صباح الخصومات

صباح الخميس الماضي كان مختلفًا وموجعًا على غير العادة، حين ترن أجراس الرسائل مبشرة بمولد راتب جديد منتظر، غير أنه هذه المرة قرصته عقرب هذا الشهر فيما يبدو (وقد صار لها من اسمها نصيب)، مع أول تاريخها لاستلام الموظفين أرزاقهم وعرق جبينهم؛ فأعلنت الاقتصاص المُر من رواتب الكثيرين من موظفي الدولة، وأظن أن الكثير منهم جاؤوا اليوم يجرون أنفسهم للعمل، وربما لو كان غير الخميس (الجميل) لتغيبوا أيضًا! وكأنهم لم يكونوا مصدقين أن تخصم رواتبهم حتى شاهدوها حقيقة ماثلة في رسالة، جرّتهم لواقع، عليهم أن يدركوه، ويعيدوا حساباتهم وحسابات أسرهم، ويجدولوا ديونهم، ويلغوا أمنياتهم المستقبلية أيضًا..
 
لا مبالغة في مسألة الدخل؛ ففي هذا الوقت (الألف) ريال يفرق كثيرًا في دخل الأسرة وهي تتخم بالكثير من المصروفات بين إيجار البيت ومصروفاته، وفواتير تقصم ظَهْر ميزانية أي أسرة متوسطة الدخل، فما بالكم بمحدودة الدخل؟! وماذا عن الأكل والشرب والعلاج والمدارس.. وانسوا الترفيه! وماذا عن النساء اللواتي يَعُلْنَ أسرهن؟ مطلقات وأرامل وبنات عزفن عن الزواج ليَعُلْنَ آباءهن (الشياب)، الذين انحنت ظهورهم، وهم معاقون، تيبست أطرافهم، وذهبت عقولهم.. من أين لهن أن يوفروا كل تلك المصاريف برواتب أصبحت بخسة جدًّا، لا تكفي عناء المواصلات؟
 
ليتكم سمعتموها وهي تصرخ منهارة، وكأنها فقدت عقلها؛ كيف لها أن تكافح متطلبات الأبناء والبنات ومصروفات البيت والأسرة كلها وهي حتى تصل إحدى بناتها للجامعة لا بد أن تنفق ربع دخلها؟! وهي وحيدة بلا زوج ولا سند.. خارت قواها، ولم تقوَ على المزيد من البكاء والشكوى؛ فصمتت وفي قلبها غصة وحسرة! فهل أقبلت تلك وأمثالها على العمل اليوم ككل يوم، أم تراخت رغبتهم في العمل؛ وبالتالي سيقلُّ إنتاجهم؛ وتتأثر أعمالهم؟
 
يا للتعاسة أيها الموظفون، وقد قَلَّ فيكم كل شيء، رواتبكم وتقديركم وسمعتكم، وهي تخدش عالميًّا بالادعاء أنكم كسالى، ولا يُعتمد على إتقانكم وإنتاجيتكم.. ولتذهب ظهور الكثير منكم التي انحنت فوق المكاتب للريح! ولتبحثوا عن تعويض ما لنظركم الذي ضعف بين حزم الأوراق وشاشات الحواسيب التي اقتص بدلها! وخوضوا المخاطر وحدكم.
 
أيها المبتلى في التقدير المنخفض لك، والتندر بعدم مبالاتك، وقد صبرت حتى جاء من يقص بعض رزقك! في الوقت الذي تنتظر أيها الموظف البائس تحفيزًا أكبر(ماديًّا ومعنويًّا)، يعينك على تقديم أفضل ما لديك؛ لتجد نفسك في خضم الأزمة، وتفيق على أن دخلك البسيط أحد الحلول لها!
 
الحقيقة أن الكل يفرح بسعة الرزق، وعدم الحاجة لأي أحد، وكل زيادة ستكون للبلد ولأهل البلد؛ فلا تلوموا أحدًا على تألمه وحسرته على نقص دخله الشهري (حتى لو لم يكن فقيرًا)؛ فلا أحد يسعد بالنقص ويتوقع الخسارة، بل الجميع يتمنى أن يخبئ لمستقبله وأولاده، ويعيش في رحابة وسعة، ويستمتع في وطنه الجميل بين أهله وذويه، ولا يضطر للهجرة إلى أرض الله الواسعة غريبًا بلا جذور ولا أهل!

اعلان
صباح الخصومات
سبق

صباح الخميس الماضي كان مختلفًا وموجعًا على غير العادة، حين ترن أجراس الرسائل مبشرة بمولد راتب جديد منتظر، غير أنه هذه المرة قرصته عقرب هذا الشهر فيما يبدو (وقد صار لها من اسمها نصيب)، مع أول تاريخها لاستلام الموظفين أرزاقهم وعرق جبينهم؛ فأعلنت الاقتصاص المُر من رواتب الكثيرين من موظفي الدولة، وأظن أن الكثير منهم جاؤوا اليوم يجرون أنفسهم للعمل، وربما لو كان غير الخميس (الجميل) لتغيبوا أيضًا! وكأنهم لم يكونوا مصدقين أن تخصم رواتبهم حتى شاهدوها حقيقة ماثلة في رسالة، جرّتهم لواقع، عليهم أن يدركوه، ويعيدوا حساباتهم وحسابات أسرهم، ويجدولوا ديونهم، ويلغوا أمنياتهم المستقبلية أيضًا..
 
لا مبالغة في مسألة الدخل؛ ففي هذا الوقت (الألف) ريال يفرق كثيرًا في دخل الأسرة وهي تتخم بالكثير من المصروفات بين إيجار البيت ومصروفاته، وفواتير تقصم ظَهْر ميزانية أي أسرة متوسطة الدخل، فما بالكم بمحدودة الدخل؟! وماذا عن الأكل والشرب والعلاج والمدارس.. وانسوا الترفيه! وماذا عن النساء اللواتي يَعُلْنَ أسرهن؟ مطلقات وأرامل وبنات عزفن عن الزواج ليَعُلْنَ آباءهن (الشياب)، الذين انحنت ظهورهم، وهم معاقون، تيبست أطرافهم، وذهبت عقولهم.. من أين لهن أن يوفروا كل تلك المصاريف برواتب أصبحت بخسة جدًّا، لا تكفي عناء المواصلات؟
 
ليتكم سمعتموها وهي تصرخ منهارة، وكأنها فقدت عقلها؛ كيف لها أن تكافح متطلبات الأبناء والبنات ومصروفات البيت والأسرة كلها وهي حتى تصل إحدى بناتها للجامعة لا بد أن تنفق ربع دخلها؟! وهي وحيدة بلا زوج ولا سند.. خارت قواها، ولم تقوَ على المزيد من البكاء والشكوى؛ فصمتت وفي قلبها غصة وحسرة! فهل أقبلت تلك وأمثالها على العمل اليوم ككل يوم، أم تراخت رغبتهم في العمل؛ وبالتالي سيقلُّ إنتاجهم؛ وتتأثر أعمالهم؟
 
يا للتعاسة أيها الموظفون، وقد قَلَّ فيكم كل شيء، رواتبكم وتقديركم وسمعتكم، وهي تخدش عالميًّا بالادعاء أنكم كسالى، ولا يُعتمد على إتقانكم وإنتاجيتكم.. ولتذهب ظهور الكثير منكم التي انحنت فوق المكاتب للريح! ولتبحثوا عن تعويض ما لنظركم الذي ضعف بين حزم الأوراق وشاشات الحواسيب التي اقتص بدلها! وخوضوا المخاطر وحدكم.
 
أيها المبتلى في التقدير المنخفض لك، والتندر بعدم مبالاتك، وقد صبرت حتى جاء من يقص بعض رزقك! في الوقت الذي تنتظر أيها الموظف البائس تحفيزًا أكبر(ماديًّا ومعنويًّا)، يعينك على تقديم أفضل ما لديك؛ لتجد نفسك في خضم الأزمة، وتفيق على أن دخلك البسيط أحد الحلول لها!
 
الحقيقة أن الكل يفرح بسعة الرزق، وعدم الحاجة لأي أحد، وكل زيادة ستكون للبلد ولأهل البلد؛ فلا تلوموا أحدًا على تألمه وحسرته على نقص دخله الشهري (حتى لو لم يكن فقيرًا)؛ فلا أحد يسعد بالنقص ويتوقع الخسارة، بل الجميع يتمنى أن يخبئ لمستقبله وأولاده، ويعيش في رحابة وسعة، ويستمتع في وطنه الجميل بين أهله وذويه، ولا يضطر للهجرة إلى أرض الله الواسعة غريبًا بلا جذور ولا أهل!

28 أكتوبر 2016 - 27 محرّم 1438
11:54 PM

صباح الخصومات

A A A
6
4,444

صباح الخميس الماضي كان مختلفًا وموجعًا على غير العادة، حين ترن أجراس الرسائل مبشرة بمولد راتب جديد منتظر، غير أنه هذه المرة قرصته عقرب هذا الشهر فيما يبدو (وقد صار لها من اسمها نصيب)، مع أول تاريخها لاستلام الموظفين أرزاقهم وعرق جبينهم؛ فأعلنت الاقتصاص المُر من رواتب الكثيرين من موظفي الدولة، وأظن أن الكثير منهم جاؤوا اليوم يجرون أنفسهم للعمل، وربما لو كان غير الخميس (الجميل) لتغيبوا أيضًا! وكأنهم لم يكونوا مصدقين أن تخصم رواتبهم حتى شاهدوها حقيقة ماثلة في رسالة، جرّتهم لواقع، عليهم أن يدركوه، ويعيدوا حساباتهم وحسابات أسرهم، ويجدولوا ديونهم، ويلغوا أمنياتهم المستقبلية أيضًا..
 
لا مبالغة في مسألة الدخل؛ ففي هذا الوقت (الألف) ريال يفرق كثيرًا في دخل الأسرة وهي تتخم بالكثير من المصروفات بين إيجار البيت ومصروفاته، وفواتير تقصم ظَهْر ميزانية أي أسرة متوسطة الدخل، فما بالكم بمحدودة الدخل؟! وماذا عن الأكل والشرب والعلاج والمدارس.. وانسوا الترفيه! وماذا عن النساء اللواتي يَعُلْنَ أسرهن؟ مطلقات وأرامل وبنات عزفن عن الزواج ليَعُلْنَ آباءهن (الشياب)، الذين انحنت ظهورهم، وهم معاقون، تيبست أطرافهم، وذهبت عقولهم.. من أين لهن أن يوفروا كل تلك المصاريف برواتب أصبحت بخسة جدًّا، لا تكفي عناء المواصلات؟
 
ليتكم سمعتموها وهي تصرخ منهارة، وكأنها فقدت عقلها؛ كيف لها أن تكافح متطلبات الأبناء والبنات ومصروفات البيت والأسرة كلها وهي حتى تصل إحدى بناتها للجامعة لا بد أن تنفق ربع دخلها؟! وهي وحيدة بلا زوج ولا سند.. خارت قواها، ولم تقوَ على المزيد من البكاء والشكوى؛ فصمتت وفي قلبها غصة وحسرة! فهل أقبلت تلك وأمثالها على العمل اليوم ككل يوم، أم تراخت رغبتهم في العمل؛ وبالتالي سيقلُّ إنتاجهم؛ وتتأثر أعمالهم؟
 
يا للتعاسة أيها الموظفون، وقد قَلَّ فيكم كل شيء، رواتبكم وتقديركم وسمعتكم، وهي تخدش عالميًّا بالادعاء أنكم كسالى، ولا يُعتمد على إتقانكم وإنتاجيتكم.. ولتذهب ظهور الكثير منكم التي انحنت فوق المكاتب للريح! ولتبحثوا عن تعويض ما لنظركم الذي ضعف بين حزم الأوراق وشاشات الحواسيب التي اقتص بدلها! وخوضوا المخاطر وحدكم.
 
أيها المبتلى في التقدير المنخفض لك، والتندر بعدم مبالاتك، وقد صبرت حتى جاء من يقص بعض رزقك! في الوقت الذي تنتظر أيها الموظف البائس تحفيزًا أكبر(ماديًّا ومعنويًّا)، يعينك على تقديم أفضل ما لديك؛ لتجد نفسك في خضم الأزمة، وتفيق على أن دخلك البسيط أحد الحلول لها!
 
الحقيقة أن الكل يفرح بسعة الرزق، وعدم الحاجة لأي أحد، وكل زيادة ستكون للبلد ولأهل البلد؛ فلا تلوموا أحدًا على تألمه وحسرته على نقص دخله الشهري (حتى لو لم يكن فقيرًا)؛ فلا أحد يسعد بالنقص ويتوقع الخسارة، بل الجميع يتمنى أن يخبئ لمستقبله وأولاده، ويعيش في رحابة وسعة، ويستمتع في وطنه الجميل بين أهله وذويه، ولا يضطر للهجرة إلى أرض الله الواسعة غريبًا بلا جذور ولا أهل!