زياد الدريس لـ"سبق": العالم يدار بمعادلة سياسية انتهازية.. والغرب يرانا غير مؤهلين لرئاسة "اليونسكو".. وهذه أبرز تحولات السعوديين

قال: لستُ راضياً عن تجربتي.. والعرب ​سبب هزيمة غازي القصيبي في الانتخابات

- يريدون استفزازي و"مناكشتي" لكنني لا أحب الملاسنات وتحقيق الانتصارات الوهمية؛ لذا "الهروب الناعم" أفضل.

- لا فرق بين "الدعشنة" و"الدعشنة المضادة".. الأولى تكفير بالدين والثانية تجريم بالوطنية وكل طرف يلعب بأوراقه.

- الثورة الإيرانية و"جهيمان" والصحوة" و"الحداثة" وغزو الكويت الأكثر تأثيراً في المجتمع.

- عندما قرأت فلسفة الإغريق والغربيين لأول مرة تَحَوّلتُ من الطرف إلى الوسط برغم أنني لم أكن في يوم من الأيام في طرف بعيد جداً.

- لم أكن متطرفاً ولم أمارس العنف فيما مضى؛ لكن "موسكو وباريس" جعلتني منفتحاً وقادراً على تقبّل الآخر.

- بسبب حقوق المرأة وحرية الصحافة والتعبير والربيع العربي أصبحنا أقل جدارة في نظر الآخرين.

- في باريس.. عرب ومسلمون بائسون ويائسون هربوا من نظام سياسي استبدادي وعوز اقتصادي وسقطوا في الغربة والمشاكل.

- نعم استفدت من مكانة والدي الثقافية والإعلامية إلى حد كبير جداً.. لكنها لم تمنحني الحق في شق صفوف الثقافة والإعلام.

- ليس المثقف وحده مَن يتغير ويتلون.. كذلك السياسي والاقتصادي شركاء في هذا التقلب.

 

 

تصوير/ فايز الزيادي: يقول المندوب الدائم للمملكة العربية السعودية لدى منظمة اليونسكو سابقاً، والكاتب والمثقف د.زياد الدريس: "العرب لم يصلوا لرئاسة "اليونسكو" في 4 محاولات سابقة منذ العام 1999م؛ لأنهم لم يتفقوا على مرشح واحد تفتح له الأبواب، وبعض الغرب يرى أن العرب غير مؤهلين ​أصلاً ​لها بسبب حقوق المرأة، وحرية الصحافة، والتعبير"؛ مؤكداً في حواره مع "سبق" أن تغير آراء ومواقف بعض المثقفين والمفكرين، و"تلونهم" الفكري؛ ليس خاصاً بالعرب؛ حتى لا نمعن في جلد الذات العربي؛ بل إن هناك أسباباً في هذا التقلب والتلون.

 

وأشار إلى أن موسكو وباريس محطتان ساهمتا في تغيره الفكري، وأصبح لديه اتساع في الرؤية لتقبل الآراء المختلفة، وتقبّل الآخر واستيعابه.

 

وأوضح أنه لا يحب الملاسنات الكلامية في "تويتر" وغيرها؛ ليس لأنه يشعر بالعجز عن خوضها؛ بل لأنها أثبتت له من التجربة أنها انتصارات وهمية تأخذك للأسفل. وقال: "عندما قرأتُ فلسفة الإغريق والفلاسفة الغربيين لأول مرة، تحولتُ من الطرف إلى الوسط؛ برغم أنني لم أكن في يوم من الأيام في طرف بعيد جداً".

 

ويتناول الحوار عدداً من المحاور الثقافية، وتجربة "اليونسكو"، وتحولات المجتمع، ومصطلح "الدعشنة المضادة"، وغيرها.. فإلى التفاصيل..

 

** ماذا يعني لك التكريم الكبير الذي حظيتَ به من أمير الرياض، والنخبة المثقفة أخيراً؟

 

يعني لي الشيء الكثير، وهو تقدير لما حاولت أن أقدمه خلال 10 سنوات في خدمة وطني وثقافتي العربية والإسلامية والعمل الدبلوماسي وترسيخ القيم الإنسانية التي ترعاها منظمة "اليونسكو". وفي الحقيقة لستُ راضياً بشكل كامل؛ لكنني اجتهدت خلال تلك السنوات مع زملائي لإظهار اسم المملكة بشكل مختلف. والتكريم الأخير كان تقديراً واعترافاً بالجهود التي بذلت.

 

** بعد 10 سنوات من التجربة الحافلة في عاصمة "الثقافة والنور والعطور" باريس.. بماذا خرج د.زياد الدريس؟

 

خرجتُ بأمور كثيرة ومتنوعة، وهذا أمر طبيعي لأنها كانت -تلك السنوات- وليدة مكانين؛ أيقونة الثقافة "اليونسكو"، ومدينة "باريس"؛ وهذا يكفي ليكون حافزاً لأي شخص أن يخرج بدروس وذكريات راسخة، وفرصة لينهل من القيم اليومية والثقافة العالمية، وهناك دروس جديدة ومتنوعة أحاول سردها في كتيب صغير إن شاء الله.

 

** إلى أي مدى تلمح الرؤية الغربية داخل دهاليز منظمة "اليونسكو"، إلى أن رئاستها يجب ألا يحظى بها أي مرشح عربي كونه يأتي من منطقة مليئة بالحروب والانقسامات؟

 

لا يعني عدم وصول عربي لرئاسة "اليونسكو"، أن هناك رغبة غربية بشكل كامل في رفض ذلك؛ حتى لا أنغمس أكثر في نظرية المؤامرة.. نعم الغرب يسيطر على مختلف المنظمات الدولية، وليس "اليونسكو" فقط. ولا يعني ذلك أن التكتلات الأخرى لا تكافح رغبة الغرب، والدليل أن "اليونسكو" حققت الأسبقية في منح العضوية الكاملة لفلسطين برغم الرغبة الغربية المعارضة منذ العام 2011م إلى اليوم. والسبب أن العرب لم يصلوا لرئاسة "اليونسكو" في 4 محاولات سابقة منذ العام 1999م؛ لأنهم لم يتفقوا على مرشح واحد تُفتح له الأبواب، وهناك مَن يرى أن العرب غير مؤهلين لتولي رئاستها بسبب الرؤى الراسخة في العالم العربي التي قد تتعارض مع قيم "اليونسكو" في مجال حقوق المرأة، وحرية الصحافة، وحرية التعبير. وفي نظر هؤلاء -وبعد الربيع العربي والأزمات العربية- أصبح المرشحون العرب أقل جدارة من قبل؛ وبالطبع غيرهم يرى العكس. ومشكلة العرب أنهم لا يحسنون منذ ترشيح السعودي د.غازي القصيبي الذي خسر الانتخابات، وحتى المحاولة الرابعة التي ستكون في أكتوبر المقبل، أن يتفقوا على مرشح واحد.. الآن 4 مرشحين عرب يتنافسون على المنصب. ومسألة عدم وصول عربي لرئاسة "اليونسكو" مسؤولية مشتركة بينهم.

 

**إلى أي مدى استفاد د.زياد الدريس من مكانة والده الثقافية والإعلامية؟

 

إلى حد كبير جداً، لا أستطيع التحديد، أول الاستفادة نشأتنا في بيت يُعنى بالأدب والثقافة، وهناك استفادة مباشرة تفتح لك الطريق للاطلاع والمعرفة والتعرف عن قرب على الأسماء البارزة؛ لكنها في ذات الوقت لا تمنحك الحق في شق صفوف الثقافة والإعلام اعتماداً على اسم والدك؛ بل بقدراتك الذاتية. ومن الإجحاف أن يُظن أن أبناء المثقفين والأدباء تَقَدّموا في المعرفة بأسماء آبائهم أو بأسماء أمهاتهم إن كُنّ من المثقفات والأديبات؛ وإلا لكان كل أبناء المثقفين في الإعلام والثقافة من المعروفين والمشاهير.. وهذا غير صحيح.

 

** ما السبب في تغير آراء ومواقف عدد من المثقفين والمفكرين العرب و"تلونهم" الفكري؟

 

هذا الأمر ليس خاصاً بالمثقفين العرب؛ حتى لا نمعن في جلد الذات العربية؛ الغرب والشمال والجنوب والشرق يفعلها، وعند العرب هناك أسباب لا تتعلق بالمثقف فقط؛ بل أحياناً السياسي والاقتصادي وغيرهم، وكلهم شركاء في هذا التقلب والتلوّن.

 

** المجتمع السعودي مر بالعديد من التحولات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية خلال الفترة الماضية، ما هي أبرز تلك التحولات؟

 

أبرز التحولات يمكن سردها في تحوليْن؛ هما "الصحوة"، و"الحداثة"، هاتان ظاهرتان كبيرتان جداً، وتأثير إحداهما معاكس للأخرى، وهما الأكثر تأثيراً في المجتمع السعودي.. وتأتي ضمن هذه التحولات -سواء سبقتها أو جاءت بعدها- الثورة الإسلامية الإيرانية، واقتحام جماعة جهيمان للحرم المكي، واحتلال العراق للكويت، وحرب الخليج؛ هذه أبرز التحولات التي سبّبت إرباكاً وانقساماً، وكذلك "الربيع العربي" عام 2011م الذي قسّم المجتمع إلى 3 أو 4 أقسام.

 

** لماذا تكره الجدل، وتفضّل الصمت و"الهروب الناعم"، كما يقال؟

 

لا أعلم هل سؤالك هذا مدح أم ذم؟ لكنني لا أحب "الملاسنات" الكلامية؛ ليس لأنني أشعر بالعجز عن خوضها؛ بل قادر على خوضها وتحقيق الانتصارات فيها؛ لكنها أثبتت لي من التجربة أنها انتصارات وهمية تأخذك للأسفل؛ لذا قررتُ عدم خوضها؛ خاصة الانتصارات الوهمية الجديدة في "تويتر" التي لا تغريني. وأنسحب بهدوء. وفي رأيي أن هناك موقفين مما يقدمه الإنسان، بعض الأشخاص يختلف مع ما تقدمه وتقوله، وهذا من حقهم. وآخرون يريدون مجرد الاستفزاز و"المناكشة"، وهذه الأمور أترفع عنها ولا أريد الإبحار فيها.

 

** ذكرتَ في مقال سابق: نعيش مرحلة همجية تنظيم "داعش" الإرهابي، و"وحشية الروس"، و"انتهازية الأمريكان"؛ فكيف يمكن التعامل معها؟

 

ليس من السهولة طرح الإجابة عن كيفية التعامل مع الأطراف برغم كل اللقاءات الدبلوماسية والمؤتمرات في باريس وجنيف والرياض؛ فكلها تستهدف الوصول لحل الإشكاليات؛ لكنها لا تقولها صراحة بالقضاء على هيمنة تنظيم "داعش" الإرهابي. وتلك معادلات معقدة، لا ينفكّ منها العالم. قد تكون هناك سابقاً معادلة كهذه منذ 50 عاماً.. وعموماً فالمعادلة السياسية لإدارة العالم ليست أخلاقية؛ بل انتهازية، ومطامع وتاريخ الاستعمار واضح في هذا الجانب، وفي العالم دوماً قوى استعمارية متوالية، وبعضها كانت دولاً إسلامية مارست صنوفاً من الاستعمار ضد بعض الدول.

 

** من خلال إقامتك في قلب أوروبا "باريس"، هل يوجد بائسون ويائسون عرب ومسلمون؟

 

طبعاً، يوجد بائسون ويائسون عرب، وأحياناً بؤس ويأس هؤلاء أنهم خرجوا من أوطانهم هرباً من البؤس واليأس الذي فرضه نظام سياسي استبدادي، وعوز اقتصادي للغرب طمعاً في حياة كريمة.. نجح بعضهم في تحقيق حياة أكثر كرامة وأماناً؛ لكن كثيرين أخفقوا في تحقيق الهدف الذي هربوا من أجله سواء كان اجتماعياً أو اقتصادياً، ولم يستطيعوا تحقيق نقلة نوعية؛ فاجتمع عليهم اليأس والبأس، إضافة إلى إحساس بالغربة، وتوالي المشاكل.

 

** هل فعلاً مجتمعنا يتعرض لخطرين: "الدعشنة"، و"الدعشنة المضادة"، كما ذكرتَ ذلك في تغريدة سابقة؟

 

هذه التغريدة عندما كتبتُها حصل حولها جدل كبير، "الدعشنة" واضحة ومفهومة، وهي التطرف وتوظيف الدين أو تفريغه في أساليب متطرفة وعنف، تؤول بعد ذلك للإرهاب والعنف، ولا تحتاج تفصيلاً كثيراً.. أما "الدعشنة المضادة" فهي التي يقوم بها البعض من تيارات فكرية أخرى معاكسة تماماً للتيارات "الداعشية"؛ لكنها تحمل نفس التطرف ونفس آليته مع اختلاف الفكر والمحتوى؛ وإن كانت الأدوات نفسها كالتطرف في التعبير عن الرأي، وإقصاء الآخر، والحكم على الآخرين؛ لكن الذي يختلف بين "الدعشنة" و"الدعشنة المضادة" هو المحتوى.

 

وهذه أشرت لها بتوسع في مقال قديم جداً قبل سنوات كثيرة، وجعلت عنوانه "الإرهاب في مكافحة الإرهاب"، وهذه ليست طريقة سليمة. وبعض الإعلام يستخدم أحياناً أدوات إرهابية لمقاومة الإرهاب؛ وبالتالي يصبح لها مردود غير إيجابي؛ بل إنها تزيد النار اشتعالاً؛ كالتصنيف، والإقصاء، وتهميش الرأي الآخر، وإلقاء التهم، والتجريم. فإذا كان "الدواعش" يستخدمون التكفير؛ فـ"الدعشنة المضادة" تستخدم التجريم والتخوين في النواحي الوطنية.. هؤلاء يستخدمون الدين للإقصاء، وهؤلاء يستخدمون الوطنية للإقصاء، وكل طرف يلعب بالأوراق التي تُحقق مصالحه، ومحتواه الفكري.

 

** بصراحة.. ما هي أهم التحولات الفكرية التي مرّ بها د.زياد الدريس؟

 

سَبَق أن ألمحت لذلك، وقلت: إن هناك محطتين أثّرتَا في تحولاتي الفكرية، وعندما أقول تحولات فكرية لا أعني الانتقال من النقيض إلى النقيض؛ لكنها محاولات للانتقال من طرف إلى الوسط. ولم أَعُدّ نفسي في يوم من الأيام في طرف بعيد جداً، حتى أكون منصفا. وبلا شك أن هناك محطتين أثّرتَا بشكل كبير وسرّعتَا في التغير؛ الأولى هي محطة موسكو؛ حيث الدراسة وتأثيرها كبير جداً؛ فقد كانت المرة الأولى التي أقرأ فيها الفلسفة، ونحن في السعودية لا نقرأ لفلاسفة أبداً، وكانت أول مرة أقرأ فلاسفة الإغريق، وفلاسفة الغرب الذين أسسوا عصور النهضة الأوروبية؛ وبالتالي أصبح لديّ قليل من اتساع الرؤية في تقبل الآراء الفكرية الأخرى المتنوعة والقدرة على تقبلها. أما محطة باريس، وفي منظمة "اليونسكو"؛ فقد ساعدتني كثيراً على تقبّل الآخر المختلف فكرياً وثقافياً ودينياً، أو لنقل زادت في اتساع قدرتي على تقبل الآخر؛ لأني لم أذهب لباريس ولديّ اجندة مسبقة مغلقة وأحكام وقرارات جاهزة؛ وهذا جعلني أعيد التفكير في أنني قصّرت المسافة مع هؤلاء البعيدين عني؛ فكيف لا ألغي المسافة مع مَن أختلف معه داخل وطني مع مختلف التيارات الفكرية والتوجهات. والحقيقة أنني لم أكن متطرفاً، ولم أمارس العنف فيما مضى قبل محطتيْ موسكو وباريس؛ لكنني لم أكن بذلك الانفتاح والقدرة على تقبل الآخر كما أنا الآن.

اعلان
زياد الدريس لـ"سبق": العالم يدار بمعادلة سياسية انتهازية.. والغرب يرانا غير مؤهلين لرئاسة "اليونسكو".. وهذه أبرز تحولات السعوديين
سبق

- يريدون استفزازي و"مناكشتي" لكنني لا أحب الملاسنات وتحقيق الانتصارات الوهمية؛ لذا "الهروب الناعم" أفضل.

- لا فرق بين "الدعشنة" و"الدعشنة المضادة".. الأولى تكفير بالدين والثانية تجريم بالوطنية وكل طرف يلعب بأوراقه.

- الثورة الإيرانية و"جهيمان" والصحوة" و"الحداثة" وغزو الكويت الأكثر تأثيراً في المجتمع.

- عندما قرأت فلسفة الإغريق والغربيين لأول مرة تَحَوّلتُ من الطرف إلى الوسط برغم أنني لم أكن في يوم من الأيام في طرف بعيد جداً.

- لم أكن متطرفاً ولم أمارس العنف فيما مضى؛ لكن "موسكو وباريس" جعلتني منفتحاً وقادراً على تقبّل الآخر.

- بسبب حقوق المرأة وحرية الصحافة والتعبير والربيع العربي أصبحنا أقل جدارة في نظر الآخرين.

- في باريس.. عرب ومسلمون بائسون ويائسون هربوا من نظام سياسي استبدادي وعوز اقتصادي وسقطوا في الغربة والمشاكل.

- نعم استفدت من مكانة والدي الثقافية والإعلامية إلى حد كبير جداً.. لكنها لم تمنحني الحق في شق صفوف الثقافة والإعلام.

- ليس المثقف وحده مَن يتغير ويتلون.. كذلك السياسي والاقتصادي شركاء في هذا التقلب.

 

 

تصوير/ فايز الزيادي: يقول المندوب الدائم للمملكة العربية السعودية لدى منظمة اليونسكو سابقاً، والكاتب والمثقف د.زياد الدريس: "العرب لم يصلوا لرئاسة "اليونسكو" في 4 محاولات سابقة منذ العام 1999م؛ لأنهم لم يتفقوا على مرشح واحد تفتح له الأبواب، وبعض الغرب يرى أن العرب غير مؤهلين ​أصلاً ​لها بسبب حقوق المرأة، وحرية الصحافة، والتعبير"؛ مؤكداً في حواره مع "سبق" أن تغير آراء ومواقف بعض المثقفين والمفكرين، و"تلونهم" الفكري؛ ليس خاصاً بالعرب؛ حتى لا نمعن في جلد الذات العربي؛ بل إن هناك أسباباً في هذا التقلب والتلون.

 

وأشار إلى أن موسكو وباريس محطتان ساهمتا في تغيره الفكري، وأصبح لديه اتساع في الرؤية لتقبل الآراء المختلفة، وتقبّل الآخر واستيعابه.

 

وأوضح أنه لا يحب الملاسنات الكلامية في "تويتر" وغيرها؛ ليس لأنه يشعر بالعجز عن خوضها؛ بل لأنها أثبتت له من التجربة أنها انتصارات وهمية تأخذك للأسفل. وقال: "عندما قرأتُ فلسفة الإغريق والفلاسفة الغربيين لأول مرة، تحولتُ من الطرف إلى الوسط؛ برغم أنني لم أكن في يوم من الأيام في طرف بعيد جداً".

 

ويتناول الحوار عدداً من المحاور الثقافية، وتجربة "اليونسكو"، وتحولات المجتمع، ومصطلح "الدعشنة المضادة"، وغيرها.. فإلى التفاصيل..

 

** ماذا يعني لك التكريم الكبير الذي حظيتَ به من أمير الرياض، والنخبة المثقفة أخيراً؟

 

يعني لي الشيء الكثير، وهو تقدير لما حاولت أن أقدمه خلال 10 سنوات في خدمة وطني وثقافتي العربية والإسلامية والعمل الدبلوماسي وترسيخ القيم الإنسانية التي ترعاها منظمة "اليونسكو". وفي الحقيقة لستُ راضياً بشكل كامل؛ لكنني اجتهدت خلال تلك السنوات مع زملائي لإظهار اسم المملكة بشكل مختلف. والتكريم الأخير كان تقديراً واعترافاً بالجهود التي بذلت.

 

** بعد 10 سنوات من التجربة الحافلة في عاصمة "الثقافة والنور والعطور" باريس.. بماذا خرج د.زياد الدريس؟

 

خرجتُ بأمور كثيرة ومتنوعة، وهذا أمر طبيعي لأنها كانت -تلك السنوات- وليدة مكانين؛ أيقونة الثقافة "اليونسكو"، ومدينة "باريس"؛ وهذا يكفي ليكون حافزاً لأي شخص أن يخرج بدروس وذكريات راسخة، وفرصة لينهل من القيم اليومية والثقافة العالمية، وهناك دروس جديدة ومتنوعة أحاول سردها في كتيب صغير إن شاء الله.

 

** إلى أي مدى تلمح الرؤية الغربية داخل دهاليز منظمة "اليونسكو"، إلى أن رئاستها يجب ألا يحظى بها أي مرشح عربي كونه يأتي من منطقة مليئة بالحروب والانقسامات؟

 

لا يعني عدم وصول عربي لرئاسة "اليونسكو"، أن هناك رغبة غربية بشكل كامل في رفض ذلك؛ حتى لا أنغمس أكثر في نظرية المؤامرة.. نعم الغرب يسيطر على مختلف المنظمات الدولية، وليس "اليونسكو" فقط. ولا يعني ذلك أن التكتلات الأخرى لا تكافح رغبة الغرب، والدليل أن "اليونسكو" حققت الأسبقية في منح العضوية الكاملة لفلسطين برغم الرغبة الغربية المعارضة منذ العام 2011م إلى اليوم. والسبب أن العرب لم يصلوا لرئاسة "اليونسكو" في 4 محاولات سابقة منذ العام 1999م؛ لأنهم لم يتفقوا على مرشح واحد تُفتح له الأبواب، وهناك مَن يرى أن العرب غير مؤهلين لتولي رئاستها بسبب الرؤى الراسخة في العالم العربي التي قد تتعارض مع قيم "اليونسكو" في مجال حقوق المرأة، وحرية الصحافة، وحرية التعبير. وفي نظر هؤلاء -وبعد الربيع العربي والأزمات العربية- أصبح المرشحون العرب أقل جدارة من قبل؛ وبالطبع غيرهم يرى العكس. ومشكلة العرب أنهم لا يحسنون منذ ترشيح السعودي د.غازي القصيبي الذي خسر الانتخابات، وحتى المحاولة الرابعة التي ستكون في أكتوبر المقبل، أن يتفقوا على مرشح واحد.. الآن 4 مرشحين عرب يتنافسون على المنصب. ومسألة عدم وصول عربي لرئاسة "اليونسكو" مسؤولية مشتركة بينهم.

 

**إلى أي مدى استفاد د.زياد الدريس من مكانة والده الثقافية والإعلامية؟

 

إلى حد كبير جداً، لا أستطيع التحديد، أول الاستفادة نشأتنا في بيت يُعنى بالأدب والثقافة، وهناك استفادة مباشرة تفتح لك الطريق للاطلاع والمعرفة والتعرف عن قرب على الأسماء البارزة؛ لكنها في ذات الوقت لا تمنحك الحق في شق صفوف الثقافة والإعلام اعتماداً على اسم والدك؛ بل بقدراتك الذاتية. ومن الإجحاف أن يُظن أن أبناء المثقفين والأدباء تَقَدّموا في المعرفة بأسماء آبائهم أو بأسماء أمهاتهم إن كُنّ من المثقفات والأديبات؛ وإلا لكان كل أبناء المثقفين في الإعلام والثقافة من المعروفين والمشاهير.. وهذا غير صحيح.

 

** ما السبب في تغير آراء ومواقف عدد من المثقفين والمفكرين العرب و"تلونهم" الفكري؟

 

هذا الأمر ليس خاصاً بالمثقفين العرب؛ حتى لا نمعن في جلد الذات العربية؛ الغرب والشمال والجنوب والشرق يفعلها، وعند العرب هناك أسباب لا تتعلق بالمثقف فقط؛ بل أحياناً السياسي والاقتصادي وغيرهم، وكلهم شركاء في هذا التقلب والتلوّن.

 

** المجتمع السعودي مر بالعديد من التحولات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية خلال الفترة الماضية، ما هي أبرز تلك التحولات؟

 

أبرز التحولات يمكن سردها في تحوليْن؛ هما "الصحوة"، و"الحداثة"، هاتان ظاهرتان كبيرتان جداً، وتأثير إحداهما معاكس للأخرى، وهما الأكثر تأثيراً في المجتمع السعودي.. وتأتي ضمن هذه التحولات -سواء سبقتها أو جاءت بعدها- الثورة الإسلامية الإيرانية، واقتحام جماعة جهيمان للحرم المكي، واحتلال العراق للكويت، وحرب الخليج؛ هذه أبرز التحولات التي سبّبت إرباكاً وانقساماً، وكذلك "الربيع العربي" عام 2011م الذي قسّم المجتمع إلى 3 أو 4 أقسام.

 

** لماذا تكره الجدل، وتفضّل الصمت و"الهروب الناعم"، كما يقال؟

 

لا أعلم هل سؤالك هذا مدح أم ذم؟ لكنني لا أحب "الملاسنات" الكلامية؛ ليس لأنني أشعر بالعجز عن خوضها؛ بل قادر على خوضها وتحقيق الانتصارات فيها؛ لكنها أثبتت لي من التجربة أنها انتصارات وهمية تأخذك للأسفل؛ لذا قررتُ عدم خوضها؛ خاصة الانتصارات الوهمية الجديدة في "تويتر" التي لا تغريني. وأنسحب بهدوء. وفي رأيي أن هناك موقفين مما يقدمه الإنسان، بعض الأشخاص يختلف مع ما تقدمه وتقوله، وهذا من حقهم. وآخرون يريدون مجرد الاستفزاز و"المناكشة"، وهذه الأمور أترفع عنها ولا أريد الإبحار فيها.

 

** ذكرتَ في مقال سابق: نعيش مرحلة همجية تنظيم "داعش" الإرهابي، و"وحشية الروس"، و"انتهازية الأمريكان"؛ فكيف يمكن التعامل معها؟

 

ليس من السهولة طرح الإجابة عن كيفية التعامل مع الأطراف برغم كل اللقاءات الدبلوماسية والمؤتمرات في باريس وجنيف والرياض؛ فكلها تستهدف الوصول لحل الإشكاليات؛ لكنها لا تقولها صراحة بالقضاء على هيمنة تنظيم "داعش" الإرهابي. وتلك معادلات معقدة، لا ينفكّ منها العالم. قد تكون هناك سابقاً معادلة كهذه منذ 50 عاماً.. وعموماً فالمعادلة السياسية لإدارة العالم ليست أخلاقية؛ بل انتهازية، ومطامع وتاريخ الاستعمار واضح في هذا الجانب، وفي العالم دوماً قوى استعمارية متوالية، وبعضها كانت دولاً إسلامية مارست صنوفاً من الاستعمار ضد بعض الدول.

 

** من خلال إقامتك في قلب أوروبا "باريس"، هل يوجد بائسون ويائسون عرب ومسلمون؟

 

طبعاً، يوجد بائسون ويائسون عرب، وأحياناً بؤس ويأس هؤلاء أنهم خرجوا من أوطانهم هرباً من البؤس واليأس الذي فرضه نظام سياسي استبدادي، وعوز اقتصادي للغرب طمعاً في حياة كريمة.. نجح بعضهم في تحقيق حياة أكثر كرامة وأماناً؛ لكن كثيرين أخفقوا في تحقيق الهدف الذي هربوا من أجله سواء كان اجتماعياً أو اقتصادياً، ولم يستطيعوا تحقيق نقلة نوعية؛ فاجتمع عليهم اليأس والبأس، إضافة إلى إحساس بالغربة، وتوالي المشاكل.

 

** هل فعلاً مجتمعنا يتعرض لخطرين: "الدعشنة"، و"الدعشنة المضادة"، كما ذكرتَ ذلك في تغريدة سابقة؟

 

هذه التغريدة عندما كتبتُها حصل حولها جدل كبير، "الدعشنة" واضحة ومفهومة، وهي التطرف وتوظيف الدين أو تفريغه في أساليب متطرفة وعنف، تؤول بعد ذلك للإرهاب والعنف، ولا تحتاج تفصيلاً كثيراً.. أما "الدعشنة المضادة" فهي التي يقوم بها البعض من تيارات فكرية أخرى معاكسة تماماً للتيارات "الداعشية"؛ لكنها تحمل نفس التطرف ونفس آليته مع اختلاف الفكر والمحتوى؛ وإن كانت الأدوات نفسها كالتطرف في التعبير عن الرأي، وإقصاء الآخر، والحكم على الآخرين؛ لكن الذي يختلف بين "الدعشنة" و"الدعشنة المضادة" هو المحتوى.

 

وهذه أشرت لها بتوسع في مقال قديم جداً قبل سنوات كثيرة، وجعلت عنوانه "الإرهاب في مكافحة الإرهاب"، وهذه ليست طريقة سليمة. وبعض الإعلام يستخدم أحياناً أدوات إرهابية لمقاومة الإرهاب؛ وبالتالي يصبح لها مردود غير إيجابي؛ بل إنها تزيد النار اشتعالاً؛ كالتصنيف، والإقصاء، وتهميش الرأي الآخر، وإلقاء التهم، والتجريم. فإذا كان "الدواعش" يستخدمون التكفير؛ فـ"الدعشنة المضادة" تستخدم التجريم والتخوين في النواحي الوطنية.. هؤلاء يستخدمون الدين للإقصاء، وهؤلاء يستخدمون الوطنية للإقصاء، وكل طرف يلعب بالأوراق التي تُحقق مصالحه، ومحتواه الفكري.

 

** بصراحة.. ما هي أهم التحولات الفكرية التي مرّ بها د.زياد الدريس؟

 

سَبَق أن ألمحت لذلك، وقلت: إن هناك محطتين أثّرتَا في تحولاتي الفكرية، وعندما أقول تحولات فكرية لا أعني الانتقال من النقيض إلى النقيض؛ لكنها محاولات للانتقال من طرف إلى الوسط. ولم أَعُدّ نفسي في يوم من الأيام في طرف بعيد جداً، حتى أكون منصفا. وبلا شك أن هناك محطتين أثّرتَا بشكل كبير وسرّعتَا في التغير؛ الأولى هي محطة موسكو؛ حيث الدراسة وتأثيرها كبير جداً؛ فقد كانت المرة الأولى التي أقرأ فيها الفلسفة، ونحن في السعودية لا نقرأ لفلاسفة أبداً، وكانت أول مرة أقرأ فلاسفة الإغريق، وفلاسفة الغرب الذين أسسوا عصور النهضة الأوروبية؛ وبالتالي أصبح لديّ قليل من اتساع الرؤية في تقبل الآراء الفكرية الأخرى المتنوعة والقدرة على تقبلها. أما محطة باريس، وفي منظمة "اليونسكو"؛ فقد ساعدتني كثيراً على تقبّل الآخر المختلف فكرياً وثقافياً ودينياً، أو لنقل زادت في اتساع قدرتي على تقبل الآخر؛ لأني لم أذهب لباريس ولديّ اجندة مسبقة مغلقة وأحكام وقرارات جاهزة؛ وهذا جعلني أعيد التفكير في أنني قصّرت المسافة مع هؤلاء البعيدين عني؛ فكيف لا ألغي المسافة مع مَن أختلف معه داخل وطني مع مختلف التيارات الفكرية والتوجهات. والحقيقة أنني لم أكن متطرفاً، ولم أمارس العنف فيما مضى قبل محطتيْ موسكو وباريس؛ لكنني لم أكن بذلك الانفتاح والقدرة على تقبل الآخر كما أنا الآن.

12 مارس 2017 - 13 جمادى الآخر 1438
10:00 PM
اخر تعديل
24 مايو 2017 - 28 شعبان 1438
10:21 PM

زياد الدريس لـ"سبق": العالم يدار بمعادلة سياسية انتهازية.. والغرب يرانا غير مؤهلين لرئاسة "اليونسكو".. وهذه أبرز تحولات السعوديين

قال: لستُ راضياً عن تجربتي.. والعرب ​سبب هزيمة غازي القصيبي في الانتخابات

A A A
15
26,022

- يريدون استفزازي و"مناكشتي" لكنني لا أحب الملاسنات وتحقيق الانتصارات الوهمية؛ لذا "الهروب الناعم" أفضل.

- لا فرق بين "الدعشنة" و"الدعشنة المضادة".. الأولى تكفير بالدين والثانية تجريم بالوطنية وكل طرف يلعب بأوراقه.

- الثورة الإيرانية و"جهيمان" والصحوة" و"الحداثة" وغزو الكويت الأكثر تأثيراً في المجتمع.

- عندما قرأت فلسفة الإغريق والغربيين لأول مرة تَحَوّلتُ من الطرف إلى الوسط برغم أنني لم أكن في يوم من الأيام في طرف بعيد جداً.

- لم أكن متطرفاً ولم أمارس العنف فيما مضى؛ لكن "موسكو وباريس" جعلتني منفتحاً وقادراً على تقبّل الآخر.

- بسبب حقوق المرأة وحرية الصحافة والتعبير والربيع العربي أصبحنا أقل جدارة في نظر الآخرين.

- في باريس.. عرب ومسلمون بائسون ويائسون هربوا من نظام سياسي استبدادي وعوز اقتصادي وسقطوا في الغربة والمشاكل.

- نعم استفدت من مكانة والدي الثقافية والإعلامية إلى حد كبير جداً.. لكنها لم تمنحني الحق في شق صفوف الثقافة والإعلام.

- ليس المثقف وحده مَن يتغير ويتلون.. كذلك السياسي والاقتصادي شركاء في هذا التقلب.

 

 

تصوير/ فايز الزيادي: يقول المندوب الدائم للمملكة العربية السعودية لدى منظمة اليونسكو سابقاً، والكاتب والمثقف د.زياد الدريس: "العرب لم يصلوا لرئاسة "اليونسكو" في 4 محاولات سابقة منذ العام 1999م؛ لأنهم لم يتفقوا على مرشح واحد تفتح له الأبواب، وبعض الغرب يرى أن العرب غير مؤهلين ​أصلاً ​لها بسبب حقوق المرأة، وحرية الصحافة، والتعبير"؛ مؤكداً في حواره مع "سبق" أن تغير آراء ومواقف بعض المثقفين والمفكرين، و"تلونهم" الفكري؛ ليس خاصاً بالعرب؛ حتى لا نمعن في جلد الذات العربي؛ بل إن هناك أسباباً في هذا التقلب والتلون.

 

وأشار إلى أن موسكو وباريس محطتان ساهمتا في تغيره الفكري، وأصبح لديه اتساع في الرؤية لتقبل الآراء المختلفة، وتقبّل الآخر واستيعابه.

 

وأوضح أنه لا يحب الملاسنات الكلامية في "تويتر" وغيرها؛ ليس لأنه يشعر بالعجز عن خوضها؛ بل لأنها أثبتت له من التجربة أنها انتصارات وهمية تأخذك للأسفل. وقال: "عندما قرأتُ فلسفة الإغريق والفلاسفة الغربيين لأول مرة، تحولتُ من الطرف إلى الوسط؛ برغم أنني لم أكن في يوم من الأيام في طرف بعيد جداً".

 

ويتناول الحوار عدداً من المحاور الثقافية، وتجربة "اليونسكو"، وتحولات المجتمع، ومصطلح "الدعشنة المضادة"، وغيرها.. فإلى التفاصيل..

 

** ماذا يعني لك التكريم الكبير الذي حظيتَ به من أمير الرياض، والنخبة المثقفة أخيراً؟

 

يعني لي الشيء الكثير، وهو تقدير لما حاولت أن أقدمه خلال 10 سنوات في خدمة وطني وثقافتي العربية والإسلامية والعمل الدبلوماسي وترسيخ القيم الإنسانية التي ترعاها منظمة "اليونسكو". وفي الحقيقة لستُ راضياً بشكل كامل؛ لكنني اجتهدت خلال تلك السنوات مع زملائي لإظهار اسم المملكة بشكل مختلف. والتكريم الأخير كان تقديراً واعترافاً بالجهود التي بذلت.

 

** بعد 10 سنوات من التجربة الحافلة في عاصمة "الثقافة والنور والعطور" باريس.. بماذا خرج د.زياد الدريس؟

 

خرجتُ بأمور كثيرة ومتنوعة، وهذا أمر طبيعي لأنها كانت -تلك السنوات- وليدة مكانين؛ أيقونة الثقافة "اليونسكو"، ومدينة "باريس"؛ وهذا يكفي ليكون حافزاً لأي شخص أن يخرج بدروس وذكريات راسخة، وفرصة لينهل من القيم اليومية والثقافة العالمية، وهناك دروس جديدة ومتنوعة أحاول سردها في كتيب صغير إن شاء الله.

 

** إلى أي مدى تلمح الرؤية الغربية داخل دهاليز منظمة "اليونسكو"، إلى أن رئاستها يجب ألا يحظى بها أي مرشح عربي كونه يأتي من منطقة مليئة بالحروب والانقسامات؟

 

لا يعني عدم وصول عربي لرئاسة "اليونسكو"، أن هناك رغبة غربية بشكل كامل في رفض ذلك؛ حتى لا أنغمس أكثر في نظرية المؤامرة.. نعم الغرب يسيطر على مختلف المنظمات الدولية، وليس "اليونسكو" فقط. ولا يعني ذلك أن التكتلات الأخرى لا تكافح رغبة الغرب، والدليل أن "اليونسكو" حققت الأسبقية في منح العضوية الكاملة لفلسطين برغم الرغبة الغربية المعارضة منذ العام 2011م إلى اليوم. والسبب أن العرب لم يصلوا لرئاسة "اليونسكو" في 4 محاولات سابقة منذ العام 1999م؛ لأنهم لم يتفقوا على مرشح واحد تُفتح له الأبواب، وهناك مَن يرى أن العرب غير مؤهلين لتولي رئاستها بسبب الرؤى الراسخة في العالم العربي التي قد تتعارض مع قيم "اليونسكو" في مجال حقوق المرأة، وحرية الصحافة، وحرية التعبير. وفي نظر هؤلاء -وبعد الربيع العربي والأزمات العربية- أصبح المرشحون العرب أقل جدارة من قبل؛ وبالطبع غيرهم يرى العكس. ومشكلة العرب أنهم لا يحسنون منذ ترشيح السعودي د.غازي القصيبي الذي خسر الانتخابات، وحتى المحاولة الرابعة التي ستكون في أكتوبر المقبل، أن يتفقوا على مرشح واحد.. الآن 4 مرشحين عرب يتنافسون على المنصب. ومسألة عدم وصول عربي لرئاسة "اليونسكو" مسؤولية مشتركة بينهم.

 

**إلى أي مدى استفاد د.زياد الدريس من مكانة والده الثقافية والإعلامية؟

 

إلى حد كبير جداً، لا أستطيع التحديد، أول الاستفادة نشأتنا في بيت يُعنى بالأدب والثقافة، وهناك استفادة مباشرة تفتح لك الطريق للاطلاع والمعرفة والتعرف عن قرب على الأسماء البارزة؛ لكنها في ذات الوقت لا تمنحك الحق في شق صفوف الثقافة والإعلام اعتماداً على اسم والدك؛ بل بقدراتك الذاتية. ومن الإجحاف أن يُظن أن أبناء المثقفين والأدباء تَقَدّموا في المعرفة بأسماء آبائهم أو بأسماء أمهاتهم إن كُنّ من المثقفات والأديبات؛ وإلا لكان كل أبناء المثقفين في الإعلام والثقافة من المعروفين والمشاهير.. وهذا غير صحيح.

 

** ما السبب في تغير آراء ومواقف عدد من المثقفين والمفكرين العرب و"تلونهم" الفكري؟

 

هذا الأمر ليس خاصاً بالمثقفين العرب؛ حتى لا نمعن في جلد الذات العربية؛ الغرب والشمال والجنوب والشرق يفعلها، وعند العرب هناك أسباب لا تتعلق بالمثقف فقط؛ بل أحياناً السياسي والاقتصادي وغيرهم، وكلهم شركاء في هذا التقلب والتلوّن.

 

** المجتمع السعودي مر بالعديد من التحولات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية خلال الفترة الماضية، ما هي أبرز تلك التحولات؟

 

أبرز التحولات يمكن سردها في تحوليْن؛ هما "الصحوة"، و"الحداثة"، هاتان ظاهرتان كبيرتان جداً، وتأثير إحداهما معاكس للأخرى، وهما الأكثر تأثيراً في المجتمع السعودي.. وتأتي ضمن هذه التحولات -سواء سبقتها أو جاءت بعدها- الثورة الإسلامية الإيرانية، واقتحام جماعة جهيمان للحرم المكي، واحتلال العراق للكويت، وحرب الخليج؛ هذه أبرز التحولات التي سبّبت إرباكاً وانقساماً، وكذلك "الربيع العربي" عام 2011م الذي قسّم المجتمع إلى 3 أو 4 أقسام.

 

** لماذا تكره الجدل، وتفضّل الصمت و"الهروب الناعم"، كما يقال؟

 

لا أعلم هل سؤالك هذا مدح أم ذم؟ لكنني لا أحب "الملاسنات" الكلامية؛ ليس لأنني أشعر بالعجز عن خوضها؛ بل قادر على خوضها وتحقيق الانتصارات فيها؛ لكنها أثبتت لي من التجربة أنها انتصارات وهمية تأخذك للأسفل؛ لذا قررتُ عدم خوضها؛ خاصة الانتصارات الوهمية الجديدة في "تويتر" التي لا تغريني. وأنسحب بهدوء. وفي رأيي أن هناك موقفين مما يقدمه الإنسان، بعض الأشخاص يختلف مع ما تقدمه وتقوله، وهذا من حقهم. وآخرون يريدون مجرد الاستفزاز و"المناكشة"، وهذه الأمور أترفع عنها ولا أريد الإبحار فيها.

 

** ذكرتَ في مقال سابق: نعيش مرحلة همجية تنظيم "داعش" الإرهابي، و"وحشية الروس"، و"انتهازية الأمريكان"؛ فكيف يمكن التعامل معها؟

 

ليس من السهولة طرح الإجابة عن كيفية التعامل مع الأطراف برغم كل اللقاءات الدبلوماسية والمؤتمرات في باريس وجنيف والرياض؛ فكلها تستهدف الوصول لحل الإشكاليات؛ لكنها لا تقولها صراحة بالقضاء على هيمنة تنظيم "داعش" الإرهابي. وتلك معادلات معقدة، لا ينفكّ منها العالم. قد تكون هناك سابقاً معادلة كهذه منذ 50 عاماً.. وعموماً فالمعادلة السياسية لإدارة العالم ليست أخلاقية؛ بل انتهازية، ومطامع وتاريخ الاستعمار واضح في هذا الجانب، وفي العالم دوماً قوى استعمارية متوالية، وبعضها كانت دولاً إسلامية مارست صنوفاً من الاستعمار ضد بعض الدول.

 

** من خلال إقامتك في قلب أوروبا "باريس"، هل يوجد بائسون ويائسون عرب ومسلمون؟

 

طبعاً، يوجد بائسون ويائسون عرب، وأحياناً بؤس ويأس هؤلاء أنهم خرجوا من أوطانهم هرباً من البؤس واليأس الذي فرضه نظام سياسي استبدادي، وعوز اقتصادي للغرب طمعاً في حياة كريمة.. نجح بعضهم في تحقيق حياة أكثر كرامة وأماناً؛ لكن كثيرين أخفقوا في تحقيق الهدف الذي هربوا من أجله سواء كان اجتماعياً أو اقتصادياً، ولم يستطيعوا تحقيق نقلة نوعية؛ فاجتمع عليهم اليأس والبأس، إضافة إلى إحساس بالغربة، وتوالي المشاكل.

 

** هل فعلاً مجتمعنا يتعرض لخطرين: "الدعشنة"، و"الدعشنة المضادة"، كما ذكرتَ ذلك في تغريدة سابقة؟

 

هذه التغريدة عندما كتبتُها حصل حولها جدل كبير، "الدعشنة" واضحة ومفهومة، وهي التطرف وتوظيف الدين أو تفريغه في أساليب متطرفة وعنف، تؤول بعد ذلك للإرهاب والعنف، ولا تحتاج تفصيلاً كثيراً.. أما "الدعشنة المضادة" فهي التي يقوم بها البعض من تيارات فكرية أخرى معاكسة تماماً للتيارات "الداعشية"؛ لكنها تحمل نفس التطرف ونفس آليته مع اختلاف الفكر والمحتوى؛ وإن كانت الأدوات نفسها كالتطرف في التعبير عن الرأي، وإقصاء الآخر، والحكم على الآخرين؛ لكن الذي يختلف بين "الدعشنة" و"الدعشنة المضادة" هو المحتوى.

 

وهذه أشرت لها بتوسع في مقال قديم جداً قبل سنوات كثيرة، وجعلت عنوانه "الإرهاب في مكافحة الإرهاب"، وهذه ليست طريقة سليمة. وبعض الإعلام يستخدم أحياناً أدوات إرهابية لمقاومة الإرهاب؛ وبالتالي يصبح لها مردود غير إيجابي؛ بل إنها تزيد النار اشتعالاً؛ كالتصنيف، والإقصاء، وتهميش الرأي الآخر، وإلقاء التهم، والتجريم. فإذا كان "الدواعش" يستخدمون التكفير؛ فـ"الدعشنة المضادة" تستخدم التجريم والتخوين في النواحي الوطنية.. هؤلاء يستخدمون الدين للإقصاء، وهؤلاء يستخدمون الوطنية للإقصاء، وكل طرف يلعب بالأوراق التي تُحقق مصالحه، ومحتواه الفكري.

 

** بصراحة.. ما هي أهم التحولات الفكرية التي مرّ بها د.زياد الدريس؟

 

سَبَق أن ألمحت لذلك، وقلت: إن هناك محطتين أثّرتَا في تحولاتي الفكرية، وعندما أقول تحولات فكرية لا أعني الانتقال من النقيض إلى النقيض؛ لكنها محاولات للانتقال من طرف إلى الوسط. ولم أَعُدّ نفسي في يوم من الأيام في طرف بعيد جداً، حتى أكون منصفا. وبلا شك أن هناك محطتين أثّرتَا بشكل كبير وسرّعتَا في التغير؛ الأولى هي محطة موسكو؛ حيث الدراسة وتأثيرها كبير جداً؛ فقد كانت المرة الأولى التي أقرأ فيها الفلسفة، ونحن في السعودية لا نقرأ لفلاسفة أبداً، وكانت أول مرة أقرأ فلاسفة الإغريق، وفلاسفة الغرب الذين أسسوا عصور النهضة الأوروبية؛ وبالتالي أصبح لديّ قليل من اتساع الرؤية في تقبل الآراء الفكرية الأخرى المتنوعة والقدرة على تقبلها. أما محطة باريس، وفي منظمة "اليونسكو"؛ فقد ساعدتني كثيراً على تقبّل الآخر المختلف فكرياً وثقافياً ودينياً، أو لنقل زادت في اتساع قدرتي على تقبل الآخر؛ لأني لم أذهب لباريس ولديّ اجندة مسبقة مغلقة وأحكام وقرارات جاهزة؛ وهذا جعلني أعيد التفكير في أنني قصّرت المسافة مع هؤلاء البعيدين عني؛ فكيف لا ألغي المسافة مع مَن أختلف معه داخل وطني مع مختلف التيارات الفكرية والتوجهات. والحقيقة أنني لم أكن متطرفاً، ولم أمارس العنف فيما مضى قبل محطتيْ موسكو وباريس؛ لكنني لم أكن بذلك الانفتاح والقدرة على تقبل الآخر كما أنا الآن.