"الصداقة البلاستيكية".. هروب "الأموال القطرية" من أنقرة يدق ناقوس الخطر.. وصحيفة تركية تتساءل: أين مليارات الدوحة "الوهمية"؟

فيما يواصل المستثمرون الأجانب الخروج من الأسواق المالية التركية

في ظل أزمات متلاحقة خانقة تعيشها تركيا تحت حكم أردوغان، وعلى وقع الأزمة الاقتصادية الكبرى التي تواجهها البلاد لأول مرة منذ 10 سنوات، وانخفاض قيمة العملة إلى أكثر من 40% في العامين الأخيرين، والتهديد الأمريكي بفرض عقوبات اقتصادية وعسكرية على إثر شراء أنقرة منظومة الدفاع الصاروخي الروسية (إس- 400)؛ جاءت الأخبار الصادمة ببدء هروب رؤوس الأموال القطرية، وانخفاض حصة القطريين في بورصة إسطنبول بنسبة 31%؛ وفقًا لمصادر تركية حكومية.

ووفقًا لبيانات معهد الإحصاء التركي الحكومي؛ فإن حصة القطريين في الأشهر الخمس الأولى من العام الجاري في بورصة إسطنبول، قد انخفضت بنسبة 31%، وبلغ مقدار أموالهم المسحوبة من تركيا 4.6 مليار ليرة تركية.

وبحسب صحيفة "جمهوريت" التركية، ونقلًا عن الإحصاءات الحكومية؛ فقد كانت قيمة المحفظة الاستثمارية القطرية في شهر ديسمبر الماضي، تبلغ 14 مليارًا و745 مليون ليرة؛ ولكن تراجعت في شهر مايو إلى 10 مليارات و181 مليون ليرة؛ وهو ما يعني خروج نحو 4.6 مليار ليرة، وانخفاض الحصة القطرية بنسبة 31%؛ فيما يواصل المستثمرون الأجانب الخروج من الأسواق المالية التركية؛ وفقًا للمصادر التركية الرسمية.

هل ساءت العلاقة مجددًا؟

الخروج القطري من الأسواق المالية التركية منذ بداية العام الجديد، وخروج المستثمرين الأجانب الآخرين، يبدو أنه ما دفع أردوغان للحديث بشكل غير مباشر في كلمة له خلال اجتماعه مع نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم -أمس الأربعاء- عن أن بلاده تتعرض لحملة اقتصادية ضدها؛ مضيفًا أنها ستنجح في التصدي لهذه الحملة وإفشالها؛ في حين بدأت الصحف التركية المقربة من الرئيس في التساؤل عن حقيقة الدعم القطري الذي أعلن عنه قبل شهور؟

هروب الأموال القطرية، وحديث أردوغان حول الحملة الاقتصادية، وهجوم الصحف التركية؛ هو ما يدفعنا للتساؤل: هل ساءت العلاقة مجددًا بين الحليفين؟

أزمة أغسطس كشفت عن شيء

دعونا نعود للخلف قليلًا؛ ففي أغسطس الماضي، ومع اشتداد الأزمة الاقتصادية التركية تحت وطأة الأزمة الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، خرجت صحيفة "تقويم" التركية، والمقربة من النظام الحاكم؛ لتهاجم الدوحة وأميرها بشدة، وتتساءل عن أسباب ما وصفته بـ"الصمت" القطري حيال الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها أنقرة نتيجة العقوبات الأمريكية. وأشارت الصحيفة حينها إلى وجود حالة من الإحباط تسود الأتراك بعدما دعم كثيرٌ من الدول قرارَ العقوبات الأمريكية ضد تركيا؛ مؤكدة أن الصدمة التي وصفتها بأنها "غير متوقعة"، كانت من طرف قطر، التي بدلًا من أن تدعم أنقرة، اختارت أن تبقى صامتة تجاه ما يحدث في تركيا. وتساءلت الصحيفة في تقريرها، تعقيبًا على الموقف القطري، قائلة: "أي نوع من الصداقة هذا؟".

ومع وصلة المن التركي التي أدتها الصحيفة لتذكير القطريين بصنائع الأتراك معهم؛ سارع أمير قطر بتقديم فروض الطاعة والولاء، وتقديم نحو 15 مليار دولار أمريكي في صورة ودائع في البنك المركزي التركي، ومشاريع استثمارية، ربما خوفًا من ردة فعل تركية عنيفة بعد هجوم الصحيفة المقربة من أردوغان، والتي تعبر عن سياساته ومواقفه.

الصداقة البلاستيكية

لكن المفاجأة التي أعلنتها وكالة "رويترز"، قبل أسابيع قليلة، وبحسب مصادرها المطلعة؛ فإن المحادثات التركية القطرية حول أوجه وكيفية الدعم القطري لأنقرة؛ لم تصل إلى شيء منذ ذلك الحين، ولم يصدر أي إعلان رسمي عن الدعم منذ بدء المشاكل المالية الأخيرة في تركيا!

وهذا ما قد يقودنا إلى أن الأزمة التركية القطرية التي لمّحت إليها صحيفة "تقويم" مع بدء المشاكل التركية المالية حقيقية، لم تكن وليدة الصدفة، أو مجرد حدث عابر، وأنه ليس هناك رغبة قطرية فعلية في الخوض في الأوحال التركية الاقتصادية؛ فخروج المال القطري من بورصة إسطنبول، وعدم وصول أي من أشكال الدعم القطري المزمع -الذي قُدِّر وقتذاك بـ15 مليار دولار- ربما يفسر كل شيء، ويدل على صداقة بلاستيكية تجمع البلدين صنعتها الأزمات والمؤامرات المشتركة فقط.

"تقويم" تعود للهجوم

وعادت صحيفة "تقويم" التركية مرة أخرى للهجوم، متسائلة عن حقيقة الدعم القطري المزمع؛ واصفة ما حدث بـ"المناورة القطرية"، محذرة من أن التصريحات السياسية القطرية الداعمة، قد تكون مجرد مناورة لم تتبعها إجراءات حقيقية لدعم الاقتصاد التركي بمليارات قد تكون "وهمية".

يأتي ذلك مع تردي أوضاع الليرة التركية، والتهديد الأمريكي بفرض عقوبات اقتصادية على أنقرة في حال إتمامها شراء منظومة الدفاع الصاروخي الروسي؛ بينما بدأت وزارة الخزانة والمالية التركية في اقتراض 1.3 مليار دولار من الأسواق المحلية؛ في الوقت الذي تتدافع فيه الأموال القطرية في الخروج من السوق التركي.

أزمة قطرية

لكن يبدو أن الدوحة ليست في حال أفضل من أنقرة؛ فتعيش هي الأخرى في أزمات مالية منذ المقاطعة العربية؛ إذ يواجه القطاع المصرفي أزمة وفرة في السيولة المالية بالنقد الأجنبي، بفعل تراجع المؤشرات الاقتصادية من جهة، واستنزاف الحكومة القطرية للسيولة من البنوك عبر الاقتراض منها بشكل مكثف منذ قرار المقاطعة العربية.

وهو ما دعا المصرف القطري المركزي -قبل أيام قليلة- إلى إصدار أذونات خزانة حكومية بقيمة إجمالية 600 مليون ريال قطري (165 مليون دولار أمريكي)، موزعة على ثلاث شرائح، وقد سبق ذلك -في شهر مايو الماضي- إصدار المصرف المركزي أذونات خزانة حكومية بنفس القيمة، وهي 600 مليون ريال قطري.

كما تشير الإحصاءات الرسمية إلى انكماش الاقتصاد القطري بنسبة بلغت 1.2% على أساس ربعي، في الربع الأخير 2018، مقارنة مع الربع السابق له، وسط أزمة شح في السيولة المالية، ونسب التضخم، اللذين ارتفعت حدتهما في النصف الثاني من العام الماضي؛ فيما ارتفعت الديون الحكومية للبنوك المحلية إلى نحو 317.3 مليار ريال قطري (87.2 مليار دولار أمريكي)، مسجلة أعلى مستوى منذ مارس 2018.

اعلان
"الصداقة البلاستيكية".. هروب "الأموال القطرية" من أنقرة يدق ناقوس الخطر.. وصحيفة تركية تتساءل: أين مليارات الدوحة "الوهمية"؟
سبق

في ظل أزمات متلاحقة خانقة تعيشها تركيا تحت حكم أردوغان، وعلى وقع الأزمة الاقتصادية الكبرى التي تواجهها البلاد لأول مرة منذ 10 سنوات، وانخفاض قيمة العملة إلى أكثر من 40% في العامين الأخيرين، والتهديد الأمريكي بفرض عقوبات اقتصادية وعسكرية على إثر شراء أنقرة منظومة الدفاع الصاروخي الروسية (إس- 400)؛ جاءت الأخبار الصادمة ببدء هروب رؤوس الأموال القطرية، وانخفاض حصة القطريين في بورصة إسطنبول بنسبة 31%؛ وفقًا لمصادر تركية حكومية.

ووفقًا لبيانات معهد الإحصاء التركي الحكومي؛ فإن حصة القطريين في الأشهر الخمس الأولى من العام الجاري في بورصة إسطنبول، قد انخفضت بنسبة 31%، وبلغ مقدار أموالهم المسحوبة من تركيا 4.6 مليار ليرة تركية.

وبحسب صحيفة "جمهوريت" التركية، ونقلًا عن الإحصاءات الحكومية؛ فقد كانت قيمة المحفظة الاستثمارية القطرية في شهر ديسمبر الماضي، تبلغ 14 مليارًا و745 مليون ليرة؛ ولكن تراجعت في شهر مايو إلى 10 مليارات و181 مليون ليرة؛ وهو ما يعني خروج نحو 4.6 مليار ليرة، وانخفاض الحصة القطرية بنسبة 31%؛ فيما يواصل المستثمرون الأجانب الخروج من الأسواق المالية التركية؛ وفقًا للمصادر التركية الرسمية.

هل ساءت العلاقة مجددًا؟

الخروج القطري من الأسواق المالية التركية منذ بداية العام الجديد، وخروج المستثمرين الأجانب الآخرين، يبدو أنه ما دفع أردوغان للحديث بشكل غير مباشر في كلمة له خلال اجتماعه مع نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم -أمس الأربعاء- عن أن بلاده تتعرض لحملة اقتصادية ضدها؛ مضيفًا أنها ستنجح في التصدي لهذه الحملة وإفشالها؛ في حين بدأت الصحف التركية المقربة من الرئيس في التساؤل عن حقيقة الدعم القطري الذي أعلن عنه قبل شهور؟

هروب الأموال القطرية، وحديث أردوغان حول الحملة الاقتصادية، وهجوم الصحف التركية؛ هو ما يدفعنا للتساؤل: هل ساءت العلاقة مجددًا بين الحليفين؟

أزمة أغسطس كشفت عن شيء

دعونا نعود للخلف قليلًا؛ ففي أغسطس الماضي، ومع اشتداد الأزمة الاقتصادية التركية تحت وطأة الأزمة الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، خرجت صحيفة "تقويم" التركية، والمقربة من النظام الحاكم؛ لتهاجم الدوحة وأميرها بشدة، وتتساءل عن أسباب ما وصفته بـ"الصمت" القطري حيال الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها أنقرة نتيجة العقوبات الأمريكية. وأشارت الصحيفة حينها إلى وجود حالة من الإحباط تسود الأتراك بعدما دعم كثيرٌ من الدول قرارَ العقوبات الأمريكية ضد تركيا؛ مؤكدة أن الصدمة التي وصفتها بأنها "غير متوقعة"، كانت من طرف قطر، التي بدلًا من أن تدعم أنقرة، اختارت أن تبقى صامتة تجاه ما يحدث في تركيا. وتساءلت الصحيفة في تقريرها، تعقيبًا على الموقف القطري، قائلة: "أي نوع من الصداقة هذا؟".

ومع وصلة المن التركي التي أدتها الصحيفة لتذكير القطريين بصنائع الأتراك معهم؛ سارع أمير قطر بتقديم فروض الطاعة والولاء، وتقديم نحو 15 مليار دولار أمريكي في صورة ودائع في البنك المركزي التركي، ومشاريع استثمارية، ربما خوفًا من ردة فعل تركية عنيفة بعد هجوم الصحيفة المقربة من أردوغان، والتي تعبر عن سياساته ومواقفه.

الصداقة البلاستيكية

لكن المفاجأة التي أعلنتها وكالة "رويترز"، قبل أسابيع قليلة، وبحسب مصادرها المطلعة؛ فإن المحادثات التركية القطرية حول أوجه وكيفية الدعم القطري لأنقرة؛ لم تصل إلى شيء منذ ذلك الحين، ولم يصدر أي إعلان رسمي عن الدعم منذ بدء المشاكل المالية الأخيرة في تركيا!

وهذا ما قد يقودنا إلى أن الأزمة التركية القطرية التي لمّحت إليها صحيفة "تقويم" مع بدء المشاكل التركية المالية حقيقية، لم تكن وليدة الصدفة، أو مجرد حدث عابر، وأنه ليس هناك رغبة قطرية فعلية في الخوض في الأوحال التركية الاقتصادية؛ فخروج المال القطري من بورصة إسطنبول، وعدم وصول أي من أشكال الدعم القطري المزمع -الذي قُدِّر وقتذاك بـ15 مليار دولار- ربما يفسر كل شيء، ويدل على صداقة بلاستيكية تجمع البلدين صنعتها الأزمات والمؤامرات المشتركة فقط.

"تقويم" تعود للهجوم

وعادت صحيفة "تقويم" التركية مرة أخرى للهجوم، متسائلة عن حقيقة الدعم القطري المزمع؛ واصفة ما حدث بـ"المناورة القطرية"، محذرة من أن التصريحات السياسية القطرية الداعمة، قد تكون مجرد مناورة لم تتبعها إجراءات حقيقية لدعم الاقتصاد التركي بمليارات قد تكون "وهمية".

يأتي ذلك مع تردي أوضاع الليرة التركية، والتهديد الأمريكي بفرض عقوبات اقتصادية على أنقرة في حال إتمامها شراء منظومة الدفاع الصاروخي الروسي؛ بينما بدأت وزارة الخزانة والمالية التركية في اقتراض 1.3 مليار دولار من الأسواق المحلية؛ في الوقت الذي تتدافع فيه الأموال القطرية في الخروج من السوق التركي.

أزمة قطرية

لكن يبدو أن الدوحة ليست في حال أفضل من أنقرة؛ فتعيش هي الأخرى في أزمات مالية منذ المقاطعة العربية؛ إذ يواجه القطاع المصرفي أزمة وفرة في السيولة المالية بالنقد الأجنبي، بفعل تراجع المؤشرات الاقتصادية من جهة، واستنزاف الحكومة القطرية للسيولة من البنوك عبر الاقتراض منها بشكل مكثف منذ قرار المقاطعة العربية.

وهو ما دعا المصرف القطري المركزي -قبل أيام قليلة- إلى إصدار أذونات خزانة حكومية بقيمة إجمالية 600 مليون ريال قطري (165 مليون دولار أمريكي)، موزعة على ثلاث شرائح، وقد سبق ذلك -في شهر مايو الماضي- إصدار المصرف المركزي أذونات خزانة حكومية بنفس القيمة، وهي 600 مليون ريال قطري.

كما تشير الإحصاءات الرسمية إلى انكماش الاقتصاد القطري بنسبة بلغت 1.2% على أساس ربعي، في الربع الأخير 2018، مقارنة مع الربع السابق له، وسط أزمة شح في السيولة المالية، ونسب التضخم، اللذين ارتفعت حدتهما في النصف الثاني من العام الماضي؛ فيما ارتفعت الديون الحكومية للبنوك المحلية إلى نحو 317.3 مليار ريال قطري (87.2 مليار دولار أمريكي)، مسجلة أعلى مستوى منذ مارس 2018.

13 يونيو 2019 - 10 شوّال 1440
08:42 AM
اخر تعديل
24 يونيو 2019 - 21 شوّال 1440
12:51 PM

"الصداقة البلاستيكية".. هروب "الأموال القطرية" من أنقرة يدق ناقوس الخطر.. وصحيفة تركية تتساءل: أين مليارات الدوحة "الوهمية"؟

فيما يواصل المستثمرون الأجانب الخروج من الأسواق المالية التركية

A A A
24
50,077

في ظل أزمات متلاحقة خانقة تعيشها تركيا تحت حكم أردوغان، وعلى وقع الأزمة الاقتصادية الكبرى التي تواجهها البلاد لأول مرة منذ 10 سنوات، وانخفاض قيمة العملة إلى أكثر من 40% في العامين الأخيرين، والتهديد الأمريكي بفرض عقوبات اقتصادية وعسكرية على إثر شراء أنقرة منظومة الدفاع الصاروخي الروسية (إس- 400)؛ جاءت الأخبار الصادمة ببدء هروب رؤوس الأموال القطرية، وانخفاض حصة القطريين في بورصة إسطنبول بنسبة 31%؛ وفقًا لمصادر تركية حكومية.

ووفقًا لبيانات معهد الإحصاء التركي الحكومي؛ فإن حصة القطريين في الأشهر الخمس الأولى من العام الجاري في بورصة إسطنبول، قد انخفضت بنسبة 31%، وبلغ مقدار أموالهم المسحوبة من تركيا 4.6 مليار ليرة تركية.

وبحسب صحيفة "جمهوريت" التركية، ونقلًا عن الإحصاءات الحكومية؛ فقد كانت قيمة المحفظة الاستثمارية القطرية في شهر ديسمبر الماضي، تبلغ 14 مليارًا و745 مليون ليرة؛ ولكن تراجعت في شهر مايو إلى 10 مليارات و181 مليون ليرة؛ وهو ما يعني خروج نحو 4.6 مليار ليرة، وانخفاض الحصة القطرية بنسبة 31%؛ فيما يواصل المستثمرون الأجانب الخروج من الأسواق المالية التركية؛ وفقًا للمصادر التركية الرسمية.

هل ساءت العلاقة مجددًا؟

الخروج القطري من الأسواق المالية التركية منذ بداية العام الجديد، وخروج المستثمرين الأجانب الآخرين، يبدو أنه ما دفع أردوغان للحديث بشكل غير مباشر في كلمة له خلال اجتماعه مع نواب حزب العدالة والتنمية الحاكم -أمس الأربعاء- عن أن بلاده تتعرض لحملة اقتصادية ضدها؛ مضيفًا أنها ستنجح في التصدي لهذه الحملة وإفشالها؛ في حين بدأت الصحف التركية المقربة من الرئيس في التساؤل عن حقيقة الدعم القطري الذي أعلن عنه قبل شهور؟

هروب الأموال القطرية، وحديث أردوغان حول الحملة الاقتصادية، وهجوم الصحف التركية؛ هو ما يدفعنا للتساؤل: هل ساءت العلاقة مجددًا بين الحليفين؟

أزمة أغسطس كشفت عن شيء

دعونا نعود للخلف قليلًا؛ ففي أغسطس الماضي، ومع اشتداد الأزمة الاقتصادية التركية تحت وطأة الأزمة الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، خرجت صحيفة "تقويم" التركية، والمقربة من النظام الحاكم؛ لتهاجم الدوحة وأميرها بشدة، وتتساءل عن أسباب ما وصفته بـ"الصمت" القطري حيال الأزمة الاقتصادية التي تمرّ بها أنقرة نتيجة العقوبات الأمريكية. وأشارت الصحيفة حينها إلى وجود حالة من الإحباط تسود الأتراك بعدما دعم كثيرٌ من الدول قرارَ العقوبات الأمريكية ضد تركيا؛ مؤكدة أن الصدمة التي وصفتها بأنها "غير متوقعة"، كانت من طرف قطر، التي بدلًا من أن تدعم أنقرة، اختارت أن تبقى صامتة تجاه ما يحدث في تركيا. وتساءلت الصحيفة في تقريرها، تعقيبًا على الموقف القطري، قائلة: "أي نوع من الصداقة هذا؟".

ومع وصلة المن التركي التي أدتها الصحيفة لتذكير القطريين بصنائع الأتراك معهم؛ سارع أمير قطر بتقديم فروض الطاعة والولاء، وتقديم نحو 15 مليار دولار أمريكي في صورة ودائع في البنك المركزي التركي، ومشاريع استثمارية، ربما خوفًا من ردة فعل تركية عنيفة بعد هجوم الصحيفة المقربة من أردوغان، والتي تعبر عن سياساته ومواقفه.

الصداقة البلاستيكية

لكن المفاجأة التي أعلنتها وكالة "رويترز"، قبل أسابيع قليلة، وبحسب مصادرها المطلعة؛ فإن المحادثات التركية القطرية حول أوجه وكيفية الدعم القطري لأنقرة؛ لم تصل إلى شيء منذ ذلك الحين، ولم يصدر أي إعلان رسمي عن الدعم منذ بدء المشاكل المالية الأخيرة في تركيا!

وهذا ما قد يقودنا إلى أن الأزمة التركية القطرية التي لمّحت إليها صحيفة "تقويم" مع بدء المشاكل التركية المالية حقيقية، لم تكن وليدة الصدفة، أو مجرد حدث عابر، وأنه ليس هناك رغبة قطرية فعلية في الخوض في الأوحال التركية الاقتصادية؛ فخروج المال القطري من بورصة إسطنبول، وعدم وصول أي من أشكال الدعم القطري المزمع -الذي قُدِّر وقتذاك بـ15 مليار دولار- ربما يفسر كل شيء، ويدل على صداقة بلاستيكية تجمع البلدين صنعتها الأزمات والمؤامرات المشتركة فقط.

"تقويم" تعود للهجوم

وعادت صحيفة "تقويم" التركية مرة أخرى للهجوم، متسائلة عن حقيقة الدعم القطري المزمع؛ واصفة ما حدث بـ"المناورة القطرية"، محذرة من أن التصريحات السياسية القطرية الداعمة، قد تكون مجرد مناورة لم تتبعها إجراءات حقيقية لدعم الاقتصاد التركي بمليارات قد تكون "وهمية".

يأتي ذلك مع تردي أوضاع الليرة التركية، والتهديد الأمريكي بفرض عقوبات اقتصادية على أنقرة في حال إتمامها شراء منظومة الدفاع الصاروخي الروسي؛ بينما بدأت وزارة الخزانة والمالية التركية في اقتراض 1.3 مليار دولار من الأسواق المحلية؛ في الوقت الذي تتدافع فيه الأموال القطرية في الخروج من السوق التركي.

أزمة قطرية

لكن يبدو أن الدوحة ليست في حال أفضل من أنقرة؛ فتعيش هي الأخرى في أزمات مالية منذ المقاطعة العربية؛ إذ يواجه القطاع المصرفي أزمة وفرة في السيولة المالية بالنقد الأجنبي، بفعل تراجع المؤشرات الاقتصادية من جهة، واستنزاف الحكومة القطرية للسيولة من البنوك عبر الاقتراض منها بشكل مكثف منذ قرار المقاطعة العربية.

وهو ما دعا المصرف القطري المركزي -قبل أيام قليلة- إلى إصدار أذونات خزانة حكومية بقيمة إجمالية 600 مليون ريال قطري (165 مليون دولار أمريكي)، موزعة على ثلاث شرائح، وقد سبق ذلك -في شهر مايو الماضي- إصدار المصرف المركزي أذونات خزانة حكومية بنفس القيمة، وهي 600 مليون ريال قطري.

كما تشير الإحصاءات الرسمية إلى انكماش الاقتصاد القطري بنسبة بلغت 1.2% على أساس ربعي، في الربع الأخير 2018، مقارنة مع الربع السابق له، وسط أزمة شح في السيولة المالية، ونسب التضخم، اللذين ارتفعت حدتهما في النصف الثاني من العام الماضي؛ فيما ارتفعت الديون الحكومية للبنوك المحلية إلى نحو 317.3 مليار ريال قطري (87.2 مليار دولار أمريكي)، مسجلة أعلى مستوى منذ مارس 2018.