المعلم يستحق أكثر

ما جئت لأسطّر كلمات ثناء إنشائية في يوم المعلم! ولا أظنني أوفيه حقه لو فعلت! لكن الحديث حين يتكئ على تجربة - وإن كانت سابقة – يُسطَّر بطعم آخر، ويمتزج بلذة المعاناة، وصدق الواقع؛ لذلك فالذين ترنو أعينهم إلى رواتب المعلمين وإجازاتهم، ويكادون يطلون في جيوبهم! ويحاولون التقليل من جهودهم، ويسلطون الضوء على سلبياتهم.. هم يتحدثون خارج الواقع، ودون أن يحتكوا بالميدان التربوي - وإن كان لهم أبناء وبنات في كل مراحل التعليم! - ولا يمكنهم أن يحكموا على حقوق المعلم والمعلمة (ما يستحقان وما لا يستحقان!!)، ولا يحق لهم أن يركزوا على استثناءات التقصير أو مواقف المقصرين؛ فحتى هؤلاء ينالهم من الجهد ما ينالهم طيلة العام الدراسي، وهم محاسَبون على أية حال..
 
ويكفينا أن المعلم ينشأ على يديه الطبيب والمهندس والقاضي والوزير والحاكم أيضًا! ويكفي أنه يتعامل مع الفكر، وعمله مستمر قبل اليوم الدراسي وخلاله وبعده، وفي كلها يقدم جهدًا بدنيًّا وفكريًّا لا تتصورنه! وعليه أن يكون صبورًا بالقدر الذي يمكنه أن يتحمل ثلاثين أو أربعين طالبًا، وربما أكثر، وفي خمس وأربعين دقيقة، عليه أن يجعلهم هادئين، وأعصابه حديدية؛ ليتمكن من شرح الدرس وإدارة الصف بنجاح. ولك أن تتصور هذا الجهد حين يتكرر خمس أو ست مرات في بضع ساعات من اليوم؟! (حديثي طبعًا يشمل المعلمة).
 
وحين يدلف المعلم المدرسة لا بد أن ينسى هموم الدَّين الذي يقسّطه مثلاً، وإيجار البيت الذي حل، والفواتير التي تتراقص أمام عينيه، ومشاكله كلها، ويتفرغ لهذه العقول الصغيرة التي تتقافز أمامه، وتطن فوق رأسه، وقد أصبحت صعبة المراس، وليست مثله عندما كان صغيرًا، يقدر ما يقوله المعلم، وينتشي لمديحه، ويطرب لكل معلومة جديدة يتلقفها، أو وسيلة إيضاح يبتكرها معلمه النبيل؛ ذلك أن جيل الإنترنت وفضائيات الزمن الجديد - وهي تحيط به من كل جانب وتجعل المعلومة متوافرة - يتطلب من المعلم جهدًا مضافًا؛ ليكون مشوقًا أكثر؛ فالطالب لم يعد يقتنع بسهولة، ولا يرضيه أي شيء!
 
أصبح التدريس - بالقدر الذي صار أسهل وأمتع بمناهجه التي تتطلب استراتيجيات مبتكرة جاذبة، واعتمادًا كبيرًا على التقنية – يحتاج إلى بحث أكثر، وتحضير واستعداد مجهد، ويلتهم يوم المعلم حتى بعد اليوم الدراسي. ليس هذا كل شيء.. بقي الكثير والكثير ليقدمه؛ فشؤون التقييم متشعبة، ومربكة، وهي تتقيد بوقت معين للرصد والتدقيق، وقبلها إعداد الأسئلة وإجراء الاختبارات الشفهية والتحريرية، وغير ذلك من الواجبات المتشعبة التي تستحق اهتمامًا وجهدًا مضاعفَين. وماذا لو كان المعلم في منطقة أخرى غير منطقة سكنه؟ وماذا لو كانت المعلمة تسافر يوميًّا الساعات الطوال لتصل لمدرستها؟
 
لذلك وأكثر لا بد من دعم المعلم (ماديًّا ومعنويًّا،) ودعم المجتمع كله؛ ليؤدي رسالته النبيلة بنجاح، ويسعى أيضًا لتطوير نفسه؛ ليرتقي ويواكب ما حوله من تطوُّر، خاصة تلاميذه!
 
وبعد!
 
قُلْ لي أيها المتحذلق الناقد: كيف يمكنك أن تتحمل طفلَيْن من أطفالك حين يطن جمالهم فوق رأسك؟ 
 

اعلان
المعلم يستحق أكثر
سبق

ما جئت لأسطّر كلمات ثناء إنشائية في يوم المعلم! ولا أظنني أوفيه حقه لو فعلت! لكن الحديث حين يتكئ على تجربة - وإن كانت سابقة – يُسطَّر بطعم آخر، ويمتزج بلذة المعاناة، وصدق الواقع؛ لذلك فالذين ترنو أعينهم إلى رواتب المعلمين وإجازاتهم، ويكادون يطلون في جيوبهم! ويحاولون التقليل من جهودهم، ويسلطون الضوء على سلبياتهم.. هم يتحدثون خارج الواقع، ودون أن يحتكوا بالميدان التربوي - وإن كان لهم أبناء وبنات في كل مراحل التعليم! - ولا يمكنهم أن يحكموا على حقوق المعلم والمعلمة (ما يستحقان وما لا يستحقان!!)، ولا يحق لهم أن يركزوا على استثناءات التقصير أو مواقف المقصرين؛ فحتى هؤلاء ينالهم من الجهد ما ينالهم طيلة العام الدراسي، وهم محاسَبون على أية حال..
 
ويكفينا أن المعلم ينشأ على يديه الطبيب والمهندس والقاضي والوزير والحاكم أيضًا! ويكفي أنه يتعامل مع الفكر، وعمله مستمر قبل اليوم الدراسي وخلاله وبعده، وفي كلها يقدم جهدًا بدنيًّا وفكريًّا لا تتصورنه! وعليه أن يكون صبورًا بالقدر الذي يمكنه أن يتحمل ثلاثين أو أربعين طالبًا، وربما أكثر، وفي خمس وأربعين دقيقة، عليه أن يجعلهم هادئين، وأعصابه حديدية؛ ليتمكن من شرح الدرس وإدارة الصف بنجاح. ولك أن تتصور هذا الجهد حين يتكرر خمس أو ست مرات في بضع ساعات من اليوم؟! (حديثي طبعًا يشمل المعلمة).
 
وحين يدلف المعلم المدرسة لا بد أن ينسى هموم الدَّين الذي يقسّطه مثلاً، وإيجار البيت الذي حل، والفواتير التي تتراقص أمام عينيه، ومشاكله كلها، ويتفرغ لهذه العقول الصغيرة التي تتقافز أمامه، وتطن فوق رأسه، وقد أصبحت صعبة المراس، وليست مثله عندما كان صغيرًا، يقدر ما يقوله المعلم، وينتشي لمديحه، ويطرب لكل معلومة جديدة يتلقفها، أو وسيلة إيضاح يبتكرها معلمه النبيل؛ ذلك أن جيل الإنترنت وفضائيات الزمن الجديد - وهي تحيط به من كل جانب وتجعل المعلومة متوافرة - يتطلب من المعلم جهدًا مضافًا؛ ليكون مشوقًا أكثر؛ فالطالب لم يعد يقتنع بسهولة، ولا يرضيه أي شيء!
 
أصبح التدريس - بالقدر الذي صار أسهل وأمتع بمناهجه التي تتطلب استراتيجيات مبتكرة جاذبة، واعتمادًا كبيرًا على التقنية – يحتاج إلى بحث أكثر، وتحضير واستعداد مجهد، ويلتهم يوم المعلم حتى بعد اليوم الدراسي. ليس هذا كل شيء.. بقي الكثير والكثير ليقدمه؛ فشؤون التقييم متشعبة، ومربكة، وهي تتقيد بوقت معين للرصد والتدقيق، وقبلها إعداد الأسئلة وإجراء الاختبارات الشفهية والتحريرية، وغير ذلك من الواجبات المتشعبة التي تستحق اهتمامًا وجهدًا مضاعفَين. وماذا لو كان المعلم في منطقة أخرى غير منطقة سكنه؟ وماذا لو كانت المعلمة تسافر يوميًّا الساعات الطوال لتصل لمدرستها؟
 
لذلك وأكثر لا بد من دعم المعلم (ماديًّا ومعنويًّا،) ودعم المجتمع كله؛ ليؤدي رسالته النبيلة بنجاح، ويسعى أيضًا لتطوير نفسه؛ ليرتقي ويواكب ما حوله من تطوُّر، خاصة تلاميذه!
 
وبعد!
 
قُلْ لي أيها المتحذلق الناقد: كيف يمكنك أن تتحمل طفلَيْن من أطفالك حين يطن جمالهم فوق رأسك؟ 
 

06 أكتوبر 2016 - 5 محرّم 1438
12:53 AM

المعلم يستحق أكثر

A A A
10
3,090

ما جئت لأسطّر كلمات ثناء إنشائية في يوم المعلم! ولا أظنني أوفيه حقه لو فعلت! لكن الحديث حين يتكئ على تجربة - وإن كانت سابقة – يُسطَّر بطعم آخر، ويمتزج بلذة المعاناة، وصدق الواقع؛ لذلك فالذين ترنو أعينهم إلى رواتب المعلمين وإجازاتهم، ويكادون يطلون في جيوبهم! ويحاولون التقليل من جهودهم، ويسلطون الضوء على سلبياتهم.. هم يتحدثون خارج الواقع، ودون أن يحتكوا بالميدان التربوي - وإن كان لهم أبناء وبنات في كل مراحل التعليم! - ولا يمكنهم أن يحكموا على حقوق المعلم والمعلمة (ما يستحقان وما لا يستحقان!!)، ولا يحق لهم أن يركزوا على استثناءات التقصير أو مواقف المقصرين؛ فحتى هؤلاء ينالهم من الجهد ما ينالهم طيلة العام الدراسي، وهم محاسَبون على أية حال..
 
ويكفينا أن المعلم ينشأ على يديه الطبيب والمهندس والقاضي والوزير والحاكم أيضًا! ويكفي أنه يتعامل مع الفكر، وعمله مستمر قبل اليوم الدراسي وخلاله وبعده، وفي كلها يقدم جهدًا بدنيًّا وفكريًّا لا تتصورنه! وعليه أن يكون صبورًا بالقدر الذي يمكنه أن يتحمل ثلاثين أو أربعين طالبًا، وربما أكثر، وفي خمس وأربعين دقيقة، عليه أن يجعلهم هادئين، وأعصابه حديدية؛ ليتمكن من شرح الدرس وإدارة الصف بنجاح. ولك أن تتصور هذا الجهد حين يتكرر خمس أو ست مرات في بضع ساعات من اليوم؟! (حديثي طبعًا يشمل المعلمة).
 
وحين يدلف المعلم المدرسة لا بد أن ينسى هموم الدَّين الذي يقسّطه مثلاً، وإيجار البيت الذي حل، والفواتير التي تتراقص أمام عينيه، ومشاكله كلها، ويتفرغ لهذه العقول الصغيرة التي تتقافز أمامه، وتطن فوق رأسه، وقد أصبحت صعبة المراس، وليست مثله عندما كان صغيرًا، يقدر ما يقوله المعلم، وينتشي لمديحه، ويطرب لكل معلومة جديدة يتلقفها، أو وسيلة إيضاح يبتكرها معلمه النبيل؛ ذلك أن جيل الإنترنت وفضائيات الزمن الجديد - وهي تحيط به من كل جانب وتجعل المعلومة متوافرة - يتطلب من المعلم جهدًا مضافًا؛ ليكون مشوقًا أكثر؛ فالطالب لم يعد يقتنع بسهولة، ولا يرضيه أي شيء!
 
أصبح التدريس - بالقدر الذي صار أسهل وأمتع بمناهجه التي تتطلب استراتيجيات مبتكرة جاذبة، واعتمادًا كبيرًا على التقنية – يحتاج إلى بحث أكثر، وتحضير واستعداد مجهد، ويلتهم يوم المعلم حتى بعد اليوم الدراسي. ليس هذا كل شيء.. بقي الكثير والكثير ليقدمه؛ فشؤون التقييم متشعبة، ومربكة، وهي تتقيد بوقت معين للرصد والتدقيق، وقبلها إعداد الأسئلة وإجراء الاختبارات الشفهية والتحريرية، وغير ذلك من الواجبات المتشعبة التي تستحق اهتمامًا وجهدًا مضاعفَين. وماذا لو كان المعلم في منطقة أخرى غير منطقة سكنه؟ وماذا لو كانت المعلمة تسافر يوميًّا الساعات الطوال لتصل لمدرستها؟
 
لذلك وأكثر لا بد من دعم المعلم (ماديًّا ومعنويًّا،) ودعم المجتمع كله؛ ليؤدي رسالته النبيلة بنجاح، ويسعى أيضًا لتطوير نفسه؛ ليرتقي ويواكب ما حوله من تطوُّر، خاصة تلاميذه!
 
وبعد!
 
قُلْ لي أيها المتحذلق الناقد: كيف يمكنك أن تتحمل طفلَيْن من أطفالك حين يطن جمالهم فوق رأسك؟