هل هذا المسؤول رجل دولة أم موظف كبير؟

نسمع كثيراً لفظ رجل الدولة، ويتحدث العامة أن هذا الوزير أو المسؤول رجل دولة، في خلط عجيب بين ماهية الموظف الكبير ورجل الدولة.. فمن المؤكد أنه ليس كل موظف كبير يستحق أن يقال عنه رجل دولة؛ فرجل الدولة هو الشخصية السياسية المحنكة المتملكة لقدرات فريدة، تُمكّنها من قيادة بلادها في الأزمات وفي الظروف الطبيعية بجدارة فائقة، وهو في العادة يمتلك قدراً كبيراً من المعلومات التي تساعده في إدارة علاقات بلاده الخارجية دون المساس بوحدتها الداخلية، فيتعامل مع الأحداث حسبما تقتضيه الأحوال.. فيعرف متى يسير إلى قمة المواجهة، ومتى ينسحب فيحني رأسه للعاصفة حتى تتجاوزه دون أن تؤثر في شخصيته وصورته لدى الآخرين أو حقوق وطنه، ثم يعود بعد ذلك ليرفع رأسه عالياً.
 
وفي العادة، يراعي رجل الدولة العوامل المحيطة ببلاده، كالموقع الجغرافي وتنوع سياسات البلاد المجاورة، ويسخّر كل هذا للاستفادة منه لمصلحة بلاده حاضراً أو مستقبلاً.
 
وقد لا يكون لرجل الدولة أثرٌ واضحٌ في السياسة الخارجية لبلاده، ولكنه يكون مؤثراً بشكل كبير في القرارات الداخلية بما يحفظ توازن بلاده، ويعطي الانطباع لمختلف فئات الشعب أن هناك رجلاً مميزاً يمسك بدفة الأمور.
 
ويخلط العامة بين الموظف الكبير ورجل الدولة، مع أن الموظف الكبير قد يصل إلى مرتبته العالية نتيجة الحظ أو الولاء، أو بسبب قدرته على ممارسة الانتهازية والنفاق، وربما يكون متميزاً في مجال واحد يرتقي بسببه إلا أنه يبقى رغم وصوله لمرتبة عالية في دولته رجلاً مرتعشاً متردداً، لا يحسن اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب خوفاً على منصبه، حتى وإن تظاهر بالقوة. وفي العادة يجمع حوله أصدقاء المنصب الذين يسمعونه ما يطرب له من ثناء؛ فتتضخم عنده الذات، وتكبر لديه الأنا؛ فيبعد عنه أصدقاؤه الخلص والمستشارين النزيهين الذين يصدقونه القول والنصح؛ لذا يظل الجهاز الذي يشرف عليه دون تطوير؛ لكونه بسبب تردده وعدم سماعه للنصيحة تحول تدريجياً من موظف كبير إلى مجرد (قضاب قش)، وإن كان هذا بطبيعة الحال لا ينطبق على عموم الموظفين الكبار؛ فبعضهم يؤدي دوره بكل جدارة واقتدار.
 
ولعل التاريخ يحفل بنماذج كثيرة من رجال الدولة ممن تركوا بصمات في بلادهم؛ فظلوا في ذاكرة التاريخ رغم توالي الأشخاص الذين تسنموا المناصب نفسها من بعدهم، مثل رئيس الوزراء البريطاني تشرشل الذي قاد بلاده أثناء الحرب العالمية الثانية، وكذلك الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه - الذي قاد أفضل وحدة في العصر الحديث رغم صعوبة الظروف، وكذا أبناؤه البررة الذين قادوا البلاد بحنكة متناهية متجاوزين بها أحداثاً دولية وإقليمية غاية في الحساسية، عصفت بالكثير من الدول.. فهل ينسى التاريخ الملك فهد  - رحمه الله - وقيادته لبلادنا بدهاء وجدارة أثناء حربي الخليج، والملك عبدالله - رحمه الله - الذي استطاع بكل اقتدار أن يتعامل مع فترة عصيبة جداً مرت بها السعودية بعد أحداث سبتمبر. والآن خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - الذي اتخذ قراراً غاية في الصعوبة، مؤداه حماية بلادنا من خطر اقترب؛ فكانت عاصفة الحزم. وكذلك من رجال الدولة في العصر الحديث الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك الذي قاد مصر ثلاثين عاماً مؤمِّناً لها الاستقرار والأمن بقوة شخصيته ودهائه، وكذا الرئيس التركي أردوغان الذي نهض ببلاده بشكل لافت. 
 
وأما من غير الرؤساء فيأتي عبدالله السليمان الوزير في عهد الملك عبدالعزيز لتأثيره الكبير آنذاك الذي يوصله إلى مصاف رجال الدول، ومثله مصطفى النحاس باشا في مصر الذي ترأس الحكومة في بلاده مرات عدة، وهو أحد أبرز السياسيين المصريين في القرن العشرين.
 
وبمناسبة الحديث عن مصر، فقد جلست إلى مسؤولين سابقين فيها فعجبت من قدرتهم على تحليل الأحداث وقراءة المستقبل والخلفية الثقافية والسياسية التي يستندون إليها؛ ما يشير إلى أنهم كانوا فعلاً جديرين بالإمساك بدفة المسؤولية. 

اعلان
هل هذا المسؤول رجل دولة أم موظف كبير؟
سبق
نسمع كثيراً لفظ رجل الدولة، ويتحدث العامة أن هذا الوزير أو المسؤول رجل دولة، في خلط عجيب بين ماهية الموظف الكبير ورجل الدولة.. فمن المؤكد أنه ليس كل موظف كبير يستحق أن يقال عنه رجل دولة؛ فرجل الدولة هو الشخصية السياسية المحنكة المتملكة لقدرات فريدة، تُمكّنها من قيادة بلادها في الأزمات وفي الظروف الطبيعية بجدارة فائقة، وهو في العادة يمتلك قدراً كبيراً من المعلومات التي تساعده في إدارة علاقات بلاده الخارجية دون المساس بوحدتها الداخلية، فيتعامل مع الأحداث حسبما تقتضيه الأحوال.. فيعرف متى يسير إلى قمة المواجهة، ومتى ينسحب فيحني رأسه للعاصفة حتى تتجاوزه دون أن تؤثر في شخصيته وصورته لدى الآخرين أو حقوق وطنه، ثم يعود بعد ذلك ليرفع رأسه عالياً.
 
وفي العادة، يراعي رجل الدولة العوامل المحيطة ببلاده، كالموقع الجغرافي وتنوع سياسات البلاد المجاورة، ويسخّر كل هذا للاستفادة منه لمصلحة بلاده حاضراً أو مستقبلاً.
 
وقد لا يكون لرجل الدولة أثرٌ واضحٌ في السياسة الخارجية لبلاده، ولكنه يكون مؤثراً بشكل كبير في القرارات الداخلية بما يحفظ توازن بلاده، ويعطي الانطباع لمختلف فئات الشعب أن هناك رجلاً مميزاً يمسك بدفة الأمور.
 
ويخلط العامة بين الموظف الكبير ورجل الدولة، مع أن الموظف الكبير قد يصل إلى مرتبته العالية نتيجة الحظ أو الولاء، أو بسبب قدرته على ممارسة الانتهازية والنفاق، وربما يكون متميزاً في مجال واحد يرتقي بسببه إلا أنه يبقى رغم وصوله لمرتبة عالية في دولته رجلاً مرتعشاً متردداً، لا يحسن اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب خوفاً على منصبه، حتى وإن تظاهر بالقوة. وفي العادة يجمع حوله أصدقاء المنصب الذين يسمعونه ما يطرب له من ثناء؛ فتتضخم عنده الذات، وتكبر لديه الأنا؛ فيبعد عنه أصدقاؤه الخلص والمستشارين النزيهين الذين يصدقونه القول والنصح؛ لذا يظل الجهاز الذي يشرف عليه دون تطوير؛ لكونه بسبب تردده وعدم سماعه للنصيحة تحول تدريجياً من موظف كبير إلى مجرد (قضاب قش)، وإن كان هذا بطبيعة الحال لا ينطبق على عموم الموظفين الكبار؛ فبعضهم يؤدي دوره بكل جدارة واقتدار.
 
ولعل التاريخ يحفل بنماذج كثيرة من رجال الدولة ممن تركوا بصمات في بلادهم؛ فظلوا في ذاكرة التاريخ رغم توالي الأشخاص الذين تسنموا المناصب نفسها من بعدهم، مثل رئيس الوزراء البريطاني تشرشل الذي قاد بلاده أثناء الحرب العالمية الثانية، وكذلك الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه - الذي قاد أفضل وحدة في العصر الحديث رغم صعوبة الظروف، وكذا أبناؤه البررة الذين قادوا البلاد بحنكة متناهية متجاوزين بها أحداثاً دولية وإقليمية غاية في الحساسية، عصفت بالكثير من الدول.. فهل ينسى التاريخ الملك فهد  - رحمه الله - وقيادته لبلادنا بدهاء وجدارة أثناء حربي الخليج، والملك عبدالله - رحمه الله - الذي استطاع بكل اقتدار أن يتعامل مع فترة عصيبة جداً مرت بها السعودية بعد أحداث سبتمبر. والآن خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - الذي اتخذ قراراً غاية في الصعوبة، مؤداه حماية بلادنا من خطر اقترب؛ فكانت عاصفة الحزم. وكذلك من رجال الدولة في العصر الحديث الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك الذي قاد مصر ثلاثين عاماً مؤمِّناً لها الاستقرار والأمن بقوة شخصيته ودهائه، وكذا الرئيس التركي أردوغان الذي نهض ببلاده بشكل لافت. 
 
وأما من غير الرؤساء فيأتي عبدالله السليمان الوزير في عهد الملك عبدالعزيز لتأثيره الكبير آنذاك الذي يوصله إلى مصاف رجال الدول، ومثله مصطفى النحاس باشا في مصر الذي ترأس الحكومة في بلاده مرات عدة، وهو أحد أبرز السياسيين المصريين في القرن العشرين.
 
وبمناسبة الحديث عن مصر، فقد جلست إلى مسؤولين سابقين فيها فعجبت من قدرتهم على تحليل الأحداث وقراءة المستقبل والخلفية الثقافية والسياسية التي يستندون إليها؛ ما يشير إلى أنهم كانوا فعلاً جديرين بالإمساك بدفة المسؤولية. 
27 مايو 2015 - 9 شعبان 1436
10:14 AM

هل هذا المسؤول رجل دولة أم موظف كبير؟

A A A
0
11,086

نسمع كثيراً لفظ رجل الدولة، ويتحدث العامة أن هذا الوزير أو المسؤول رجل دولة، في خلط عجيب بين ماهية الموظف الكبير ورجل الدولة.. فمن المؤكد أنه ليس كل موظف كبير يستحق أن يقال عنه رجل دولة؛ فرجل الدولة هو الشخصية السياسية المحنكة المتملكة لقدرات فريدة، تُمكّنها من قيادة بلادها في الأزمات وفي الظروف الطبيعية بجدارة فائقة، وهو في العادة يمتلك قدراً كبيراً من المعلومات التي تساعده في إدارة علاقات بلاده الخارجية دون المساس بوحدتها الداخلية، فيتعامل مع الأحداث حسبما تقتضيه الأحوال.. فيعرف متى يسير إلى قمة المواجهة، ومتى ينسحب فيحني رأسه للعاصفة حتى تتجاوزه دون أن تؤثر في شخصيته وصورته لدى الآخرين أو حقوق وطنه، ثم يعود بعد ذلك ليرفع رأسه عالياً.
 
وفي العادة، يراعي رجل الدولة العوامل المحيطة ببلاده، كالموقع الجغرافي وتنوع سياسات البلاد المجاورة، ويسخّر كل هذا للاستفادة منه لمصلحة بلاده حاضراً أو مستقبلاً.
 
وقد لا يكون لرجل الدولة أثرٌ واضحٌ في السياسة الخارجية لبلاده، ولكنه يكون مؤثراً بشكل كبير في القرارات الداخلية بما يحفظ توازن بلاده، ويعطي الانطباع لمختلف فئات الشعب أن هناك رجلاً مميزاً يمسك بدفة الأمور.
 
ويخلط العامة بين الموظف الكبير ورجل الدولة، مع أن الموظف الكبير قد يصل إلى مرتبته العالية نتيجة الحظ أو الولاء، أو بسبب قدرته على ممارسة الانتهازية والنفاق، وربما يكون متميزاً في مجال واحد يرتقي بسببه إلا أنه يبقى رغم وصوله لمرتبة عالية في دولته رجلاً مرتعشاً متردداً، لا يحسن اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب خوفاً على منصبه، حتى وإن تظاهر بالقوة. وفي العادة يجمع حوله أصدقاء المنصب الذين يسمعونه ما يطرب له من ثناء؛ فتتضخم عنده الذات، وتكبر لديه الأنا؛ فيبعد عنه أصدقاؤه الخلص والمستشارين النزيهين الذين يصدقونه القول والنصح؛ لذا يظل الجهاز الذي يشرف عليه دون تطوير؛ لكونه بسبب تردده وعدم سماعه للنصيحة تحول تدريجياً من موظف كبير إلى مجرد (قضاب قش)، وإن كان هذا بطبيعة الحال لا ينطبق على عموم الموظفين الكبار؛ فبعضهم يؤدي دوره بكل جدارة واقتدار.
 
ولعل التاريخ يحفل بنماذج كثيرة من رجال الدولة ممن تركوا بصمات في بلادهم؛ فظلوا في ذاكرة التاريخ رغم توالي الأشخاص الذين تسنموا المناصب نفسها من بعدهم، مثل رئيس الوزراء البريطاني تشرشل الذي قاد بلاده أثناء الحرب العالمية الثانية، وكذلك الملك عبد العزيز - طيب الله ثراه - الذي قاد أفضل وحدة في العصر الحديث رغم صعوبة الظروف، وكذا أبناؤه البررة الذين قادوا البلاد بحنكة متناهية متجاوزين بها أحداثاً دولية وإقليمية غاية في الحساسية، عصفت بالكثير من الدول.. فهل ينسى التاريخ الملك فهد  - رحمه الله - وقيادته لبلادنا بدهاء وجدارة أثناء حربي الخليج، والملك عبدالله - رحمه الله - الذي استطاع بكل اقتدار أن يتعامل مع فترة عصيبة جداً مرت بها السعودية بعد أحداث سبتمبر. والآن خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - الذي اتخذ قراراً غاية في الصعوبة، مؤداه حماية بلادنا من خطر اقترب؛ فكانت عاصفة الحزم. وكذلك من رجال الدولة في العصر الحديث الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك الذي قاد مصر ثلاثين عاماً مؤمِّناً لها الاستقرار والأمن بقوة شخصيته ودهائه، وكذا الرئيس التركي أردوغان الذي نهض ببلاده بشكل لافت. 
 
وأما من غير الرؤساء فيأتي عبدالله السليمان الوزير في عهد الملك عبدالعزيز لتأثيره الكبير آنذاك الذي يوصله إلى مصاف رجال الدول، ومثله مصطفى النحاس باشا في مصر الذي ترأس الحكومة في بلاده مرات عدة، وهو أحد أبرز السياسيين المصريين في القرن العشرين.
 
وبمناسبة الحديث عن مصر، فقد جلست إلى مسؤولين سابقين فيها فعجبت من قدرتهم على تحليل الأحداث وقراءة المستقبل والخلفية الثقافية والسياسية التي يستندون إليها؛ ما يشير إلى أنهم كانوا فعلاً جديرين بالإمساك بدفة المسؤولية.