في المحكمة.. الرأفة والمحبة للأم المقعدة تسبب خصامًا وبكاءً ورجاءً بين الأشقاء المسنين.. والكل يطالب بـ"نور البيت"!

قصة سطرت واقعًا مضيئًا بمجتمعنا.. وزواج أخيهم من امرأة ثانية تسبب بالمشكلة.. وهكذا اتفق الجميع على حل!
في المحكمة.. الرأفة والمحبة للأم المقعدة تسبب خصامًا وبكاءً ورجاءً بين الأشقاء المسنين.. والكل يطالب بـ"نور البيت"!

جُبلت النفوس على حب من أحسن إليها، وتعلقت القلوب بمن كان له فضل عليها، وليس أعظم إحسانًا ولا أكثر فضلاً بعد الله -سبحانه وتعالى- من الوالدين، حيث قرن الله حقهما بحقه، وشكرهما بشكره، وأوصى بهما إحسانًا بعد الأمر بعبادته: (وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسَـانًا).

قصة واقعية تحكي جانبًا مضيئًا للمجتمع في ظل ما يحدث في العالم المعاصر من التباعد الاجتماعي، قصة تبين سمو الإسلام وعالميته في الأخلاق والصلة والبر والترابط. قصة كتبها وسطرها ثلاثة إخوة وشقيقتهم وأمهم رسموا بها لوحة من الإبداع في بر الوالدين، وترابط الأسرة وتكاتف الإخوة؛ رأفة ومحبة ورقة.

قصة وأحداث وثقتها سجلات المحكمة العامة بصبيا، وروى وقائعها لـ"سبق" ناظرها فضيلة الشيخ خالد بشير محمد معافا، القاضي السابق في محكمة صبيا، ومحكمة الاستئناف بجازان.

يقول الشيخ خالد معافا: "من المواقف التي لا تُنسى، في عام ١٤٣٣هـ كنت قاضيًا في المحكمة العامة بصبياء، ونظرت دعوى مقامة من أخوين وأختهما ضد أخيهما الرابع، وجميعهم أعمارهم فوق الستين، ذكروا أن والدتهم مقيمة في منزل أخيهم المدعى عليه، وقد كانوا يزورونها يوميًا، وبعدما تزوج أخوهم زوجة ثانية في محافظة أخرى أصبحوا لا يستطيعون زيارة والدتهم إلا يومًا بعد يوم؛ وهو اليوم الذي يكون فيها موجودًا عند الزوجة الأولى، إذ لا يستطيعون زيارة والدتهم في اليوم الذي يكون أخوهم عند زوجته الثانية؛ لأن والدتهم في غرفة داخلية، وإخوانه يرفضون دخول البيت دون وجود أخيهم".

وأضاف: "لم يصبر الأبناء -المسنون- عن والدتهم، ولم يتقبلوا أن يحرموا من والدتهم يومًا بعد يوم، ولم يقبل أخوهم أن يتنازل عن سكن والدتهم معه وانتقالها لإخوته وإيثارهم بها".

وتابع: "طالب الإخوة بانتقال والدتهم من بيت أخيهم إليهم ليكون لهم نصيب من برّها والقيام على شؤونها".

وأردف: "هذا الحل لم يرضِ الأخ المسن، وحاول في إخوته أن تستمر أمه معه، وكان يقبّل رؤوسهم واحدًا واحدًا ويبكي ويقول لهم: "لا تفقعوا عيني.. لا تطفئوا نور بيتي"، لكنهم رفضوا وهم أيضًا يبكون ويطالبون أخاهم بعدم حرمانهم من رؤية أمهم كل يوم، فضجت المحكمة بالبكاء".

واستطرد القاضي قائلاً: "عندها سألت عن الأم وهل ما زالت في كمال أهليتها فأجابوا: نعم".

وتابع: "على الفور طلبت حضور الأم، فأحضرها الابن بعد قرابة ساعة وهو يقود كرسيّها المتحرك! عندها عرضت الأمر عليها وأين ترغب أن تسكن، فنظرت إليهم جميعًا وكان جواب الأم الحنون على أولادها المسنين: "كلهم عيوني وما أفضّل واحدًا على الثاني".. الله أكبر إنها الأم وعطفها على أولادها مهما بلغ بهم العمر".

وأكمل: "بعد محاولات ومداولات ونقاش بين الإخوة، الكل يريد البر بوالدته، والأم لا تقدم أحدًا على أحد.. انفرجت الأزمة بعدما التزم الأخ الذي تسكن أمه في منزله أن يكون موجودًا بشكل يومي من بعد صلاة العصر إلى صلاة العشاء في المنزل الذي فيه أمه ليسهل على إخوته زيارتها يوميًا، ورضوا بذلك بشرط عدم إخلاله بذلك".

وقال الشيخ ناظر القضية: "بعدها قاموا جميعًا يقبّلون رؤوس بعض وأخذوا معهم أمهم وخرجوا، نعم خرجوا ولكن لم تخرج صورتهم وكلماتهم من الذاكرة.. ما زلت أتذكّر أخاهم وهو يتلطّفهم ويترجّاهم.. ما زلت أتذكر دموعه على خده ولحيته.. ما زلت أراهم وهم يرفضون ويحاجّونه بحقّهم في برها ونوال بركتها.. وما زلت أرى حرج الأم وكلماتها اللطيفة التي شملت الجميع بحنانها".

وأضاف: "الأم نعمة، والولد الصالح نعمة، من كانت والدته حية فلا يفته فضل برها، يقول ابن عباس: "إني لا أعْلمُ عمَلًا أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ برِّ الْوَالدَةِ!"، وقال رجل لعمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "إن لي أمًا بلغ منها الكبر أنها لا تقضي حوائجها إلا وظهري لها مطية، فهل أديت حقها؟ قال: لا؛ لأنها كانت تصنع بك ذلك وهي تتمنى بقاءك، وأنت تصنعه وأنت تتمنى فراقها، ولكنك محسن، والله يثيب الكثير على القليل".

أخبار قد تعجبك

No stories found.