع رجل غاضب، وهذا الجوع نوع من الشر، لكنه في الدين الإسلامي كله خير؛ فالصيام يعلِّمنا الصبر، ويدرِّبنا على اكتساب الكثير من الفوائد.

نحن في رمضان بين فطور وسحور، تعجيل وتأخير.. وأعتقد أن من يطبق السُّنة لن يحس بالجوع؛ لأنه أخَّر السحور، وعجَّل بالإفطار.

ومن مميزات الإحساس بالجوع والعطش أنه يصفي القلب، ويرققه. أما عند الشبع فإنه يعمي القلب، ويضعفه. قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: "ما شبعت منذ ست عشرة سنة، إلا شبعة اطَّرحتها؛ لأن الشبع يثقل البدن، ويغشي القلب، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة".

ويقول آينشتاين: "المعدة الخاوية لا تشكل مستشارًا سياسيًّا"؛ وهذا دليل على أن الغذاء له أهمية في التفكير، والخروج بحلول سليمة وقوية، ولا نستطيع أن نفكر تفكيرًا سليمًا، أو ننام نومًا مريحًا، أو نحب حبًّا جيدًا، إذا كانت معدتنا خاوية.. ويقال: (إن البطون الجائعة ليست لها آذان)، في إشارة واضحة إلى أن الاعتدال في المأكل والمشرب هو الترمومتر الحقيقي لضبط الجسم. يقول أبو سليمان الداراني -رحمه الله تعالى-: "لكل شيء صدأ، وصدأ نور القلب الشبع".

الطبع غلب التطبع، وسلوك الإنسان مرآة، تظهر فيها صورته. يقول عامر بن قيس: "ما عساي أقول في مَن إذا جاع تضرع، وإذا شبع تغنى".

وقد أثبتت الدراسات في العصر الحديث أن سلوكيات الإنسان الخُلقية والنفسية تنطلق من خلال ترشح بعض الهرمونات من الغدد الموجودة في جسم الإنسان، والغدد بدورها تتأثر مباشرة بما يأكله الإنسان.

عبدالمحسن الحارثي
اعلان
طبائع البشر في الجوع والشبع!!
سبق

من البديهي أن للغذاء الأثر الكبير على جسم الإنسان وحالته الصحية والنفسية؛ فالغذاء بالزيادة والنقصان له أثر على روح وأخلاق وسلوك الإنسان.. قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}. وفي ذلك يعتقد بعض المفسرين أن ارتباط )أكل الطيبات والعمل الصالح) هو خير دليل على وثاقة العلاقة بينهما، وهي إشارة إلى أن الأطعمة (الحلال) الطيبة تترك أثرًا طيبًا على الروح والأخلاق والسلوك، بخلاف الأطعمة المحرَّمة، التي تترك الأثر السيئ عليها.

الأهم لدينا في هذا السياق هو تغيُّر طبائع البشر عند الجوع بالذات..

مررتُ في ظهيرة أول يوم من رمضان على بائع في أحد المحال، ولحظت في نظراته الحدة، وفي ردوده الجفوة، على غير ما عرفته عنه في الفطر؛ فهو صاحب ابتسامة وكلام حسن.. حينها أيقنت أن (الجوع يخلف الطبوع).

ما أجمل الوسطية في الأكل والشرب! وما أعظم الحكمة في البُعد عن الشبع والجوع. فالشبع يُذهب الفطنة، ويقسي القلب، ويثقل البدن.. وفي المقابل نرى أن لا سلام مع الجياع؛ فالرجل الجائع رجل غاضب، وهذا الجوع نوع من الشر، لكنه في الدين الإسلامي كله خير؛ فالصيام يعلِّمنا الصبر، ويدرِّبنا على اكتساب الكثير من الفوائد.

نحن في رمضان بين فطور وسحور، تعجيل وتأخير.. وأعتقد أن من يطبق السُّنة لن يحس بالجوع؛ لأنه أخَّر السحور، وعجَّل بالإفطار.

ومن مميزات الإحساس بالجوع والعطش أنه يصفي القلب، ويرققه. أما عند الشبع فإنه يعمي القلب، ويضعفه. قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: "ما شبعت منذ ست عشرة سنة، إلا شبعة اطَّرحتها؛ لأن الشبع يثقل البدن، ويغشي القلب، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة".

ويقول آينشتاين: "المعدة الخاوية لا تشكل مستشارًا سياسيًّا"؛ وهذا دليل على أن الغذاء له أهمية في التفكير، والخروج بحلول سليمة وقوية، ولا نستطيع أن نفكر تفكيرًا سليمًا، أو ننام نومًا مريحًا، أو نحب حبًّا جيدًا، إذا كانت معدتنا خاوية.. ويقال: (إن البطون الجائعة ليست لها آذان)، في إشارة واضحة إلى أن الاعتدال في المأكل والمشرب هو الترمومتر الحقيقي لضبط الجسم. يقول أبو سليمان الداراني -رحمه الله تعالى-: "لكل شيء صدأ، وصدأ نور القلب الشبع".

الطبع غلب التطبع، وسلوك الإنسان مرآة، تظهر فيها صورته. يقول عامر بن قيس: "ما عساي أقول في مَن إذا جاع تضرع، وإذا شبع تغنى".

وقد أثبتت الدراسات في العصر الحديث أن سلوكيات الإنسان الخُلقية والنفسية تنطلق من خلال ترشح بعض الهرمونات من الغدد الموجودة في جسم الإنسان، والغدد بدورها تتأثر مباشرة بما يأكله الإنسان.

18 إبريل 2021 - 6 رمضان 1442
12:07 AM
اخر تعديل
11 يونيو 2021 - 1 ذو القعدة 1442
11:21 PM

طبائع البشر في الجوع والشبع!!

عبدالمحسن الحارثي - الرياض
A A A
2
1,404

من البديهي أن للغذاء الأثر الكبير على جسم الإنسان وحالته الصحية والنفسية؛ فالغذاء بالزيادة والنقصان له أثر على روح وأخلاق وسلوك الإنسان.. قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ۖ إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}. وفي ذلك يعتقد بعض المفسرين أن ارتباط )أكل الطيبات والعمل الصالح) هو خير دليل على وثاقة العلاقة بينهما، وهي إشارة إلى أن الأطعمة (الحلال) الطيبة تترك أثرًا طيبًا على الروح والأخلاق والسلوك، بخلاف الأطعمة المحرَّمة، التي تترك الأثر السيئ عليها.

الأهم لدينا في هذا السياق هو تغيُّر طبائع البشر عند الجوع بالذات..

مررتُ في ظهيرة أول يوم من رمضان على بائع في أحد المحال، ولحظت في نظراته الحدة، وفي ردوده الجفوة، على غير ما عرفته عنه في الفطر؛ فهو صاحب ابتسامة وكلام حسن.. حينها أيقنت أن (الجوع يخلف الطبوع).

ما أجمل الوسطية في الأكل والشرب! وما أعظم الحكمة في البُعد عن الشبع والجوع. فالشبع يُذهب الفطنة، ويقسي القلب، ويثقل البدن.. وفي المقابل نرى أن لا سلام مع الجياع؛ فالرجل الجائع رجل غاضب، وهذا الجوع نوع من الشر، لكنه في الدين الإسلامي كله خير؛ فالصيام يعلِّمنا الصبر، ويدرِّبنا على اكتساب الكثير من الفوائد.

نحن في رمضان بين فطور وسحور، تعجيل وتأخير.. وأعتقد أن من يطبق السُّنة لن يحس بالجوع؛ لأنه أخَّر السحور، وعجَّل بالإفطار.

ومن مميزات الإحساس بالجوع والعطش أنه يصفي القلب، ويرققه. أما عند الشبع فإنه يعمي القلب، ويضعفه. قال الشافعي -رحمه الله تعالى-: "ما شبعت منذ ست عشرة سنة، إلا شبعة اطَّرحتها؛ لأن الشبع يثقل البدن، ويغشي القلب، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة".

ويقول آينشتاين: "المعدة الخاوية لا تشكل مستشارًا سياسيًّا"؛ وهذا دليل على أن الغذاء له أهمية في التفكير، والخروج بحلول سليمة وقوية، ولا نستطيع أن نفكر تفكيرًا سليمًا، أو ننام نومًا مريحًا، أو نحب حبًّا جيدًا، إذا كانت معدتنا خاوية.. ويقال: (إن البطون الجائعة ليست لها آذان)، في إشارة واضحة إلى أن الاعتدال في المأكل والمشرب هو الترمومتر الحقيقي لضبط الجسم. يقول أبو سليمان الداراني -رحمه الله تعالى-: "لكل شيء صدأ، وصدأ نور القلب الشبع".

الطبع غلب التطبع، وسلوك الإنسان مرآة، تظهر فيها صورته. يقول عامر بن قيس: "ما عساي أقول في مَن إذا جاع تضرع، وإذا شبع تغنى".

وقد أثبتت الدراسات في العصر الحديث أن سلوكيات الإنسان الخُلقية والنفسية تنطلق من خلال ترشح بعض الهرمونات من الغدد الموجودة في جسم الإنسان، والغدد بدورها تتأثر مباشرة بما يأكله الإنسان.