"هند السديري" تكشف أسباب "التطرف النسائي" وقصة انتقال بعض الجهاديات من "القاعدة" إلى "داعش"

وثيقة للتاريخ وللأجيال التي اكتوت بنار التطرف من وجهة جديدة
"هند السديري" تكشف أسباب "التطرف النسائي" وقصة انتقال بعض الجهاديات من "القاعدة" إلى "داعش"

شكلت ظاهرة التطرف في العالم إشكالية كبيرة بما تطلبته من جهود مضنية لمواجهتها من قِبل الدول والمجتمعات، فضلاً عما نجم عنها من رؤى ودراسات منهجية وأكاديمية وغير منهجية تصبو إلى تفسيرها وتأويل أسباب ظهورها على الساحة العالمية.

ولم تكن المعالجات الأمنية وحدها كافية لمحو تلك الظاهرة، أو على الأقل للحد من تفشيها وتغلغلها في البنى الاجتماعية؛ نظرًا لما تحدثه من آثار تدميرية وتخريبية على كل المستويات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية؛ ولذلك تعمل دول العالم اليوم جاهدةً للخلاص النهائي منها، بيد أن المعالجة الفكرية المنهجية مثلت أداة فعّالة في ترويض تلك الظاهرة على المستوى النسقي أولاً الذي تشكله قراءة الركائز التي تعتمد عليها هذه الظاهرة وتحليلها ، فضلاً على التعامل مع عناصرها القيادية من أجل استيفاء الحلول للتخلص من التطرف وما ينجم عنه من تعصب وكراهية وفقدان للوعي الإنساني الحضاري.

وعانى العالم العربي –وما يزال– بسبب وجود ظاهرة التطرف، كما مرت المملكة العربية السعودية بمراحل متتابعة من المعاناة من جراء تلك الظاهرة، حتى تسنى لها القضاء على التطرف والحد من تغلغله في النسيج الاجتماعي، وللمملكة تجربة كبيرة في هذا المجال.

وفي كتابها "Women and Radicalism in Saudi" الصادر عن دار كامبريدج سكلرز المهتمة بالنشر الأكاديمي (الطبعة الأولى– إبريل 2022)، تتناول الكاتبة والباحثة الدكتورة هند بنت تركي السديري ظاهرة التطرف والراديكالية من وجهة جديدة لم تقترب منها البحوث والدراسات من قبل والتي ركزت على الجانب الذكوري، حيث يبحث الكتاب موضوع التشدد والتطرف الديني في المملكة في شقه النسائي، وهو مجال من البحث يذهب إلى ظاهرة داخل الظاهرة ربما لم يتطرق إليها المعنيون بقراءة الظاهرة من قبل، لكن الكتاب يقدم لنا ذلك برؤية منهجية متتابعة تركز على البعدين التاريخي والاجتماعي لاستيفاء هذه الظاهرة من كل جوانبها.

يقع الكتاب في أربعة فصول مع مقدمة وخاتمة ويبدأ بتأصيل العمل الحركي للمرأة وينتهي بعام 2017 مع الجهود التي بذلتها المملكة للسيطرة ومعالجة التطرف وكيف نجحت في ذلك من خلال جهود فعّالة على كل المستويات الأمنية والفكرية والحوارية والاقتصادية والاجتماعية، استطاعت بها المملكة أن تحد من هذه الظاهرة وأن تؤسس لتجربة نوعية بارزة في معالجتها والقضاء عليها.

ويناقش الكتاب التطرف النسائي وأسبابه وبواعثه وتأثره بالأوضاع الدولية وانعكاسها على المجتمع المحلي أيضًا، ويستعرض تاريخيًا نشأة هذا التطرف وبدايته الخفية وعلاقة بعض الجماعات الإسلامية بالتطرف النسائي وتأثير هذا التطرف على المجتمع وخصوصًا التعليم، وينتهي الكتاب بعرض سياسة المملكة في محاصرة التطرف بأشكاله وجهودها وذلك في الفصل الأخير من الكتاب.

تاريخية التطرف

يعود الكتاب بالزمن ليؤرخ لظهور التوجه إلى التطرف، والذي حدث قبيل حادثة الحرم وحركة جهيمان العتيبي رابطًا بين هذه الحادثة وبين أحداث تاريخية سابقة وبعضها موغل في القدم، وأيضًا يتطرق الكتاب بوعي منهجي جلي إلى رصد وتحليل العوامل النفسية التي ساعدت على ظهور التطرف، حيث يرتكز الكتاب على حقائق تاريخية وشهود عيان لبعض الأحداث سجلوا شهاداتهم التي تلامس هذه الظاهرة وتبين بعض الحقائق المهمة حول نشوئها وبداياتها وأسباب انتشارها.

كما يستند الكتاب إلى كتابات بعض المنغمسين والمنغمسات بالتطرف، ولا يكتفي الكتاب بالتأريخ، لكنه يغوص عميقًا في الأحداث الدولية وانعكاساتها على المجتمع المحلي، بالإضافة إلى التغيرات المجتمعية المحلية وتأثرها ببعض الحركات الإسلامية، ما أفرز التطرف والتشدد الذي استمر لأكثر من أربعة عقود من الزمن وبدت آثاره في أبسط الأشياء اليومية مثل: التحية والهندام وليس فقط في الأحكام الدينية.

ويشير الكتاب إلى أن هناك تركيزًا من قِبل الباحثين على قطاع التعليم كونه أحد مصادر التطرف، ولكن - فيما ترى المؤلفة - لم يكن الوحيد وإن كان الأكثر تأثيرًا ولم يغفل الكتاب هذا الجانب، حيث قامت المؤلفة باستشرافه بحثيًا، ورصد أسبابه ومكوناته والآثار الناجمة عنه في هذا المجال، وهو الأمر الذي أوضح جملة من الحقائق ضمن الخلفيات المؤسسة لهذه الظاهرة.

الجهادية النسائية

وعبر فصول الكتاب المتعددة التي تتقصى هذه الظاهرة وتفسرها بشكل علمي، بوصفها ظاهرة لها جذورها التاريخية وربما الدينية نظرًا لظهور الفرق والجماعات عبر مراحل التاريخ الإسلامي، لا لأسباب دينية فحسب، ولكن لأسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، وربما كان هذا أمرًا حادثًا في مختلف المجتمعات في العالم نظرًا لاختلاف طبائع الشعوب والأمم، واختلاف التقاليد والقيم الثقافية باختلاف الأمم والشعوب.

ومن هنا يتناول الكتاب ظاهرة "الداعية" مقدمًا جملة من الأسئلة حول هذه الظاهرة: متى بزغ نجمها؟ وما عوامل انتشارها؟ والهالة الاجتماعية التي أحاطت بها؟ كما يتطرق الكتاب إلى الجهادية النسائية وارتباطها بتنظيم القاعدة ثم داعش وبداياتها، والعوامل التي ساعدت على ظهور هذا المنحنى.

ويستعرض الفصل الأخير أسماء أشهر الجهاديات مع دراسة عميقة لأسباب انخراطهن في هذا الطريق الخطر والتضحية بأبنائهن وأسرهن، كما يستعرض الكتاب هذه الأسباب ويخلص إلى اختلافها عن أغلب الأسباب التي قد تكون سببًا في التحاق رعايا الدول الأخرى في ركاب "الجهاد".

ويعد الكتاب وثيقة للتاريخ وللأجيال التي اكتوت بنار التطرف وخصوصًا التي ولدت خلاله واعتقدت أن هذا هو واقع الحال وأيضًا لإيضاح الحقائق التاريخية ولتلافي ظهورها مرة أخرى ونشر الدمار، وهو كتاب مهم في ظل فقر المكتبة العربية والدولية عن دراسات تبحث موضوع شائك ومهم ويمس حياة وأمن الجميع مثل التطرف، هذه الظاهرة التي عانتها أغلب المجتمعات في عالمنا الراهن.

والباحثة الدكتورة هند بن تركي السديري أستاذة آداب اللغة الإنجليزية بجامعة الأميرة نورة بنت عبدالرحمن وعميدة القبول بجامعة الفيصل وباحثة في مجال تاريخ المرأة السعودية وتمكينها، صدر لها من قبل "المرأة السعودية الحديثة: الصعوبات والتحديات والإنجازات" و"دور منصات التواصل الاجتماعي في دعم حرية التعبير لدى المرأة السعودية"، وكتب مترجمة منها: "التاريخ: الاستفادة منه أم استباحته" لمارجريت ماكميلان، و"اكتشاف المستقبل العالمي وصياغته" لباري هجز وإيفان بلبراند و"الأدب العربي الحديث" لبول ستاركي.

أخبار قد تعجبك

No stories found.