التحول في الدول 101

عندما بدأت أسعار النفط تتعافى عام 2009م، وفي خضم اعتماد ميزانية المملكة على دخل مورد طبيعي وحيد، والسباق الدولي المحموم لتطوير صناعات ووسائل نقل وبنية تحتية تعتمد على موارد بديلة مع ضعف طلب الدول المستهلكة على النفط نظراً لتذبذب الاقتصاد الدولي والضغط الذي يمارَس على الدول المنتجة بهدف خفض الأسعار؛ كل ذلك يضع اقتصاديات الدول النفطية تحت تأثير هذه المتغيرات وغيرها؛ مما يجعل القدرة على التخطيط للتنمية المستدامة غير ناجع.

 

وأذكر أنني قمت بمشاركة زملائي في محاضرة مادة "إدارة الأعمال الدولية" بكلمة قصيرة عنوانها: "ماذا سنفعل في المملكة بعد انتهاء حقبة النفط؟! عند نضوبه أو اكتشاف العالم بدائل أخرى".. أوضحت فيها حجم احتياطات النفط السعودي ومنطقة الخليج، والمدى الزمني -حسب الدراسات- الذي يمكننا فيه الاستمرار في بيع الإنتاج النفطي، والسيناريوهات المستقبلية المتوقعة؛ عندئذ بادر أستاذ المادة والذي لم يكن متخصصاً في الاقتصاد السعودي، وتبادلنا النقاش عن موارد الدخل وتنوعها وتحدياتها، وما لفت انتباهي آنذاك أن هذا الموضوع الهام لم يكن ملفاً مطروحاً لدى طلبة الدراسات العليا ذوي الخبرات والمعرفة البحثية.

 

الباعث الرئيسي لعمليات التحول في الدول والمنظمات؛ هو استشعار قيادتها وأركان منظومتها للوضع الحالي والمخاطر المحدقة، والرغبة في رسم سيناريوهات مستقبلية أكثر إشراقاً واستثماراً للفرص، وإعادة تموضع الدول والمنظمات للانطلاق وأخذ زمام القيادة والمبادرة.

 

لذلك فمعظم الدول والمنظمات التي نجحت في عمليات التحول، تجد أن القاسم المشترك لدى قيادات التحول بها؛ هو كونهم أشخاصاً حالمين، يمتلكون خيالاً خصباً قادراً على رسم صورة طموحة في الأفق (الرؤية)، والدفع تجاهها بكامل قوتهم ومواردهم (التحول)، وهو ما نأمل أن تعمل رؤية 2030 وبرنامج التحول الوطني على تحقيقه بإذن الله.

 

في القرن الحادي والعشرين وفي هذه العقود تحديداً، أصبحت التغيرات والمؤثرات الخارجية أكثر تسارعاً وتأثيراً على الأوضاع الداخلية للمنظمات والدول؛ كون العالم بات أكثر تقلباً واحتكاكاً بالتسارع التقني والتغيرات الجيوسياسية؛ فلذلك "قد تصطدم بشيء نشأ بشكل كلي خارج منظمتك أو حدودك"، كما يقول "كارلوس غصن" الرئيس التنفيذي لشركة نيسان و رينو.

 

بالتأكيد في مثل هذه الأوضاع التي يشوبها عدم وضوح الرؤى وسرعة التقلبات؛ سنجد أنه لا يمكننا الاعتماد فقط على الخبرات السابقة والبيانات التاريخية كمصدر حصري لاستشراف المستقبل ودراسة النتائج المستقبلية المتوقعة كما يحصل عادة في الدراسات؛ وإنما يكون اعتماد منظومة قيادة التحول بشكل أكبر على الأفكار الأكثر جرأة في الطرح، وتحدياً للواقع والانفتاح على وجهات النظر المختلفة والمتنوعة، وهذه الأفكار ينبغي أن تأتي من الداخل وكذلك من الخارج وعلى مختلف المستويات.

 

ليس من المعيب أبداً أن تستدعي الدول والمنظمات والشركات مَن يشير عليها في وضع منهجية التحول وآلياته ومستهدفاته، وبالطبع في نهاية الأمر هناك مَن سينجح وهناك من سيُخفق، وهو من أبجديات التحول، مئات بل آلاف الشركات والمنظمات نجحت في التحول، وأصبح نموها مطرداً، وتحولت شركات محلية الطابع في مناطقها إلى شركات متعددة الجنسيات، واخترقت أسواق في قارات أخرى حصينة جراء نصائح واستشارات خبراء لديهم المعرفة الكافية؛ لذلك فإن مَن سينجح في الغالب سيكون بسبب كونه مُصِراً على النجاح.

 

عملية التحول مسألة معقدة وصعبة التنفيذ، ونجاح هذه العملية غير مضمون النتائج كما تشير بعض الدراسات؛ حيث إن من 66% إلى 75% من عمليات التحول في العالم تُخفق في تحقيق ما تصبو إليه من أهداف وأثر مطلوب؛ بمعنى أن نسبة النجاح لا تتجاوز 25% - 33%. والملفت للنظر أن أكثر سبب تُعَزى إليه معدلات الإخفاق المرتفعة عالمياً هو (رأس المال البشري).. ألا وهو "الأفراد".

 

يظهر من ذلك أنه ينبغي علينا التركيز على هذا العنصر الأكثر أهمية في عمليات التحول داخل الأجهزة الحكومية والجهات الإشرافية والاستراتيجية على المستويين: تحول المنظمات وتحول الدول.

 

ولهذا الأمر، ينبغي علينا إعادة اكتشاف الذات على المستويين المحلي والدولي، وتمكين قوى بشرية قادرة على خلق منتجات وخدمات استراتيجية تُساهم في تنويع مصادر الدخل من جهة، وتعيد تشكيل موقع المملكة على الخارطة العالمية من جهة أخرى.

اعلان
التحول في الدول 101
سبق

عندما بدأت أسعار النفط تتعافى عام 2009م، وفي خضم اعتماد ميزانية المملكة على دخل مورد طبيعي وحيد، والسباق الدولي المحموم لتطوير صناعات ووسائل نقل وبنية تحتية تعتمد على موارد بديلة مع ضعف طلب الدول المستهلكة على النفط نظراً لتذبذب الاقتصاد الدولي والضغط الذي يمارَس على الدول المنتجة بهدف خفض الأسعار؛ كل ذلك يضع اقتصاديات الدول النفطية تحت تأثير هذه المتغيرات وغيرها؛ مما يجعل القدرة على التخطيط للتنمية المستدامة غير ناجع.

 

وأذكر أنني قمت بمشاركة زملائي في محاضرة مادة "إدارة الأعمال الدولية" بكلمة قصيرة عنوانها: "ماذا سنفعل في المملكة بعد انتهاء حقبة النفط؟! عند نضوبه أو اكتشاف العالم بدائل أخرى".. أوضحت فيها حجم احتياطات النفط السعودي ومنطقة الخليج، والمدى الزمني -حسب الدراسات- الذي يمكننا فيه الاستمرار في بيع الإنتاج النفطي، والسيناريوهات المستقبلية المتوقعة؛ عندئذ بادر أستاذ المادة والذي لم يكن متخصصاً في الاقتصاد السعودي، وتبادلنا النقاش عن موارد الدخل وتنوعها وتحدياتها، وما لفت انتباهي آنذاك أن هذا الموضوع الهام لم يكن ملفاً مطروحاً لدى طلبة الدراسات العليا ذوي الخبرات والمعرفة البحثية.

 

الباعث الرئيسي لعمليات التحول في الدول والمنظمات؛ هو استشعار قيادتها وأركان منظومتها للوضع الحالي والمخاطر المحدقة، والرغبة في رسم سيناريوهات مستقبلية أكثر إشراقاً واستثماراً للفرص، وإعادة تموضع الدول والمنظمات للانطلاق وأخذ زمام القيادة والمبادرة.

 

لذلك فمعظم الدول والمنظمات التي نجحت في عمليات التحول، تجد أن القاسم المشترك لدى قيادات التحول بها؛ هو كونهم أشخاصاً حالمين، يمتلكون خيالاً خصباً قادراً على رسم صورة طموحة في الأفق (الرؤية)، والدفع تجاهها بكامل قوتهم ومواردهم (التحول)، وهو ما نأمل أن تعمل رؤية 2030 وبرنامج التحول الوطني على تحقيقه بإذن الله.

 

في القرن الحادي والعشرين وفي هذه العقود تحديداً، أصبحت التغيرات والمؤثرات الخارجية أكثر تسارعاً وتأثيراً على الأوضاع الداخلية للمنظمات والدول؛ كون العالم بات أكثر تقلباً واحتكاكاً بالتسارع التقني والتغيرات الجيوسياسية؛ فلذلك "قد تصطدم بشيء نشأ بشكل كلي خارج منظمتك أو حدودك"، كما يقول "كارلوس غصن" الرئيس التنفيذي لشركة نيسان و رينو.

 

بالتأكيد في مثل هذه الأوضاع التي يشوبها عدم وضوح الرؤى وسرعة التقلبات؛ سنجد أنه لا يمكننا الاعتماد فقط على الخبرات السابقة والبيانات التاريخية كمصدر حصري لاستشراف المستقبل ودراسة النتائج المستقبلية المتوقعة كما يحصل عادة في الدراسات؛ وإنما يكون اعتماد منظومة قيادة التحول بشكل أكبر على الأفكار الأكثر جرأة في الطرح، وتحدياً للواقع والانفتاح على وجهات النظر المختلفة والمتنوعة، وهذه الأفكار ينبغي أن تأتي من الداخل وكذلك من الخارج وعلى مختلف المستويات.

 

ليس من المعيب أبداً أن تستدعي الدول والمنظمات والشركات مَن يشير عليها في وضع منهجية التحول وآلياته ومستهدفاته، وبالطبع في نهاية الأمر هناك مَن سينجح وهناك من سيُخفق، وهو من أبجديات التحول، مئات بل آلاف الشركات والمنظمات نجحت في التحول، وأصبح نموها مطرداً، وتحولت شركات محلية الطابع في مناطقها إلى شركات متعددة الجنسيات، واخترقت أسواق في قارات أخرى حصينة جراء نصائح واستشارات خبراء لديهم المعرفة الكافية؛ لذلك فإن مَن سينجح في الغالب سيكون بسبب كونه مُصِراً على النجاح.

 

عملية التحول مسألة معقدة وصعبة التنفيذ، ونجاح هذه العملية غير مضمون النتائج كما تشير بعض الدراسات؛ حيث إن من 66% إلى 75% من عمليات التحول في العالم تُخفق في تحقيق ما تصبو إليه من أهداف وأثر مطلوب؛ بمعنى أن نسبة النجاح لا تتجاوز 25% - 33%. والملفت للنظر أن أكثر سبب تُعَزى إليه معدلات الإخفاق المرتفعة عالمياً هو (رأس المال البشري).. ألا وهو "الأفراد".

 

يظهر من ذلك أنه ينبغي علينا التركيز على هذا العنصر الأكثر أهمية في عمليات التحول داخل الأجهزة الحكومية والجهات الإشرافية والاستراتيجية على المستويين: تحول المنظمات وتحول الدول.

 

ولهذا الأمر، ينبغي علينا إعادة اكتشاف الذات على المستويين المحلي والدولي، وتمكين قوى بشرية قادرة على خلق منتجات وخدمات استراتيجية تُساهم في تنويع مصادر الدخل من جهة، وتعيد تشكيل موقع المملكة على الخارطة العالمية من جهة أخرى.

30 إبريل 2017 - 4 شعبان 1438
01:53 PM

التحول في الدول 101

غازي الشهراني - الرياض
A A A
1
1,659

عندما بدأت أسعار النفط تتعافى عام 2009م، وفي خضم اعتماد ميزانية المملكة على دخل مورد طبيعي وحيد، والسباق الدولي المحموم لتطوير صناعات ووسائل نقل وبنية تحتية تعتمد على موارد بديلة مع ضعف طلب الدول المستهلكة على النفط نظراً لتذبذب الاقتصاد الدولي والضغط الذي يمارَس على الدول المنتجة بهدف خفض الأسعار؛ كل ذلك يضع اقتصاديات الدول النفطية تحت تأثير هذه المتغيرات وغيرها؛ مما يجعل القدرة على التخطيط للتنمية المستدامة غير ناجع.

 

وأذكر أنني قمت بمشاركة زملائي في محاضرة مادة "إدارة الأعمال الدولية" بكلمة قصيرة عنوانها: "ماذا سنفعل في المملكة بعد انتهاء حقبة النفط؟! عند نضوبه أو اكتشاف العالم بدائل أخرى".. أوضحت فيها حجم احتياطات النفط السعودي ومنطقة الخليج، والمدى الزمني -حسب الدراسات- الذي يمكننا فيه الاستمرار في بيع الإنتاج النفطي، والسيناريوهات المستقبلية المتوقعة؛ عندئذ بادر أستاذ المادة والذي لم يكن متخصصاً في الاقتصاد السعودي، وتبادلنا النقاش عن موارد الدخل وتنوعها وتحدياتها، وما لفت انتباهي آنذاك أن هذا الموضوع الهام لم يكن ملفاً مطروحاً لدى طلبة الدراسات العليا ذوي الخبرات والمعرفة البحثية.

 

الباعث الرئيسي لعمليات التحول في الدول والمنظمات؛ هو استشعار قيادتها وأركان منظومتها للوضع الحالي والمخاطر المحدقة، والرغبة في رسم سيناريوهات مستقبلية أكثر إشراقاً واستثماراً للفرص، وإعادة تموضع الدول والمنظمات للانطلاق وأخذ زمام القيادة والمبادرة.

 

لذلك فمعظم الدول والمنظمات التي نجحت في عمليات التحول، تجد أن القاسم المشترك لدى قيادات التحول بها؛ هو كونهم أشخاصاً حالمين، يمتلكون خيالاً خصباً قادراً على رسم صورة طموحة في الأفق (الرؤية)، والدفع تجاهها بكامل قوتهم ومواردهم (التحول)، وهو ما نأمل أن تعمل رؤية 2030 وبرنامج التحول الوطني على تحقيقه بإذن الله.

 

في القرن الحادي والعشرين وفي هذه العقود تحديداً، أصبحت التغيرات والمؤثرات الخارجية أكثر تسارعاً وتأثيراً على الأوضاع الداخلية للمنظمات والدول؛ كون العالم بات أكثر تقلباً واحتكاكاً بالتسارع التقني والتغيرات الجيوسياسية؛ فلذلك "قد تصطدم بشيء نشأ بشكل كلي خارج منظمتك أو حدودك"، كما يقول "كارلوس غصن" الرئيس التنفيذي لشركة نيسان و رينو.

 

بالتأكيد في مثل هذه الأوضاع التي يشوبها عدم وضوح الرؤى وسرعة التقلبات؛ سنجد أنه لا يمكننا الاعتماد فقط على الخبرات السابقة والبيانات التاريخية كمصدر حصري لاستشراف المستقبل ودراسة النتائج المستقبلية المتوقعة كما يحصل عادة في الدراسات؛ وإنما يكون اعتماد منظومة قيادة التحول بشكل أكبر على الأفكار الأكثر جرأة في الطرح، وتحدياً للواقع والانفتاح على وجهات النظر المختلفة والمتنوعة، وهذه الأفكار ينبغي أن تأتي من الداخل وكذلك من الخارج وعلى مختلف المستويات.

 

ليس من المعيب أبداً أن تستدعي الدول والمنظمات والشركات مَن يشير عليها في وضع منهجية التحول وآلياته ومستهدفاته، وبالطبع في نهاية الأمر هناك مَن سينجح وهناك من سيُخفق، وهو من أبجديات التحول، مئات بل آلاف الشركات والمنظمات نجحت في التحول، وأصبح نموها مطرداً، وتحولت شركات محلية الطابع في مناطقها إلى شركات متعددة الجنسيات، واخترقت أسواق في قارات أخرى حصينة جراء نصائح واستشارات خبراء لديهم المعرفة الكافية؛ لذلك فإن مَن سينجح في الغالب سيكون بسبب كونه مُصِراً على النجاح.

 

عملية التحول مسألة معقدة وصعبة التنفيذ، ونجاح هذه العملية غير مضمون النتائج كما تشير بعض الدراسات؛ حيث إن من 66% إلى 75% من عمليات التحول في العالم تُخفق في تحقيق ما تصبو إليه من أهداف وأثر مطلوب؛ بمعنى أن نسبة النجاح لا تتجاوز 25% - 33%. والملفت للنظر أن أكثر سبب تُعَزى إليه معدلات الإخفاق المرتفعة عالمياً هو (رأس المال البشري).. ألا وهو "الأفراد".

 

يظهر من ذلك أنه ينبغي علينا التركيز على هذا العنصر الأكثر أهمية في عمليات التحول داخل الأجهزة الحكومية والجهات الإشرافية والاستراتيجية على المستويين: تحول المنظمات وتحول الدول.

 

ولهذا الأمر، ينبغي علينا إعادة اكتشاف الذات على المستويين المحلي والدولي، وتمكين قوى بشرية قادرة على خلق منتجات وخدمات استراتيجية تُساهم في تنويع مصادر الدخل من جهة، وتعيد تشكيل موقع المملكة على الخارطة العالمية من جهة أخرى.