لغتنا العربية.. هي هويتنا

تُعد اللغة أحد أبرز مكونات الشخصية الإنسانية؛ لأن اللغة - أية لغة - ليست مجرد رموز تُكتب، ولا أصوات تُنطق؛ لتعبر عن الحروف التي تتجمع في كلمات، تتشكل منها الجُمل والعبارات، وإنما اللغة هي وعاء الأفكار والمعاني والقناعات والمعتقدات التي يؤمن بها الإنسان.. اللغة هي ترجمة حقيقية للثقافة والهوية، وانعكاس صادق لمدى التحضر والرقي. ولغتنا العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل الإنساني، بل هي مكوِّن أساسي، يُعد أحد أبرز وأهم مكونات الهوية العربية والإسلامية.

وتزداد أهمية لغتنا العربية في الحقبة التاريخية الحساسة التي تعيشها أمتنا العربية حاليًا، ولاسيما في هذا المنعطف التاريخي الذي تشن فيه الكثير من القوى الإقليمية والدولية حملات فكرية بهدف طمس هويتنا، واقتلاع أبنائنا من جذورهم، وسلخهم عن القيم والعادات العربية الأصيلة تحت مزاعم واهية، تزعم انخراط البشر جميعًا في ظل هوية واحدة، اسمها العولمة، وتدعي انصهارهم معًا في بوتقة ثقافية كونية واحدة!

واللغة هي أبرز سمات المجتمع الإنساني؛ ومن هذا المنطلق فاللغة هي ذاكرة الأمة وتاريخها.. ووجود أي أمة مرتبط بوجود لغتها. ويؤكد لنا التاريخ أن الأمم التي انقرضت لغاتها زالت من الوجود، واندثرت معالمها بعد ضياع واندثار لغتها. كما يحدِّثنا التاريخ بأنه ما من حضارة إنسانية ازدهرت إلا وصاحبها نهضة لغوية، فاللغة هي أشبه بالمنظار الذي يدرك الإنسان الحياة من خلاله، وينظر عبره إلى العالم.

ويؤكد علماء الأنثروبولوجي أن اللغة هي وعاء الفكر، وأحد أهم مقاييس الهوية والانتماء؛ فاللغة بمنزلة حاوية ضخمة، تجمع تراث الأمة وتحفظه بعد أن تمزجه وتطبعه بطابع خاص، يميز هذه الأمة بهويتها الخاصة، وتستوعب مقومات فكرها، وتنوُّع ثقافتها مع مرور الأيام وتوالي عصور التاريخ.. فاللغة هي مادة التوثيق التي تضمن لثقافة الأمة وفكرها وحضارتها البقاء والديمومة، وتشكِّل هوية أجيالها الجديدة المتتابعة مع مرور الزمن؛ فتُسهِم في توحيد أفكارهم، وصياغة أهدافهم المشتركة، وتوحيد صفوفهم في مواجهة أعدائهم.

وليس بخافٍ على أحد أن الإسلام قد أضفى أهمية كبرى على اللغة العربية، بل جعل لها أهمية عظمى عند المسلمين حتى ولو كانوا من أصول غير عربية؛ لأنها لغة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. وكون اللغة العربية أداة ووسيلة مهمة لفهم الدين الإسلامي فقد ارتبط بها المسلمون على مرّ التاريخ، وأقبلوا على تعلمها، وبرعوا فيها حتى إن أبرز علماء العربية ليسوا من العرب، مثل سيبويه.

لقد أقبلت الشعوب التي اعتنقت الإسلام على تعلُّم اللغة العربية، وأثبتت هذه اللغة أنها قادرة على استيعاب ثقافات تلك الشعوب، واحتواء أفكارهم، وتلبية حاجاتهم، والتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم؛ فانصهروا في بوتقة هذه اللغة، وصاروا جزءًا منها، حتى باتت اللغة العربية في أواخر القرن الثاني عشر للميلاد لغة العلم والحضارة في العالم، وبقيت كذلك قرونًا عدة من عمر الزمان، وأقبل الناس في الشرق والغرب على تعلُّم اللغة العربية، والإفادة منها ومن معارفها.. وبرز من بين غير العرب من تعلم العربية، وتفوق فيها على أقرانه العرب. وسار ركب الحضارة العربية الإسلامية قرونًا من الزمن.

وقد عرف عظمة اللغة العربية كل من اطلع عليها وتعلمها، وغاص في أسرارها، من العرب وغير العرب؛ وهذا يجعلنا نزداد اعتزازًا بها رغم أن واقع أمتنا العربية الآن ينعكس سلبيًّا على واقع اللغة العربية؛ فنرى إهمال الكثير من أبنائها لها؛ فهي في نظر الكثيرين منهم لغة عقيمة جامدة، لا تواكب روح العصر، ولا تجاريه!! لكن هذا الأمر ليس صحيحًا؛ فهي لغة حية، قادرة على مواكبة تغيرات الفكر والثقافة في أي عصر من العصور شريطة الاهتمام بها، وتعهدها بالرعاية والعناية، وعدم تركها لعوامل الجمود والذبول والضياع.

غسان عسيلان
اعلان
لغتنا العربية.. هي هويتنا
سبق

تُعد اللغة أحد أبرز مكونات الشخصية الإنسانية؛ لأن اللغة - أية لغة - ليست مجرد رموز تُكتب، ولا أصوات تُنطق؛ لتعبر عن الحروف التي تتجمع في كلمات، تتشكل منها الجُمل والعبارات، وإنما اللغة هي وعاء الأفكار والمعاني والقناعات والمعتقدات التي يؤمن بها الإنسان.. اللغة هي ترجمة حقيقية للثقافة والهوية، وانعكاس صادق لمدى التحضر والرقي. ولغتنا العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل الإنساني، بل هي مكوِّن أساسي، يُعد أحد أبرز وأهم مكونات الهوية العربية والإسلامية.

وتزداد أهمية لغتنا العربية في الحقبة التاريخية الحساسة التي تعيشها أمتنا العربية حاليًا، ولاسيما في هذا المنعطف التاريخي الذي تشن فيه الكثير من القوى الإقليمية والدولية حملات فكرية بهدف طمس هويتنا، واقتلاع أبنائنا من جذورهم، وسلخهم عن القيم والعادات العربية الأصيلة تحت مزاعم واهية، تزعم انخراط البشر جميعًا في ظل هوية واحدة، اسمها العولمة، وتدعي انصهارهم معًا في بوتقة ثقافية كونية واحدة!

واللغة هي أبرز سمات المجتمع الإنساني؛ ومن هذا المنطلق فاللغة هي ذاكرة الأمة وتاريخها.. ووجود أي أمة مرتبط بوجود لغتها. ويؤكد لنا التاريخ أن الأمم التي انقرضت لغاتها زالت من الوجود، واندثرت معالمها بعد ضياع واندثار لغتها. كما يحدِّثنا التاريخ بأنه ما من حضارة إنسانية ازدهرت إلا وصاحبها نهضة لغوية، فاللغة هي أشبه بالمنظار الذي يدرك الإنسان الحياة من خلاله، وينظر عبره إلى العالم.

ويؤكد علماء الأنثروبولوجي أن اللغة هي وعاء الفكر، وأحد أهم مقاييس الهوية والانتماء؛ فاللغة بمنزلة حاوية ضخمة، تجمع تراث الأمة وتحفظه بعد أن تمزجه وتطبعه بطابع خاص، يميز هذه الأمة بهويتها الخاصة، وتستوعب مقومات فكرها، وتنوُّع ثقافتها مع مرور الأيام وتوالي عصور التاريخ.. فاللغة هي مادة التوثيق التي تضمن لثقافة الأمة وفكرها وحضارتها البقاء والديمومة، وتشكِّل هوية أجيالها الجديدة المتتابعة مع مرور الزمن؛ فتُسهِم في توحيد أفكارهم، وصياغة أهدافهم المشتركة، وتوحيد صفوفهم في مواجهة أعدائهم.

وليس بخافٍ على أحد أن الإسلام قد أضفى أهمية كبرى على اللغة العربية، بل جعل لها أهمية عظمى عند المسلمين حتى ولو كانوا من أصول غير عربية؛ لأنها لغة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. وكون اللغة العربية أداة ووسيلة مهمة لفهم الدين الإسلامي فقد ارتبط بها المسلمون على مرّ التاريخ، وأقبلوا على تعلمها، وبرعوا فيها حتى إن أبرز علماء العربية ليسوا من العرب، مثل سيبويه.

لقد أقبلت الشعوب التي اعتنقت الإسلام على تعلُّم اللغة العربية، وأثبتت هذه اللغة أنها قادرة على استيعاب ثقافات تلك الشعوب، واحتواء أفكارهم، وتلبية حاجاتهم، والتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم؛ فانصهروا في بوتقة هذه اللغة، وصاروا جزءًا منها، حتى باتت اللغة العربية في أواخر القرن الثاني عشر للميلاد لغة العلم والحضارة في العالم، وبقيت كذلك قرونًا عدة من عمر الزمان، وأقبل الناس في الشرق والغرب على تعلُّم اللغة العربية، والإفادة منها ومن معارفها.. وبرز من بين غير العرب من تعلم العربية، وتفوق فيها على أقرانه العرب. وسار ركب الحضارة العربية الإسلامية قرونًا من الزمن.

وقد عرف عظمة اللغة العربية كل من اطلع عليها وتعلمها، وغاص في أسرارها، من العرب وغير العرب؛ وهذا يجعلنا نزداد اعتزازًا بها رغم أن واقع أمتنا العربية الآن ينعكس سلبيًّا على واقع اللغة العربية؛ فنرى إهمال الكثير من أبنائها لها؛ فهي في نظر الكثيرين منهم لغة عقيمة جامدة، لا تواكب روح العصر، ولا تجاريه!! لكن هذا الأمر ليس صحيحًا؛ فهي لغة حية، قادرة على مواكبة تغيرات الفكر والثقافة في أي عصر من العصور شريطة الاهتمام بها، وتعهدها بالرعاية والعناية، وعدم تركها لعوامل الجمود والذبول والضياع.

22 ديسمبر 2020 - 7 جمادى الأول 1442
09:11 PM
اخر تعديل
07 إبريل 2021 - 25 شعبان 1442
05:27 PM

لغتنا العربية.. هي هويتنا

غسان محمد عسيلان - الرياض
A A A
0
380

تُعد اللغة أحد أبرز مكونات الشخصية الإنسانية؛ لأن اللغة - أية لغة - ليست مجرد رموز تُكتب، ولا أصوات تُنطق؛ لتعبر عن الحروف التي تتجمع في كلمات، تتشكل منها الجُمل والعبارات، وإنما اللغة هي وعاء الأفكار والمعاني والقناعات والمعتقدات التي يؤمن بها الإنسان.. اللغة هي ترجمة حقيقية للثقافة والهوية، وانعكاس صادق لمدى التحضر والرقي. ولغتنا العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل الإنساني، بل هي مكوِّن أساسي، يُعد أحد أبرز وأهم مكونات الهوية العربية والإسلامية.

وتزداد أهمية لغتنا العربية في الحقبة التاريخية الحساسة التي تعيشها أمتنا العربية حاليًا، ولاسيما في هذا المنعطف التاريخي الذي تشن فيه الكثير من القوى الإقليمية والدولية حملات فكرية بهدف طمس هويتنا، واقتلاع أبنائنا من جذورهم، وسلخهم عن القيم والعادات العربية الأصيلة تحت مزاعم واهية، تزعم انخراط البشر جميعًا في ظل هوية واحدة، اسمها العولمة، وتدعي انصهارهم معًا في بوتقة ثقافية كونية واحدة!

واللغة هي أبرز سمات المجتمع الإنساني؛ ومن هذا المنطلق فاللغة هي ذاكرة الأمة وتاريخها.. ووجود أي أمة مرتبط بوجود لغتها. ويؤكد لنا التاريخ أن الأمم التي انقرضت لغاتها زالت من الوجود، واندثرت معالمها بعد ضياع واندثار لغتها. كما يحدِّثنا التاريخ بأنه ما من حضارة إنسانية ازدهرت إلا وصاحبها نهضة لغوية، فاللغة هي أشبه بالمنظار الذي يدرك الإنسان الحياة من خلاله، وينظر عبره إلى العالم.

ويؤكد علماء الأنثروبولوجي أن اللغة هي وعاء الفكر، وأحد أهم مقاييس الهوية والانتماء؛ فاللغة بمنزلة حاوية ضخمة، تجمع تراث الأمة وتحفظه بعد أن تمزجه وتطبعه بطابع خاص، يميز هذه الأمة بهويتها الخاصة، وتستوعب مقومات فكرها، وتنوُّع ثقافتها مع مرور الأيام وتوالي عصور التاريخ.. فاللغة هي مادة التوثيق التي تضمن لثقافة الأمة وفكرها وحضارتها البقاء والديمومة، وتشكِّل هوية أجيالها الجديدة المتتابعة مع مرور الزمن؛ فتُسهِم في توحيد أفكارهم، وصياغة أهدافهم المشتركة، وتوحيد صفوفهم في مواجهة أعدائهم.

وليس بخافٍ على أحد أن الإسلام قد أضفى أهمية كبرى على اللغة العربية، بل جعل لها أهمية عظمى عند المسلمين حتى ولو كانوا من أصول غير عربية؛ لأنها لغة القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة. وكون اللغة العربية أداة ووسيلة مهمة لفهم الدين الإسلامي فقد ارتبط بها المسلمون على مرّ التاريخ، وأقبلوا على تعلمها، وبرعوا فيها حتى إن أبرز علماء العربية ليسوا من العرب، مثل سيبويه.

لقد أقبلت الشعوب التي اعتنقت الإسلام على تعلُّم اللغة العربية، وأثبتت هذه اللغة أنها قادرة على استيعاب ثقافات تلك الشعوب، واحتواء أفكارهم، وتلبية حاجاتهم، والتعبير عن أفكارهم ومشاعرهم؛ فانصهروا في بوتقة هذه اللغة، وصاروا جزءًا منها، حتى باتت اللغة العربية في أواخر القرن الثاني عشر للميلاد لغة العلم والحضارة في العالم، وبقيت كذلك قرونًا عدة من عمر الزمان، وأقبل الناس في الشرق والغرب على تعلُّم اللغة العربية، والإفادة منها ومن معارفها.. وبرز من بين غير العرب من تعلم العربية، وتفوق فيها على أقرانه العرب. وسار ركب الحضارة العربية الإسلامية قرونًا من الزمن.

وقد عرف عظمة اللغة العربية كل من اطلع عليها وتعلمها، وغاص في أسرارها، من العرب وغير العرب؛ وهذا يجعلنا نزداد اعتزازًا بها رغم أن واقع أمتنا العربية الآن ينعكس سلبيًّا على واقع اللغة العربية؛ فنرى إهمال الكثير من أبنائها لها؛ فهي في نظر الكثيرين منهم لغة عقيمة جامدة، لا تواكب روح العصر، ولا تجاريه!! لكن هذا الأمر ليس صحيحًا؛ فهي لغة حية، قادرة على مواكبة تغيرات الفكر والثقافة في أي عصر من العصور شريطة الاهتمام بها، وتعهدها بالرعاية والعناية، وعدم تركها لعوامل الجمود والذبول والضياع.