ما ذنب "العرايس"؟!

قد لا أكون مبالغاً إذا قلت وقررت أن من أشد أنواع الظلم وأكثرها إيلاماً أن تكتشف عروس بعد إتمام مراسم العرس أنها كانت ضحية خدعة دُبرت بليل، وأن من ارتضت به زوجاً على سُنة الله ورسوله الكريم إنما كان "كومبارس" ضمن جوقة أسرته التي هرولت إلى بيتهم في تلك الساعة المشؤومة؛ لكي تخطبها لهذا الشاب الذي ظهر فجأة في حياة هذه المسكينة؛ لتُفاجأ وبدون مقدمات بأنه مدمن، أو مختل عقلياً، مع الأخذ في الاعتبار أن كليهما خضع للفحص قبل الزواج، فكل قاعدة لها شواذ. 
 
ومن هنا تبدأ الحكاية.. فآلاف الضحايا من زهراتنا الغاليات على قلوبنا، من بناتنا وبنات أقربائنا وبنات أصحابنا، وما تطالعنا به وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، ممن كُنَّ ضحية الكلمة المرعبة "خلينا نزوج الولد يمكن يعقل"، وهي من الجمل التي يحلو لكثير من الأمهات والآباء، ممن ابتلى الله أبناءهم بإدمان أو مرض، في محاولة منهم لإقناع أنفسهم بأنهم مضطرون لفعل ذلك، ولو على حساب محق سعادة زهرة بريئة، بُذل فيها الغالي والرخيص من أجل تربيتها وتنشئتها وتعليمها وتهيئتها للحياة الزوجية على دين وخلق، وإذا بها تجد نفسها أمام وحش كاسر، استعبده الشيطان؛ فسقط في وحل المخدرات، أو سيطر عليه الوسواس والشك، فأحال حياة هذه الزهرة إلى جحيم حتى تكاد تذبل، وربما سقطت صريعة بدون ذنب.
 
أيها المتلاعبون بمشاعر الناس، هل فكرتم قبل أن تتقدموا بالخطبة لأبنائكم بأن الله مطلع على كل شيء، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟ هل بنات الناس لعبة أو دمى من أجل أن يتسلى بها أبناؤكم بلا وازع ولا ضمير؟ بالله عليكم، كيف يمكن لإنسان أن يسمح لنفسه بأن يسعد على حساب إشقاء الآخرين؟!
 
إن هذا المدمن عندما يفاجئ هذه الزوجة المسكينة بتصرفات مشبوهة، وتحركات مريبة، وعندما تُفاجَأ بأن بيتها (بيت الزوجية الطاهر) قد دُنس بجلسات قرناء السوء، وتحوّل إلى ساحة هرج ومرج وصراخ وعويل، وتجد نفسها مرغمة على إقفال باب غرفتها خوفاً من هجوم غير متوقع من أي من هذه الوحوش التي لا تعرف الرحمة، أو عندما تصدر من ذلك المريض نفسياً تصرفات لا تمت للإنسانية بصلة، فيقفل على هذه الضحية الأبواب والنوافذ، ويفرض عليها حياة المساجين، وقد يحرمها من زيارة أهلها وأقاربها وصديقاتها، بسبب شكه وظنه وهواجسه.. لا بد لنا هنا أن نتوقف، ونقول إن المرض ليس عيباً، والإدمان ليس نهاية الحياة، ولكن كيف يكون العلاج؟ هل يمكن لعاقل أن يفرض العلاج من خلال التضحية بسعادة إنسانة آمنة مطمئنة في بيت أهلها، تنتظر فارس أحلامها، وتمني نفسها ببيت وأطفال وسعادة وهناء، فإذا بها تهوي في واد سحيق، وللأسف بتدبير مُحكم ومكر من قِبل أهل من حسب عليها زوجاً؟! ويا ليت الأمر يقف عند هذا الحد، بل إن بعض الأهل تأخذهم العزة بالإثم، وينكرون علمهم بإدمان أو مرض ابنهم، معلنين براءتهم من ذلك، في مشهد مهيب، يتجلى فيه الظلم وعدم مخافة الله؛ فالإصرار على الخطأ أشد فداحة ووقاحة من ارتكاب الخطأ نفسه.
 
أعود وأقول وأشدد على أن المرض ليس عيباً، والإدمان إنما هو انحراف عن الفطرة السليمة التي خلق الله الإنسان عليها، وهو بذلك يدخل في تعريف المرض، ولكن المريض يحتاج إلى علاج، وقد يطول العلاج، وقد يشفى المريض، ولكن جزئياً، ومعنى ذلك أنه يحتاج إلى أن يكون تحت إشراف طبي، وقد تطول به الحال، وربما أمضى عمره على هذه الحال، وقد يكون ممن لا يُرجى برؤه، فما ذنب هذه المسكينة أن يزج بها في زواج مدبَّر ضمن مؤامرة شيطانية؛ لكي تكون حقل تجارب لأمزجة موتورة، طغت عليها الأنانية والعنجهية، وتجاهل مشاعر الآخرين، بل عدم الإحساس بهم، لدرجة التبلد الحسي.
 
ولمن لا يعرف ما يعنيه الإدمان أو الوسواس، فإنهما يعنيان الكثير، يعنيان أن على الزوجة المسكينة أن تُضرب وتُشتم ويضيَّق عليها وتُحرم من زيارة أهلها ومن استقبالهم إن أمكن، والخروج من البيت محظور حتى إشعار آخر.. فكل شيء يجب أن يتم بسرية تامة.. ويا لها من أجواء كئيبة، أسأل الله أن يجنبها كل فتاة، ويحرم عليها السؤال عما تراه من غرائب الأمور وعجائب الزمان، وليس لها إلا الإذعان والسمع والطاعة؛ إذ لا خيار لها، فإن حكت ندمت، وإن سكتت فهو القهر بعينه، وماذا عساها أن تفعل سوى التحمل، الذي قد يطول، وربما وجدت نفسها هي الأخرى ضحية دسيسة من هذا المدمن؛ ليدخلها عالمه المظلم، ويرتاح من نظراتها التي تشعره بالاحتقار. وهي إن توجهت لأهله المشاركين في الجريمة، بل المدبرين لها، لا تجد منهم سوى الصدود، وطرح الأسئلة الغبية، المتمثلة في "هل أنتِ متأكدة؟ وهل شاهدته وهو يتعاطى؟".. وغيرها من الأسئلة، مما يبعد التهمة عنهم وعن ابنهم العزيز. وقد تحدث الطامة، وتنجب في ظل هذه الظروف العصيبة، وهو مما يفاقم من حجم المشكلة، ويضعها أمام مفترق طرق، فإما الاستمرار، والطريق المجهول، وإما الفراق والنجاة بالنفس والولد، ويا روح ما بعدك روح.. وتبقى فصول وفصول في حياة هذه المسكينة، لا يعلم مداها إلا الله - عز وجل -.
 
رسالة ورجاء أوجههما لكل أسرة تعرف أن ابنها يعاني خللاً ما، أن تتقي الله في بنات الناس، وأن تدرك أن الله مطلع على كل شيء، وسيحاسب كل إنسان على ما فعل في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
 
ورسالة أوجهها لبناتي العزيزات: قد تمرين بمثل هذه الظروف - لا قدر الله - ولكن القرار السليم وفي أسرع وقت ممكن "ليس أمامك إلا النجاة بنفسك، ولا تفكري كثيراً في الأمر، فلستِ من بدأ المأساة، ومن بدأها هو وحده من عليه أن ينهيها".
 
حفظ الله البنات في العالم أجمع، مصونات عن كل مكروه، وأدام عليهن عزه، وألبسهن ثياب السعادة والهناء.

اعلان
ما ذنب "العرايس"؟!
سبق
قد لا أكون مبالغاً إذا قلت وقررت أن من أشد أنواع الظلم وأكثرها إيلاماً أن تكتشف عروس بعد إتمام مراسم العرس أنها كانت ضحية خدعة دُبرت بليل، وأن من ارتضت به زوجاً على سُنة الله ورسوله الكريم إنما كان "كومبارس" ضمن جوقة أسرته التي هرولت إلى بيتهم في تلك الساعة المشؤومة؛ لكي تخطبها لهذا الشاب الذي ظهر فجأة في حياة هذه المسكينة؛ لتُفاجأ وبدون مقدمات بأنه مدمن، أو مختل عقلياً، مع الأخذ في الاعتبار أن كليهما خضع للفحص قبل الزواج، فكل قاعدة لها شواذ. 
 
ومن هنا تبدأ الحكاية.. فآلاف الضحايا من زهراتنا الغاليات على قلوبنا، من بناتنا وبنات أقربائنا وبنات أصحابنا، وما تطالعنا به وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، ممن كُنَّ ضحية الكلمة المرعبة "خلينا نزوج الولد يمكن يعقل"، وهي من الجمل التي يحلو لكثير من الأمهات والآباء، ممن ابتلى الله أبناءهم بإدمان أو مرض، في محاولة منهم لإقناع أنفسهم بأنهم مضطرون لفعل ذلك، ولو على حساب محق سعادة زهرة بريئة، بُذل فيها الغالي والرخيص من أجل تربيتها وتنشئتها وتعليمها وتهيئتها للحياة الزوجية على دين وخلق، وإذا بها تجد نفسها أمام وحش كاسر، استعبده الشيطان؛ فسقط في وحل المخدرات، أو سيطر عليه الوسواس والشك، فأحال حياة هذه الزهرة إلى جحيم حتى تكاد تذبل، وربما سقطت صريعة بدون ذنب.
 
أيها المتلاعبون بمشاعر الناس، هل فكرتم قبل أن تتقدموا بالخطبة لأبنائكم بأن الله مطلع على كل شيء، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟ هل بنات الناس لعبة أو دمى من أجل أن يتسلى بها أبناؤكم بلا وازع ولا ضمير؟ بالله عليكم، كيف يمكن لإنسان أن يسمح لنفسه بأن يسعد على حساب إشقاء الآخرين؟!
 
إن هذا المدمن عندما يفاجئ هذه الزوجة المسكينة بتصرفات مشبوهة، وتحركات مريبة، وعندما تُفاجَأ بأن بيتها (بيت الزوجية الطاهر) قد دُنس بجلسات قرناء السوء، وتحوّل إلى ساحة هرج ومرج وصراخ وعويل، وتجد نفسها مرغمة على إقفال باب غرفتها خوفاً من هجوم غير متوقع من أي من هذه الوحوش التي لا تعرف الرحمة، أو عندما تصدر من ذلك المريض نفسياً تصرفات لا تمت للإنسانية بصلة، فيقفل على هذه الضحية الأبواب والنوافذ، ويفرض عليها حياة المساجين، وقد يحرمها من زيارة أهلها وأقاربها وصديقاتها، بسبب شكه وظنه وهواجسه.. لا بد لنا هنا أن نتوقف، ونقول إن المرض ليس عيباً، والإدمان ليس نهاية الحياة، ولكن كيف يكون العلاج؟ هل يمكن لعاقل أن يفرض العلاج من خلال التضحية بسعادة إنسانة آمنة مطمئنة في بيت أهلها، تنتظر فارس أحلامها، وتمني نفسها ببيت وأطفال وسعادة وهناء، فإذا بها تهوي في واد سحيق، وللأسف بتدبير مُحكم ومكر من قِبل أهل من حسب عليها زوجاً؟! ويا ليت الأمر يقف عند هذا الحد، بل إن بعض الأهل تأخذهم العزة بالإثم، وينكرون علمهم بإدمان أو مرض ابنهم، معلنين براءتهم من ذلك، في مشهد مهيب، يتجلى فيه الظلم وعدم مخافة الله؛ فالإصرار على الخطأ أشد فداحة ووقاحة من ارتكاب الخطأ نفسه.
 
أعود وأقول وأشدد على أن المرض ليس عيباً، والإدمان إنما هو انحراف عن الفطرة السليمة التي خلق الله الإنسان عليها، وهو بذلك يدخل في تعريف المرض، ولكن المريض يحتاج إلى علاج، وقد يطول العلاج، وقد يشفى المريض، ولكن جزئياً، ومعنى ذلك أنه يحتاج إلى أن يكون تحت إشراف طبي، وقد تطول به الحال، وربما أمضى عمره على هذه الحال، وقد يكون ممن لا يُرجى برؤه، فما ذنب هذه المسكينة أن يزج بها في زواج مدبَّر ضمن مؤامرة شيطانية؛ لكي تكون حقل تجارب لأمزجة موتورة، طغت عليها الأنانية والعنجهية، وتجاهل مشاعر الآخرين، بل عدم الإحساس بهم، لدرجة التبلد الحسي.
 
ولمن لا يعرف ما يعنيه الإدمان أو الوسواس، فإنهما يعنيان الكثير، يعنيان أن على الزوجة المسكينة أن تُضرب وتُشتم ويضيَّق عليها وتُحرم من زيارة أهلها ومن استقبالهم إن أمكن، والخروج من البيت محظور حتى إشعار آخر.. فكل شيء يجب أن يتم بسرية تامة.. ويا لها من أجواء كئيبة، أسأل الله أن يجنبها كل فتاة، ويحرم عليها السؤال عما تراه من غرائب الأمور وعجائب الزمان، وليس لها إلا الإذعان والسمع والطاعة؛ إذ لا خيار لها، فإن حكت ندمت، وإن سكتت فهو القهر بعينه، وماذا عساها أن تفعل سوى التحمل، الذي قد يطول، وربما وجدت نفسها هي الأخرى ضحية دسيسة من هذا المدمن؛ ليدخلها عالمه المظلم، ويرتاح من نظراتها التي تشعره بالاحتقار. وهي إن توجهت لأهله المشاركين في الجريمة، بل المدبرين لها، لا تجد منهم سوى الصدود، وطرح الأسئلة الغبية، المتمثلة في "هل أنتِ متأكدة؟ وهل شاهدته وهو يتعاطى؟".. وغيرها من الأسئلة، مما يبعد التهمة عنهم وعن ابنهم العزيز. وقد تحدث الطامة، وتنجب في ظل هذه الظروف العصيبة، وهو مما يفاقم من حجم المشكلة، ويضعها أمام مفترق طرق، فإما الاستمرار، والطريق المجهول، وإما الفراق والنجاة بالنفس والولد، ويا روح ما بعدك روح.. وتبقى فصول وفصول في حياة هذه المسكينة، لا يعلم مداها إلا الله - عز وجل -.
 
رسالة ورجاء أوجههما لكل أسرة تعرف أن ابنها يعاني خللاً ما، أن تتقي الله في بنات الناس، وأن تدرك أن الله مطلع على كل شيء، وسيحاسب كل إنسان على ما فعل في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
 
ورسالة أوجهها لبناتي العزيزات: قد تمرين بمثل هذه الظروف - لا قدر الله - ولكن القرار السليم وفي أسرع وقت ممكن "ليس أمامك إلا النجاة بنفسك، ولا تفكري كثيراً في الأمر، فلستِ من بدأ المأساة، ومن بدأها هو وحده من عليه أن ينهيها".
 
حفظ الله البنات في العالم أجمع، مصونات عن كل مكروه، وأدام عليهن عزه، وألبسهن ثياب السعادة والهناء.
31 يناير 2015 - 11 ربيع الآخر 1436
10:06 PM

ما ذنب "العرايس"؟!

A A A
0
8,246

قد لا أكون مبالغاً إذا قلت وقررت أن من أشد أنواع الظلم وأكثرها إيلاماً أن تكتشف عروس بعد إتمام مراسم العرس أنها كانت ضحية خدعة دُبرت بليل، وأن من ارتضت به زوجاً على سُنة الله ورسوله الكريم إنما كان "كومبارس" ضمن جوقة أسرته التي هرولت إلى بيتهم في تلك الساعة المشؤومة؛ لكي تخطبها لهذا الشاب الذي ظهر فجأة في حياة هذه المسكينة؛ لتُفاجأ وبدون مقدمات بأنه مدمن، أو مختل عقلياً، مع الأخذ في الاعتبار أن كليهما خضع للفحص قبل الزواج، فكل قاعدة لها شواذ. 
 
ومن هنا تبدأ الحكاية.. فآلاف الضحايا من زهراتنا الغاليات على قلوبنا، من بناتنا وبنات أقربائنا وبنات أصحابنا، وما تطالعنا به وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، ممن كُنَّ ضحية الكلمة المرعبة "خلينا نزوج الولد يمكن يعقل"، وهي من الجمل التي يحلو لكثير من الأمهات والآباء، ممن ابتلى الله أبناءهم بإدمان أو مرض، في محاولة منهم لإقناع أنفسهم بأنهم مضطرون لفعل ذلك، ولو على حساب محق سعادة زهرة بريئة، بُذل فيها الغالي والرخيص من أجل تربيتها وتنشئتها وتعليمها وتهيئتها للحياة الزوجية على دين وخلق، وإذا بها تجد نفسها أمام وحش كاسر، استعبده الشيطان؛ فسقط في وحل المخدرات، أو سيطر عليه الوسواس والشك، فأحال حياة هذه الزهرة إلى جحيم حتى تكاد تذبل، وربما سقطت صريعة بدون ذنب.
 
أيها المتلاعبون بمشاعر الناس، هل فكرتم قبل أن تتقدموا بالخطبة لأبنائكم بأن الله مطلع على كل شيء، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟ هل بنات الناس لعبة أو دمى من أجل أن يتسلى بها أبناؤكم بلا وازع ولا ضمير؟ بالله عليكم، كيف يمكن لإنسان أن يسمح لنفسه بأن يسعد على حساب إشقاء الآخرين؟!
 
إن هذا المدمن عندما يفاجئ هذه الزوجة المسكينة بتصرفات مشبوهة، وتحركات مريبة، وعندما تُفاجَأ بأن بيتها (بيت الزوجية الطاهر) قد دُنس بجلسات قرناء السوء، وتحوّل إلى ساحة هرج ومرج وصراخ وعويل، وتجد نفسها مرغمة على إقفال باب غرفتها خوفاً من هجوم غير متوقع من أي من هذه الوحوش التي لا تعرف الرحمة، أو عندما تصدر من ذلك المريض نفسياً تصرفات لا تمت للإنسانية بصلة، فيقفل على هذه الضحية الأبواب والنوافذ، ويفرض عليها حياة المساجين، وقد يحرمها من زيارة أهلها وأقاربها وصديقاتها، بسبب شكه وظنه وهواجسه.. لا بد لنا هنا أن نتوقف، ونقول إن المرض ليس عيباً، والإدمان ليس نهاية الحياة، ولكن كيف يكون العلاج؟ هل يمكن لعاقل أن يفرض العلاج من خلال التضحية بسعادة إنسانة آمنة مطمئنة في بيت أهلها، تنتظر فارس أحلامها، وتمني نفسها ببيت وأطفال وسعادة وهناء، فإذا بها تهوي في واد سحيق، وللأسف بتدبير مُحكم ومكر من قِبل أهل من حسب عليها زوجاً؟! ويا ليت الأمر يقف عند هذا الحد، بل إن بعض الأهل تأخذهم العزة بالإثم، وينكرون علمهم بإدمان أو مرض ابنهم، معلنين براءتهم من ذلك، في مشهد مهيب، يتجلى فيه الظلم وعدم مخافة الله؛ فالإصرار على الخطأ أشد فداحة ووقاحة من ارتكاب الخطأ نفسه.
 
أعود وأقول وأشدد على أن المرض ليس عيباً، والإدمان إنما هو انحراف عن الفطرة السليمة التي خلق الله الإنسان عليها، وهو بذلك يدخل في تعريف المرض، ولكن المريض يحتاج إلى علاج، وقد يطول العلاج، وقد يشفى المريض، ولكن جزئياً، ومعنى ذلك أنه يحتاج إلى أن يكون تحت إشراف طبي، وقد تطول به الحال، وربما أمضى عمره على هذه الحال، وقد يكون ممن لا يُرجى برؤه، فما ذنب هذه المسكينة أن يزج بها في زواج مدبَّر ضمن مؤامرة شيطانية؛ لكي تكون حقل تجارب لأمزجة موتورة، طغت عليها الأنانية والعنجهية، وتجاهل مشاعر الآخرين، بل عدم الإحساس بهم، لدرجة التبلد الحسي.
 
ولمن لا يعرف ما يعنيه الإدمان أو الوسواس، فإنهما يعنيان الكثير، يعنيان أن على الزوجة المسكينة أن تُضرب وتُشتم ويضيَّق عليها وتُحرم من زيارة أهلها ومن استقبالهم إن أمكن، والخروج من البيت محظور حتى إشعار آخر.. فكل شيء يجب أن يتم بسرية تامة.. ويا لها من أجواء كئيبة، أسأل الله أن يجنبها كل فتاة، ويحرم عليها السؤال عما تراه من غرائب الأمور وعجائب الزمان، وليس لها إلا الإذعان والسمع والطاعة؛ إذ لا خيار لها، فإن حكت ندمت، وإن سكتت فهو القهر بعينه، وماذا عساها أن تفعل سوى التحمل، الذي قد يطول، وربما وجدت نفسها هي الأخرى ضحية دسيسة من هذا المدمن؛ ليدخلها عالمه المظلم، ويرتاح من نظراتها التي تشعره بالاحتقار. وهي إن توجهت لأهله المشاركين في الجريمة، بل المدبرين لها، لا تجد منهم سوى الصدود، وطرح الأسئلة الغبية، المتمثلة في "هل أنتِ متأكدة؟ وهل شاهدته وهو يتعاطى؟".. وغيرها من الأسئلة، مما يبعد التهمة عنهم وعن ابنهم العزيز. وقد تحدث الطامة، وتنجب في ظل هذه الظروف العصيبة، وهو مما يفاقم من حجم المشكلة، ويضعها أمام مفترق طرق، فإما الاستمرار، والطريق المجهول، وإما الفراق والنجاة بالنفس والولد، ويا روح ما بعدك روح.. وتبقى فصول وفصول في حياة هذه المسكينة، لا يعلم مداها إلا الله - عز وجل -.
 
رسالة ورجاء أوجههما لكل أسرة تعرف أن ابنها يعاني خللاً ما، أن تتقي الله في بنات الناس، وأن تدرك أن الله مطلع على كل شيء، وسيحاسب كل إنسان على ما فعل في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
 
ورسالة أوجهها لبناتي العزيزات: قد تمرين بمثل هذه الظروف - لا قدر الله - ولكن القرار السليم وفي أسرع وقت ممكن "ليس أمامك إلا النجاة بنفسك، ولا تفكري كثيراً في الأمر، فلستِ من بدأ المأساة، ومن بدأها هو وحده من عليه أن ينهيها".
 
حفظ الله البنات في العالم أجمع، مصونات عن كل مكروه، وأدام عليهن عزه، وألبسهن ثياب السعادة والهناء.