خطيب جامع الراجحي يدعو إلى مد يد العون لمرضى الفشل الكلوى .. 3 طرق ناجزة

قال: من نعم الله العظيمة صحة الأبدان التي إن انسلبت لم يحلُ العيش .. افعلوا الخير

خصّص إمام وخطيب جامع الراجحي بحي الجزيرة بالرياض الدكتور حمزة بن سليمان الطيار، خطبة اليوم الجمعة لموضوع صحي، تمثّل في معاناة مرضى الفشل الكلوي، مقدماً نصائح لهم ولأقاربهم، منادياً بدعمهم صحياً ونفسياً، مؤكداً أن من نعم الله العظيمة صحة الأبدان التي إن انسلبت لم يحلُ لإنسان عيش، حاثاً على فعل الخيرات.

 

ودعا "الطيار"؛ إلى مد يد العون لمرضى الفشل الكلوي عبر ثلاث طرق، أولاها التبرع لهم بالكُلية، مشيراً إلى أن هذا النوع من أنواع الدعم هو منتهى الإحسان، وغاية البر والامتنان، وثانيتها الدعم النفسي بتسلية المريض، وحضه على تحسين ظنه بربه، وثالثتها الدعم المادي بجميع صوره، وشتى أشكاله من معيشة وأجرة نقل ومسكن ونحو ذلك.

 

تفصيلاً، قال إمام وخطيب جامع الراجحي في نص الخطبة: "إن العبد يتقلب في أنواع متكاثرة لا تنتهي من نعم الله الباطنة  والظاهرة، وما زالت ألطاف الله دائمة الانهمار، سحاءً لا تغيض مع تعاقب الليل والنهار، من أمعن النظر في تنوع صنوفها، وإيناع دواني قطوفها، وقف أمامها مشدوه الفكر، وأيقن أنها لا تدخل تحت الإحصاء والحصر، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها".

 

وأضاف: "إن من نعم الله العظيمة، وآلائه الجسيمة، نعمة الصحة في الأبدان، والسلامة من الأسقام، والتي إن انسلبت من إنسان لم يحلُ له عيشٌ، ولم يصف له أمر، ولم يبتسم له ثغر، نعمة لا يقر قرار من فقدها ولو سيقت إليه الدنيا بحذافيرها، ولا ينعم بالهناءة منعدمها ولو ألقت إليه الأمور بمقاليدها، إذا نامت العيون سامر السهر، وكابد الحزن الأدهى والأمر، إنها نعمة الصحة والعافية، مذاق لا يمله ذائقه، وثوب لا يضجر منه لابسه، بها يستطيع الإنسان الكد للدنيا، والسعي للحياة الباقية الأخرى، وإذا كانت النعم لا تبقى إلا إذا ربطت بروابط الشكر للرحمن، وثبتت بدعائم طاعة الوهاب المنان".

 

وأوضح: "فإنه يجب تعهد نعمة الصحة وذلك بصيانتها بأشياء منها: أولاً: تقوى الله - جلّ وعلا - فإن من حفظ الله حفظه، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي: يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ. أخرجه الترمذي وصححه.

 

وتابع: "قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله تعالى: وَمَنْ حَفِظَ اللَّهَ فِي صِبَاهُ وَقُوَّتِهِ، حَفِظَهُ اللَّهُ فِي حَالِ كِبَرِهِ وَضَعْفِ قُوَّتِهِ، وَمَتَّعَهُ بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ وَعَقْلِهِ. كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَدْ جَاوَزَ الْمِائَةَ سَنَةً وَهُوَ مُمَتَّعٌ بِقُوَّتِهِ وَعَقْلِهِ، فَوَثَبَ يَوْمًا وَثْبَةً شَدِيدَةً، فَعُوتِبَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: هَذِهِ جَوَارِحٌ حَفِظْنَاهَا عَنِ الْمَعَاصِي فِي الصِّغَرِ، فَحَفِظَهَا اللَّهُ عَلَيْنَا فِي الْكِبَرِ".

 

وبيّن: "ثانياً: شكر نعمة الصحة والعافية، واستشعار هذه النعمة، والحفاظ عليها بفعل الأسباب التي توجب حفظ النعم، ومن مظاهر هذا الشكر الوقوف مع مَن اُبتلي باختلال الصحة، والنظر إليه بعين الشفقة والرحمة، والسعي في تخفيف آلامه، والعمل على تضميد جراحه، فإنه قد آل إلى حالة لا يستغني فيها عن الفزعة الإخوانية، واللفتة الإنسانية، ولا يخفى عليكم أن مجرد عيادة المريض قد وعد الله عليه من الأجر الجزيل، والثواب العظيم ما هو معروف، ومن أعظمه استغفار الملائكة للعائد، ونيله خريفاً من الجنة، فعن علي - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِماً غُدْوَةً إِلاَّ صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الجَنَّةِ أخرجه أبو داود والترمذي وصححه الشيخ الألباني. والخريف البُسْتَانُ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الثَّمَرُ الْمُجْتَنَى، أَوْ مَخْرُوفٌ مِنْ ثَمَرِ الْجَنَّةِ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ".

 

وواصل: "معلوم أن الوقوف مع المريض والسعي في كل ما من شأنه أن ينجيه من براثن المرض، أنفع لهو أحسن أثراً من مجرد عيادته، فإذا كان للعيادة وهي مجرد زيارة من الأجر ما تقدم، فما بالكم بأجر المساندة والمعاونة، والتسبب في وقوف المريض على رجليه، معافى تبرق أسارير وجهه، وتملأ السعادة جوانح صدره".

 

واستكمل: "إن من الأمراض التي لا يستغني مَن اُبتلي بها عن الدعم والمساندة، وامتداد أيدي المساعدة، مرض الفشل الكلوي، عافانا الله وإياكم، وأدام علينا وعليكم نعمة الصحة والعافية، وأنزل على مرضانا ومرضى المسلمين عافية من عنده تبرأ بها الأسقام، وتتلاشى معها الآلام، ولا مجال لأن نعفي أنفسنا من مسؤولية التعاطف مع مَن أنهكهم هذا البلاء، وحلّ بهم ذلك الوباء، فنحن أمة الجسد الواحد تتداعى أعضاؤه بالحمّى والسهر إذا اشتكى منه عضو، ونحن في وطن اللحمة والتلاحم، وبلد التضامن والتراحم، ومما يتوج تقدم الوطن وازدهاره محاصرة الأمراض، وتضييق دائرتها، وتخفيف وقعتها، وذلك بالوقوف مع المرضى وقوف الأخ مع أخيه المكروب".

 

وفصّل: "ومما يحتاج مريض الفشل الكلوي إلى أن يوقف معه به: أولاً: التبرع بالكُلية: وهذا النوع من أنواع الدعم هو منتهى الإحسان، وغاية البر والامتنان، تتضاءل الأيادي عن أن تقارنه، وتتصاغر عبارة الشكر عن أن تقابله، تبرع يأتي في مرحلة حاسمة يكون فيها المستفيد بين موتٍ شبه مؤكد، وبين حياة ملؤها التعب والنكد، تبرع لم توهب فيه الأموال الكثيرة، بل بذلت فيه الأعضاء الكريمة، تبرع لا يدع مجالاً للشك في غلاء الروح البشرية، وكرامة النفس الإنسانية، وأن أهل الفطر السليمة، والديانة المتينة القويمة، والقلوب الرحيمة لا يدخرون جهداً في حفظ النفوس وصيانتها، ومدافعة الأخطار المهددة لها، يحثهم على ذلك التدين والاستقامة، وتدعوهم إليه دواعي الكرم والشهامة، طاوعتهم نفوسهم إلى ما من شأنه إنقاذ حياة مهددة، وتفريج كربة مدلهمة، وبضدها تتبين الأشياء، فعلى نقيضهم نرى من انتكست فطرته،ورقت ديانته، وتلاشت أو لم توجد أصلا شهامته، نراهم مولعين بإزهاق الأرواح، وإشاعة الذعر والفساد، والنفس في نظرهم أرخص موجود، وأهون مفقود، واقرأوا الفرق الشاسع بين القاتل المفسد، وبين المسعف المنقذ في قوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}.

 

وتابع: "أما ما يتعلق بحكم نقل الأعضاء فقد صرح جمهور الفقهاء المعاصرين بجوازه ومشروعيته، ومن الهيئات الشرعية التي قررت ذلك مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية فـي القرار رقم تسعة وتسعين؛ حيث قرر المجلس بالإجماع: جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان حي مسلم أو ذمي إلى نفسه إذا دعت الحاجة إليه، وأمن الخطر في نزعه، وغلب على الظن نجاح زرعه، كما قرر بالأكثرية ما يلي:

1- جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان ميت إلى مسلم إذا اضطر إلى ذلك، وأمنت الفتنة في نزعه ممن أخذ منه، وغلب على الظن نجاح زرعه فيمن سيزرع فيه.

2 - جواز تبرع الإنسان الحي بنقل عضو منه أو جزئه إلى مسلم مضطر إلى ذلك، وكذلك أقره مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، فالتبرع بالأعضاء ينطلق من مبادئ اسلامية عظيمة وهي:  الايثار، والتعاون، ونحو ذلك".

 

وفي الخطبة الثانية قال "الطيار" ثانياً: ومما يحتاج إليه مريض الفشل الكلوي: الدعم النفسي بتسليته، وحضه على تحسين ظنه بربه، ولفت نظره إلى أن من السنن الكونية ابتلاء الناس بالأمراض، وأن ما أصاب المؤمن من ذلك فهو حط للسيئات، ورفع للدرجات، وتذكيره بأهمية الدعاء، وجدوى صدق اللجوء إلى الله تعالى، وأن الكروب وإن تفاقمت وانسدت في الظاهر منافذ النجاة منها، فإن الدعاء مفتاح الفرج، وأن المؤمن وإن أحاطت به المخاطر التي جرت العادة بتعذر النجاة منها، فملاذه ومنجاته التضرع لربه، ودعاؤه بلسان صادق، وقلب خاشع، فيونس - عليه السلام - لما التقمه الحوت، فوجد نفسه في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة أعماق البحر، وفي ظلمة الليل، حيث لا أمل في وصول المسعفين، ولا مجال لتدخل المنجدين، فما كان منه إلا أن نادى ربه مستغيثاً به، فاستجاب له، وأمر الحوت بإلقائه في الساحل، ونجّاه مما هو فيه، قال تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (88).

 

واستطرد: "ثالثاً: الدعم المادي بجميع صوره، وشتى أشكاله من معيشة وأجرة نقل ومسكن ونحو ذلك، فالغالب أن مَن أُصيب بهذا المرض تعطلت مصالحه، وقعد عن الكسب، فإن كان من ذوي الدخل المحدود كان عرضة لأن تحيط به الفاقة، وتقض مضجعه الحاجة، فما أحسن سعي من نهض لمعالجة هذه النوائب، وما أعظم أجر من خفف وقع هذه المصائب، والدولة - رعاها الله - قد تحملت مسؤوليتها في توفير الرعاية الصحية المناسبة لهؤلاء وأمثالهم وإقامة المراكز المتخصصة في التعامل معهم، كالمركز السعودي لزراعة الأعضاء، ومركز الملك سلمان لأمراض الكلى، وجمعية الأمير فهد بن سلمان - رحمه الله - لرعاية مرضى الفشل الكلوي، التي لها جميعاً جهود مشكورة، وأعمال مبرورة في معالجة مرضى الكلى من جوانب متنوعة، سواء ما يتعلق بذات المرض".

 

واستكمل مجدداً: "أما ما يتعلق بتوابعه من حاجة تلحق بهؤلاء المرضى وأسرهم، فعلى المجتمع أن يساند هذه الجهود وأن يقف أهل الاستطاعة من رجال الأعمال والميسورين وقفة جادة للإسهام في دحر الأمراض الفتاكة، وليتذكروا ما في تفريج الكربات من الأجر العظيم، وليمدوا أياديهم البيضاء في سبيل إنجاز هذه المهمة الدينية والإنسانية والوطنية، وذلك بإقامة مراكز متخصصة لمعالجة هذا المرض وغيره، وبدعم المراكز القائمة الدعم الكامل، ولأهمية الدور الذي تقوم به جمعية الأمير فهد بن سلمان - رحمه الله - لرعاية مرضى الفشل الكلوي في هذا الصدد، فإن دعمها يوفر الوقت والجهد، ويختصر الطريق أمام من يريد أن يتبرع لهؤلاء المرضى، وذلك لأنها توفر لمرضى الفشل الكلوي شتى صنوف الرعاية والمساندة، وتغطي بخدماتها جميع مناطق المملكة، وتقدم جلسات الغسيل الكلوي وتقدم الأدوية والتنويم ما قبل عمليات الزرع، كما تقوم بتحمل تكاليف عمليات زراعة الكلى، وصرف أدوية ما بعد الزراعة، كما توفر بدل المواصلات لنقل المرضى من منازلهم لأماكن الغسيل وإعادتهم لمنازلهم وتساعد أبناءهم على الالتحاق بالجامعات، كما تساعدهم في التوظيف، وتخدم حالياً أكثر من ٨٠٠ مريض، وتحتاج سنوياً إلى نحو ٩٠ مليوناً لعلاجهم وخدمتهم".

 

واختتم: "إنها جهود عظيمة لا ينبغي للمحسنين أن يفوّتوا فرصة الاشتراك في أجرها العظيم، وتوسيع دائرة نفعها العميم، فلن تفرج - أيها المحسن - عن المسلم كربة أعظم من كربة المرض الفتاك، ولن تدخل على الأسرة فرحة أعظم من فرحة علاج عائلها الطريح على فراش الداء العضال، إنها مهمة نبيلة تنطوي على صنوف من المصالح الكبار، ولها أروع النتائج وأحسن الآثار، يستفيد منها المريض الدعم النفسي والمادي وغيرهما، ويعود نفعها على المجتمع بتضايق دائرة الأمراض فيه، وتجاوز أفراده عقبات العاهات التي تعترض طريق التقدم.

اعلان
خطيب جامع الراجحي يدعو إلى مد يد العون لمرضى الفشل الكلوى .. 3 طرق ناجزة
سبق

خصّص إمام وخطيب جامع الراجحي بحي الجزيرة بالرياض الدكتور حمزة بن سليمان الطيار، خطبة اليوم الجمعة لموضوع صحي، تمثّل في معاناة مرضى الفشل الكلوي، مقدماً نصائح لهم ولأقاربهم، منادياً بدعمهم صحياً ونفسياً، مؤكداً أن من نعم الله العظيمة صحة الأبدان التي إن انسلبت لم يحلُ لإنسان عيش، حاثاً على فعل الخيرات.

 

ودعا "الطيار"؛ إلى مد يد العون لمرضى الفشل الكلوي عبر ثلاث طرق، أولاها التبرع لهم بالكُلية، مشيراً إلى أن هذا النوع من أنواع الدعم هو منتهى الإحسان، وغاية البر والامتنان، وثانيتها الدعم النفسي بتسلية المريض، وحضه على تحسين ظنه بربه، وثالثتها الدعم المادي بجميع صوره، وشتى أشكاله من معيشة وأجرة نقل ومسكن ونحو ذلك.

 

تفصيلاً، قال إمام وخطيب جامع الراجحي في نص الخطبة: "إن العبد يتقلب في أنواع متكاثرة لا تنتهي من نعم الله الباطنة  والظاهرة، وما زالت ألطاف الله دائمة الانهمار، سحاءً لا تغيض مع تعاقب الليل والنهار، من أمعن النظر في تنوع صنوفها، وإيناع دواني قطوفها، وقف أمامها مشدوه الفكر، وأيقن أنها لا تدخل تحت الإحصاء والحصر، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها".

 

وأضاف: "إن من نعم الله العظيمة، وآلائه الجسيمة، نعمة الصحة في الأبدان، والسلامة من الأسقام، والتي إن انسلبت من إنسان لم يحلُ له عيشٌ، ولم يصف له أمر، ولم يبتسم له ثغر، نعمة لا يقر قرار من فقدها ولو سيقت إليه الدنيا بحذافيرها، ولا ينعم بالهناءة منعدمها ولو ألقت إليه الأمور بمقاليدها، إذا نامت العيون سامر السهر، وكابد الحزن الأدهى والأمر، إنها نعمة الصحة والعافية، مذاق لا يمله ذائقه، وثوب لا يضجر منه لابسه، بها يستطيع الإنسان الكد للدنيا، والسعي للحياة الباقية الأخرى، وإذا كانت النعم لا تبقى إلا إذا ربطت بروابط الشكر للرحمن، وثبتت بدعائم طاعة الوهاب المنان".

 

وأوضح: "فإنه يجب تعهد نعمة الصحة وذلك بصيانتها بأشياء منها: أولاً: تقوى الله - جلّ وعلا - فإن من حفظ الله حفظه، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي: يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ. أخرجه الترمذي وصححه.

 

وتابع: "قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله تعالى: وَمَنْ حَفِظَ اللَّهَ فِي صِبَاهُ وَقُوَّتِهِ، حَفِظَهُ اللَّهُ فِي حَالِ كِبَرِهِ وَضَعْفِ قُوَّتِهِ، وَمَتَّعَهُ بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ وَعَقْلِهِ. كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَدْ جَاوَزَ الْمِائَةَ سَنَةً وَهُوَ مُمَتَّعٌ بِقُوَّتِهِ وَعَقْلِهِ، فَوَثَبَ يَوْمًا وَثْبَةً شَدِيدَةً، فَعُوتِبَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: هَذِهِ جَوَارِحٌ حَفِظْنَاهَا عَنِ الْمَعَاصِي فِي الصِّغَرِ، فَحَفِظَهَا اللَّهُ عَلَيْنَا فِي الْكِبَرِ".

 

وبيّن: "ثانياً: شكر نعمة الصحة والعافية، واستشعار هذه النعمة، والحفاظ عليها بفعل الأسباب التي توجب حفظ النعم، ومن مظاهر هذا الشكر الوقوف مع مَن اُبتلي باختلال الصحة، والنظر إليه بعين الشفقة والرحمة، والسعي في تخفيف آلامه، والعمل على تضميد جراحه، فإنه قد آل إلى حالة لا يستغني فيها عن الفزعة الإخوانية، واللفتة الإنسانية، ولا يخفى عليكم أن مجرد عيادة المريض قد وعد الله عليه من الأجر الجزيل، والثواب العظيم ما هو معروف، ومن أعظمه استغفار الملائكة للعائد، ونيله خريفاً من الجنة، فعن علي - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِماً غُدْوَةً إِلاَّ صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الجَنَّةِ أخرجه أبو داود والترمذي وصححه الشيخ الألباني. والخريف البُسْتَانُ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الثَّمَرُ الْمُجْتَنَى، أَوْ مَخْرُوفٌ مِنْ ثَمَرِ الْجَنَّةِ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ".

 

وواصل: "معلوم أن الوقوف مع المريض والسعي في كل ما من شأنه أن ينجيه من براثن المرض، أنفع لهو أحسن أثراً من مجرد عيادته، فإذا كان للعيادة وهي مجرد زيارة من الأجر ما تقدم، فما بالكم بأجر المساندة والمعاونة، والتسبب في وقوف المريض على رجليه، معافى تبرق أسارير وجهه، وتملأ السعادة جوانح صدره".

 

واستكمل: "إن من الأمراض التي لا يستغني مَن اُبتلي بها عن الدعم والمساندة، وامتداد أيدي المساعدة، مرض الفشل الكلوي، عافانا الله وإياكم، وأدام علينا وعليكم نعمة الصحة والعافية، وأنزل على مرضانا ومرضى المسلمين عافية من عنده تبرأ بها الأسقام، وتتلاشى معها الآلام، ولا مجال لأن نعفي أنفسنا من مسؤولية التعاطف مع مَن أنهكهم هذا البلاء، وحلّ بهم ذلك الوباء، فنحن أمة الجسد الواحد تتداعى أعضاؤه بالحمّى والسهر إذا اشتكى منه عضو، ونحن في وطن اللحمة والتلاحم، وبلد التضامن والتراحم، ومما يتوج تقدم الوطن وازدهاره محاصرة الأمراض، وتضييق دائرتها، وتخفيف وقعتها، وذلك بالوقوف مع المرضى وقوف الأخ مع أخيه المكروب".

 

وفصّل: "ومما يحتاج مريض الفشل الكلوي إلى أن يوقف معه به: أولاً: التبرع بالكُلية: وهذا النوع من أنواع الدعم هو منتهى الإحسان، وغاية البر والامتنان، تتضاءل الأيادي عن أن تقارنه، وتتصاغر عبارة الشكر عن أن تقابله، تبرع يأتي في مرحلة حاسمة يكون فيها المستفيد بين موتٍ شبه مؤكد، وبين حياة ملؤها التعب والنكد، تبرع لم توهب فيه الأموال الكثيرة، بل بذلت فيه الأعضاء الكريمة، تبرع لا يدع مجالاً للشك في غلاء الروح البشرية، وكرامة النفس الإنسانية، وأن أهل الفطر السليمة، والديانة المتينة القويمة، والقلوب الرحيمة لا يدخرون جهداً في حفظ النفوس وصيانتها، ومدافعة الأخطار المهددة لها، يحثهم على ذلك التدين والاستقامة، وتدعوهم إليه دواعي الكرم والشهامة، طاوعتهم نفوسهم إلى ما من شأنه إنقاذ حياة مهددة، وتفريج كربة مدلهمة، وبضدها تتبين الأشياء، فعلى نقيضهم نرى من انتكست فطرته،ورقت ديانته، وتلاشت أو لم توجد أصلا شهامته، نراهم مولعين بإزهاق الأرواح، وإشاعة الذعر والفساد، والنفس في نظرهم أرخص موجود، وأهون مفقود، واقرأوا الفرق الشاسع بين القاتل المفسد، وبين المسعف المنقذ في قوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}.

 

وتابع: "أما ما يتعلق بحكم نقل الأعضاء فقد صرح جمهور الفقهاء المعاصرين بجوازه ومشروعيته، ومن الهيئات الشرعية التي قررت ذلك مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية فـي القرار رقم تسعة وتسعين؛ حيث قرر المجلس بالإجماع: جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان حي مسلم أو ذمي إلى نفسه إذا دعت الحاجة إليه، وأمن الخطر في نزعه، وغلب على الظن نجاح زرعه، كما قرر بالأكثرية ما يلي:

1- جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان ميت إلى مسلم إذا اضطر إلى ذلك، وأمنت الفتنة في نزعه ممن أخذ منه، وغلب على الظن نجاح زرعه فيمن سيزرع فيه.

2 - جواز تبرع الإنسان الحي بنقل عضو منه أو جزئه إلى مسلم مضطر إلى ذلك، وكذلك أقره مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، فالتبرع بالأعضاء ينطلق من مبادئ اسلامية عظيمة وهي:  الايثار، والتعاون، ونحو ذلك".

 

وفي الخطبة الثانية قال "الطيار" ثانياً: ومما يحتاج إليه مريض الفشل الكلوي: الدعم النفسي بتسليته، وحضه على تحسين ظنه بربه، ولفت نظره إلى أن من السنن الكونية ابتلاء الناس بالأمراض، وأن ما أصاب المؤمن من ذلك فهو حط للسيئات، ورفع للدرجات، وتذكيره بأهمية الدعاء، وجدوى صدق اللجوء إلى الله تعالى، وأن الكروب وإن تفاقمت وانسدت في الظاهر منافذ النجاة منها، فإن الدعاء مفتاح الفرج، وأن المؤمن وإن أحاطت به المخاطر التي جرت العادة بتعذر النجاة منها، فملاذه ومنجاته التضرع لربه، ودعاؤه بلسان صادق، وقلب خاشع، فيونس - عليه السلام - لما التقمه الحوت، فوجد نفسه في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة أعماق البحر، وفي ظلمة الليل، حيث لا أمل في وصول المسعفين، ولا مجال لتدخل المنجدين، فما كان منه إلا أن نادى ربه مستغيثاً به، فاستجاب له، وأمر الحوت بإلقائه في الساحل، ونجّاه مما هو فيه، قال تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (88).

 

واستطرد: "ثالثاً: الدعم المادي بجميع صوره، وشتى أشكاله من معيشة وأجرة نقل ومسكن ونحو ذلك، فالغالب أن مَن أُصيب بهذا المرض تعطلت مصالحه، وقعد عن الكسب، فإن كان من ذوي الدخل المحدود كان عرضة لأن تحيط به الفاقة، وتقض مضجعه الحاجة، فما أحسن سعي من نهض لمعالجة هذه النوائب، وما أعظم أجر من خفف وقع هذه المصائب، والدولة - رعاها الله - قد تحملت مسؤوليتها في توفير الرعاية الصحية المناسبة لهؤلاء وأمثالهم وإقامة المراكز المتخصصة في التعامل معهم، كالمركز السعودي لزراعة الأعضاء، ومركز الملك سلمان لأمراض الكلى، وجمعية الأمير فهد بن سلمان - رحمه الله - لرعاية مرضى الفشل الكلوي، التي لها جميعاً جهود مشكورة، وأعمال مبرورة في معالجة مرضى الكلى من جوانب متنوعة، سواء ما يتعلق بذات المرض".

 

واستكمل مجدداً: "أما ما يتعلق بتوابعه من حاجة تلحق بهؤلاء المرضى وأسرهم، فعلى المجتمع أن يساند هذه الجهود وأن يقف أهل الاستطاعة من رجال الأعمال والميسورين وقفة جادة للإسهام في دحر الأمراض الفتاكة، وليتذكروا ما في تفريج الكربات من الأجر العظيم، وليمدوا أياديهم البيضاء في سبيل إنجاز هذه المهمة الدينية والإنسانية والوطنية، وذلك بإقامة مراكز متخصصة لمعالجة هذا المرض وغيره، وبدعم المراكز القائمة الدعم الكامل، ولأهمية الدور الذي تقوم به جمعية الأمير فهد بن سلمان - رحمه الله - لرعاية مرضى الفشل الكلوي في هذا الصدد، فإن دعمها يوفر الوقت والجهد، ويختصر الطريق أمام من يريد أن يتبرع لهؤلاء المرضى، وذلك لأنها توفر لمرضى الفشل الكلوي شتى صنوف الرعاية والمساندة، وتغطي بخدماتها جميع مناطق المملكة، وتقدم جلسات الغسيل الكلوي وتقدم الأدوية والتنويم ما قبل عمليات الزرع، كما تقوم بتحمل تكاليف عمليات زراعة الكلى، وصرف أدوية ما بعد الزراعة، كما توفر بدل المواصلات لنقل المرضى من منازلهم لأماكن الغسيل وإعادتهم لمنازلهم وتساعد أبناءهم على الالتحاق بالجامعات، كما تساعدهم في التوظيف، وتخدم حالياً أكثر من ٨٠٠ مريض، وتحتاج سنوياً إلى نحو ٩٠ مليوناً لعلاجهم وخدمتهم".

 

واختتم: "إنها جهود عظيمة لا ينبغي للمحسنين أن يفوّتوا فرصة الاشتراك في أجرها العظيم، وتوسيع دائرة نفعها العميم، فلن تفرج - أيها المحسن - عن المسلم كربة أعظم من كربة المرض الفتاك، ولن تدخل على الأسرة فرحة أعظم من فرحة علاج عائلها الطريح على فراش الداء العضال، إنها مهمة نبيلة تنطوي على صنوف من المصالح الكبار، ولها أروع النتائج وأحسن الآثار، يستفيد منها المريض الدعم النفسي والمادي وغيرهما، ويعود نفعها على المجتمع بتضايق دائرة الأمراض فيه، وتجاوز أفراده عقبات العاهات التي تعترض طريق التقدم.

29 يوليو 2016 - 24 شوّال 1437
03:42 PM

قال: من نعم الله العظيمة صحة الأبدان التي إن انسلبت لم يحلُ العيش .. افعلوا الخير

خطيب جامع الراجحي يدعو إلى مد يد العون لمرضى الفشل الكلوى .. 3 طرق ناجزة

A A A
7
8,636

خصّص إمام وخطيب جامع الراجحي بحي الجزيرة بالرياض الدكتور حمزة بن سليمان الطيار، خطبة اليوم الجمعة لموضوع صحي، تمثّل في معاناة مرضى الفشل الكلوي، مقدماً نصائح لهم ولأقاربهم، منادياً بدعمهم صحياً ونفسياً، مؤكداً أن من نعم الله العظيمة صحة الأبدان التي إن انسلبت لم يحلُ لإنسان عيش، حاثاً على فعل الخيرات.

 

ودعا "الطيار"؛ إلى مد يد العون لمرضى الفشل الكلوي عبر ثلاث طرق، أولاها التبرع لهم بالكُلية، مشيراً إلى أن هذا النوع من أنواع الدعم هو منتهى الإحسان، وغاية البر والامتنان، وثانيتها الدعم النفسي بتسلية المريض، وحضه على تحسين ظنه بربه، وثالثتها الدعم المادي بجميع صوره، وشتى أشكاله من معيشة وأجرة نقل ومسكن ونحو ذلك.

 

تفصيلاً، قال إمام وخطيب جامع الراجحي في نص الخطبة: "إن العبد يتقلب في أنواع متكاثرة لا تنتهي من نعم الله الباطنة  والظاهرة، وما زالت ألطاف الله دائمة الانهمار، سحاءً لا تغيض مع تعاقب الليل والنهار، من أمعن النظر في تنوع صنوفها، وإيناع دواني قطوفها، وقف أمامها مشدوه الفكر، وأيقن أنها لا تدخل تحت الإحصاء والحصر، وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها".

 

وأضاف: "إن من نعم الله العظيمة، وآلائه الجسيمة، نعمة الصحة في الأبدان، والسلامة من الأسقام، والتي إن انسلبت من إنسان لم يحلُ له عيشٌ، ولم يصف له أمر، ولم يبتسم له ثغر، نعمة لا يقر قرار من فقدها ولو سيقت إليه الدنيا بحذافيرها، ولا ينعم بالهناءة منعدمها ولو ألقت إليه الأمور بمقاليدها، إذا نامت العيون سامر السهر، وكابد الحزن الأدهى والأمر، إنها نعمة الصحة والعافية، مذاق لا يمله ذائقه، وثوب لا يضجر منه لابسه، بها يستطيع الإنسان الكد للدنيا، والسعي للحياة الباقية الأخرى، وإذا كانت النعم لا تبقى إلا إذا ربطت بروابط الشكر للرحمن، وثبتت بدعائم طاعة الوهاب المنان".

 

وأوضح: "فإنه يجب تعهد نعمة الصحة وذلك بصيانتها بأشياء منها: أولاً: تقوى الله - جلّ وعلا - فإن من حفظ الله حفظه، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي: يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ. أخرجه الترمذي وصححه.

 

وتابع: "قال الحافظ ابن رجب - رحمه الله تعالى: وَمَنْ حَفِظَ اللَّهَ فِي صِبَاهُ وَقُوَّتِهِ، حَفِظَهُ اللَّهُ فِي حَالِ كِبَرِهِ وَضَعْفِ قُوَّتِهِ، وَمَتَّعَهُ بِسَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ وَعَقْلِهِ. كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَدْ جَاوَزَ الْمِائَةَ سَنَةً وَهُوَ مُمَتَّعٌ بِقُوَّتِهِ وَعَقْلِهِ، فَوَثَبَ يَوْمًا وَثْبَةً شَدِيدَةً، فَعُوتِبَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: هَذِهِ جَوَارِحٌ حَفِظْنَاهَا عَنِ الْمَعَاصِي فِي الصِّغَرِ، فَحَفِظَهَا اللَّهُ عَلَيْنَا فِي الْكِبَرِ".

 

وبيّن: "ثانياً: شكر نعمة الصحة والعافية، واستشعار هذه النعمة، والحفاظ عليها بفعل الأسباب التي توجب حفظ النعم، ومن مظاهر هذا الشكر الوقوف مع مَن اُبتلي باختلال الصحة، والنظر إليه بعين الشفقة والرحمة، والسعي في تخفيف آلامه، والعمل على تضميد جراحه، فإنه قد آل إلى حالة لا يستغني فيها عن الفزعة الإخوانية، واللفتة الإنسانية، ولا يخفى عليكم أن مجرد عيادة المريض قد وعد الله عليه من الأجر الجزيل، والثواب العظيم ما هو معروف، ومن أعظمه استغفار الملائكة للعائد، ونيله خريفاً من الجنة، فعن علي - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِماً غُدْوَةً إِلاَّ صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الجَنَّةِ أخرجه أبو داود والترمذي وصححه الشيخ الألباني. والخريف البُسْتَانُ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الثَّمَرُ الْمُجْتَنَى، أَوْ مَخْرُوفٌ مِنْ ثَمَرِ الْجَنَّةِ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ".

 

وواصل: "معلوم أن الوقوف مع المريض والسعي في كل ما من شأنه أن ينجيه من براثن المرض، أنفع لهو أحسن أثراً من مجرد عيادته، فإذا كان للعيادة وهي مجرد زيارة من الأجر ما تقدم، فما بالكم بأجر المساندة والمعاونة، والتسبب في وقوف المريض على رجليه، معافى تبرق أسارير وجهه، وتملأ السعادة جوانح صدره".

 

واستكمل: "إن من الأمراض التي لا يستغني مَن اُبتلي بها عن الدعم والمساندة، وامتداد أيدي المساعدة، مرض الفشل الكلوي، عافانا الله وإياكم، وأدام علينا وعليكم نعمة الصحة والعافية، وأنزل على مرضانا ومرضى المسلمين عافية من عنده تبرأ بها الأسقام، وتتلاشى معها الآلام، ولا مجال لأن نعفي أنفسنا من مسؤولية التعاطف مع مَن أنهكهم هذا البلاء، وحلّ بهم ذلك الوباء، فنحن أمة الجسد الواحد تتداعى أعضاؤه بالحمّى والسهر إذا اشتكى منه عضو، ونحن في وطن اللحمة والتلاحم، وبلد التضامن والتراحم، ومما يتوج تقدم الوطن وازدهاره محاصرة الأمراض، وتضييق دائرتها، وتخفيف وقعتها، وذلك بالوقوف مع المرضى وقوف الأخ مع أخيه المكروب".

 

وفصّل: "ومما يحتاج مريض الفشل الكلوي إلى أن يوقف معه به: أولاً: التبرع بالكُلية: وهذا النوع من أنواع الدعم هو منتهى الإحسان، وغاية البر والامتنان، تتضاءل الأيادي عن أن تقارنه، وتتصاغر عبارة الشكر عن أن تقابله، تبرع يأتي في مرحلة حاسمة يكون فيها المستفيد بين موتٍ شبه مؤكد، وبين حياة ملؤها التعب والنكد، تبرع لم توهب فيه الأموال الكثيرة، بل بذلت فيه الأعضاء الكريمة، تبرع لا يدع مجالاً للشك في غلاء الروح البشرية، وكرامة النفس الإنسانية، وأن أهل الفطر السليمة، والديانة المتينة القويمة، والقلوب الرحيمة لا يدخرون جهداً في حفظ النفوس وصيانتها، ومدافعة الأخطار المهددة لها، يحثهم على ذلك التدين والاستقامة، وتدعوهم إليه دواعي الكرم والشهامة، طاوعتهم نفوسهم إلى ما من شأنه إنقاذ حياة مهددة، وتفريج كربة مدلهمة، وبضدها تتبين الأشياء، فعلى نقيضهم نرى من انتكست فطرته،ورقت ديانته، وتلاشت أو لم توجد أصلا شهامته، نراهم مولعين بإزهاق الأرواح، وإشاعة الذعر والفساد، والنفس في نظرهم أرخص موجود، وأهون مفقود، واقرأوا الفرق الشاسع بين القاتل المفسد، وبين المسعف المنقذ في قوله تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}.

 

وتابع: "أما ما يتعلق بحكم نقل الأعضاء فقد صرح جمهور الفقهاء المعاصرين بجوازه ومشروعيته، ومن الهيئات الشرعية التي قررت ذلك مجلس هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية فـي القرار رقم تسعة وتسعين؛ حيث قرر المجلس بالإجماع: جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان حي مسلم أو ذمي إلى نفسه إذا دعت الحاجة إليه، وأمن الخطر في نزعه، وغلب على الظن نجاح زرعه، كما قرر بالأكثرية ما يلي:

1- جواز نقل عضو أو جزئه من إنسان ميت إلى مسلم إذا اضطر إلى ذلك، وأمنت الفتنة في نزعه ممن أخذ منه، وغلب على الظن نجاح زرعه فيمن سيزرع فيه.

2 - جواز تبرع الإنسان الحي بنقل عضو منه أو جزئه إلى مسلم مضطر إلى ذلك، وكذلك أقره مجلس المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، فالتبرع بالأعضاء ينطلق من مبادئ اسلامية عظيمة وهي:  الايثار، والتعاون، ونحو ذلك".

 

وفي الخطبة الثانية قال "الطيار" ثانياً: ومما يحتاج إليه مريض الفشل الكلوي: الدعم النفسي بتسليته، وحضه على تحسين ظنه بربه، ولفت نظره إلى أن من السنن الكونية ابتلاء الناس بالأمراض، وأن ما أصاب المؤمن من ذلك فهو حط للسيئات، ورفع للدرجات، وتذكيره بأهمية الدعاء، وجدوى صدق اللجوء إلى الله تعالى، وأن الكروب وإن تفاقمت وانسدت في الظاهر منافذ النجاة منها، فإن الدعاء مفتاح الفرج، وأن المؤمن وإن أحاطت به المخاطر التي جرت العادة بتعذر النجاة منها، فملاذه ومنجاته التضرع لربه، ودعاؤه بلسان صادق، وقلب خاشع، فيونس - عليه السلام - لما التقمه الحوت، فوجد نفسه في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة أعماق البحر، وفي ظلمة الليل، حيث لا أمل في وصول المسعفين، ولا مجال لتدخل المنجدين، فما كان منه إلا أن نادى ربه مستغيثاً به، فاستجاب له، وأمر الحوت بإلقائه في الساحل، ونجّاه مما هو فيه، قال تعالى: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (88).

 

واستطرد: "ثالثاً: الدعم المادي بجميع صوره، وشتى أشكاله من معيشة وأجرة نقل ومسكن ونحو ذلك، فالغالب أن مَن أُصيب بهذا المرض تعطلت مصالحه، وقعد عن الكسب، فإن كان من ذوي الدخل المحدود كان عرضة لأن تحيط به الفاقة، وتقض مضجعه الحاجة، فما أحسن سعي من نهض لمعالجة هذه النوائب، وما أعظم أجر من خفف وقع هذه المصائب، والدولة - رعاها الله - قد تحملت مسؤوليتها في توفير الرعاية الصحية المناسبة لهؤلاء وأمثالهم وإقامة المراكز المتخصصة في التعامل معهم، كالمركز السعودي لزراعة الأعضاء، ومركز الملك سلمان لأمراض الكلى، وجمعية الأمير فهد بن سلمان - رحمه الله - لرعاية مرضى الفشل الكلوي، التي لها جميعاً جهود مشكورة، وأعمال مبرورة في معالجة مرضى الكلى من جوانب متنوعة، سواء ما يتعلق بذات المرض".

 

واستكمل مجدداً: "أما ما يتعلق بتوابعه من حاجة تلحق بهؤلاء المرضى وأسرهم، فعلى المجتمع أن يساند هذه الجهود وأن يقف أهل الاستطاعة من رجال الأعمال والميسورين وقفة جادة للإسهام في دحر الأمراض الفتاكة، وليتذكروا ما في تفريج الكربات من الأجر العظيم، وليمدوا أياديهم البيضاء في سبيل إنجاز هذه المهمة الدينية والإنسانية والوطنية، وذلك بإقامة مراكز متخصصة لمعالجة هذا المرض وغيره، وبدعم المراكز القائمة الدعم الكامل، ولأهمية الدور الذي تقوم به جمعية الأمير فهد بن سلمان - رحمه الله - لرعاية مرضى الفشل الكلوي في هذا الصدد، فإن دعمها يوفر الوقت والجهد، ويختصر الطريق أمام من يريد أن يتبرع لهؤلاء المرضى، وذلك لأنها توفر لمرضى الفشل الكلوي شتى صنوف الرعاية والمساندة، وتغطي بخدماتها جميع مناطق المملكة، وتقدم جلسات الغسيل الكلوي وتقدم الأدوية والتنويم ما قبل عمليات الزرع، كما تقوم بتحمل تكاليف عمليات زراعة الكلى، وصرف أدوية ما بعد الزراعة، كما توفر بدل المواصلات لنقل المرضى من منازلهم لأماكن الغسيل وإعادتهم لمنازلهم وتساعد أبناءهم على الالتحاق بالجامعات، كما تساعدهم في التوظيف، وتخدم حالياً أكثر من ٨٠٠ مريض، وتحتاج سنوياً إلى نحو ٩٠ مليوناً لعلاجهم وخدمتهم".

 

واختتم: "إنها جهود عظيمة لا ينبغي للمحسنين أن يفوّتوا فرصة الاشتراك في أجرها العظيم، وتوسيع دائرة نفعها العميم، فلن تفرج - أيها المحسن - عن المسلم كربة أعظم من كربة المرض الفتاك، ولن تدخل على الأسرة فرحة أعظم من فرحة علاج عائلها الطريح على فراش الداء العضال، إنها مهمة نبيلة تنطوي على صنوف من المصالح الكبار، ولها أروع النتائج وأحسن الآثار، يستفيد منها المريض الدعم النفسي والمادي وغيرهما، ويعود نفعها على المجتمع بتضايق دائرة الأمراض فيه، وتجاوز أفراده عقبات العاهات التي تعترض طريق التقدم.