بلاد "بالي بالي".. كوريا

أيام طفولتي بمنتصف الثمانينيات الميلادية، كانت أمي – رحمها الله – إذا أرادت تهديدي عند عدم النوم، تقول : ” نام وإلا أنادي عليك الكوري”. كنت أخاف أنا وإخوتي وننام سريعًا، هي رهبة الموقف تجبرنا. لكن السؤال مَن الكوري الذي كنّا نتلقّى به التهديدات؟!أمام بيتنا الصغير، كان هناك عدد من عمال الحفر التابعين لإحدى الشركات، يعملون بمشروع الصرف الصحي والذي امتد لأكثر من عام تقريبًا، وهؤلاء العمّال كانوا من الجنسية الكورية ”الجنوبية”، ومنذ تلك اللحظة لم أصادف شخصًا من كوريا الجنوبية إلى أن كان موعد وصول الطائرة في عام 2008م لحضور المؤتمر الكشفي العالمي في ”سوول” عاصمة كوريا الجنوبية، ومن ثم إلى جزيرة ”جيجو” مقر إقامة المؤتمر.

الدهشة تصيبني بسبب التطور الكبير لكوريا الجنوبية، وبالذات الجانب التقني بها، ومازالت كلمات أمي – رحمها الله – ترِن في أذني ”نام وإلا أنادي عليك الكوري”. صورة عمّال الحفر في مخيلتي، وعلامات الحاجة على محيّاهم في ذلك الوقت. والآن أنا وسط ”الكوريين”، مصاب بدهشة تطور هذا البلد.

عشرون عامًا تقريبًا بين الموقفين، ولكن التطورات تفوق سنين ضوئية بينهما. وصدق من قال: إذا أردت أن تصف كوريا الجنوبية بكلمة ، يكفي قولك أنّ بها أسرع إيقاعات العيش في العالم .

بلاد الـ ”بالي – بالي” – كوريا الجنوبية – من بلد ريفي تحول في سنوات إلى بلد الإنترنت الأسرع في العالم، ليس ذلك فقط ، بل هم من استطاعوا أيضًا بناء مدينة كاملة من الصفر من 2010م إلى 2012م ، و هي مدينة ”سيجونغ”، حتى أصبح يطلقون على أنفسهم بلاد ”المالميا” نسبة إلى رغبتهم في زيادة سرعة إنتاجهم عشرة أضعاف . فهم يفخرون باحتلالهم المرتبة الرابعة عشرة على مستوى العالم في الجانب الإقتصادي. بل زاد تطورهم لينتقلوا إلى استخدام القوة الناعمة لدولتهم لبناء صورة ذهنية إيجابية عن طريق الدراما.

يقول المؤرخ الاقتصادي ألكسندر: ”إن الدول التى تبدأ فى التنمية الاقتصادية حديثًا، تبدأ من حيث انتهى الآخرون، وهي بذلك توفر الوقت والمال والجهد، من خلال الاستفادة من خبرات الدول المتقدمة وإنجازاتها العلمية والتقنية واتباعها الخطوات نفسها التي اتخذتها هذه الدول في المسار الصحيح”.

فالاقتصاد والتعليم وغيرهما مسارات من عدة ضروب لنهضة أي دولة.

همست في نفسي ورددت: سلام على روحك الغالية يا أمي، فأنا انتظر منك أن ”تنادي لي الكوري”، ليس لكي أنام خوفًا، بل لأستيقظ وأخبره: أنْ كما شاهدت تطور كوريا وغيرها، فهذه بلدي السعودية تتطور وتتطور . شهدنا وسنشهد بإذن الله في" 2030". وبعدها بصمات أخرى من التطور، والتي نسأل الله أن تكون خيرًا لنا في ديننا وعلى بلادنا.

اعلان
بلاد "بالي بالي".. كوريا
سبق

أيام طفولتي بمنتصف الثمانينيات الميلادية، كانت أمي – رحمها الله – إذا أرادت تهديدي عند عدم النوم، تقول : ” نام وإلا أنادي عليك الكوري”. كنت أخاف أنا وإخوتي وننام سريعًا، هي رهبة الموقف تجبرنا. لكن السؤال مَن الكوري الذي كنّا نتلقّى به التهديدات؟!أمام بيتنا الصغير، كان هناك عدد من عمال الحفر التابعين لإحدى الشركات، يعملون بمشروع الصرف الصحي والذي امتد لأكثر من عام تقريبًا، وهؤلاء العمّال كانوا من الجنسية الكورية ”الجنوبية”، ومنذ تلك اللحظة لم أصادف شخصًا من كوريا الجنوبية إلى أن كان موعد وصول الطائرة في عام 2008م لحضور المؤتمر الكشفي العالمي في ”سوول” عاصمة كوريا الجنوبية، ومن ثم إلى جزيرة ”جيجو” مقر إقامة المؤتمر.

الدهشة تصيبني بسبب التطور الكبير لكوريا الجنوبية، وبالذات الجانب التقني بها، ومازالت كلمات أمي – رحمها الله – ترِن في أذني ”نام وإلا أنادي عليك الكوري”. صورة عمّال الحفر في مخيلتي، وعلامات الحاجة على محيّاهم في ذلك الوقت. والآن أنا وسط ”الكوريين”، مصاب بدهشة تطور هذا البلد.

عشرون عامًا تقريبًا بين الموقفين، ولكن التطورات تفوق سنين ضوئية بينهما. وصدق من قال: إذا أردت أن تصف كوريا الجنوبية بكلمة ، يكفي قولك أنّ بها أسرع إيقاعات العيش في العالم .

بلاد الـ ”بالي – بالي” – كوريا الجنوبية – من بلد ريفي تحول في سنوات إلى بلد الإنترنت الأسرع في العالم، ليس ذلك فقط ، بل هم من استطاعوا أيضًا بناء مدينة كاملة من الصفر من 2010م إلى 2012م ، و هي مدينة ”سيجونغ”، حتى أصبح يطلقون على أنفسهم بلاد ”المالميا” نسبة إلى رغبتهم في زيادة سرعة إنتاجهم عشرة أضعاف . فهم يفخرون باحتلالهم المرتبة الرابعة عشرة على مستوى العالم في الجانب الإقتصادي. بل زاد تطورهم لينتقلوا إلى استخدام القوة الناعمة لدولتهم لبناء صورة ذهنية إيجابية عن طريق الدراما.

يقول المؤرخ الاقتصادي ألكسندر: ”إن الدول التى تبدأ فى التنمية الاقتصادية حديثًا، تبدأ من حيث انتهى الآخرون، وهي بذلك توفر الوقت والمال والجهد، من خلال الاستفادة من خبرات الدول المتقدمة وإنجازاتها العلمية والتقنية واتباعها الخطوات نفسها التي اتخذتها هذه الدول في المسار الصحيح”.

فالاقتصاد والتعليم وغيرهما مسارات من عدة ضروب لنهضة أي دولة.

همست في نفسي ورددت: سلام على روحك الغالية يا أمي، فأنا انتظر منك أن ”تنادي لي الكوري”، ليس لكي أنام خوفًا، بل لأستيقظ وأخبره: أنْ كما شاهدت تطور كوريا وغيرها، فهذه بلدي السعودية تتطور وتتطور . شهدنا وسنشهد بإذن الله في" 2030". وبعدها بصمات أخرى من التطور، والتي نسأل الله أن تكون خيرًا لنا في ديننا وعلى بلادنا.

05 يوليو 2019 - 2 ذو القعدة 1440
01:09 AM

بلاد "بالي بالي".. كوريا

بدر الغامدي - الرياض
A A A
0
1,660

أيام طفولتي بمنتصف الثمانينيات الميلادية، كانت أمي – رحمها الله – إذا أرادت تهديدي عند عدم النوم، تقول : ” نام وإلا أنادي عليك الكوري”. كنت أخاف أنا وإخوتي وننام سريعًا، هي رهبة الموقف تجبرنا. لكن السؤال مَن الكوري الذي كنّا نتلقّى به التهديدات؟!أمام بيتنا الصغير، كان هناك عدد من عمال الحفر التابعين لإحدى الشركات، يعملون بمشروع الصرف الصحي والذي امتد لأكثر من عام تقريبًا، وهؤلاء العمّال كانوا من الجنسية الكورية ”الجنوبية”، ومنذ تلك اللحظة لم أصادف شخصًا من كوريا الجنوبية إلى أن كان موعد وصول الطائرة في عام 2008م لحضور المؤتمر الكشفي العالمي في ”سوول” عاصمة كوريا الجنوبية، ومن ثم إلى جزيرة ”جيجو” مقر إقامة المؤتمر.

الدهشة تصيبني بسبب التطور الكبير لكوريا الجنوبية، وبالذات الجانب التقني بها، ومازالت كلمات أمي – رحمها الله – ترِن في أذني ”نام وإلا أنادي عليك الكوري”. صورة عمّال الحفر في مخيلتي، وعلامات الحاجة على محيّاهم في ذلك الوقت. والآن أنا وسط ”الكوريين”، مصاب بدهشة تطور هذا البلد.

عشرون عامًا تقريبًا بين الموقفين، ولكن التطورات تفوق سنين ضوئية بينهما. وصدق من قال: إذا أردت أن تصف كوريا الجنوبية بكلمة ، يكفي قولك أنّ بها أسرع إيقاعات العيش في العالم .

بلاد الـ ”بالي – بالي” – كوريا الجنوبية – من بلد ريفي تحول في سنوات إلى بلد الإنترنت الأسرع في العالم، ليس ذلك فقط ، بل هم من استطاعوا أيضًا بناء مدينة كاملة من الصفر من 2010م إلى 2012م ، و هي مدينة ”سيجونغ”، حتى أصبح يطلقون على أنفسهم بلاد ”المالميا” نسبة إلى رغبتهم في زيادة سرعة إنتاجهم عشرة أضعاف . فهم يفخرون باحتلالهم المرتبة الرابعة عشرة على مستوى العالم في الجانب الإقتصادي. بل زاد تطورهم لينتقلوا إلى استخدام القوة الناعمة لدولتهم لبناء صورة ذهنية إيجابية عن طريق الدراما.

يقول المؤرخ الاقتصادي ألكسندر: ”إن الدول التى تبدأ فى التنمية الاقتصادية حديثًا، تبدأ من حيث انتهى الآخرون، وهي بذلك توفر الوقت والمال والجهد، من خلال الاستفادة من خبرات الدول المتقدمة وإنجازاتها العلمية والتقنية واتباعها الخطوات نفسها التي اتخذتها هذه الدول في المسار الصحيح”.

فالاقتصاد والتعليم وغيرهما مسارات من عدة ضروب لنهضة أي دولة.

همست في نفسي ورددت: سلام على روحك الغالية يا أمي، فأنا انتظر منك أن ”تنادي لي الكوري”، ليس لكي أنام خوفًا، بل لأستيقظ وأخبره: أنْ كما شاهدت تطور كوريا وغيرها، فهذه بلدي السعودية تتطور وتتطور . شهدنا وسنشهد بإذن الله في" 2030". وبعدها بصمات أخرى من التطور، والتي نسأل الله أن تكون خيرًا لنا في ديننا وعلى بلادنا.