"رائد المشي" في السعودية لـ"سبق": أداوم للعمل على "سيكل" ومخالفات "ساهر" تجاوزت 18 ألفاً.. وهذه تجربتي مع "قبقاب اليابان"

د.الأنصاري يؤكد أن الخليج والسعودية من العشرة الأوائل عالمياً في السكري

- المشي يقي من السرطان و"الرعاشي" وعشرات المشكلات الصحية ويسهم في علاجها أفضل مما تفعله الأدوية.

- كبير الأطباء في أمريكا يطالب بالتركيز على المدرسة أولاً لتعزيز صحة المجتمع الأمريكي بعد 200 عام من الرعاية الصحية.

- أكبر عيوب السعوديين والمسؤولين اقتناعهم بأن الحل في مواجهة الأمراض المزمنة المتزايدة هو إنشاء مزيد من المرافق الطبية.

- أتمنى أن تتحول مدننا صديقة للمشاة وتضمن حقوقهم وسلامتهم في الشوارع وأن تتحول رياضة المشي لمشروع وطني ترعاه الدولة.

- بسبب التقنية والرفاهية السعودية تحتل عالمياً المركز الثالث في الدول الأقل نشاطاً.. وحان الوقت لنقل التجارب العالمية الناجحة.

- السعودي يعتقد خاطئاً أن من "المستحيل" تغيير أنماط المعيشة والتغذية والنشاط البدني.

- لن تنخفض المشكلات الصحية ما دمنا نسلم المجتمع لـ"فوضى النمط المعيشي" الحاصلة حالياً.

 

يقول "رائد رياضة المشي في السعودية"، كما تفضل الأوساط الطبية السعودية تسميته، د. صالح بن سعد الأنصاري، الأستاذ المساعد في طب الأسرة والمجتمع، المشرف العام على مركز تعزيز الصحة: "لأن الإنسان لم يكن أكثر كسلاً، ولا أقل نشاطاً منه في الخمسين سنة الأخيرة، وبالذات في الدول التي تطورت فيه وسائل النقل والتقنية والراحة مثل دول الخليج والسعودية". مؤكداً في حواره مع "سبق" أمنيته أن تتحول مدننا صديقة للمشاة، وتضمن حقوقهم، وسلامتهم في الشوارع، وأن تتحول رياضة المشي لمشروع وطني ترعاه الدولة والقطاع الخاص. مشيراً إلى أن من أسباب انتشار وظهور الأمراض المزمنة وتزايدها في المجتمع السعودي "أننا استوردنا وسائل النقل والاتصال والتواصل، ولم نستورد معها الوعي المطلوب في التعامل معها دون الإضرار بصحتنا، وأن من أكثر عيوب السعوديين الصحية والغذائية بشكل عام هو الاعتقاد بأنه من "المستحيل" تغيير أنماط المعيشة والتغذية والنشاط البدني، وقناعة المسؤولين عن الصحة والتوعية وشؤون المجتمع أن الحل في مواجهة الأمراض المزمنة هو في التركيز فقط على إنشاء مزيد من المرافق الصحية". داعياً إلى نشر ثقافة ركوب الدراجة في مختلف مناطق المملكة، وتطويرها؛ لفائدتها الكبيرة على صحة المجتمع. هذا ويتناول الحوار عدداً من المحاور الصحية والطبية والتوعوية، فإلى تفاصيله...

 

** يقول "أبو الطب" أبقراط إن "المشي أفضل علاج للإنسان"، فهل ما يقول حقيقة صحية أم مجرد نظرية وقول مأثور؟

"أبقراط" أبو الطب الذي يردد الأطباء قسمه عند التخرج. وهذه المقولة لـ"أبقراط" وردت في ملخص فيلم #23_ساعة_ونصف الذي ترجمته إلى العربية صيف عام 2012م، وبلغت مشاهداته على "يوتيوب" أكثر من 4 ملايين مشاهدة. فقد استعرض الفيلم عشرات المشكلات الصحية التي يقي منها المشي، ويسهم في علاجها بأفضل مما تفعله الأدوية، مثل السمنة، والضغط، والسكري... إلخ من الأمراض المزمنة. بل تصل إلى الوقاية من السرطان وتحسين أداء مرضى الشلل الرعاشي. وارجعوا إن شئتم إلى مقالاتي حول المشي مثل مقال "المشي والأمراض النفسية"، ومؤخراً مقالي "صحة القولون وجرعة المشي". ولقد أجملت في كتابي "صحتك في المشي" 44 مشكلة صحية يسهم المشي في الوقاية منها وفي علاجها.

 

 ** تطوّر وسائل التقنية والرفاهية.. هل أدّى لظهور وانتشار بعض أمراض المزمنة في المجتمع السعودي؟

لقد عاش الإنسان عمره على الأرض لنحو عشرة آلاف عام، وهو معتمد في التنقل من مكان إلى مكان على جسمه (المشي) وحتى إلى عهد قريب. إلا أنه وعلى مر التاريخ، لم يكن الإنسان أكثر كسلاً، ولا أقل نشاطاً منه في الخمسين سنة الأخيرة، وبالذات في الدول التي تطورت فيها وسائل النقل والتقنية والراحة مثل دول الخليج، فعلى سبيل المثال تحتل السعودية المركز الثالث في الدول الأقل نشاطاً بموجب مقال علمي نشر في مجلة "اللانست" الطبية. ومن أسباب انتشار وظهور الأمراض أننا استوردنا وسائل النقل والاتصال، والتواصل، ولم نستورد معها الوعي المطلوب في التعامل معها دون الإضرار بصحتنا. لقد تقدمت الدول الغربية في هذا المجال، وركزت كثيراً على نشر ثقافة المشي، وتسهيله، وجعله اختياراً سهلاً وآمناً، وحان الوقت لنقل التجارب العالمية الناجحة في هذا المجال إلى دول الخليج، وعامة الدول العربية، ودول العالم الثالث.

 

 ** ما هي أكثر عيوب السعوديين الصحية والغذائية بشكل عام؟

أكثر عيوبنا الصحية والغذائية في رأيي هو اعتقادنا بأنه من "المستحيل" تغيير أنماط المعيشة والتغذية والنشاط البدني، واعتقادنا أن المجتمع لا يتقبل الدعوة إلى تغيير هذه الأنماط ولا يستجيب لها. المشكلة الأكبر أن هذه القناعة متجذرة في عدد كبير من القائمين، والمسؤولين عن الصحة، والتوعية، وشؤون المجتمع الذين يفترض منهم أن يقوموا على نشر الوعي بضرورة النشاط البدني، والتغذية الصحية، وتعديل الأنماط المعيشية الصحية. فلن تنخفض المشكلات الصحية ما دمنا نسلِّم للمجتمع بما هو فيه من فوضى النمط المعيشي. إن من أكبر عيوبنا أن يعتقد القائمون على الصحة والخدمات الصحية، أن الحل في مواجهة الأمراض المزمنة هو في التركيز فقط على إنشاء مزيد من المرافق الصحية. فهذه القناعات (في رأيي) هي التي تقتلنا كل يوم بانتشار المزيد من الأمراض المزمنة التي لا تؤثر ليس فقط على المصروفات الصحية، بل حتى على استدامة التنمية.

 

 ** كانت لك تجربة مهمة عندما زرت عدداً من المدارس في اليابان، فكيف وجدت مجال الصحة المدرسية لديهم؟

ترجمتُ عن منظمة الصحة العالمية كتاب "تعزيز الصحة من خلال المدارس"، وهو الكتاب الذي يطلق عليه "الصحة المدرسية"؛ هذا الكتاب يقول إنه إذا أرادت أمة أن تحسّن الصحة أن تبدأ بالمدارس، فالمدارس هي "خط الإنتاج" الذي يتخرّج فيه المواطن الذي يستمتع بصحة وسلوك صحي يدوم مدى الحياة. وهذا ما يتم في الدول المتقدمة. وفي عام 2000م زرت اليابان في جولة دراسية عن الصحة المدرسية. وهناك لاحظت في مطعم في إحدى المدارس وجود 9 موظفين للاهتمام بالتغذية المدرسية. كما ينظر النظام التعليمي إلى المدرسة كبيئة معقمة ولا يدخلها الطلاب بالأحذية التي يأتون بها من البيت، بل يلبسون "قبقاب" خاصاً يتم غسله وتنظيفه دورياً. ورأيت تجربة رائعة بتوظيف ما يسمى "المعلمة الممرضة" في كل مدرسة، وهي مؤهلة بكادر جامعي يجمع بين علوم التمريض، ومهارات التعليم؛ لتتولى تعزيز الصحة من خلال المدارس، وفي المدرسة، وتساعد المعلمين على التوعية الصحية من خلال المنهج، وخارج المنهج. إلى آخره من التجارب الجديرة بالتأمل.

 

‏‏** ما هو مفهومك لما يجب أن تكون عليه الخدمات الصحية في السعودية؟

أتطلع إلى اليوم الذي يصبح اسم وزارة الصحة "وزارة الصحة العامة"، وأن تتولى الوقاية وتعزيز الصحة، والاكتشاف المبكر، والخدمات الصحية الأولية كالتطعيمات والصحة في المدارس... إلخ. فالصحة شأن مجتمع قبل أن يكون شأناً علاجياً بحتاً كما يحصل الآن. فانتشار الأمراض المزمنة الحاصل في مجتمعنا لا يطيقها أي نظام صحي يقوم على توجه علاجي مهما كانت موارده. أما علاج من يمرض من الناس بعد كل جهود الوقاية فهو شأن المستشفيات التي تضع الوزارة معاييرها، وتراقب جودة تطبيقها، ويقوم عليها التأمين الطبي أو حتى الأوقاف الصحية كما كان عليه الأمر ذات يوم.

 

‏** حدثنا عن ‏لقائك بكبير الأطباء في الولايات المتحدة الدكتور "ساتشر"، وما هي الوصفة الطبية الشهيرة التي وصفها؟

في المؤتمر الثامن والسبعين للجمعية الأمريكية للصحة المدرسية الذي حضرته عام 1999م. حضر هذا المؤتمر الدكتور "ديفيد ساتشر" كبير أطباء أمريكا، وهو الذي يساعد الرئيس الأمريكي في وضع، ومراجعة السياسات الصحية في أمريكا. فقد حضر مؤتمر الصحة المدرسية من بين آلاف المؤتمرات التي تُعقد في أمريكا ليوصل رسالة مفادها إنه بعد نحو 200 عام من الرعاية الصحية، ترى أمريكا العودة إلى التركيز على المدرسة إذا أرادت في تعزيز صحة المجتمع الأمريكي. وكان "ساتشر" ممسكاً طوال المحاضرة بوصفة في يده، ويقول: هذه وصفتي لأمريكا. وتلك الوصفة فلها قصة قد يأتي الحديث عنها ذات يوم.

 

‏** تهتم برياضة المشي، وتلقب بـَ"رائد "المشي" في السعودية، فكيف يمكن تعزيز ممارسة هذه الرياضة في المجتمع السعودي؟

سيكون من الممكن تعزيز الممارسة للمشي، هذه الرياضة المليئة بالأسرار الصحية والنفسية والاجتماعية إذا عملنا بشكل أكبر على محورين رئيسيين؛ إذا أصبحت مدننا صديقة للمشاة تصمم وتدار بحيث تضمن حقوقهم وسلامتهم في الشوارع. والمحور الثاني، تحويل التوعية بأهمية المشي من عمل تطوعي يقوم به النشطاء والمبادرون إلى أن يصبح عملاً أو مشروعاً وطنياً ترعاه مؤسسات الدولة ويدعمه القطاع الخاص وقطاعات المسؤولية الاجتماعية. وسيأتي ذلك اليوم قريباً إن شاء الله.

 

** هل فعلاً أجسامنا مصممة للحركة المستمرة لا الخمول الطويل؟

نعم، والجسم الذي لا يُستخدم يضمر ويضعف ويمرض، ليس هذا فحسب، بل المجتمع الذي لا تنتشر فيه الرياضة والنشاط البدني يمرض. وأكبر شاهد على ذلك ما تعيشه مجتمعات الخليج والسعودية، التي كثيراً ما تحجز مكاناً بين العشرة الأوائل عالمياً في مختلف الأمراض المزمنة، كالسكري وأمراض شرايين القلب والسمنة... إلخ.

 

** كيف يمكن تنظيم التغذية والرياضة بانتظام، وتحسين العادات اليومية؟

سيتم ذلك على مستوى المجتمع عندما تأخذ الصحة في المدارس دورها وتتبلور خدمات الصحة المدرسية المعنية بالسلوك الصحي المجتمعي، وذلك في المقام الأول، ويليها الإعلام في التوعية، واهتمام الخدمات الصحية بالتوعية السريرية للمرضى وفق أفضل الممارسات العالمية. إلى أن يأتي اليوم الذي تقوم فيه المدارس وقطاعات الإعلام بدور أكبر، وحتى ذلك الحين أرى أن المصدر المؤثر في هذه التوعية والتغيير وبشكل تفاعلي وفعال هو ما يقوم به المختصون، والمطلعون من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي الذين ينبغي استثمار جهودهم وتقنينها وترشيدها وفق آلية محددة.

 

** ما هي وصفة "ثلاثية المشي" الصحي التي تنادي بها دائماً، وما هو الوقت المناسب للمشي؟

تقول الثلاثية الأنصارية في المشي للمبتدئين: ابدأ ما تستطيع. توقف إذا تعبت وعد غداً. وهذه الوصفة تهدف أساساً إلى التعلم، والبدء، والاستمرار في المشي، ومن ثم رفع اللياقة بشكل تدريجي. أما الوقت "العملي" الأنسب للمشي فهو الوقت الذي يمكن لكل فرد أن ينتظم فيه. وقد تحدثت عن الوقت المثالي للمشي في مقالي "الوقت المناسب للمشي وميزات المشي فجراً"، ففي ذلك المقال تحدثت عن خصوصية المشي فجراً، وذكرت 24 سبباً لاختيار المشي فجراً. ولمعرفة جانب من التطبيق الواقعي الذي بدأ يحدث لهذه الممارسة على أرض الواقع يمكن الاطلاع في "تويتر" على وسم #المشي_فجراً.

 

** حدثنا عن مخالفات "ساهر" لك التي تجاوزت ١٨ ألف ريال؟

في بداية تطبيق "ساهر" على الإشارات، كنت أذهب يومياً إلى مكتبي. وكنت يومياً آخذ لفة إلى اليمين، وببطء شديد، لكني لم أكن أنتبه للوحة ذات الدائرة الحمراء التي تطلب التوقف. فكنت آخذها ببطء شديد، لكني لا أتوقف. لم يحدث لي أي حادث أبداً من هذه "المخالفة" لكني دفعت لساهر 18.000 ريال معظمها لهذه اللوحة ذات الدائرة الحمراء. يحدث مثل هذا إذا نزل النظام، ولم يصاحبه إعلام وتعريف وتوعية، ويترك الناس تتعلم الدرس مقابل 18.000 ريال. كما يحدث ذلك عندما نحيل التحكم في مشكلات حوادث المرور بدلاً من أن تكون برفع كفاءة جهاز المرور ورجال المرور إلى أن يصبح مهمة كاميرا على وجه التأكيد أنها أقل ذكاء من الإنسان.

 

** كيف كانت تجربتك في الذهاب للعمل بمدينة الرياض على دراجة "سيكل"؟

بدأت هذه التجربة في الشتاء، وأنصح من يحب البدء فيها بالبدء في الشتاء (فلا أنصح بالعودة من العمل بالدراجة ظهراً في جو الرياض في يوليو) وأذكر أني وصفت شعوري بالحرية والاستمتاع وشعوري وأنا أمر على محطة الوقود، ولديّ شعور بالاعتماد على النفس والحرية... إلخ. عموماً كانت تجربة ثرية، وهناك عشرات التجارب الأخرى المماثلة من نشطاء #دراجتي ومجموعات الدراجات التي تنشر ثقافة الدراجة في مختلف مناطق المملكة، وهي تجارب أدعو إلى تطويرها على غرار ما أطالب به من تطوير المشي في مجتمعنا.

اعلان
"رائد المشي" في السعودية لـ"سبق": أداوم للعمل على "سيكل" ومخالفات "ساهر" تجاوزت 18 ألفاً.. وهذه تجربتي مع "قبقاب اليابان"
سبق

- المشي يقي من السرطان و"الرعاشي" وعشرات المشكلات الصحية ويسهم في علاجها أفضل مما تفعله الأدوية.

- كبير الأطباء في أمريكا يطالب بالتركيز على المدرسة أولاً لتعزيز صحة المجتمع الأمريكي بعد 200 عام من الرعاية الصحية.

- أكبر عيوب السعوديين والمسؤولين اقتناعهم بأن الحل في مواجهة الأمراض المزمنة المتزايدة هو إنشاء مزيد من المرافق الطبية.

- أتمنى أن تتحول مدننا صديقة للمشاة وتضمن حقوقهم وسلامتهم في الشوارع وأن تتحول رياضة المشي لمشروع وطني ترعاه الدولة.

- بسبب التقنية والرفاهية السعودية تحتل عالمياً المركز الثالث في الدول الأقل نشاطاً.. وحان الوقت لنقل التجارب العالمية الناجحة.

- السعودي يعتقد خاطئاً أن من "المستحيل" تغيير أنماط المعيشة والتغذية والنشاط البدني.

- لن تنخفض المشكلات الصحية ما دمنا نسلم المجتمع لـ"فوضى النمط المعيشي" الحاصلة حالياً.

 

يقول "رائد رياضة المشي في السعودية"، كما تفضل الأوساط الطبية السعودية تسميته، د. صالح بن سعد الأنصاري، الأستاذ المساعد في طب الأسرة والمجتمع، المشرف العام على مركز تعزيز الصحة: "لأن الإنسان لم يكن أكثر كسلاً، ولا أقل نشاطاً منه في الخمسين سنة الأخيرة، وبالذات في الدول التي تطورت فيه وسائل النقل والتقنية والراحة مثل دول الخليج والسعودية". مؤكداً في حواره مع "سبق" أمنيته أن تتحول مدننا صديقة للمشاة، وتضمن حقوقهم، وسلامتهم في الشوارع، وأن تتحول رياضة المشي لمشروع وطني ترعاه الدولة والقطاع الخاص. مشيراً إلى أن من أسباب انتشار وظهور الأمراض المزمنة وتزايدها في المجتمع السعودي "أننا استوردنا وسائل النقل والاتصال والتواصل، ولم نستورد معها الوعي المطلوب في التعامل معها دون الإضرار بصحتنا، وأن من أكثر عيوب السعوديين الصحية والغذائية بشكل عام هو الاعتقاد بأنه من "المستحيل" تغيير أنماط المعيشة والتغذية والنشاط البدني، وقناعة المسؤولين عن الصحة والتوعية وشؤون المجتمع أن الحل في مواجهة الأمراض المزمنة هو في التركيز فقط على إنشاء مزيد من المرافق الصحية". داعياً إلى نشر ثقافة ركوب الدراجة في مختلف مناطق المملكة، وتطويرها؛ لفائدتها الكبيرة على صحة المجتمع. هذا ويتناول الحوار عدداً من المحاور الصحية والطبية والتوعوية، فإلى تفاصيله...

 

** يقول "أبو الطب" أبقراط إن "المشي أفضل علاج للإنسان"، فهل ما يقول حقيقة صحية أم مجرد نظرية وقول مأثور؟

"أبقراط" أبو الطب الذي يردد الأطباء قسمه عند التخرج. وهذه المقولة لـ"أبقراط" وردت في ملخص فيلم #23_ساعة_ونصف الذي ترجمته إلى العربية صيف عام 2012م، وبلغت مشاهداته على "يوتيوب" أكثر من 4 ملايين مشاهدة. فقد استعرض الفيلم عشرات المشكلات الصحية التي يقي منها المشي، ويسهم في علاجها بأفضل مما تفعله الأدوية، مثل السمنة، والضغط، والسكري... إلخ من الأمراض المزمنة. بل تصل إلى الوقاية من السرطان وتحسين أداء مرضى الشلل الرعاشي. وارجعوا إن شئتم إلى مقالاتي حول المشي مثل مقال "المشي والأمراض النفسية"، ومؤخراً مقالي "صحة القولون وجرعة المشي". ولقد أجملت في كتابي "صحتك في المشي" 44 مشكلة صحية يسهم المشي في الوقاية منها وفي علاجها.

 

 ** تطوّر وسائل التقنية والرفاهية.. هل أدّى لظهور وانتشار بعض أمراض المزمنة في المجتمع السعودي؟

لقد عاش الإنسان عمره على الأرض لنحو عشرة آلاف عام، وهو معتمد في التنقل من مكان إلى مكان على جسمه (المشي) وحتى إلى عهد قريب. إلا أنه وعلى مر التاريخ، لم يكن الإنسان أكثر كسلاً، ولا أقل نشاطاً منه في الخمسين سنة الأخيرة، وبالذات في الدول التي تطورت فيها وسائل النقل والتقنية والراحة مثل دول الخليج، فعلى سبيل المثال تحتل السعودية المركز الثالث في الدول الأقل نشاطاً بموجب مقال علمي نشر في مجلة "اللانست" الطبية. ومن أسباب انتشار وظهور الأمراض أننا استوردنا وسائل النقل والاتصال، والتواصل، ولم نستورد معها الوعي المطلوب في التعامل معها دون الإضرار بصحتنا. لقد تقدمت الدول الغربية في هذا المجال، وركزت كثيراً على نشر ثقافة المشي، وتسهيله، وجعله اختياراً سهلاً وآمناً، وحان الوقت لنقل التجارب العالمية الناجحة في هذا المجال إلى دول الخليج، وعامة الدول العربية، ودول العالم الثالث.

 

 ** ما هي أكثر عيوب السعوديين الصحية والغذائية بشكل عام؟

أكثر عيوبنا الصحية والغذائية في رأيي هو اعتقادنا بأنه من "المستحيل" تغيير أنماط المعيشة والتغذية والنشاط البدني، واعتقادنا أن المجتمع لا يتقبل الدعوة إلى تغيير هذه الأنماط ولا يستجيب لها. المشكلة الأكبر أن هذه القناعة متجذرة في عدد كبير من القائمين، والمسؤولين عن الصحة، والتوعية، وشؤون المجتمع الذين يفترض منهم أن يقوموا على نشر الوعي بضرورة النشاط البدني، والتغذية الصحية، وتعديل الأنماط المعيشية الصحية. فلن تنخفض المشكلات الصحية ما دمنا نسلِّم للمجتمع بما هو فيه من فوضى النمط المعيشي. إن من أكبر عيوبنا أن يعتقد القائمون على الصحة والخدمات الصحية، أن الحل في مواجهة الأمراض المزمنة هو في التركيز فقط على إنشاء مزيد من المرافق الصحية. فهذه القناعات (في رأيي) هي التي تقتلنا كل يوم بانتشار المزيد من الأمراض المزمنة التي لا تؤثر ليس فقط على المصروفات الصحية، بل حتى على استدامة التنمية.

 

 ** كانت لك تجربة مهمة عندما زرت عدداً من المدارس في اليابان، فكيف وجدت مجال الصحة المدرسية لديهم؟

ترجمتُ عن منظمة الصحة العالمية كتاب "تعزيز الصحة من خلال المدارس"، وهو الكتاب الذي يطلق عليه "الصحة المدرسية"؛ هذا الكتاب يقول إنه إذا أرادت أمة أن تحسّن الصحة أن تبدأ بالمدارس، فالمدارس هي "خط الإنتاج" الذي يتخرّج فيه المواطن الذي يستمتع بصحة وسلوك صحي يدوم مدى الحياة. وهذا ما يتم في الدول المتقدمة. وفي عام 2000م زرت اليابان في جولة دراسية عن الصحة المدرسية. وهناك لاحظت في مطعم في إحدى المدارس وجود 9 موظفين للاهتمام بالتغذية المدرسية. كما ينظر النظام التعليمي إلى المدرسة كبيئة معقمة ولا يدخلها الطلاب بالأحذية التي يأتون بها من البيت، بل يلبسون "قبقاب" خاصاً يتم غسله وتنظيفه دورياً. ورأيت تجربة رائعة بتوظيف ما يسمى "المعلمة الممرضة" في كل مدرسة، وهي مؤهلة بكادر جامعي يجمع بين علوم التمريض، ومهارات التعليم؛ لتتولى تعزيز الصحة من خلال المدارس، وفي المدرسة، وتساعد المعلمين على التوعية الصحية من خلال المنهج، وخارج المنهج. إلى آخره من التجارب الجديرة بالتأمل.

 

‏‏** ما هو مفهومك لما يجب أن تكون عليه الخدمات الصحية في السعودية؟

أتطلع إلى اليوم الذي يصبح اسم وزارة الصحة "وزارة الصحة العامة"، وأن تتولى الوقاية وتعزيز الصحة، والاكتشاف المبكر، والخدمات الصحية الأولية كالتطعيمات والصحة في المدارس... إلخ. فالصحة شأن مجتمع قبل أن يكون شأناً علاجياً بحتاً كما يحصل الآن. فانتشار الأمراض المزمنة الحاصل في مجتمعنا لا يطيقها أي نظام صحي يقوم على توجه علاجي مهما كانت موارده. أما علاج من يمرض من الناس بعد كل جهود الوقاية فهو شأن المستشفيات التي تضع الوزارة معاييرها، وتراقب جودة تطبيقها، ويقوم عليها التأمين الطبي أو حتى الأوقاف الصحية كما كان عليه الأمر ذات يوم.

 

‏** حدثنا عن ‏لقائك بكبير الأطباء في الولايات المتحدة الدكتور "ساتشر"، وما هي الوصفة الطبية الشهيرة التي وصفها؟

في المؤتمر الثامن والسبعين للجمعية الأمريكية للصحة المدرسية الذي حضرته عام 1999م. حضر هذا المؤتمر الدكتور "ديفيد ساتشر" كبير أطباء أمريكا، وهو الذي يساعد الرئيس الأمريكي في وضع، ومراجعة السياسات الصحية في أمريكا. فقد حضر مؤتمر الصحة المدرسية من بين آلاف المؤتمرات التي تُعقد في أمريكا ليوصل رسالة مفادها إنه بعد نحو 200 عام من الرعاية الصحية، ترى أمريكا العودة إلى التركيز على المدرسة إذا أرادت في تعزيز صحة المجتمع الأمريكي. وكان "ساتشر" ممسكاً طوال المحاضرة بوصفة في يده، ويقول: هذه وصفتي لأمريكا. وتلك الوصفة فلها قصة قد يأتي الحديث عنها ذات يوم.

 

‏** تهتم برياضة المشي، وتلقب بـَ"رائد "المشي" في السعودية، فكيف يمكن تعزيز ممارسة هذه الرياضة في المجتمع السعودي؟

سيكون من الممكن تعزيز الممارسة للمشي، هذه الرياضة المليئة بالأسرار الصحية والنفسية والاجتماعية إذا عملنا بشكل أكبر على محورين رئيسيين؛ إذا أصبحت مدننا صديقة للمشاة تصمم وتدار بحيث تضمن حقوقهم وسلامتهم في الشوارع. والمحور الثاني، تحويل التوعية بأهمية المشي من عمل تطوعي يقوم به النشطاء والمبادرون إلى أن يصبح عملاً أو مشروعاً وطنياً ترعاه مؤسسات الدولة ويدعمه القطاع الخاص وقطاعات المسؤولية الاجتماعية. وسيأتي ذلك اليوم قريباً إن شاء الله.

 

** هل فعلاً أجسامنا مصممة للحركة المستمرة لا الخمول الطويل؟

نعم، والجسم الذي لا يُستخدم يضمر ويضعف ويمرض، ليس هذا فحسب، بل المجتمع الذي لا تنتشر فيه الرياضة والنشاط البدني يمرض. وأكبر شاهد على ذلك ما تعيشه مجتمعات الخليج والسعودية، التي كثيراً ما تحجز مكاناً بين العشرة الأوائل عالمياً في مختلف الأمراض المزمنة، كالسكري وأمراض شرايين القلب والسمنة... إلخ.

 

** كيف يمكن تنظيم التغذية والرياضة بانتظام، وتحسين العادات اليومية؟

سيتم ذلك على مستوى المجتمع عندما تأخذ الصحة في المدارس دورها وتتبلور خدمات الصحة المدرسية المعنية بالسلوك الصحي المجتمعي، وذلك في المقام الأول، ويليها الإعلام في التوعية، واهتمام الخدمات الصحية بالتوعية السريرية للمرضى وفق أفضل الممارسات العالمية. إلى أن يأتي اليوم الذي تقوم فيه المدارس وقطاعات الإعلام بدور أكبر، وحتى ذلك الحين أرى أن المصدر المؤثر في هذه التوعية والتغيير وبشكل تفاعلي وفعال هو ما يقوم به المختصون، والمطلعون من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي الذين ينبغي استثمار جهودهم وتقنينها وترشيدها وفق آلية محددة.

 

** ما هي وصفة "ثلاثية المشي" الصحي التي تنادي بها دائماً، وما هو الوقت المناسب للمشي؟

تقول الثلاثية الأنصارية في المشي للمبتدئين: ابدأ ما تستطيع. توقف إذا تعبت وعد غداً. وهذه الوصفة تهدف أساساً إلى التعلم، والبدء، والاستمرار في المشي، ومن ثم رفع اللياقة بشكل تدريجي. أما الوقت "العملي" الأنسب للمشي فهو الوقت الذي يمكن لكل فرد أن ينتظم فيه. وقد تحدثت عن الوقت المثالي للمشي في مقالي "الوقت المناسب للمشي وميزات المشي فجراً"، ففي ذلك المقال تحدثت عن خصوصية المشي فجراً، وذكرت 24 سبباً لاختيار المشي فجراً. ولمعرفة جانب من التطبيق الواقعي الذي بدأ يحدث لهذه الممارسة على أرض الواقع يمكن الاطلاع في "تويتر" على وسم #المشي_فجراً.

 

** حدثنا عن مخالفات "ساهر" لك التي تجاوزت ١٨ ألف ريال؟

في بداية تطبيق "ساهر" على الإشارات، كنت أذهب يومياً إلى مكتبي. وكنت يومياً آخذ لفة إلى اليمين، وببطء شديد، لكني لم أكن أنتبه للوحة ذات الدائرة الحمراء التي تطلب التوقف. فكنت آخذها ببطء شديد، لكني لا أتوقف. لم يحدث لي أي حادث أبداً من هذه "المخالفة" لكني دفعت لساهر 18.000 ريال معظمها لهذه اللوحة ذات الدائرة الحمراء. يحدث مثل هذا إذا نزل النظام، ولم يصاحبه إعلام وتعريف وتوعية، ويترك الناس تتعلم الدرس مقابل 18.000 ريال. كما يحدث ذلك عندما نحيل التحكم في مشكلات حوادث المرور بدلاً من أن تكون برفع كفاءة جهاز المرور ورجال المرور إلى أن يصبح مهمة كاميرا على وجه التأكيد أنها أقل ذكاء من الإنسان.

 

** كيف كانت تجربتك في الذهاب للعمل بمدينة الرياض على دراجة "سيكل"؟

بدأت هذه التجربة في الشتاء، وأنصح من يحب البدء فيها بالبدء في الشتاء (فلا أنصح بالعودة من العمل بالدراجة ظهراً في جو الرياض في يوليو) وأذكر أني وصفت شعوري بالحرية والاستمتاع وشعوري وأنا أمر على محطة الوقود، ولديّ شعور بالاعتماد على النفس والحرية... إلخ. عموماً كانت تجربة ثرية، وهناك عشرات التجارب الأخرى المماثلة من نشطاء #دراجتي ومجموعات الدراجات التي تنشر ثقافة الدراجة في مختلف مناطق المملكة، وهي تجارب أدعو إلى تطويرها على غرار ما أطالب به من تطوير المشي في مجتمعنا.

28 يوليو 2016 - 23 شوّال 1437
12:06 PM
اخر تعديل
20 يناير 2017 - 22 ربيع الآخر 1438
06:24 PM

د.الأنصاري يؤكد أن الخليج والسعودية من العشرة الأوائل عالمياً في السكري

"رائد المشي" في السعودية لـ"سبق": أداوم للعمل على "سيكل" ومخالفات "ساهر" تجاوزت 18 ألفاً.. وهذه تجربتي مع "قبقاب اليابان"

A A A
38
100,821

- المشي يقي من السرطان و"الرعاشي" وعشرات المشكلات الصحية ويسهم في علاجها أفضل مما تفعله الأدوية.

- كبير الأطباء في أمريكا يطالب بالتركيز على المدرسة أولاً لتعزيز صحة المجتمع الأمريكي بعد 200 عام من الرعاية الصحية.

- أكبر عيوب السعوديين والمسؤولين اقتناعهم بأن الحل في مواجهة الأمراض المزمنة المتزايدة هو إنشاء مزيد من المرافق الطبية.

- أتمنى أن تتحول مدننا صديقة للمشاة وتضمن حقوقهم وسلامتهم في الشوارع وأن تتحول رياضة المشي لمشروع وطني ترعاه الدولة.

- بسبب التقنية والرفاهية السعودية تحتل عالمياً المركز الثالث في الدول الأقل نشاطاً.. وحان الوقت لنقل التجارب العالمية الناجحة.

- السعودي يعتقد خاطئاً أن من "المستحيل" تغيير أنماط المعيشة والتغذية والنشاط البدني.

- لن تنخفض المشكلات الصحية ما دمنا نسلم المجتمع لـ"فوضى النمط المعيشي" الحاصلة حالياً.

 

يقول "رائد رياضة المشي في السعودية"، كما تفضل الأوساط الطبية السعودية تسميته، د. صالح بن سعد الأنصاري، الأستاذ المساعد في طب الأسرة والمجتمع، المشرف العام على مركز تعزيز الصحة: "لأن الإنسان لم يكن أكثر كسلاً، ولا أقل نشاطاً منه في الخمسين سنة الأخيرة، وبالذات في الدول التي تطورت فيه وسائل النقل والتقنية والراحة مثل دول الخليج والسعودية". مؤكداً في حواره مع "سبق" أمنيته أن تتحول مدننا صديقة للمشاة، وتضمن حقوقهم، وسلامتهم في الشوارع، وأن تتحول رياضة المشي لمشروع وطني ترعاه الدولة والقطاع الخاص. مشيراً إلى أن من أسباب انتشار وظهور الأمراض المزمنة وتزايدها في المجتمع السعودي "أننا استوردنا وسائل النقل والاتصال والتواصل، ولم نستورد معها الوعي المطلوب في التعامل معها دون الإضرار بصحتنا، وأن من أكثر عيوب السعوديين الصحية والغذائية بشكل عام هو الاعتقاد بأنه من "المستحيل" تغيير أنماط المعيشة والتغذية والنشاط البدني، وقناعة المسؤولين عن الصحة والتوعية وشؤون المجتمع أن الحل في مواجهة الأمراض المزمنة هو في التركيز فقط على إنشاء مزيد من المرافق الصحية". داعياً إلى نشر ثقافة ركوب الدراجة في مختلف مناطق المملكة، وتطويرها؛ لفائدتها الكبيرة على صحة المجتمع. هذا ويتناول الحوار عدداً من المحاور الصحية والطبية والتوعوية، فإلى تفاصيله...

 

** يقول "أبو الطب" أبقراط إن "المشي أفضل علاج للإنسان"، فهل ما يقول حقيقة صحية أم مجرد نظرية وقول مأثور؟

"أبقراط" أبو الطب الذي يردد الأطباء قسمه عند التخرج. وهذه المقولة لـ"أبقراط" وردت في ملخص فيلم #23_ساعة_ونصف الذي ترجمته إلى العربية صيف عام 2012م، وبلغت مشاهداته على "يوتيوب" أكثر من 4 ملايين مشاهدة. فقد استعرض الفيلم عشرات المشكلات الصحية التي يقي منها المشي، ويسهم في علاجها بأفضل مما تفعله الأدوية، مثل السمنة، والضغط، والسكري... إلخ من الأمراض المزمنة. بل تصل إلى الوقاية من السرطان وتحسين أداء مرضى الشلل الرعاشي. وارجعوا إن شئتم إلى مقالاتي حول المشي مثل مقال "المشي والأمراض النفسية"، ومؤخراً مقالي "صحة القولون وجرعة المشي". ولقد أجملت في كتابي "صحتك في المشي" 44 مشكلة صحية يسهم المشي في الوقاية منها وفي علاجها.

 

 ** تطوّر وسائل التقنية والرفاهية.. هل أدّى لظهور وانتشار بعض أمراض المزمنة في المجتمع السعودي؟

لقد عاش الإنسان عمره على الأرض لنحو عشرة آلاف عام، وهو معتمد في التنقل من مكان إلى مكان على جسمه (المشي) وحتى إلى عهد قريب. إلا أنه وعلى مر التاريخ، لم يكن الإنسان أكثر كسلاً، ولا أقل نشاطاً منه في الخمسين سنة الأخيرة، وبالذات في الدول التي تطورت فيها وسائل النقل والتقنية والراحة مثل دول الخليج، فعلى سبيل المثال تحتل السعودية المركز الثالث في الدول الأقل نشاطاً بموجب مقال علمي نشر في مجلة "اللانست" الطبية. ومن أسباب انتشار وظهور الأمراض أننا استوردنا وسائل النقل والاتصال، والتواصل، ولم نستورد معها الوعي المطلوب في التعامل معها دون الإضرار بصحتنا. لقد تقدمت الدول الغربية في هذا المجال، وركزت كثيراً على نشر ثقافة المشي، وتسهيله، وجعله اختياراً سهلاً وآمناً، وحان الوقت لنقل التجارب العالمية الناجحة في هذا المجال إلى دول الخليج، وعامة الدول العربية، ودول العالم الثالث.

 

 ** ما هي أكثر عيوب السعوديين الصحية والغذائية بشكل عام؟

أكثر عيوبنا الصحية والغذائية في رأيي هو اعتقادنا بأنه من "المستحيل" تغيير أنماط المعيشة والتغذية والنشاط البدني، واعتقادنا أن المجتمع لا يتقبل الدعوة إلى تغيير هذه الأنماط ولا يستجيب لها. المشكلة الأكبر أن هذه القناعة متجذرة في عدد كبير من القائمين، والمسؤولين عن الصحة، والتوعية، وشؤون المجتمع الذين يفترض منهم أن يقوموا على نشر الوعي بضرورة النشاط البدني، والتغذية الصحية، وتعديل الأنماط المعيشية الصحية. فلن تنخفض المشكلات الصحية ما دمنا نسلِّم للمجتمع بما هو فيه من فوضى النمط المعيشي. إن من أكبر عيوبنا أن يعتقد القائمون على الصحة والخدمات الصحية، أن الحل في مواجهة الأمراض المزمنة هو في التركيز فقط على إنشاء مزيد من المرافق الصحية. فهذه القناعات (في رأيي) هي التي تقتلنا كل يوم بانتشار المزيد من الأمراض المزمنة التي لا تؤثر ليس فقط على المصروفات الصحية، بل حتى على استدامة التنمية.

 

 ** كانت لك تجربة مهمة عندما زرت عدداً من المدارس في اليابان، فكيف وجدت مجال الصحة المدرسية لديهم؟

ترجمتُ عن منظمة الصحة العالمية كتاب "تعزيز الصحة من خلال المدارس"، وهو الكتاب الذي يطلق عليه "الصحة المدرسية"؛ هذا الكتاب يقول إنه إذا أرادت أمة أن تحسّن الصحة أن تبدأ بالمدارس، فالمدارس هي "خط الإنتاج" الذي يتخرّج فيه المواطن الذي يستمتع بصحة وسلوك صحي يدوم مدى الحياة. وهذا ما يتم في الدول المتقدمة. وفي عام 2000م زرت اليابان في جولة دراسية عن الصحة المدرسية. وهناك لاحظت في مطعم في إحدى المدارس وجود 9 موظفين للاهتمام بالتغذية المدرسية. كما ينظر النظام التعليمي إلى المدرسة كبيئة معقمة ولا يدخلها الطلاب بالأحذية التي يأتون بها من البيت، بل يلبسون "قبقاب" خاصاً يتم غسله وتنظيفه دورياً. ورأيت تجربة رائعة بتوظيف ما يسمى "المعلمة الممرضة" في كل مدرسة، وهي مؤهلة بكادر جامعي يجمع بين علوم التمريض، ومهارات التعليم؛ لتتولى تعزيز الصحة من خلال المدارس، وفي المدرسة، وتساعد المعلمين على التوعية الصحية من خلال المنهج، وخارج المنهج. إلى آخره من التجارب الجديرة بالتأمل.

 

‏‏** ما هو مفهومك لما يجب أن تكون عليه الخدمات الصحية في السعودية؟

أتطلع إلى اليوم الذي يصبح اسم وزارة الصحة "وزارة الصحة العامة"، وأن تتولى الوقاية وتعزيز الصحة، والاكتشاف المبكر، والخدمات الصحية الأولية كالتطعيمات والصحة في المدارس... إلخ. فالصحة شأن مجتمع قبل أن يكون شأناً علاجياً بحتاً كما يحصل الآن. فانتشار الأمراض المزمنة الحاصل في مجتمعنا لا يطيقها أي نظام صحي يقوم على توجه علاجي مهما كانت موارده. أما علاج من يمرض من الناس بعد كل جهود الوقاية فهو شأن المستشفيات التي تضع الوزارة معاييرها، وتراقب جودة تطبيقها، ويقوم عليها التأمين الطبي أو حتى الأوقاف الصحية كما كان عليه الأمر ذات يوم.

 

‏** حدثنا عن ‏لقائك بكبير الأطباء في الولايات المتحدة الدكتور "ساتشر"، وما هي الوصفة الطبية الشهيرة التي وصفها؟

في المؤتمر الثامن والسبعين للجمعية الأمريكية للصحة المدرسية الذي حضرته عام 1999م. حضر هذا المؤتمر الدكتور "ديفيد ساتشر" كبير أطباء أمريكا، وهو الذي يساعد الرئيس الأمريكي في وضع، ومراجعة السياسات الصحية في أمريكا. فقد حضر مؤتمر الصحة المدرسية من بين آلاف المؤتمرات التي تُعقد في أمريكا ليوصل رسالة مفادها إنه بعد نحو 200 عام من الرعاية الصحية، ترى أمريكا العودة إلى التركيز على المدرسة إذا أرادت في تعزيز صحة المجتمع الأمريكي. وكان "ساتشر" ممسكاً طوال المحاضرة بوصفة في يده، ويقول: هذه وصفتي لأمريكا. وتلك الوصفة فلها قصة قد يأتي الحديث عنها ذات يوم.

 

‏** تهتم برياضة المشي، وتلقب بـَ"رائد "المشي" في السعودية، فكيف يمكن تعزيز ممارسة هذه الرياضة في المجتمع السعودي؟

سيكون من الممكن تعزيز الممارسة للمشي، هذه الرياضة المليئة بالأسرار الصحية والنفسية والاجتماعية إذا عملنا بشكل أكبر على محورين رئيسيين؛ إذا أصبحت مدننا صديقة للمشاة تصمم وتدار بحيث تضمن حقوقهم وسلامتهم في الشوارع. والمحور الثاني، تحويل التوعية بأهمية المشي من عمل تطوعي يقوم به النشطاء والمبادرون إلى أن يصبح عملاً أو مشروعاً وطنياً ترعاه مؤسسات الدولة ويدعمه القطاع الخاص وقطاعات المسؤولية الاجتماعية. وسيأتي ذلك اليوم قريباً إن شاء الله.

 

** هل فعلاً أجسامنا مصممة للحركة المستمرة لا الخمول الطويل؟

نعم، والجسم الذي لا يُستخدم يضمر ويضعف ويمرض، ليس هذا فحسب، بل المجتمع الذي لا تنتشر فيه الرياضة والنشاط البدني يمرض. وأكبر شاهد على ذلك ما تعيشه مجتمعات الخليج والسعودية، التي كثيراً ما تحجز مكاناً بين العشرة الأوائل عالمياً في مختلف الأمراض المزمنة، كالسكري وأمراض شرايين القلب والسمنة... إلخ.

 

** كيف يمكن تنظيم التغذية والرياضة بانتظام، وتحسين العادات اليومية؟

سيتم ذلك على مستوى المجتمع عندما تأخذ الصحة في المدارس دورها وتتبلور خدمات الصحة المدرسية المعنية بالسلوك الصحي المجتمعي، وذلك في المقام الأول، ويليها الإعلام في التوعية، واهتمام الخدمات الصحية بالتوعية السريرية للمرضى وفق أفضل الممارسات العالمية. إلى أن يأتي اليوم الذي تقوم فيه المدارس وقطاعات الإعلام بدور أكبر، وحتى ذلك الحين أرى أن المصدر المؤثر في هذه التوعية والتغيير وبشكل تفاعلي وفعال هو ما يقوم به المختصون، والمطلعون من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي الذين ينبغي استثمار جهودهم وتقنينها وترشيدها وفق آلية محددة.

 

** ما هي وصفة "ثلاثية المشي" الصحي التي تنادي بها دائماً، وما هو الوقت المناسب للمشي؟

تقول الثلاثية الأنصارية في المشي للمبتدئين: ابدأ ما تستطيع. توقف إذا تعبت وعد غداً. وهذه الوصفة تهدف أساساً إلى التعلم، والبدء، والاستمرار في المشي، ومن ثم رفع اللياقة بشكل تدريجي. أما الوقت "العملي" الأنسب للمشي فهو الوقت الذي يمكن لكل فرد أن ينتظم فيه. وقد تحدثت عن الوقت المثالي للمشي في مقالي "الوقت المناسب للمشي وميزات المشي فجراً"، ففي ذلك المقال تحدثت عن خصوصية المشي فجراً، وذكرت 24 سبباً لاختيار المشي فجراً. ولمعرفة جانب من التطبيق الواقعي الذي بدأ يحدث لهذه الممارسة على أرض الواقع يمكن الاطلاع في "تويتر" على وسم #المشي_فجراً.

 

** حدثنا عن مخالفات "ساهر" لك التي تجاوزت ١٨ ألف ريال؟

في بداية تطبيق "ساهر" على الإشارات، كنت أذهب يومياً إلى مكتبي. وكنت يومياً آخذ لفة إلى اليمين، وببطء شديد، لكني لم أكن أنتبه للوحة ذات الدائرة الحمراء التي تطلب التوقف. فكنت آخذها ببطء شديد، لكني لا أتوقف. لم يحدث لي أي حادث أبداً من هذه "المخالفة" لكني دفعت لساهر 18.000 ريال معظمها لهذه اللوحة ذات الدائرة الحمراء. يحدث مثل هذا إذا نزل النظام، ولم يصاحبه إعلام وتعريف وتوعية، ويترك الناس تتعلم الدرس مقابل 18.000 ريال. كما يحدث ذلك عندما نحيل التحكم في مشكلات حوادث المرور بدلاً من أن تكون برفع كفاءة جهاز المرور ورجال المرور إلى أن يصبح مهمة كاميرا على وجه التأكيد أنها أقل ذكاء من الإنسان.

 

** كيف كانت تجربتك في الذهاب للعمل بمدينة الرياض على دراجة "سيكل"؟

بدأت هذه التجربة في الشتاء، وأنصح من يحب البدء فيها بالبدء في الشتاء (فلا أنصح بالعودة من العمل بالدراجة ظهراً في جو الرياض في يوليو) وأذكر أني وصفت شعوري بالحرية والاستمتاع وشعوري وأنا أمر على محطة الوقود، ولديّ شعور بالاعتماد على النفس والحرية... إلخ. عموماً كانت تجربة ثرية، وهناك عشرات التجارب الأخرى المماثلة من نشطاء #دراجتي ومجموعات الدراجات التي تنشر ثقافة الدراجة في مختلف مناطق المملكة، وهي تجارب أدعو إلى تطويرها على غرار ما أطالب به من تطوير المشي في مجتمعنا.