إلى وزير التعليم الجديد.. كيف ومتى مدارسنا تبني المعرفة؟

هذه المقالة ستطرح تساؤلات أكثر مما تطرح إجابات، في الوقت الذي تتنامى فيه وتيرة الحياة في كل الجوانب، الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعلمية، وفي الوقت الذي أصبحت فيه الثانية زمنًا طويلاً مقارنة بالفيمتوثانية، بحسب ما توصل إليه أحمد زويل ورفاقه، وفي الوقت الذي لم نعد نصاب فيه بدهشة الاختراعات والابتكارات المتوالية، بدءًا بأجهزة الحاسوب وصولاً إلى الطائرة، ونلحظ أننا ما زلنا نكرس في تعليمنا على الدرجة الأقل في سلم "بلوم": الحفظ "التلقين". إذن، نحن إزاء مشكلة تعليمية وتربوية كبيرة جدًّا؛ فالعالم من حولنا يتغير، يتطور ويتنامى.. ومدارسنا ما زالت تمارس الأساليب ذاتها التي كنا نحن نمارسها قبل سنوات مضت. أين الخلل؟ سؤال ينبثق من حشاشة الضمير.

أظن أن التربية والتعليم هما الأس الذي تقوم عليه حضارة الأمم، ونعرف موقف التحدي الذي أعلنته الولايات المتحدة ساعة رؤيتها روسيا وهي تطلق قمرها الصناعي، وعزت السبب إلى ضعف التعليم، وخصوصًا في مادتَي العلوم والرياضيات، وجاء برنامجها التعليمي والتربوي. وبعد عقد من الزمن أطلقت صاروخًا وأقمارًا، وملأت السماء فيما بعد.

يقول المثل الصيني "علمني كيف أصطاد سمكة، ولا تطعمني كل يوم سمكة"، حتى لو كانت من نوع الناجل؛ ففي الجانب الأول يتعلم الطالب ممارسة، أما في الجانب الآخر يصاب بالكسل، والخمول، وجمود العقل، وترهل البطن. أما النظرية البنائية فهي تتجاوز هذا المفهوم.. ويمكن إعادة صياغة المثل بأن نقول "دعني أتعلم كيف أصطاد سمكة"؛ فالتعليم الأول هو أسلوب يصطاد بالسنارة، أما التعليم البنائي فيترك فضاء إبداعيًّا واسعًا للتعلم.

الله سبحان وتعالى أعطى الإنسان هذا العقل؛ ليفكر، ويتدبر، ويتأمل، وينظر إلى مخلوقاته..

اللهُ منح الإنسان هذه الجوهرة "العقل" ليتفكر. هنا يقع العبء على رجال التربية والتعليم في اختيار أساليب التعليم والتعلم الفاعلة.

يمكن أن نصعد بالطالب إلى المستويات العليا من هرم "بلوم". وهذا الاتجاه المنطقي والصحيح، لا لنهبط به إلى مستوى التلقين والحفظ..

يكفي تلقينًا!! فقد اهترأت الذاكرة.. ولم تعد قادرة على الحفظ.. الحفظ..

ضرورة انتهاج نظريات تربوية حديثة، أبرزها النظرية البنائية.

ماذا تقول النظرية؟ الطالب يبني معلوماته داخليًّا متأثرًا بالبيئة المحيطة به، وبالمجتمع، واللغة.. ولكل طالب طريقة وخصوصية في فهم المعلومة، ليس بالضرورة أن تكون كما يريد المعلم، أو أن تتشابه مع زميله الطالب.

الطالب يبني معرفته بنفسه من خلال مروره بخبرات كثيرة، تؤدي إلى بناء المعرفة الذاتية في عقله.. أي نمط المعرفة يعتمد على الشخص ذاته.

هنا نستطيع القول إن الطالب تعلم شيئًا، وأصبح قادرًا على استخدام هذه المعلومة في حياته، أو توليد معرفة جديدة؛ فيصبح الطالب منتجًا لا مستهلكًا.

نخلص إلى نقطة مهمة.. هي:

المتعلم يتحمل مسؤولية عملية التعلم؛ فهو العنصر الأساس في تلك العملية، ونشاطه يوجَّه ذاتيًّا بشكل ينسجم مع إمكانياته وميوله وخبراته.

إذن النظرية البنائية تقوم على افتراضين، هما:

1- أن المعرفة لا تكتسب بطريقة سلبية نقلاً عن الآخرين، ولكن يتم بناؤها بطريقة نشطة من خلال الفرد الواعي، ولا تنقل على شكل طرد بريدي إلى عقولنا؛ فانه لا ينبغي لنا أن نضع الأفكار في عقول التلاميذ، إنما يجب أن يبنوا معارفهم بأنفسهم.

الافتراض الثاني: وظيفة العملية المعرفية هي التكيف مع تنظيم العالم التجريبي.

كل ذلك يدعونا إلى فهم دور المعلم.

المعلم يصبح دوره هو التوجيه والإرشاد، وطرح القضايا العامة دون التدخل في جزئياتها. الطالب يقوم بالتحليل والتعرف على جزئياتها ومعطياتها، ومن ثم استنتاج العلاقات، وتركيب بنية معرفية قائمة بذاتها؛ فالمعلم يجعل المفاهيم الموجودة عند الطالب واضحة، ينظم بيئة التعلم، يوفر أدوات التعلم، ويشارك في إدارة التعلم وتقويمه. المعلم يعد مصدرًا احتياطيًّا للمعلومات إذا لزم الأمر.

نصل إلى نقطة في ظني ذات قيمة عالية جدًّا، ومؤثرة، تتمثل في التطبيق الجيد لطرائق التدريس الحديثة التي تجعل الطالب محورًا نشطًا وأساسيًّا في العملية التعليمية والتربوية.

كنموذج مكارتي "العجوز الأمريكية" حين صنفت المتعلمين إلى أربعة أنماط: نمط لماذا "التخيلي"، نمط ماذا "التحليلي"، نمط كيف "التجريبي" ونمط ماذا إذن "الديناميكي".

أعود إلى ما استهللته في بداية المقالة بكوني أطرح تساؤلات..

- ما هو الدور الذي ينبغي أن يقوم به المعلم، مدير المدرسة، المشرف التربوي وكذلك الطالب؟

اعلان
إلى وزير التعليم الجديد.. كيف ومتى مدارسنا تبني المعرفة؟
سبق

هذه المقالة ستطرح تساؤلات أكثر مما تطرح إجابات، في الوقت الذي تتنامى فيه وتيرة الحياة في كل الجوانب، الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعلمية، وفي الوقت الذي أصبحت فيه الثانية زمنًا طويلاً مقارنة بالفيمتوثانية، بحسب ما توصل إليه أحمد زويل ورفاقه، وفي الوقت الذي لم نعد نصاب فيه بدهشة الاختراعات والابتكارات المتوالية، بدءًا بأجهزة الحاسوب وصولاً إلى الطائرة، ونلحظ أننا ما زلنا نكرس في تعليمنا على الدرجة الأقل في سلم "بلوم": الحفظ "التلقين". إذن، نحن إزاء مشكلة تعليمية وتربوية كبيرة جدًّا؛ فالعالم من حولنا يتغير، يتطور ويتنامى.. ومدارسنا ما زالت تمارس الأساليب ذاتها التي كنا نحن نمارسها قبل سنوات مضت. أين الخلل؟ سؤال ينبثق من حشاشة الضمير.

أظن أن التربية والتعليم هما الأس الذي تقوم عليه حضارة الأمم، ونعرف موقف التحدي الذي أعلنته الولايات المتحدة ساعة رؤيتها روسيا وهي تطلق قمرها الصناعي، وعزت السبب إلى ضعف التعليم، وخصوصًا في مادتَي العلوم والرياضيات، وجاء برنامجها التعليمي والتربوي. وبعد عقد من الزمن أطلقت صاروخًا وأقمارًا، وملأت السماء فيما بعد.

يقول المثل الصيني "علمني كيف أصطاد سمكة، ولا تطعمني كل يوم سمكة"، حتى لو كانت من نوع الناجل؛ ففي الجانب الأول يتعلم الطالب ممارسة، أما في الجانب الآخر يصاب بالكسل، والخمول، وجمود العقل، وترهل البطن. أما النظرية البنائية فهي تتجاوز هذا المفهوم.. ويمكن إعادة صياغة المثل بأن نقول "دعني أتعلم كيف أصطاد سمكة"؛ فالتعليم الأول هو أسلوب يصطاد بالسنارة، أما التعليم البنائي فيترك فضاء إبداعيًّا واسعًا للتعلم.

الله سبحان وتعالى أعطى الإنسان هذا العقل؛ ليفكر، ويتدبر، ويتأمل، وينظر إلى مخلوقاته..

اللهُ منح الإنسان هذه الجوهرة "العقل" ليتفكر. هنا يقع العبء على رجال التربية والتعليم في اختيار أساليب التعليم والتعلم الفاعلة.

يمكن أن نصعد بالطالب إلى المستويات العليا من هرم "بلوم". وهذا الاتجاه المنطقي والصحيح، لا لنهبط به إلى مستوى التلقين والحفظ..

يكفي تلقينًا!! فقد اهترأت الذاكرة.. ولم تعد قادرة على الحفظ.. الحفظ..

ضرورة انتهاج نظريات تربوية حديثة، أبرزها النظرية البنائية.

ماذا تقول النظرية؟ الطالب يبني معلوماته داخليًّا متأثرًا بالبيئة المحيطة به، وبالمجتمع، واللغة.. ولكل طالب طريقة وخصوصية في فهم المعلومة، ليس بالضرورة أن تكون كما يريد المعلم، أو أن تتشابه مع زميله الطالب.

الطالب يبني معرفته بنفسه من خلال مروره بخبرات كثيرة، تؤدي إلى بناء المعرفة الذاتية في عقله.. أي نمط المعرفة يعتمد على الشخص ذاته.

هنا نستطيع القول إن الطالب تعلم شيئًا، وأصبح قادرًا على استخدام هذه المعلومة في حياته، أو توليد معرفة جديدة؛ فيصبح الطالب منتجًا لا مستهلكًا.

نخلص إلى نقطة مهمة.. هي:

المتعلم يتحمل مسؤولية عملية التعلم؛ فهو العنصر الأساس في تلك العملية، ونشاطه يوجَّه ذاتيًّا بشكل ينسجم مع إمكانياته وميوله وخبراته.

إذن النظرية البنائية تقوم على افتراضين، هما:

1- أن المعرفة لا تكتسب بطريقة سلبية نقلاً عن الآخرين، ولكن يتم بناؤها بطريقة نشطة من خلال الفرد الواعي، ولا تنقل على شكل طرد بريدي إلى عقولنا؛ فانه لا ينبغي لنا أن نضع الأفكار في عقول التلاميذ، إنما يجب أن يبنوا معارفهم بأنفسهم.

الافتراض الثاني: وظيفة العملية المعرفية هي التكيف مع تنظيم العالم التجريبي.

كل ذلك يدعونا إلى فهم دور المعلم.

المعلم يصبح دوره هو التوجيه والإرشاد، وطرح القضايا العامة دون التدخل في جزئياتها. الطالب يقوم بالتحليل والتعرف على جزئياتها ومعطياتها، ومن ثم استنتاج العلاقات، وتركيب بنية معرفية قائمة بذاتها؛ فالمعلم يجعل المفاهيم الموجودة عند الطالب واضحة، ينظم بيئة التعلم، يوفر أدوات التعلم، ويشارك في إدارة التعلم وتقويمه. المعلم يعد مصدرًا احتياطيًّا للمعلومات إذا لزم الأمر.

نصل إلى نقطة في ظني ذات قيمة عالية جدًّا، ومؤثرة، تتمثل في التطبيق الجيد لطرائق التدريس الحديثة التي تجعل الطالب محورًا نشطًا وأساسيًّا في العملية التعليمية والتربوية.

كنموذج مكارتي "العجوز الأمريكية" حين صنفت المتعلمين إلى أربعة أنماط: نمط لماذا "التخيلي"، نمط ماذا "التحليلي"، نمط كيف "التجريبي" ونمط ماذا إذن "الديناميكي".

أعود إلى ما استهللته في بداية المقالة بكوني أطرح تساؤلات..

- ما هو الدور الذي ينبغي أن يقوم به المعلم، مدير المدرسة، المشرف التربوي وكذلك الطالب؟

06 يناير 2019 - 30 ربيع الآخر 1440
10:24 PM

إلى وزير التعليم الجديد.. كيف ومتى مدارسنا تبني المعرفة؟

جمعان الكرت - الرياض
A A A
2
1,116

هذه المقالة ستطرح تساؤلات أكثر مما تطرح إجابات، في الوقت الذي تتنامى فيه وتيرة الحياة في كل الجوانب، الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعلمية، وفي الوقت الذي أصبحت فيه الثانية زمنًا طويلاً مقارنة بالفيمتوثانية، بحسب ما توصل إليه أحمد زويل ورفاقه، وفي الوقت الذي لم نعد نصاب فيه بدهشة الاختراعات والابتكارات المتوالية، بدءًا بأجهزة الحاسوب وصولاً إلى الطائرة، ونلحظ أننا ما زلنا نكرس في تعليمنا على الدرجة الأقل في سلم "بلوم": الحفظ "التلقين". إذن، نحن إزاء مشكلة تعليمية وتربوية كبيرة جدًّا؛ فالعالم من حولنا يتغير، يتطور ويتنامى.. ومدارسنا ما زالت تمارس الأساليب ذاتها التي كنا نحن نمارسها قبل سنوات مضت. أين الخلل؟ سؤال ينبثق من حشاشة الضمير.

أظن أن التربية والتعليم هما الأس الذي تقوم عليه حضارة الأمم، ونعرف موقف التحدي الذي أعلنته الولايات المتحدة ساعة رؤيتها روسيا وهي تطلق قمرها الصناعي، وعزت السبب إلى ضعف التعليم، وخصوصًا في مادتَي العلوم والرياضيات، وجاء برنامجها التعليمي والتربوي. وبعد عقد من الزمن أطلقت صاروخًا وأقمارًا، وملأت السماء فيما بعد.

يقول المثل الصيني "علمني كيف أصطاد سمكة، ولا تطعمني كل يوم سمكة"، حتى لو كانت من نوع الناجل؛ ففي الجانب الأول يتعلم الطالب ممارسة، أما في الجانب الآخر يصاب بالكسل، والخمول، وجمود العقل، وترهل البطن. أما النظرية البنائية فهي تتجاوز هذا المفهوم.. ويمكن إعادة صياغة المثل بأن نقول "دعني أتعلم كيف أصطاد سمكة"؛ فالتعليم الأول هو أسلوب يصطاد بالسنارة، أما التعليم البنائي فيترك فضاء إبداعيًّا واسعًا للتعلم.

الله سبحان وتعالى أعطى الإنسان هذا العقل؛ ليفكر، ويتدبر، ويتأمل، وينظر إلى مخلوقاته..

اللهُ منح الإنسان هذه الجوهرة "العقل" ليتفكر. هنا يقع العبء على رجال التربية والتعليم في اختيار أساليب التعليم والتعلم الفاعلة.

يمكن أن نصعد بالطالب إلى المستويات العليا من هرم "بلوم". وهذا الاتجاه المنطقي والصحيح، لا لنهبط به إلى مستوى التلقين والحفظ..

يكفي تلقينًا!! فقد اهترأت الذاكرة.. ولم تعد قادرة على الحفظ.. الحفظ..

ضرورة انتهاج نظريات تربوية حديثة، أبرزها النظرية البنائية.

ماذا تقول النظرية؟ الطالب يبني معلوماته داخليًّا متأثرًا بالبيئة المحيطة به، وبالمجتمع، واللغة.. ولكل طالب طريقة وخصوصية في فهم المعلومة، ليس بالضرورة أن تكون كما يريد المعلم، أو أن تتشابه مع زميله الطالب.

الطالب يبني معرفته بنفسه من خلال مروره بخبرات كثيرة، تؤدي إلى بناء المعرفة الذاتية في عقله.. أي نمط المعرفة يعتمد على الشخص ذاته.

هنا نستطيع القول إن الطالب تعلم شيئًا، وأصبح قادرًا على استخدام هذه المعلومة في حياته، أو توليد معرفة جديدة؛ فيصبح الطالب منتجًا لا مستهلكًا.

نخلص إلى نقطة مهمة.. هي:

المتعلم يتحمل مسؤولية عملية التعلم؛ فهو العنصر الأساس في تلك العملية، ونشاطه يوجَّه ذاتيًّا بشكل ينسجم مع إمكانياته وميوله وخبراته.

إذن النظرية البنائية تقوم على افتراضين، هما:

1- أن المعرفة لا تكتسب بطريقة سلبية نقلاً عن الآخرين، ولكن يتم بناؤها بطريقة نشطة من خلال الفرد الواعي، ولا تنقل على شكل طرد بريدي إلى عقولنا؛ فانه لا ينبغي لنا أن نضع الأفكار في عقول التلاميذ، إنما يجب أن يبنوا معارفهم بأنفسهم.

الافتراض الثاني: وظيفة العملية المعرفية هي التكيف مع تنظيم العالم التجريبي.

كل ذلك يدعونا إلى فهم دور المعلم.

المعلم يصبح دوره هو التوجيه والإرشاد، وطرح القضايا العامة دون التدخل في جزئياتها. الطالب يقوم بالتحليل والتعرف على جزئياتها ومعطياتها، ومن ثم استنتاج العلاقات، وتركيب بنية معرفية قائمة بذاتها؛ فالمعلم يجعل المفاهيم الموجودة عند الطالب واضحة، ينظم بيئة التعلم، يوفر أدوات التعلم، ويشارك في إدارة التعلم وتقويمه. المعلم يعد مصدرًا احتياطيًّا للمعلومات إذا لزم الأمر.

نصل إلى نقطة في ظني ذات قيمة عالية جدًّا، ومؤثرة، تتمثل في التطبيق الجيد لطرائق التدريس الحديثة التي تجعل الطالب محورًا نشطًا وأساسيًّا في العملية التعليمية والتربوية.

كنموذج مكارتي "العجوز الأمريكية" حين صنفت المتعلمين إلى أربعة أنماط: نمط لماذا "التخيلي"، نمط ماذا "التحليلي"، نمط كيف "التجريبي" ونمط ماذا إذن "الديناميكي".

أعود إلى ما استهللته في بداية المقالة بكوني أطرح تساؤلات..

- ما هو الدور الذي ينبغي أن يقوم به المعلم، مدير المدرسة، المشرف التربوي وكذلك الطالب؟