مذكرة تفاهم حكومة الوفاق و"أردوغان".. "وعد مَن لا يملك لمَن لا يستحق"

تعدي صلاحيات وعدم اتساق مع القانون الدولي.. ومقدمة لصراع في البحر المتوسط

شكَّلت مذكرة التفاهم المبرمة بين تركيا ورئيس مجلس الوزراء الليبي فايز السراج لتعيين الحدود البحرية بين تركيا وليبيا في البحر المتوسط منذ يومها الأول معضلة كبيرة، ومقدمة لما يمكن أن يبلور صراعًا طويل الأمد في منطقة البحر المتوسط. وهو الأمر الذي فطنت إليه السعودية، واستشعرت خطورته على المنطقة برمتها. ولنزع فتيل الأزمة وجّهت السعودية، إضافة إلى مصر والبحرين واليونان وقبرص، مذكرة شفهية مشتركة لمكتب السكرتير العام للأمم المتحدة لمطالبة الأمم المتحدة بعدم تسجيل تلك المذكرة المثيرة للجدل حفاظًا على أمن واستقرار منطقة المتوسط؛ لما فيها من تعدٍّ جسيم على حقوق الدول المشاطئة للبحر المتوسط.

عدم قانونيتها

كما لا يمكن إغفال عدم قانونية تلك المذكرة، وعدم اتساقها مع أحكام القانون الدولي؛ إذ إنه لا يتم تسجيل المعاهدات الدولية لدى سكرتارية الأمم المتحدة إلا بعد دخول المعاهدات أو الاتفاقيات الدولية حيز النفاذ، وذلك كشرط ضروري للتسجيل. وهو الأمر الذي لا ينطبق على مذكرة التفاهم الموقعة بين تركيا و"السراج"، خاصة مع تأكيد رئيس مجلس النواب الليبي المستشار عقيلة صالح صراحة في خطاب موجَّه إلى السكرتير العام للأمم المتحدة رفض مجلس النواب الليبي مذكرة التفاهم.

وبحسب بنود اتفاقية "فيينا" الخاصة بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية، فإنها تنص على ضرورة موافقة السلطة التشريعية في الدولة حال توقيع أي اتفاقية دولية مع دولة أخرى تمس السيادة، أو تترتب عليها أي إجراءات مالية. وعلى ضوء ذلك فإن اتفاقية "السراج" و"أردوغان" باطلة، ولا يُعتد بها قانونيًّا، ولا تتسق مع القوانين الدولية. كما تؤكد قواعد القانون الدولي أن تعيين وترسيم الحدود البحرية ليسا عملاً أحاديًّا، تنفرد به الدولة الساحلية بمفردها، بل يجب أن تضع في اعتبارها عند إجراء هذا التعيين مواقف ووجهات النظر للدول الأخرى المشتركة معها في الحدود البحرية. وتكمن الغاية المنشودة من وراء هذا بمنع نشوب المنازعات الدولية بين الدول حول تعيين وتحديد تلك الحدود. وقد نصت المادة الـ(74) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 على أن تعيين الحدود البحرية يكون على أساس قواعد القانون الدولي وصولاً إلى حل منصف.

كما أن المستقر عليه قانونيًّا وقضائيًّا أن إبرام اتفاقيات الحدود البرية والبحرية يعد أمرًا يتعلق بالسيادة الإقليمية للدول، ويحظر إبرام تلك الاتفاقيات أثناء الحروب أو النزاعات المسلحة الداخلية أو الظروف الاستثنائية الداخلية للدول على غرار الكوارث الطبيعية.

انتهاء صلاحية

وإضافة إلى ما سبق، فقد تعدت حكومة الوفاق صلاحياتها؛ إذ إنها حكومة منتهية الصلاحية بموجب اتفاق الصخيرات، كما لا تتمتع بالأهلية القانونية للتوقيع على مذكرة التفاهم لتعيين الحدود البحرية مع تركيا. وقد تعدت صلاحياتها وفترة بقائها؛ وكل ما تمارسه من صلاحيات تجاوز صريح لبنود اتفاق الصخيرات؛ إذ لا تملك التفويض اللازم لتوقيع مذكرة التفاهم.

وفضلاً عن ذلك، فقد حظيت المذكرة برفض صريح من مجلس النواب الليبي، وهو المؤسسة الوحيدة المنتخبة من الشعب الليبي. فالأمر وكأنما "وعد من لا يملك لمن لا يستحق".

وبموجب اتفاق الصخيرات، أو الاتفاق السياسي الليبي الذي وُقع في شهر ديسمبر 2015 في مدينة الصخيرات في المغرب لإنهاء الصراع الليبي - الليبي، فقد اتفقت الأطراف الفاعلة في الأزمة على بدء مرحلة انتقال جديدة، تستمر 18 شهرًا، وفي حال عدم انتهاء الحكومة من مهامها قد يتم تمديد المدة 6 أشهر إضافية، وهو ما يعني انتهاء صلاحية حكومة الوفاق منذ أكثر من عامين ونصف العام تقريبًا. وهو ما أشار إليه قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر في تصريح سابق بانتهاء صلاحية الاتفاق؛ وبالتالي انتهاء صلاحية حكومة الوفاق، وعدم تمتعها بالأهلية التي تخولها عقد وإبرام الاتفاقيات الدولية، خاصة الحساسة منها، كاتفاقيات تعيين الحدود.

ويمكن القول إن الأمر أصبح بيد الأمم المتحدة برفض تسجيل تلك المذكرة الجائرة على حقوق الدول المشاطئة، التي تتعدى الأعراف الدولية، وتتعارض مع القوانين الدولية، وقد تؤدي إلى نشوب نزاع طويل الأمد، يهدد الأمن والسلم الدوليَّين في منطقة البحر المتوسط.

اعلان
مذكرة تفاهم حكومة الوفاق و"أردوغان".. "وعد مَن لا يملك لمَن لا يستحق"
سبق

شكَّلت مذكرة التفاهم المبرمة بين تركيا ورئيس مجلس الوزراء الليبي فايز السراج لتعيين الحدود البحرية بين تركيا وليبيا في البحر المتوسط منذ يومها الأول معضلة كبيرة، ومقدمة لما يمكن أن يبلور صراعًا طويل الأمد في منطقة البحر المتوسط. وهو الأمر الذي فطنت إليه السعودية، واستشعرت خطورته على المنطقة برمتها. ولنزع فتيل الأزمة وجّهت السعودية، إضافة إلى مصر والبحرين واليونان وقبرص، مذكرة شفهية مشتركة لمكتب السكرتير العام للأمم المتحدة لمطالبة الأمم المتحدة بعدم تسجيل تلك المذكرة المثيرة للجدل حفاظًا على أمن واستقرار منطقة المتوسط؛ لما فيها من تعدٍّ جسيم على حقوق الدول المشاطئة للبحر المتوسط.

عدم قانونيتها

كما لا يمكن إغفال عدم قانونية تلك المذكرة، وعدم اتساقها مع أحكام القانون الدولي؛ إذ إنه لا يتم تسجيل المعاهدات الدولية لدى سكرتارية الأمم المتحدة إلا بعد دخول المعاهدات أو الاتفاقيات الدولية حيز النفاذ، وذلك كشرط ضروري للتسجيل. وهو الأمر الذي لا ينطبق على مذكرة التفاهم الموقعة بين تركيا و"السراج"، خاصة مع تأكيد رئيس مجلس النواب الليبي المستشار عقيلة صالح صراحة في خطاب موجَّه إلى السكرتير العام للأمم المتحدة رفض مجلس النواب الليبي مذكرة التفاهم.

وبحسب بنود اتفاقية "فيينا" الخاصة بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية، فإنها تنص على ضرورة موافقة السلطة التشريعية في الدولة حال توقيع أي اتفاقية دولية مع دولة أخرى تمس السيادة، أو تترتب عليها أي إجراءات مالية. وعلى ضوء ذلك فإن اتفاقية "السراج" و"أردوغان" باطلة، ولا يُعتد بها قانونيًّا، ولا تتسق مع القوانين الدولية. كما تؤكد قواعد القانون الدولي أن تعيين وترسيم الحدود البحرية ليسا عملاً أحاديًّا، تنفرد به الدولة الساحلية بمفردها، بل يجب أن تضع في اعتبارها عند إجراء هذا التعيين مواقف ووجهات النظر للدول الأخرى المشتركة معها في الحدود البحرية. وتكمن الغاية المنشودة من وراء هذا بمنع نشوب المنازعات الدولية بين الدول حول تعيين وتحديد تلك الحدود. وقد نصت المادة الـ(74) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 على أن تعيين الحدود البحرية يكون على أساس قواعد القانون الدولي وصولاً إلى حل منصف.

كما أن المستقر عليه قانونيًّا وقضائيًّا أن إبرام اتفاقيات الحدود البرية والبحرية يعد أمرًا يتعلق بالسيادة الإقليمية للدول، ويحظر إبرام تلك الاتفاقيات أثناء الحروب أو النزاعات المسلحة الداخلية أو الظروف الاستثنائية الداخلية للدول على غرار الكوارث الطبيعية.

انتهاء صلاحية

وإضافة إلى ما سبق، فقد تعدت حكومة الوفاق صلاحياتها؛ إذ إنها حكومة منتهية الصلاحية بموجب اتفاق الصخيرات، كما لا تتمتع بالأهلية القانونية للتوقيع على مذكرة التفاهم لتعيين الحدود البحرية مع تركيا. وقد تعدت صلاحياتها وفترة بقائها؛ وكل ما تمارسه من صلاحيات تجاوز صريح لبنود اتفاق الصخيرات؛ إذ لا تملك التفويض اللازم لتوقيع مذكرة التفاهم.

وفضلاً عن ذلك، فقد حظيت المذكرة برفض صريح من مجلس النواب الليبي، وهو المؤسسة الوحيدة المنتخبة من الشعب الليبي. فالأمر وكأنما "وعد من لا يملك لمن لا يستحق".

وبموجب اتفاق الصخيرات، أو الاتفاق السياسي الليبي الذي وُقع في شهر ديسمبر 2015 في مدينة الصخيرات في المغرب لإنهاء الصراع الليبي - الليبي، فقد اتفقت الأطراف الفاعلة في الأزمة على بدء مرحلة انتقال جديدة، تستمر 18 شهرًا، وفي حال عدم انتهاء الحكومة من مهامها قد يتم تمديد المدة 6 أشهر إضافية، وهو ما يعني انتهاء صلاحية حكومة الوفاق منذ أكثر من عامين ونصف العام تقريبًا. وهو ما أشار إليه قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر في تصريح سابق بانتهاء صلاحية الاتفاق؛ وبالتالي انتهاء صلاحية حكومة الوفاق، وعدم تمتعها بالأهلية التي تخولها عقد وإبرام الاتفاقيات الدولية، خاصة الحساسة منها، كاتفاقيات تعيين الحدود.

ويمكن القول إن الأمر أصبح بيد الأمم المتحدة برفض تسجيل تلك المذكرة الجائرة على حقوق الدول المشاطئة، التي تتعدى الأعراف الدولية، وتتعارض مع القوانين الدولية، وقد تؤدي إلى نشوب نزاع طويل الأمد، يهدد الأمن والسلم الدوليَّين في منطقة البحر المتوسط.

15 يوليو 2020 - 24 ذو القعدة 1441
01:53 AM

مذكرة تفاهم حكومة الوفاق و"أردوغان".. "وعد مَن لا يملك لمَن لا يستحق"

تعدي صلاحيات وعدم اتساق مع القانون الدولي.. ومقدمة لصراع في البحر المتوسط

A A A
6
9,272

شكَّلت مذكرة التفاهم المبرمة بين تركيا ورئيس مجلس الوزراء الليبي فايز السراج لتعيين الحدود البحرية بين تركيا وليبيا في البحر المتوسط منذ يومها الأول معضلة كبيرة، ومقدمة لما يمكن أن يبلور صراعًا طويل الأمد في منطقة البحر المتوسط. وهو الأمر الذي فطنت إليه السعودية، واستشعرت خطورته على المنطقة برمتها. ولنزع فتيل الأزمة وجّهت السعودية، إضافة إلى مصر والبحرين واليونان وقبرص، مذكرة شفهية مشتركة لمكتب السكرتير العام للأمم المتحدة لمطالبة الأمم المتحدة بعدم تسجيل تلك المذكرة المثيرة للجدل حفاظًا على أمن واستقرار منطقة المتوسط؛ لما فيها من تعدٍّ جسيم على حقوق الدول المشاطئة للبحر المتوسط.

عدم قانونيتها

كما لا يمكن إغفال عدم قانونية تلك المذكرة، وعدم اتساقها مع أحكام القانون الدولي؛ إذ إنه لا يتم تسجيل المعاهدات الدولية لدى سكرتارية الأمم المتحدة إلا بعد دخول المعاهدات أو الاتفاقيات الدولية حيز النفاذ، وذلك كشرط ضروري للتسجيل. وهو الأمر الذي لا ينطبق على مذكرة التفاهم الموقعة بين تركيا و"السراج"، خاصة مع تأكيد رئيس مجلس النواب الليبي المستشار عقيلة صالح صراحة في خطاب موجَّه إلى السكرتير العام للأمم المتحدة رفض مجلس النواب الليبي مذكرة التفاهم.

وبحسب بنود اتفاقية "فيينا" الخاصة بالمعاهدات والاتفاقيات الدولية، فإنها تنص على ضرورة موافقة السلطة التشريعية في الدولة حال توقيع أي اتفاقية دولية مع دولة أخرى تمس السيادة، أو تترتب عليها أي إجراءات مالية. وعلى ضوء ذلك فإن اتفاقية "السراج" و"أردوغان" باطلة، ولا يُعتد بها قانونيًّا، ولا تتسق مع القوانين الدولية. كما تؤكد قواعد القانون الدولي أن تعيين وترسيم الحدود البحرية ليسا عملاً أحاديًّا، تنفرد به الدولة الساحلية بمفردها، بل يجب أن تضع في اعتبارها عند إجراء هذا التعيين مواقف ووجهات النظر للدول الأخرى المشتركة معها في الحدود البحرية. وتكمن الغاية المنشودة من وراء هذا بمنع نشوب المنازعات الدولية بين الدول حول تعيين وتحديد تلك الحدود. وقد نصت المادة الـ(74) من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 على أن تعيين الحدود البحرية يكون على أساس قواعد القانون الدولي وصولاً إلى حل منصف.

كما أن المستقر عليه قانونيًّا وقضائيًّا أن إبرام اتفاقيات الحدود البرية والبحرية يعد أمرًا يتعلق بالسيادة الإقليمية للدول، ويحظر إبرام تلك الاتفاقيات أثناء الحروب أو النزاعات المسلحة الداخلية أو الظروف الاستثنائية الداخلية للدول على غرار الكوارث الطبيعية.

انتهاء صلاحية

وإضافة إلى ما سبق، فقد تعدت حكومة الوفاق صلاحياتها؛ إذ إنها حكومة منتهية الصلاحية بموجب اتفاق الصخيرات، كما لا تتمتع بالأهلية القانونية للتوقيع على مذكرة التفاهم لتعيين الحدود البحرية مع تركيا. وقد تعدت صلاحياتها وفترة بقائها؛ وكل ما تمارسه من صلاحيات تجاوز صريح لبنود اتفاق الصخيرات؛ إذ لا تملك التفويض اللازم لتوقيع مذكرة التفاهم.

وفضلاً عن ذلك، فقد حظيت المذكرة برفض صريح من مجلس النواب الليبي، وهو المؤسسة الوحيدة المنتخبة من الشعب الليبي. فالأمر وكأنما "وعد من لا يملك لمن لا يستحق".

وبموجب اتفاق الصخيرات، أو الاتفاق السياسي الليبي الذي وُقع في شهر ديسمبر 2015 في مدينة الصخيرات في المغرب لإنهاء الصراع الليبي - الليبي، فقد اتفقت الأطراف الفاعلة في الأزمة على بدء مرحلة انتقال جديدة، تستمر 18 شهرًا، وفي حال عدم انتهاء الحكومة من مهامها قد يتم تمديد المدة 6 أشهر إضافية، وهو ما يعني انتهاء صلاحية حكومة الوفاق منذ أكثر من عامين ونصف العام تقريبًا. وهو ما أشار إليه قائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر في تصريح سابق بانتهاء صلاحية الاتفاق؛ وبالتالي انتهاء صلاحية حكومة الوفاق، وعدم تمتعها بالأهلية التي تخولها عقد وإبرام الاتفاقيات الدولية، خاصة الحساسة منها، كاتفاقيات تعيين الحدود.

ويمكن القول إن الأمر أصبح بيد الأمم المتحدة برفض تسجيل تلك المذكرة الجائرة على حقوق الدول المشاطئة، التي تتعدى الأعراف الدولية، وتتعارض مع القوانين الدولية، وقد تؤدي إلى نشوب نزاع طويل الأمد، يهدد الأمن والسلم الدوليَّين في منطقة البحر المتوسط.