"عيد اليحيى": لم أكن أملك الغداء.. ولمكالمة الملك عبدالله و"أخطر مكان" و"العجوز" وقائع!

قال في "لقاء الخميس" وبشراكة "سبق" إعلامياً: حفظتُ القرآن وضُربتُ وعملتُ مزارعاً

بعد أن قطع مُعِدّ ومقدم برنامج "على خطى العرب" الدكتور عيد بن حمد اليحيى، مسافة 24 ألف كيلومتر غطّت أنحاء المملكة لبضعة أشهر ليستدل على أطلال الشعراء العرب بالصوت والصورة، حَلّ الخميس الماضي ضيفاً على جمهور "لقاء الخميس للناجحين"، الذي أقيم على المسرح الرئيسي بمجمع الملك عبدالعزيز للاتصالات، بشراكة إعلامية من "سبق"؛ لينثر أمامهم تجربته الشخصية، ومعاناته، وكفاحه، والتحديات التي واجهها، وكيف تَغَلّب عليها في سبيل تحقيق أهدافه وآماله.

 

بداية صعبة جداً

واسترجع "اليحيى" -خلال ساعتين تقريباً- مواقف وأحداث نشأته في مدينته بريدة بالقصيم؛ مشيراً إلى أنه كان ينتمي لأسرة فقيرة؛ إلا أن ذلك لم يكن ليُضعف من عزيمته وولعه بالقراءة والاطلاع؛ مبيناً أنه لم يكن هناك أحد يشتري لهم الكتب، أو يوجههم لقراءتها؛ واصفاً بداياته في مدرسته "الصالحية" في بريدة بـ"الصعبة جداً".

 

أتذكر "العصا"

وعرّج، خلال حديثه عن تجربته الدراسية، على ضعف المناهج التعليمية؛ مطالباً بتحسين وسائل التربية والتعليم في السعودية، وقال: "لم تكن مناهجنا في تلك الفترة تعلّمنا ثقافتنا أو تاريخنا أو التهذيب العام، وكيف نقول شكراً؟ وكيف نفتح الباب لمن يأتي خلفنا؟ وكيف نحافظ على البيئة والحياة الفطرية؟ وكل ما أذكره أن المعلم يدخل الصف ومعه عصا!".

 

قرآن و"استغراب"

وطالَبَ بدراسة ثقافة الغرب وحياته الاجتماعية من خلال ما أسماه بعلم "الاستغراب"؛ وذلك بدلاً من دراسة علم "الاستشراق" الذي طبّق على العالم العربي ويقوم على التعميم والتبسيط ولغة القوة؛ مستذكراً جانباً مضيئاً من مرحلة الطفولة التي عاشها عندما قام والده بإلحاقه في عمر خمس سنوات بحلقات تحفيظ القرآن حتى أتمّ حفظ القرآن الكريم كاملاً في سن عشر سنوات، وكانت الدروس على فترتيْ الفجر والعصر طيلة أيام الأسبوع حتى الخميس والجمعة؛ فلم تكن هناك إجازة عام 1395هـ.

 

المراهقة والعقال

وكشف "اليحيى" عن حبه للقراءة وميله للثقافة في مراهقته؛ حيث قرأ كتب طه حسين ونجيب محفوظ والأدباء العرب بعد الثورة العربية وتأثيرات الاستعمار؛ مشيراً إلى أنه كان يحصل على تلك الكتب بصعوبة؛ مستعرضاً التحديات والصعوبات التي واجهها في بداياته بالقول: "واجهتُ ضغوطات شديدة في المعهد العلمي بسبب ارتدائي العقال في الصف الثالث الثانوي"؛ لافتاً إلى أنه في تلك الفترة لم يكن يلبس العقال في المعهد العلمي!

 

سفر ومصادرة

وزاد: "في مرحلة الدراسة الجامعية كنت أجمع المكأفاة وأسافر إلى القاهرة لشراء الكتب التي قد تصادر مني حين عودتي إلى المملكة؛ مع أنها كتب عادية، ثم ننتظر شهرين لاستخلاصها مرة أخرى من وزارة الأوقاف، بعد أن تُعرض على لجنة شرعية بالمطار".

 

أمامكم فرصة

وخاطَبَ الشباب بهذا الصدد قائلاً: "لديكم هذه الأيام فرص عظيمة للاطلاع والقراءة والثقافة لا تُقَدّر بثمن"، وأضاف: "في وقتنا كنا نجد صعوبات كبيرة في الحصول على الكتب، نجمع مكافآت الجامعة ونتسلف لنجمع مبلغ 1700 ريال لنسافر للقاهرة لنشتري 15 كتاباً، وهذا الكلام لم يكن قبل 20 سنة؛ وإنما عام 1996".

 

بعتُ سيارتي

وفي محطة الابتعاث والدراسة في الخارج التي شكّلت نقطة تحول في حياته، قال "اليحيى": "قبل أن أسافر للغرب كنا نمجّد الغرب، وكنا منبهرين بثقافته وتطوره؛ فقررت الحصول على بعثة دراسية عام 2000م لدراسة اللغة الإنجليزية، بعد أن أمضيت سنتين في التعليم في مدارس الحرس الوطني"؛ مستدركاً: "لكن كل محاولاتي للحصول على وظيفة في الملحقية الثقافية بلندن فشلت، واضطررت لبيع سيارتي الخاصة التي لم لكن أمتلك غيرها؛ ولكنني لم أيأس".

 

الرسوم بالكاد

وأضاف: "بعد مضيّ ثلاث سنوات من الاتصالات والتواصل مع المسؤولين، حصل لي في آخر لحظة تفريغ على حسابي الخاص، وكان لا يتجاوز راتبي 5600 ريال، وفي عام 2000م كان سعر الجنيه الإسترليني 8 ريالات؛ فكان هذا الراتب بالكاد يكفي لتسديد رسوم معهد اللغة، والأسرة التي كنت أسكن معها".

 

الغداء والعجوز

ويشرح "اليحيى" معاناته والتحديات التي وجدها أثناء دراسته وبعثته في بريطانيا؛ حيث أقسم قائلاً: "والله لم تكن تتوفر لديّ القدرة المالية لتناول وجبة الغداء في معهد اللغة؛ فكنت أكتفي بوجبة الفطور مع السيدة العجوز التي كنت أسكن معها؛ فكنت أعوض ذلك بالذهاب إلى المكتبة للجلوس فيها وقت الغداء لتلافي الإحراج مع زملائي السعوديين، ثم أذهب للمنزل مبكراً لأتناول وجبة العشاء المجانية".

 

مزارع واستدانة

واستدرك: "لكني تَعَلّمت بالكفاح والصعوبة اللغة الإنجليزية؛ لكوني خريج المعهد العلمي وكلية اللغة العربية"، وأضاف: "ثم جاءت مرحلة دراسة الماجستير، وواجهت صعوبات أخرى من أين لي دفع رسوم الجامعة 12 ألف جنيه إسترليني؛ فاضطررت عام 2001/ 2002 للعمل بيدي في إحدى المزارع في بريطانيا؛ نظراً لما أمتلكه من خبرات زراعية من القصيم؛ وذلك من أجل سداد قيمة الماجستير 55 ألفاً التي قمت باستدانتها من أحد الأشخاص.

 

النجاح ليس سهلاً

وشدد "اليحيى" على أن النجاح في الحياة ليس بالأمر السهل؛ فالله تعالى قد أكد ذلك بقوله {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}؛ فلا يتحقق النجاح إلا بالسعي، وهذه سنّة الحياة، والله تعالى يقول: {لقد خلقنا الإنسان في كبد}، ويقول عز وجل: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه}.

 

ساعي بريد

وتابع: "عانيت من عدة أمراض جسدية وأزمات نفسية في سبيل تحقيق طموحاتي وأهدافي، ولم أكن أتمكن من السفر وزيارة أهلي في القصيم إلا كل سنة ونصف؛ لعدم امتلاكي ثمن التذكرة"، وأضاف: "ومن أجل الصرف على دراستي في مرحلة الدكتوراه، قدّمت بالسفارة السعودية في لندن، وعملتُ كمتعاقد ساعي بريد لمدة ثلاث سنوات بدون مكتب، وكنت السعودي الوحيد الذي يعمل في هذه الوظيفة".

 

أخطر الأماكن

وتَطَرّق إلى أن ظروفه المادية الصعبة اضطرته إلى السكن في أحد أخطر الأماكن في لندن لمدة ستة أشهر؛ ليجاور متعاطي المخدرات والمتشردين؛ فكان يقرأ ورده القرآني صباحاً عندما يخرج، ويقرأ ورده القرآني مساء عندما يعود؛ مشيراً إلى أنه تعرض للضرب من بعض المراهقين؛ حتى إن الشرطة البريطانية لا تدخل إلى هذا الحي ولا تحميهم بسبب عدم دفعهم للضرائب!

 

عشت كما المستشرق

وأوضح "اليحيى"، أنه غاص في أعماق المجتمع الأوروبي والبريطاني، وعاش فيه كما يعيش المستشرقون لدينا؛ داعياً في هذا الصدد لدراسة المجتمعات في الغرب والشرق دراسة نقدية حقيقية، لا مجرد الاكتفاء بالدارسة النظرية في جامعاتهم؛ فهي علوم خرجت من بلادنا.. وربَط سر تفوق الغرب وتقدّمه بما يمتلكه من معرفة عميقة عن وطنه وقال: "وجدت لدى الغربيين عشقاً شديداً لأوطانهم ولتراثهم ولتاريخهم ولكتابهم، ولديهم إيجابية ويعرفون عن أوطانهم ثلاثة أشياء: أولاً: جغرافية بلادهم وجبالها وسهولها ومتاحفها وإعلامها، وثانياً: آثار بلادهم، وثالثاً: قصة الإنسان الذي عاش على أرضهم".

 

اعتزاز المشردين

وأشار إلى أن هذه المعرفة بأركانها الثلاثة تولّد لدى الإنسان سعادة وطنية؛ فيشعر أنه ينتمي لبلد عظيم، وأن كل إنسان أو نبات أو جماد يعيش على أرض بلادهم له قيمة، وهذه السعادة الوطنية تولّد لديه الإيجابية، والتي بدورها تؤدي إلى المواطنة الصالحة.

 

وذكر "اليحيى" قائلاً: "حتى المشردون في أوروبا وأمريكا يرفضون الحديث بشكل سلبي عن بلادهم؛ برغم ما يعانونه من فقر وتشرد؛ بل يُظهرون اعتزازهم بأوطانهم".

 

أكبر نسبة آثار

واستغرب "اليحيى" برغم أننا مجتمع محافظ مسلم؛ إلا أنه تنقصنا الإيجابية، ونفتقد إلى السعادة الوطنية في حياتنا؛ والدليل هو ما تشهده شوارعنا من وقوع 25 حالة وفاة يومياً، إضافة إلى عدم الإخلاص في العمل، وقلة الإنتاجية والكفاءة والإنجاز؛ مؤكداً في هذا الصدد، حاجتنا لهذه المعرفة التي تتولاها الدولة من خلال المناهج التعليمية والإعلام؛ مشيراً إلى أننا جميعاً نجهل أننا نمتلك أكبر نسبة آثار في العالم كماً ونوعاً موجودة في الجزيرة العربية.

 

مكالمة الملك عبدالله

وكشف عن الصعوبة التي واجهها في برنامجه "على خطى العرب"؛ حيث قدّم مشروع الأركان الثلاثة للمعرفة الوطنية؛ إلا أنه في البداية رُفض من عدة جهات إعلامية، وفي آخر المطاف "قمت بتسجيل أولى حلقات البرنامج بكاميرتي الشخصية، وقمت بوضعها في قناتي باليوتيوب"، وكشف أن الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- كان متابعاً جيداً لحلقات برنامجه، وكان يشاهدها في رحلاته إلى روضة خريم، وقد هاتفه ذات مرة موصياً إياه أن يحث الشباب على الاشتراك معه؛ داعياً الجميع لمعرفة وتطبيق الأركان الثلاثة وهي: (معرفة جغرافية، وآثار، وتاريخ الإنسان في بلادنا)؛ لتقودنا إلى المواطنة الصالحة.

 

غياب الثلاثية

وفي نهاية اللقاء أتيحت الفرصة للمداخلات والنقاش بين "اليحيى" وحضور لقاء الخميس الذي أقيم بالمسرح الرئيسي بمجمع الملك عبدالعزيز للاتصالات بالمرسلات بالرياض، وفي رده على سؤال "سبق"، أكد "اليحيى" أن ما تعانيه اليوم الدول العربية من صراعات هو بسبب غياب ثلاثية المعرفة بأوطانهم؛ موضحاً أن معرفة وتطبيق أركان المعرفة الثلاثة عن الوطن تُشبع البطولة لدى الإنسان والشباب، ومع إشباع العقول والنفوس بتاريخ العرب تختفي الفئوية والقبلية والمذهبية؛ مشدداً على ضرورة أن يعامل الإنسان الوطن كما يعامل بيته وأسرته، ونشر هذه الثقافة في التعليم والإعلام.

 

"الرؤية 30"

وعن الرؤية السعودية 2030، أكد "اليحيى"، أنها لا تقوم إلا على الإنسان (رجالاً ونساء)؛ داعياً الدولة لتبنى نشر ثقافة الأركان الثلاثة لمفهوم السعادة الوطنية: "المعرفة بتاريخنا وتراثنا وأنفسنا"؛ حيث قام أمين عام "لقاء الخميس للناجحين" منصور البطي، في نهاية اللقاء، بتكريم "اليحيى"، ثم التُقطت الصور التذكارية مع الحضور.

 

مفهوم السعادة

يُذكر أن "اليحيى"، يُعَد أول باحث ومفكر على مستوى العالم، أظهر أن هناك ثلاثة عناصر أساسية تقوم عليها الدولة الوطنية الحقيقية، وكيف أن الدولة عندما تتبنى هذه العناصر الثلاثة، ثقافياً، وتربوياً، وفنياً، داخل المجتمع؛ مما يؤدي ذلك إلى التطبيق العملي لمفهوم السعادة الوطنية، التي تجعل كل فرد من أفراد المجتمع إيجابياً تجاه وطنه، ولغته، وتاريخه، وهذا أساس مفهوم الهوية الوطنية في الأمن الفكري والاقتصادي لأي مجتمع متقدم، والعناصر الثلاثة هي: تعريف المجتمع بأنثروبولوجيا وطنه، وإركيولوجيا وطنه، وجيولوجيا وطنه نظرياً وتطبيقياً.

 

اعلان
"عيد اليحيى": لم أكن أملك الغداء.. ولمكالمة الملك عبدالله و"أخطر مكان" و"العجوز" وقائع!
سبق

بعد أن قطع مُعِدّ ومقدم برنامج "على خطى العرب" الدكتور عيد بن حمد اليحيى، مسافة 24 ألف كيلومتر غطّت أنحاء المملكة لبضعة أشهر ليستدل على أطلال الشعراء العرب بالصوت والصورة، حَلّ الخميس الماضي ضيفاً على جمهور "لقاء الخميس للناجحين"، الذي أقيم على المسرح الرئيسي بمجمع الملك عبدالعزيز للاتصالات، بشراكة إعلامية من "سبق"؛ لينثر أمامهم تجربته الشخصية، ومعاناته، وكفاحه، والتحديات التي واجهها، وكيف تَغَلّب عليها في سبيل تحقيق أهدافه وآماله.

 

بداية صعبة جداً

واسترجع "اليحيى" -خلال ساعتين تقريباً- مواقف وأحداث نشأته في مدينته بريدة بالقصيم؛ مشيراً إلى أنه كان ينتمي لأسرة فقيرة؛ إلا أن ذلك لم يكن ليُضعف من عزيمته وولعه بالقراءة والاطلاع؛ مبيناً أنه لم يكن هناك أحد يشتري لهم الكتب، أو يوجههم لقراءتها؛ واصفاً بداياته في مدرسته "الصالحية" في بريدة بـ"الصعبة جداً".

 

أتذكر "العصا"

وعرّج، خلال حديثه عن تجربته الدراسية، على ضعف المناهج التعليمية؛ مطالباً بتحسين وسائل التربية والتعليم في السعودية، وقال: "لم تكن مناهجنا في تلك الفترة تعلّمنا ثقافتنا أو تاريخنا أو التهذيب العام، وكيف نقول شكراً؟ وكيف نفتح الباب لمن يأتي خلفنا؟ وكيف نحافظ على البيئة والحياة الفطرية؟ وكل ما أذكره أن المعلم يدخل الصف ومعه عصا!".

 

قرآن و"استغراب"

وطالَبَ بدراسة ثقافة الغرب وحياته الاجتماعية من خلال ما أسماه بعلم "الاستغراب"؛ وذلك بدلاً من دراسة علم "الاستشراق" الذي طبّق على العالم العربي ويقوم على التعميم والتبسيط ولغة القوة؛ مستذكراً جانباً مضيئاً من مرحلة الطفولة التي عاشها عندما قام والده بإلحاقه في عمر خمس سنوات بحلقات تحفيظ القرآن حتى أتمّ حفظ القرآن الكريم كاملاً في سن عشر سنوات، وكانت الدروس على فترتيْ الفجر والعصر طيلة أيام الأسبوع حتى الخميس والجمعة؛ فلم تكن هناك إجازة عام 1395هـ.

 

المراهقة والعقال

وكشف "اليحيى" عن حبه للقراءة وميله للثقافة في مراهقته؛ حيث قرأ كتب طه حسين ونجيب محفوظ والأدباء العرب بعد الثورة العربية وتأثيرات الاستعمار؛ مشيراً إلى أنه كان يحصل على تلك الكتب بصعوبة؛ مستعرضاً التحديات والصعوبات التي واجهها في بداياته بالقول: "واجهتُ ضغوطات شديدة في المعهد العلمي بسبب ارتدائي العقال في الصف الثالث الثانوي"؛ لافتاً إلى أنه في تلك الفترة لم يكن يلبس العقال في المعهد العلمي!

 

سفر ومصادرة

وزاد: "في مرحلة الدراسة الجامعية كنت أجمع المكأفاة وأسافر إلى القاهرة لشراء الكتب التي قد تصادر مني حين عودتي إلى المملكة؛ مع أنها كتب عادية، ثم ننتظر شهرين لاستخلاصها مرة أخرى من وزارة الأوقاف، بعد أن تُعرض على لجنة شرعية بالمطار".

 

أمامكم فرصة

وخاطَبَ الشباب بهذا الصدد قائلاً: "لديكم هذه الأيام فرص عظيمة للاطلاع والقراءة والثقافة لا تُقَدّر بثمن"، وأضاف: "في وقتنا كنا نجد صعوبات كبيرة في الحصول على الكتب، نجمع مكافآت الجامعة ونتسلف لنجمع مبلغ 1700 ريال لنسافر للقاهرة لنشتري 15 كتاباً، وهذا الكلام لم يكن قبل 20 سنة؛ وإنما عام 1996".

 

بعتُ سيارتي

وفي محطة الابتعاث والدراسة في الخارج التي شكّلت نقطة تحول في حياته، قال "اليحيى": "قبل أن أسافر للغرب كنا نمجّد الغرب، وكنا منبهرين بثقافته وتطوره؛ فقررت الحصول على بعثة دراسية عام 2000م لدراسة اللغة الإنجليزية، بعد أن أمضيت سنتين في التعليم في مدارس الحرس الوطني"؛ مستدركاً: "لكن كل محاولاتي للحصول على وظيفة في الملحقية الثقافية بلندن فشلت، واضطررت لبيع سيارتي الخاصة التي لم لكن أمتلك غيرها؛ ولكنني لم أيأس".

 

الرسوم بالكاد

وأضاف: "بعد مضيّ ثلاث سنوات من الاتصالات والتواصل مع المسؤولين، حصل لي في آخر لحظة تفريغ على حسابي الخاص، وكان لا يتجاوز راتبي 5600 ريال، وفي عام 2000م كان سعر الجنيه الإسترليني 8 ريالات؛ فكان هذا الراتب بالكاد يكفي لتسديد رسوم معهد اللغة، والأسرة التي كنت أسكن معها".

 

الغداء والعجوز

ويشرح "اليحيى" معاناته والتحديات التي وجدها أثناء دراسته وبعثته في بريطانيا؛ حيث أقسم قائلاً: "والله لم تكن تتوفر لديّ القدرة المالية لتناول وجبة الغداء في معهد اللغة؛ فكنت أكتفي بوجبة الفطور مع السيدة العجوز التي كنت أسكن معها؛ فكنت أعوض ذلك بالذهاب إلى المكتبة للجلوس فيها وقت الغداء لتلافي الإحراج مع زملائي السعوديين، ثم أذهب للمنزل مبكراً لأتناول وجبة العشاء المجانية".

 

مزارع واستدانة

واستدرك: "لكني تَعَلّمت بالكفاح والصعوبة اللغة الإنجليزية؛ لكوني خريج المعهد العلمي وكلية اللغة العربية"، وأضاف: "ثم جاءت مرحلة دراسة الماجستير، وواجهت صعوبات أخرى من أين لي دفع رسوم الجامعة 12 ألف جنيه إسترليني؛ فاضطررت عام 2001/ 2002 للعمل بيدي في إحدى المزارع في بريطانيا؛ نظراً لما أمتلكه من خبرات زراعية من القصيم؛ وذلك من أجل سداد قيمة الماجستير 55 ألفاً التي قمت باستدانتها من أحد الأشخاص.

 

النجاح ليس سهلاً

وشدد "اليحيى" على أن النجاح في الحياة ليس بالأمر السهل؛ فالله تعالى قد أكد ذلك بقوله {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}؛ فلا يتحقق النجاح إلا بالسعي، وهذه سنّة الحياة، والله تعالى يقول: {لقد خلقنا الإنسان في كبد}، ويقول عز وجل: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه}.

 

ساعي بريد

وتابع: "عانيت من عدة أمراض جسدية وأزمات نفسية في سبيل تحقيق طموحاتي وأهدافي، ولم أكن أتمكن من السفر وزيارة أهلي في القصيم إلا كل سنة ونصف؛ لعدم امتلاكي ثمن التذكرة"، وأضاف: "ومن أجل الصرف على دراستي في مرحلة الدكتوراه، قدّمت بالسفارة السعودية في لندن، وعملتُ كمتعاقد ساعي بريد لمدة ثلاث سنوات بدون مكتب، وكنت السعودي الوحيد الذي يعمل في هذه الوظيفة".

 

أخطر الأماكن

وتَطَرّق إلى أن ظروفه المادية الصعبة اضطرته إلى السكن في أحد أخطر الأماكن في لندن لمدة ستة أشهر؛ ليجاور متعاطي المخدرات والمتشردين؛ فكان يقرأ ورده القرآني صباحاً عندما يخرج، ويقرأ ورده القرآني مساء عندما يعود؛ مشيراً إلى أنه تعرض للضرب من بعض المراهقين؛ حتى إن الشرطة البريطانية لا تدخل إلى هذا الحي ولا تحميهم بسبب عدم دفعهم للضرائب!

 

عشت كما المستشرق

وأوضح "اليحيى"، أنه غاص في أعماق المجتمع الأوروبي والبريطاني، وعاش فيه كما يعيش المستشرقون لدينا؛ داعياً في هذا الصدد لدراسة المجتمعات في الغرب والشرق دراسة نقدية حقيقية، لا مجرد الاكتفاء بالدارسة النظرية في جامعاتهم؛ فهي علوم خرجت من بلادنا.. وربَط سر تفوق الغرب وتقدّمه بما يمتلكه من معرفة عميقة عن وطنه وقال: "وجدت لدى الغربيين عشقاً شديداً لأوطانهم ولتراثهم ولتاريخهم ولكتابهم، ولديهم إيجابية ويعرفون عن أوطانهم ثلاثة أشياء: أولاً: جغرافية بلادهم وجبالها وسهولها ومتاحفها وإعلامها، وثانياً: آثار بلادهم، وثالثاً: قصة الإنسان الذي عاش على أرضهم".

 

اعتزاز المشردين

وأشار إلى أن هذه المعرفة بأركانها الثلاثة تولّد لدى الإنسان سعادة وطنية؛ فيشعر أنه ينتمي لبلد عظيم، وأن كل إنسان أو نبات أو جماد يعيش على أرض بلادهم له قيمة، وهذه السعادة الوطنية تولّد لديه الإيجابية، والتي بدورها تؤدي إلى المواطنة الصالحة.

 

وذكر "اليحيى" قائلاً: "حتى المشردون في أوروبا وأمريكا يرفضون الحديث بشكل سلبي عن بلادهم؛ برغم ما يعانونه من فقر وتشرد؛ بل يُظهرون اعتزازهم بأوطانهم".

 

أكبر نسبة آثار

واستغرب "اليحيى" برغم أننا مجتمع محافظ مسلم؛ إلا أنه تنقصنا الإيجابية، ونفتقد إلى السعادة الوطنية في حياتنا؛ والدليل هو ما تشهده شوارعنا من وقوع 25 حالة وفاة يومياً، إضافة إلى عدم الإخلاص في العمل، وقلة الإنتاجية والكفاءة والإنجاز؛ مؤكداً في هذا الصدد، حاجتنا لهذه المعرفة التي تتولاها الدولة من خلال المناهج التعليمية والإعلام؛ مشيراً إلى أننا جميعاً نجهل أننا نمتلك أكبر نسبة آثار في العالم كماً ونوعاً موجودة في الجزيرة العربية.

 

مكالمة الملك عبدالله

وكشف عن الصعوبة التي واجهها في برنامجه "على خطى العرب"؛ حيث قدّم مشروع الأركان الثلاثة للمعرفة الوطنية؛ إلا أنه في البداية رُفض من عدة جهات إعلامية، وفي آخر المطاف "قمت بتسجيل أولى حلقات البرنامج بكاميرتي الشخصية، وقمت بوضعها في قناتي باليوتيوب"، وكشف أن الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- كان متابعاً جيداً لحلقات برنامجه، وكان يشاهدها في رحلاته إلى روضة خريم، وقد هاتفه ذات مرة موصياً إياه أن يحث الشباب على الاشتراك معه؛ داعياً الجميع لمعرفة وتطبيق الأركان الثلاثة وهي: (معرفة جغرافية، وآثار، وتاريخ الإنسان في بلادنا)؛ لتقودنا إلى المواطنة الصالحة.

 

غياب الثلاثية

وفي نهاية اللقاء أتيحت الفرصة للمداخلات والنقاش بين "اليحيى" وحضور لقاء الخميس الذي أقيم بالمسرح الرئيسي بمجمع الملك عبدالعزيز للاتصالات بالمرسلات بالرياض، وفي رده على سؤال "سبق"، أكد "اليحيى" أن ما تعانيه اليوم الدول العربية من صراعات هو بسبب غياب ثلاثية المعرفة بأوطانهم؛ موضحاً أن معرفة وتطبيق أركان المعرفة الثلاثة عن الوطن تُشبع البطولة لدى الإنسان والشباب، ومع إشباع العقول والنفوس بتاريخ العرب تختفي الفئوية والقبلية والمذهبية؛ مشدداً على ضرورة أن يعامل الإنسان الوطن كما يعامل بيته وأسرته، ونشر هذه الثقافة في التعليم والإعلام.

 

"الرؤية 30"

وعن الرؤية السعودية 2030، أكد "اليحيى"، أنها لا تقوم إلا على الإنسان (رجالاً ونساء)؛ داعياً الدولة لتبنى نشر ثقافة الأركان الثلاثة لمفهوم السعادة الوطنية: "المعرفة بتاريخنا وتراثنا وأنفسنا"؛ حيث قام أمين عام "لقاء الخميس للناجحين" منصور البطي، في نهاية اللقاء، بتكريم "اليحيى"، ثم التُقطت الصور التذكارية مع الحضور.

 

مفهوم السعادة

يُذكر أن "اليحيى"، يُعَد أول باحث ومفكر على مستوى العالم، أظهر أن هناك ثلاثة عناصر أساسية تقوم عليها الدولة الوطنية الحقيقية، وكيف أن الدولة عندما تتبنى هذه العناصر الثلاثة، ثقافياً، وتربوياً، وفنياً، داخل المجتمع؛ مما يؤدي ذلك إلى التطبيق العملي لمفهوم السعادة الوطنية، التي تجعل كل فرد من أفراد المجتمع إيجابياً تجاه وطنه، ولغته، وتاريخه، وهذا أساس مفهوم الهوية الوطنية في الأمن الفكري والاقتصادي لأي مجتمع متقدم، والعناصر الثلاثة هي: تعريف المجتمع بأنثروبولوجيا وطنه، وإركيولوجيا وطنه، وجيولوجيا وطنه نظرياً وتطبيقياً.

 

29 مايو 2016 - 22 شعبان 1437
12:02 PM

قال في "لقاء الخميس" وبشراكة "سبق" إعلامياً: حفظتُ القرآن وضُربتُ وعملتُ مزارعاً

"عيد اليحيى": لم أكن أملك الغداء.. ولمكالمة الملك عبدالله و"أخطر مكان" و"العجوز" وقائع!

A A A
10
33,449

بعد أن قطع مُعِدّ ومقدم برنامج "على خطى العرب" الدكتور عيد بن حمد اليحيى، مسافة 24 ألف كيلومتر غطّت أنحاء المملكة لبضعة أشهر ليستدل على أطلال الشعراء العرب بالصوت والصورة، حَلّ الخميس الماضي ضيفاً على جمهور "لقاء الخميس للناجحين"، الذي أقيم على المسرح الرئيسي بمجمع الملك عبدالعزيز للاتصالات، بشراكة إعلامية من "سبق"؛ لينثر أمامهم تجربته الشخصية، ومعاناته، وكفاحه، والتحديات التي واجهها، وكيف تَغَلّب عليها في سبيل تحقيق أهدافه وآماله.

 

بداية صعبة جداً

واسترجع "اليحيى" -خلال ساعتين تقريباً- مواقف وأحداث نشأته في مدينته بريدة بالقصيم؛ مشيراً إلى أنه كان ينتمي لأسرة فقيرة؛ إلا أن ذلك لم يكن ليُضعف من عزيمته وولعه بالقراءة والاطلاع؛ مبيناً أنه لم يكن هناك أحد يشتري لهم الكتب، أو يوجههم لقراءتها؛ واصفاً بداياته في مدرسته "الصالحية" في بريدة بـ"الصعبة جداً".

 

أتذكر "العصا"

وعرّج، خلال حديثه عن تجربته الدراسية، على ضعف المناهج التعليمية؛ مطالباً بتحسين وسائل التربية والتعليم في السعودية، وقال: "لم تكن مناهجنا في تلك الفترة تعلّمنا ثقافتنا أو تاريخنا أو التهذيب العام، وكيف نقول شكراً؟ وكيف نفتح الباب لمن يأتي خلفنا؟ وكيف نحافظ على البيئة والحياة الفطرية؟ وكل ما أذكره أن المعلم يدخل الصف ومعه عصا!".

 

قرآن و"استغراب"

وطالَبَ بدراسة ثقافة الغرب وحياته الاجتماعية من خلال ما أسماه بعلم "الاستغراب"؛ وذلك بدلاً من دراسة علم "الاستشراق" الذي طبّق على العالم العربي ويقوم على التعميم والتبسيط ولغة القوة؛ مستذكراً جانباً مضيئاً من مرحلة الطفولة التي عاشها عندما قام والده بإلحاقه في عمر خمس سنوات بحلقات تحفيظ القرآن حتى أتمّ حفظ القرآن الكريم كاملاً في سن عشر سنوات، وكانت الدروس على فترتيْ الفجر والعصر طيلة أيام الأسبوع حتى الخميس والجمعة؛ فلم تكن هناك إجازة عام 1395هـ.

 

المراهقة والعقال

وكشف "اليحيى" عن حبه للقراءة وميله للثقافة في مراهقته؛ حيث قرأ كتب طه حسين ونجيب محفوظ والأدباء العرب بعد الثورة العربية وتأثيرات الاستعمار؛ مشيراً إلى أنه كان يحصل على تلك الكتب بصعوبة؛ مستعرضاً التحديات والصعوبات التي واجهها في بداياته بالقول: "واجهتُ ضغوطات شديدة في المعهد العلمي بسبب ارتدائي العقال في الصف الثالث الثانوي"؛ لافتاً إلى أنه في تلك الفترة لم يكن يلبس العقال في المعهد العلمي!

 

سفر ومصادرة

وزاد: "في مرحلة الدراسة الجامعية كنت أجمع المكأفاة وأسافر إلى القاهرة لشراء الكتب التي قد تصادر مني حين عودتي إلى المملكة؛ مع أنها كتب عادية، ثم ننتظر شهرين لاستخلاصها مرة أخرى من وزارة الأوقاف، بعد أن تُعرض على لجنة شرعية بالمطار".

 

أمامكم فرصة

وخاطَبَ الشباب بهذا الصدد قائلاً: "لديكم هذه الأيام فرص عظيمة للاطلاع والقراءة والثقافة لا تُقَدّر بثمن"، وأضاف: "في وقتنا كنا نجد صعوبات كبيرة في الحصول على الكتب، نجمع مكافآت الجامعة ونتسلف لنجمع مبلغ 1700 ريال لنسافر للقاهرة لنشتري 15 كتاباً، وهذا الكلام لم يكن قبل 20 سنة؛ وإنما عام 1996".

 

بعتُ سيارتي

وفي محطة الابتعاث والدراسة في الخارج التي شكّلت نقطة تحول في حياته، قال "اليحيى": "قبل أن أسافر للغرب كنا نمجّد الغرب، وكنا منبهرين بثقافته وتطوره؛ فقررت الحصول على بعثة دراسية عام 2000م لدراسة اللغة الإنجليزية، بعد أن أمضيت سنتين في التعليم في مدارس الحرس الوطني"؛ مستدركاً: "لكن كل محاولاتي للحصول على وظيفة في الملحقية الثقافية بلندن فشلت، واضطررت لبيع سيارتي الخاصة التي لم لكن أمتلك غيرها؛ ولكنني لم أيأس".

 

الرسوم بالكاد

وأضاف: "بعد مضيّ ثلاث سنوات من الاتصالات والتواصل مع المسؤولين، حصل لي في آخر لحظة تفريغ على حسابي الخاص، وكان لا يتجاوز راتبي 5600 ريال، وفي عام 2000م كان سعر الجنيه الإسترليني 8 ريالات؛ فكان هذا الراتب بالكاد يكفي لتسديد رسوم معهد اللغة، والأسرة التي كنت أسكن معها".

 

الغداء والعجوز

ويشرح "اليحيى" معاناته والتحديات التي وجدها أثناء دراسته وبعثته في بريطانيا؛ حيث أقسم قائلاً: "والله لم تكن تتوفر لديّ القدرة المالية لتناول وجبة الغداء في معهد اللغة؛ فكنت أكتفي بوجبة الفطور مع السيدة العجوز التي كنت أسكن معها؛ فكنت أعوض ذلك بالذهاب إلى المكتبة للجلوس فيها وقت الغداء لتلافي الإحراج مع زملائي السعوديين، ثم أذهب للمنزل مبكراً لأتناول وجبة العشاء المجانية".

 

مزارع واستدانة

واستدرك: "لكني تَعَلّمت بالكفاح والصعوبة اللغة الإنجليزية؛ لكوني خريج المعهد العلمي وكلية اللغة العربية"، وأضاف: "ثم جاءت مرحلة دراسة الماجستير، وواجهت صعوبات أخرى من أين لي دفع رسوم الجامعة 12 ألف جنيه إسترليني؛ فاضطررت عام 2001/ 2002 للعمل بيدي في إحدى المزارع في بريطانيا؛ نظراً لما أمتلكه من خبرات زراعية من القصيم؛ وذلك من أجل سداد قيمة الماجستير 55 ألفاً التي قمت باستدانتها من أحد الأشخاص.

 

النجاح ليس سهلاً

وشدد "اليحيى" على أن النجاح في الحياة ليس بالأمر السهل؛ فالله تعالى قد أكد ذلك بقوله {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}؛ فلا يتحقق النجاح إلا بالسعي، وهذه سنّة الحياة، والله تعالى يقول: {لقد خلقنا الإنسان في كبد}، ويقول عز وجل: {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه}.

 

ساعي بريد

وتابع: "عانيت من عدة أمراض جسدية وأزمات نفسية في سبيل تحقيق طموحاتي وأهدافي، ولم أكن أتمكن من السفر وزيارة أهلي في القصيم إلا كل سنة ونصف؛ لعدم امتلاكي ثمن التذكرة"، وأضاف: "ومن أجل الصرف على دراستي في مرحلة الدكتوراه، قدّمت بالسفارة السعودية في لندن، وعملتُ كمتعاقد ساعي بريد لمدة ثلاث سنوات بدون مكتب، وكنت السعودي الوحيد الذي يعمل في هذه الوظيفة".

 

أخطر الأماكن

وتَطَرّق إلى أن ظروفه المادية الصعبة اضطرته إلى السكن في أحد أخطر الأماكن في لندن لمدة ستة أشهر؛ ليجاور متعاطي المخدرات والمتشردين؛ فكان يقرأ ورده القرآني صباحاً عندما يخرج، ويقرأ ورده القرآني مساء عندما يعود؛ مشيراً إلى أنه تعرض للضرب من بعض المراهقين؛ حتى إن الشرطة البريطانية لا تدخل إلى هذا الحي ولا تحميهم بسبب عدم دفعهم للضرائب!

 

عشت كما المستشرق

وأوضح "اليحيى"، أنه غاص في أعماق المجتمع الأوروبي والبريطاني، وعاش فيه كما يعيش المستشرقون لدينا؛ داعياً في هذا الصدد لدراسة المجتمعات في الغرب والشرق دراسة نقدية حقيقية، لا مجرد الاكتفاء بالدارسة النظرية في جامعاتهم؛ فهي علوم خرجت من بلادنا.. وربَط سر تفوق الغرب وتقدّمه بما يمتلكه من معرفة عميقة عن وطنه وقال: "وجدت لدى الغربيين عشقاً شديداً لأوطانهم ولتراثهم ولتاريخهم ولكتابهم، ولديهم إيجابية ويعرفون عن أوطانهم ثلاثة أشياء: أولاً: جغرافية بلادهم وجبالها وسهولها ومتاحفها وإعلامها، وثانياً: آثار بلادهم، وثالثاً: قصة الإنسان الذي عاش على أرضهم".

 

اعتزاز المشردين

وأشار إلى أن هذه المعرفة بأركانها الثلاثة تولّد لدى الإنسان سعادة وطنية؛ فيشعر أنه ينتمي لبلد عظيم، وأن كل إنسان أو نبات أو جماد يعيش على أرض بلادهم له قيمة، وهذه السعادة الوطنية تولّد لديه الإيجابية، والتي بدورها تؤدي إلى المواطنة الصالحة.

 

وذكر "اليحيى" قائلاً: "حتى المشردون في أوروبا وأمريكا يرفضون الحديث بشكل سلبي عن بلادهم؛ برغم ما يعانونه من فقر وتشرد؛ بل يُظهرون اعتزازهم بأوطانهم".

 

أكبر نسبة آثار

واستغرب "اليحيى" برغم أننا مجتمع محافظ مسلم؛ إلا أنه تنقصنا الإيجابية، ونفتقد إلى السعادة الوطنية في حياتنا؛ والدليل هو ما تشهده شوارعنا من وقوع 25 حالة وفاة يومياً، إضافة إلى عدم الإخلاص في العمل، وقلة الإنتاجية والكفاءة والإنجاز؛ مؤكداً في هذا الصدد، حاجتنا لهذه المعرفة التي تتولاها الدولة من خلال المناهج التعليمية والإعلام؛ مشيراً إلى أننا جميعاً نجهل أننا نمتلك أكبر نسبة آثار في العالم كماً ونوعاً موجودة في الجزيرة العربية.

 

مكالمة الملك عبدالله

وكشف عن الصعوبة التي واجهها في برنامجه "على خطى العرب"؛ حيث قدّم مشروع الأركان الثلاثة للمعرفة الوطنية؛ إلا أنه في البداية رُفض من عدة جهات إعلامية، وفي آخر المطاف "قمت بتسجيل أولى حلقات البرنامج بكاميرتي الشخصية، وقمت بوضعها في قناتي باليوتيوب"، وكشف أن الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رحمه الله- كان متابعاً جيداً لحلقات برنامجه، وكان يشاهدها في رحلاته إلى روضة خريم، وقد هاتفه ذات مرة موصياً إياه أن يحث الشباب على الاشتراك معه؛ داعياً الجميع لمعرفة وتطبيق الأركان الثلاثة وهي: (معرفة جغرافية، وآثار، وتاريخ الإنسان في بلادنا)؛ لتقودنا إلى المواطنة الصالحة.

 

غياب الثلاثية

وفي نهاية اللقاء أتيحت الفرصة للمداخلات والنقاش بين "اليحيى" وحضور لقاء الخميس الذي أقيم بالمسرح الرئيسي بمجمع الملك عبدالعزيز للاتصالات بالمرسلات بالرياض، وفي رده على سؤال "سبق"، أكد "اليحيى" أن ما تعانيه اليوم الدول العربية من صراعات هو بسبب غياب ثلاثية المعرفة بأوطانهم؛ موضحاً أن معرفة وتطبيق أركان المعرفة الثلاثة عن الوطن تُشبع البطولة لدى الإنسان والشباب، ومع إشباع العقول والنفوس بتاريخ العرب تختفي الفئوية والقبلية والمذهبية؛ مشدداً على ضرورة أن يعامل الإنسان الوطن كما يعامل بيته وأسرته، ونشر هذه الثقافة في التعليم والإعلام.

 

"الرؤية 30"

وعن الرؤية السعودية 2030، أكد "اليحيى"، أنها لا تقوم إلا على الإنسان (رجالاً ونساء)؛ داعياً الدولة لتبنى نشر ثقافة الأركان الثلاثة لمفهوم السعادة الوطنية: "المعرفة بتاريخنا وتراثنا وأنفسنا"؛ حيث قام أمين عام "لقاء الخميس للناجحين" منصور البطي، في نهاية اللقاء، بتكريم "اليحيى"، ثم التُقطت الصور التذكارية مع الحضور.

 

مفهوم السعادة

يُذكر أن "اليحيى"، يُعَد أول باحث ومفكر على مستوى العالم، أظهر أن هناك ثلاثة عناصر أساسية تقوم عليها الدولة الوطنية الحقيقية، وكيف أن الدولة عندما تتبنى هذه العناصر الثلاثة، ثقافياً، وتربوياً، وفنياً، داخل المجتمع؛ مما يؤدي ذلك إلى التطبيق العملي لمفهوم السعادة الوطنية، التي تجعل كل فرد من أفراد المجتمع إيجابياً تجاه وطنه، ولغته، وتاريخه، وهذا أساس مفهوم الهوية الوطنية في الأمن الفكري والاقتصادي لأي مجتمع متقدم، والعناصر الثلاثة هي: تعريف المجتمع بأنثروبولوجيا وطنه، وإركيولوجيا وطنه، وجيولوجيا وطنه نظرياً وتطبيقياً.