في حضرة ملك

 
وصل الملك سلمان، وكنت مع حشود المواطنين للتشرف بالسلام عليه حفظه الله في قصر السلام بجدة. كنت طامعاً في أن أستمع وأستمتع بحديثه، فليس هناك أجمل من الاستماع إلى حديث ملك. بعض الكتّاب لديهم ميل خاص وتوق وشوق للجلوس إلى الملك الذي يحمل الأمانة العظمى، بهدف أخذ الأنباء والأخبار من مصادرها الأصلية ومعرفة في أي اتجاه ينصب اهتمام الملك، ومن ثم إجراء عملية تحليلية تفرز بين الإشاعة والحقيقة. في دولة كالسعودية يمكن للمستمع الجيّد أن يقرأ حديث الملك بأوجه متعددة ويربطها بالعديد مما يدور في عالم الواقع الافتراضي الذي غلب على حياتنا اليومية. فبالإضافة لشرف السلام على الملك والاطمئنان على صحته، كان السؤال الذي يدور في ذهني: عن ماذا سيتحدث الملك؟ ولذا كنت من المحظوظين في الاستماع إلى الملك سلمان وهو يتحدث بأسلوبه الشيق.
 
للسلام على الملك خطوات وإجراءات ومراسم لا بد من اتباعها. تبدأ من الاتصال بالمراسم الملكية ومعرفة الموعد المحدد لجلسة الملك المخصصة للمواطنين والتي غالباً تكون يوم الثلاثاء. يطلب المسؤول في المراسم الملكية المعلومات الشخصية بأدب جم وروح مضيافة، ثم يعطي موعد الحضور للديوان الملكي الذي يسبق عادة حضور الملك بساعة تقريباً. يصل الزائر إلى الطريق المؤدي للبوابة الرئيسية فيقابل المجموعات الأمنية لتخفيف التزاحم على البوابة الرئيسية، وبمجرد الوصول إلى المدخل الرئيسي يستقبلك ضباط الحرس الملكي بترحاب وابتسامة تليق بمجلس ملك.
 
يدخل الملك في الموعد المحدد، فالانضباط في المواعيد هو سمة من سمات الملك سلمان. يخترق الملك الصفوف ملقياً التحية يمنة ويسرة مع ابتسامة وديعة ترافقها نظرة حب من ملك لشعبه وضيوفه. هذه الابتسامة تنقل الزائر من مرحلة الرهبة إلى مرحلة الهيبة. النصف ساعة أو أكثر في الطريق وانتظار الملك يتملك الزائر شيء من الرهبة تبعاً للإجراءات الأمنية والبروتوكولية وتعريف الحضور بالمراسم الملكية واستلام عرائض المواطنين وتطمينهم بأن الكل سيسلم على الملك بصرف النظر عن قرب أو بعد المقعد الذي يجلس عليه الزائر، لكن ما إن يدخل الملك حتى تطغى روح الحب التي يحملها الملك فتحول بيئة المكان من رهبة حاكم إلى هيبة ملك.
 
تحدث الملك في قضايا وطنية بحتة تدور حول اللحمة والوحدة الوطنية، وأهمية الشرف العظيم لهذه البلاد بخدمة الحرمين الشريفين التي فيها العز والمجد، وأهمية الأمن لكي ينعم أهل هذه البلاد وضيوف بيت الله الحرام من حجاج ومعتمرين وزائرين لمسجد رسوّل الله (صلى الله عليه وسلم). كان الملك يتحدث بانسيابية وافتخار بالتمسك بالكتاب والسنة كما أراد مؤسس هذه البلاد الملك عبدالعزيز، رحمه الله. التقطت أجزاء من حديث الملك فالمكان الذي أجلس فيه لا يمكنني من سماع الحديث بتفاصيله، كما كنت أتمنى.
 
في حضرة الملك، يجلس الأمراء بترتيب جميل حسب السن على يمين الملك، ويجلس العلماء والمشايخ وطلبة العلم في يمين المجلس الأقرب إلى الملك، يليهم الوزراء العاملون ثم الوزراء السابقون، وبعد ذلك يجلس التجار والأعيان وعامة المواطنين. تلاوة آيات معدودة من التنزيل الحكيم باتت عادة ملكية، ثم تدار القهوة العربية بأسلوب بروتوكولي ملكي. بعد ذلك ينهض الملك إيذاناً ببدء السلام، يتقدم الأمراء فالعلماء والمشايخ فالوزراء فالأعيان والمواطنين.
 
لتنظيم السلام لهذه الحشود يقف عدد من العاملين في الديوان الملكي ومجموعة من ضباط الحرس الملكي والأمن لتكوين ممر يتسع لصف فردي واحد، يمكّن كل مواطن من السلام على الملك بتنظيم، ويمكّن الملك أيضاً من التعرف على ضيوفه وزائريه الذين يحادثهم بطريقة محببة تدخل في نفوسهم البهجة والمحبة لملك يبتسم لهم ويلاطفهم ويرحب بهم. آل سعود عموماً، والملك سلمان بشكل خاص لديهم ذاكرة وفراسة عجيبة، ما شاء الله، في تذكر ملامح الوجوه وربطها بالاسم بسرعة مذهلة.
 
كان اختيار الملك لموضوع حديثه لكبار وأعيان منطقة مكة المكرمة، وأميرها ومستشاره الخاص، الأمير خالد الفيصل الذي يجلس إلى جواره، موضوعاً شاملاً يربط كل ما يجري في الداخل والخارج. ما يجري في جنوب المملكة من أحداث، وما جرى في شرق السعودية أيضاً، وهي كلها تصب في حماية أرض الحرمين الشريفين، والوحدة الوطنية، والأمن للمواطن. لا يفوت الملك أن يشمل حديثه الخارج وما يحمل من أيديولوجيات وشعارات فارغة المحتوى.
 
في حضرة الملك، يجلس الضيوف في قاعة مستطيلة يغلب عليها اللون الأزرق، تتسع لخمسمائة شخص مرتبة بطريقة ملكية، وباقات الورود تزين الطاولات على الجانبين من دون بذخ أو ترف أو تصميم مصطنع. الإضاءة معتدلة على الجانبين مع ثريات بلورية ذات طابع ملكي. اللافت في القاعة هي صورة ذات حجم كبير ولافت للملك عبدالعزيز تستفرد بصدر المجلس، أظن أنها لوحة زيتية رسمت بعناية وبراعة، لكن صورة الملك عبدالعزيز أو اللوحة مميزة جداً، إذ تبرز اللوحة نظرة وابتسامة هادئة راضية من الملك المؤسس، وكأنها تجسده يشاهد أبناءه وأحفاده وشعبه في مكان واحد.
 
صافحت الملك، ودعوت له بالتوفيق، لكنه كان كريماً ولطيفاً، كعادته مع الجميع، عندما أكد حفظه الله معرفته واعترافه بخدمات والدي الفريق سعيد العمري الذي خدم رحمه الله بإخلاص الجندي المحترف مع الملك عبدالعزيز والملوك من بعده رحمهم الله جميعاً. كم كان بودّي في تلك اللحظة، أن الزمان والمكان يتجمدان، ليسمحا لي أن أعرض على الملك معاناة المواطن في عدد من القضايا وأهمها في تلك اللحظة، قضية العمالة المنزلية، التي سبق أن كتبتها في عريضة للملك، لكن ما إن انصرفت من السلام على الملك، حتى استدعاني الأمير الخلوق مشعل بن ماجد، محافظ جدة، ليسألني ممازحاً عن سبب مطالبتي للملك سلمان في برامج الثامنة الأسبوع المنصرم بأن يمنح الملك المواطنين تأشيرات عمالة منزلية مجانية، حسب فئات عمرية محددة، واتفقت مع سموه الكريم أن نناقش الأمر لاحقاً في جلسته الأسبوعية بقصره العامر.
 
نهض الملك سلمان، بعد انتهاء حديثه الشامل، تم خلاله تقديم المرطبات والعصائر الطازجة والقهوة العربية، لكن الملك لم يغادر بل توقف بمجاملة ملكية ليكمل حديثاً خاصاً مع أعيان المنطقة ويلاطفهم، ثم استمر في المغادرة، وفي لحظة توقف لكي يخص أهل مكة بأمور طيبة مع أميرهم طبع البهجة عليهم مما استدعى الأمير خالد الفيصل تقبيل يد الملك شكراً له. لا تسألوني ماذا قال، وما تلك الأمور، غادر الملك سلمان القاعة، لم نودعه بل ودّعنا جلالته بمثل ما استقبلنا به من حفاوة وتكريم.
 
في الختام، شكراً سلمان لأنك ملكنا.

اعلان
في حضرة ملك
سبق
 
وصل الملك سلمان، وكنت مع حشود المواطنين للتشرف بالسلام عليه حفظه الله في قصر السلام بجدة. كنت طامعاً في أن أستمع وأستمتع بحديثه، فليس هناك أجمل من الاستماع إلى حديث ملك. بعض الكتّاب لديهم ميل خاص وتوق وشوق للجلوس إلى الملك الذي يحمل الأمانة العظمى، بهدف أخذ الأنباء والأخبار من مصادرها الأصلية ومعرفة في أي اتجاه ينصب اهتمام الملك، ومن ثم إجراء عملية تحليلية تفرز بين الإشاعة والحقيقة. في دولة كالسعودية يمكن للمستمع الجيّد أن يقرأ حديث الملك بأوجه متعددة ويربطها بالعديد مما يدور في عالم الواقع الافتراضي الذي غلب على حياتنا اليومية. فبالإضافة لشرف السلام على الملك والاطمئنان على صحته، كان السؤال الذي يدور في ذهني: عن ماذا سيتحدث الملك؟ ولذا كنت من المحظوظين في الاستماع إلى الملك سلمان وهو يتحدث بأسلوبه الشيق.
 
للسلام على الملك خطوات وإجراءات ومراسم لا بد من اتباعها. تبدأ من الاتصال بالمراسم الملكية ومعرفة الموعد المحدد لجلسة الملك المخصصة للمواطنين والتي غالباً تكون يوم الثلاثاء. يطلب المسؤول في المراسم الملكية المعلومات الشخصية بأدب جم وروح مضيافة، ثم يعطي موعد الحضور للديوان الملكي الذي يسبق عادة حضور الملك بساعة تقريباً. يصل الزائر إلى الطريق المؤدي للبوابة الرئيسية فيقابل المجموعات الأمنية لتخفيف التزاحم على البوابة الرئيسية، وبمجرد الوصول إلى المدخل الرئيسي يستقبلك ضباط الحرس الملكي بترحاب وابتسامة تليق بمجلس ملك.
 
يدخل الملك في الموعد المحدد، فالانضباط في المواعيد هو سمة من سمات الملك سلمان. يخترق الملك الصفوف ملقياً التحية يمنة ويسرة مع ابتسامة وديعة ترافقها نظرة حب من ملك لشعبه وضيوفه. هذه الابتسامة تنقل الزائر من مرحلة الرهبة إلى مرحلة الهيبة. النصف ساعة أو أكثر في الطريق وانتظار الملك يتملك الزائر شيء من الرهبة تبعاً للإجراءات الأمنية والبروتوكولية وتعريف الحضور بالمراسم الملكية واستلام عرائض المواطنين وتطمينهم بأن الكل سيسلم على الملك بصرف النظر عن قرب أو بعد المقعد الذي يجلس عليه الزائر، لكن ما إن يدخل الملك حتى تطغى روح الحب التي يحملها الملك فتحول بيئة المكان من رهبة حاكم إلى هيبة ملك.
 
تحدث الملك في قضايا وطنية بحتة تدور حول اللحمة والوحدة الوطنية، وأهمية الشرف العظيم لهذه البلاد بخدمة الحرمين الشريفين التي فيها العز والمجد، وأهمية الأمن لكي ينعم أهل هذه البلاد وضيوف بيت الله الحرام من حجاج ومعتمرين وزائرين لمسجد رسوّل الله (صلى الله عليه وسلم). كان الملك يتحدث بانسيابية وافتخار بالتمسك بالكتاب والسنة كما أراد مؤسس هذه البلاد الملك عبدالعزيز، رحمه الله. التقطت أجزاء من حديث الملك فالمكان الذي أجلس فيه لا يمكنني من سماع الحديث بتفاصيله، كما كنت أتمنى.
 
في حضرة الملك، يجلس الأمراء بترتيب جميل حسب السن على يمين الملك، ويجلس العلماء والمشايخ وطلبة العلم في يمين المجلس الأقرب إلى الملك، يليهم الوزراء العاملون ثم الوزراء السابقون، وبعد ذلك يجلس التجار والأعيان وعامة المواطنين. تلاوة آيات معدودة من التنزيل الحكيم باتت عادة ملكية، ثم تدار القهوة العربية بأسلوب بروتوكولي ملكي. بعد ذلك ينهض الملك إيذاناً ببدء السلام، يتقدم الأمراء فالعلماء والمشايخ فالوزراء فالأعيان والمواطنين.
 
لتنظيم السلام لهذه الحشود يقف عدد من العاملين في الديوان الملكي ومجموعة من ضباط الحرس الملكي والأمن لتكوين ممر يتسع لصف فردي واحد، يمكّن كل مواطن من السلام على الملك بتنظيم، ويمكّن الملك أيضاً من التعرف على ضيوفه وزائريه الذين يحادثهم بطريقة محببة تدخل في نفوسهم البهجة والمحبة لملك يبتسم لهم ويلاطفهم ويرحب بهم. آل سعود عموماً، والملك سلمان بشكل خاص لديهم ذاكرة وفراسة عجيبة، ما شاء الله، في تذكر ملامح الوجوه وربطها بالاسم بسرعة مذهلة.
 
كان اختيار الملك لموضوع حديثه لكبار وأعيان منطقة مكة المكرمة، وأميرها ومستشاره الخاص، الأمير خالد الفيصل الذي يجلس إلى جواره، موضوعاً شاملاً يربط كل ما يجري في الداخل والخارج. ما يجري في جنوب المملكة من أحداث، وما جرى في شرق السعودية أيضاً، وهي كلها تصب في حماية أرض الحرمين الشريفين، والوحدة الوطنية، والأمن للمواطن. لا يفوت الملك أن يشمل حديثه الخارج وما يحمل من أيديولوجيات وشعارات فارغة المحتوى.
 
في حضرة الملك، يجلس الضيوف في قاعة مستطيلة يغلب عليها اللون الأزرق، تتسع لخمسمائة شخص مرتبة بطريقة ملكية، وباقات الورود تزين الطاولات على الجانبين من دون بذخ أو ترف أو تصميم مصطنع. الإضاءة معتدلة على الجانبين مع ثريات بلورية ذات طابع ملكي. اللافت في القاعة هي صورة ذات حجم كبير ولافت للملك عبدالعزيز تستفرد بصدر المجلس، أظن أنها لوحة زيتية رسمت بعناية وبراعة، لكن صورة الملك عبدالعزيز أو اللوحة مميزة جداً، إذ تبرز اللوحة نظرة وابتسامة هادئة راضية من الملك المؤسس، وكأنها تجسده يشاهد أبناءه وأحفاده وشعبه في مكان واحد.
 
صافحت الملك، ودعوت له بالتوفيق، لكنه كان كريماً ولطيفاً، كعادته مع الجميع، عندما أكد حفظه الله معرفته واعترافه بخدمات والدي الفريق سعيد العمري الذي خدم رحمه الله بإخلاص الجندي المحترف مع الملك عبدالعزيز والملوك من بعده رحمهم الله جميعاً. كم كان بودّي في تلك اللحظة، أن الزمان والمكان يتجمدان، ليسمحا لي أن أعرض على الملك معاناة المواطن في عدد من القضايا وأهمها في تلك اللحظة، قضية العمالة المنزلية، التي سبق أن كتبتها في عريضة للملك، لكن ما إن انصرفت من السلام على الملك، حتى استدعاني الأمير الخلوق مشعل بن ماجد، محافظ جدة، ليسألني ممازحاً عن سبب مطالبتي للملك سلمان في برامج الثامنة الأسبوع المنصرم بأن يمنح الملك المواطنين تأشيرات عمالة منزلية مجانية، حسب فئات عمرية محددة، واتفقت مع سموه الكريم أن نناقش الأمر لاحقاً في جلسته الأسبوعية بقصره العامر.
 
نهض الملك سلمان، بعد انتهاء حديثه الشامل، تم خلاله تقديم المرطبات والعصائر الطازجة والقهوة العربية، لكن الملك لم يغادر بل توقف بمجاملة ملكية ليكمل حديثاً خاصاً مع أعيان المنطقة ويلاطفهم، ثم استمر في المغادرة، وفي لحظة توقف لكي يخص أهل مكة بأمور طيبة مع أميرهم طبع البهجة عليهم مما استدعى الأمير خالد الفيصل تقبيل يد الملك شكراً له. لا تسألوني ماذا قال، وما تلك الأمور، غادر الملك سلمان القاعة، لم نودعه بل ودّعنا جلالته بمثل ما استقبلنا به من حفاوة وتكريم.
 
في الختام، شكراً سلمان لأنك ملكنا.
27 مايو 2015 - 9 شعبان 1436
02:22 PM

في حضرة ملك

A A A
0
10,385

 
وصل الملك سلمان، وكنت مع حشود المواطنين للتشرف بالسلام عليه حفظه الله في قصر السلام بجدة. كنت طامعاً في أن أستمع وأستمتع بحديثه، فليس هناك أجمل من الاستماع إلى حديث ملك. بعض الكتّاب لديهم ميل خاص وتوق وشوق للجلوس إلى الملك الذي يحمل الأمانة العظمى، بهدف أخذ الأنباء والأخبار من مصادرها الأصلية ومعرفة في أي اتجاه ينصب اهتمام الملك، ومن ثم إجراء عملية تحليلية تفرز بين الإشاعة والحقيقة. في دولة كالسعودية يمكن للمستمع الجيّد أن يقرأ حديث الملك بأوجه متعددة ويربطها بالعديد مما يدور في عالم الواقع الافتراضي الذي غلب على حياتنا اليومية. فبالإضافة لشرف السلام على الملك والاطمئنان على صحته، كان السؤال الذي يدور في ذهني: عن ماذا سيتحدث الملك؟ ولذا كنت من المحظوظين في الاستماع إلى الملك سلمان وهو يتحدث بأسلوبه الشيق.
 
للسلام على الملك خطوات وإجراءات ومراسم لا بد من اتباعها. تبدأ من الاتصال بالمراسم الملكية ومعرفة الموعد المحدد لجلسة الملك المخصصة للمواطنين والتي غالباً تكون يوم الثلاثاء. يطلب المسؤول في المراسم الملكية المعلومات الشخصية بأدب جم وروح مضيافة، ثم يعطي موعد الحضور للديوان الملكي الذي يسبق عادة حضور الملك بساعة تقريباً. يصل الزائر إلى الطريق المؤدي للبوابة الرئيسية فيقابل المجموعات الأمنية لتخفيف التزاحم على البوابة الرئيسية، وبمجرد الوصول إلى المدخل الرئيسي يستقبلك ضباط الحرس الملكي بترحاب وابتسامة تليق بمجلس ملك.
 
يدخل الملك في الموعد المحدد، فالانضباط في المواعيد هو سمة من سمات الملك سلمان. يخترق الملك الصفوف ملقياً التحية يمنة ويسرة مع ابتسامة وديعة ترافقها نظرة حب من ملك لشعبه وضيوفه. هذه الابتسامة تنقل الزائر من مرحلة الرهبة إلى مرحلة الهيبة. النصف ساعة أو أكثر في الطريق وانتظار الملك يتملك الزائر شيء من الرهبة تبعاً للإجراءات الأمنية والبروتوكولية وتعريف الحضور بالمراسم الملكية واستلام عرائض المواطنين وتطمينهم بأن الكل سيسلم على الملك بصرف النظر عن قرب أو بعد المقعد الذي يجلس عليه الزائر، لكن ما إن يدخل الملك حتى تطغى روح الحب التي يحملها الملك فتحول بيئة المكان من رهبة حاكم إلى هيبة ملك.
 
تحدث الملك في قضايا وطنية بحتة تدور حول اللحمة والوحدة الوطنية، وأهمية الشرف العظيم لهذه البلاد بخدمة الحرمين الشريفين التي فيها العز والمجد، وأهمية الأمن لكي ينعم أهل هذه البلاد وضيوف بيت الله الحرام من حجاج ومعتمرين وزائرين لمسجد رسوّل الله (صلى الله عليه وسلم). كان الملك يتحدث بانسيابية وافتخار بالتمسك بالكتاب والسنة كما أراد مؤسس هذه البلاد الملك عبدالعزيز، رحمه الله. التقطت أجزاء من حديث الملك فالمكان الذي أجلس فيه لا يمكنني من سماع الحديث بتفاصيله، كما كنت أتمنى.
 
في حضرة الملك، يجلس الأمراء بترتيب جميل حسب السن على يمين الملك، ويجلس العلماء والمشايخ وطلبة العلم في يمين المجلس الأقرب إلى الملك، يليهم الوزراء العاملون ثم الوزراء السابقون، وبعد ذلك يجلس التجار والأعيان وعامة المواطنين. تلاوة آيات معدودة من التنزيل الحكيم باتت عادة ملكية، ثم تدار القهوة العربية بأسلوب بروتوكولي ملكي. بعد ذلك ينهض الملك إيذاناً ببدء السلام، يتقدم الأمراء فالعلماء والمشايخ فالوزراء فالأعيان والمواطنين.
 
لتنظيم السلام لهذه الحشود يقف عدد من العاملين في الديوان الملكي ومجموعة من ضباط الحرس الملكي والأمن لتكوين ممر يتسع لصف فردي واحد، يمكّن كل مواطن من السلام على الملك بتنظيم، ويمكّن الملك أيضاً من التعرف على ضيوفه وزائريه الذين يحادثهم بطريقة محببة تدخل في نفوسهم البهجة والمحبة لملك يبتسم لهم ويلاطفهم ويرحب بهم. آل سعود عموماً، والملك سلمان بشكل خاص لديهم ذاكرة وفراسة عجيبة، ما شاء الله، في تذكر ملامح الوجوه وربطها بالاسم بسرعة مذهلة.
 
كان اختيار الملك لموضوع حديثه لكبار وأعيان منطقة مكة المكرمة، وأميرها ومستشاره الخاص، الأمير خالد الفيصل الذي يجلس إلى جواره، موضوعاً شاملاً يربط كل ما يجري في الداخل والخارج. ما يجري في جنوب المملكة من أحداث، وما جرى في شرق السعودية أيضاً، وهي كلها تصب في حماية أرض الحرمين الشريفين، والوحدة الوطنية، والأمن للمواطن. لا يفوت الملك أن يشمل حديثه الخارج وما يحمل من أيديولوجيات وشعارات فارغة المحتوى.
 
في حضرة الملك، يجلس الضيوف في قاعة مستطيلة يغلب عليها اللون الأزرق، تتسع لخمسمائة شخص مرتبة بطريقة ملكية، وباقات الورود تزين الطاولات على الجانبين من دون بذخ أو ترف أو تصميم مصطنع. الإضاءة معتدلة على الجانبين مع ثريات بلورية ذات طابع ملكي. اللافت في القاعة هي صورة ذات حجم كبير ولافت للملك عبدالعزيز تستفرد بصدر المجلس، أظن أنها لوحة زيتية رسمت بعناية وبراعة، لكن صورة الملك عبدالعزيز أو اللوحة مميزة جداً، إذ تبرز اللوحة نظرة وابتسامة هادئة راضية من الملك المؤسس، وكأنها تجسده يشاهد أبناءه وأحفاده وشعبه في مكان واحد.
 
صافحت الملك، ودعوت له بالتوفيق، لكنه كان كريماً ولطيفاً، كعادته مع الجميع، عندما أكد حفظه الله معرفته واعترافه بخدمات والدي الفريق سعيد العمري الذي خدم رحمه الله بإخلاص الجندي المحترف مع الملك عبدالعزيز والملوك من بعده رحمهم الله جميعاً. كم كان بودّي في تلك اللحظة، أن الزمان والمكان يتجمدان، ليسمحا لي أن أعرض على الملك معاناة المواطن في عدد من القضايا وأهمها في تلك اللحظة، قضية العمالة المنزلية، التي سبق أن كتبتها في عريضة للملك، لكن ما إن انصرفت من السلام على الملك، حتى استدعاني الأمير الخلوق مشعل بن ماجد، محافظ جدة، ليسألني ممازحاً عن سبب مطالبتي للملك سلمان في برامج الثامنة الأسبوع المنصرم بأن يمنح الملك المواطنين تأشيرات عمالة منزلية مجانية، حسب فئات عمرية محددة، واتفقت مع سموه الكريم أن نناقش الأمر لاحقاً في جلسته الأسبوعية بقصره العامر.
 
نهض الملك سلمان، بعد انتهاء حديثه الشامل، تم خلاله تقديم المرطبات والعصائر الطازجة والقهوة العربية، لكن الملك لم يغادر بل توقف بمجاملة ملكية ليكمل حديثاً خاصاً مع أعيان المنطقة ويلاطفهم، ثم استمر في المغادرة، وفي لحظة توقف لكي يخص أهل مكة بأمور طيبة مع أميرهم طبع البهجة عليهم مما استدعى الأمير خالد الفيصل تقبيل يد الملك شكراً له. لا تسألوني ماذا قال، وما تلك الأمور، غادر الملك سلمان القاعة، لم نودعه بل ودّعنا جلالته بمثل ما استقبلنا به من حفاوة وتكريم.
 
في الختام، شكراً سلمان لأنك ملكنا.