هكذا واجه المسلمون "فرسان وفيلة" 150 ألف مقاتل فارسي في معركة "البويب"

"المثنى" غيّر خطة القتال وقاد هجومًا شرسًا ومركَّزًا بأسلوب الصاعقة

تواصل "سبق" سرد تقارير عن المعارك الإسلامية الفاصلة التي لا يعلمها الكثيرون. واليوم ننشر ما حدث في معركة "البويب".

خاض المسلمون معارك طاحنة هائلة في مواجهة الفرس، وكلها متقاربة في التوقيت، وكتب الله النصر للمسلمين، حتى جاء يوم (الجسر) بعد أن تغيرت القيادة، وأصبح القائد الجديد هو (أبو عبيدة الثقفي) الذي حقق انتصارات عدة حتى وقع في خطأ عسكري كبير أثناء معركة الجسر، أدى لهزيمة المسلمين لأول مرة أمام الفرس، واستُشهد الثقفي، وتولى المثنى بن حارثة القيادة.

لم يبقَ مع القائد المثنى سوى ثلاثة آلاف مقاتل، وأمر خليفة المسلمين عمر بن الخطاب بتجميع قبيلة "بجيلة" بناء على طلب سيدهم الصحابي الجليل جرير بن عبدالله البجلي، وصارت تلك القبيلة عماد الجيوش الإسلامية بالعراق؛ وبذلك استطاع الخليفة عمر بن الخطاب أن يسد الفراغ الناشئ بعد الهزيمة الطارئة بمعركة الجسر.

بعد معركة الجسر وهزيمة المسلمين خرج قائدان من أكبر قادة الفرس، هما "جابان" و"مرادنشاه"، للتنزه على ظهور الخيل فرحًا بانتصارهم على المسلمين.

نُقل خبر خروجهما للقائد المثنى الذي قرر توجيه ضربة موجعة للفرس؛ فقاد المثنى مجموعة مختارة من فرسانه للقيام بعملية سريعة، واستطاع أسر القائدَين؛ فكانت ضربة موجعة للفرس.

بعد هذه العملية قرر قائد الجيوش الفارسية "رستم" التجهيز والتحضير لجيش لم يشهد التاريخ مثله؛ فحشد جيشًا جديدًا، فيه أقوى الأسلحة الفارسية، وسلاح الفرسان، وجعل على قيادته القائد مهران بن باذان الذي يعبد النار. وأبوه "باذان" من جملة الصحابة، وكان عاملاً لكسرى على اليمن، ودخل في الإسلام بعدما تيقن من نبوة الرسول – صلى الله عليه وسلم -، وأبلى في حروب الردة بلاء حسنًا حتى استُشهد مسلمًا؛ فكان هذا القائد الجديد مهران يوصف تاريخيًّا بالكافر ابن المؤمن.

وتكوّن الجيش من مائة ألف فارس، وخمسين ألفًا من المشاة، يقودهم أمهر القادة الفرس مهران بن باذان مدعومًا من القيادة الملكية الفارسية، وموعودًا بأعظم المكافآت والإقطاعات في حالة النصر على المسلمين.

كان القائد المثنى بن حارثة من أمهر وأقدر وأخبر القادة المسلمين بالعقلية الفارسية والبيئة العراقية؛ لأنه من قبيلة شيبان المجاورة للفرس؛ فهو يعلم تمامًا كيف يفكر الفرس؛ فقرر نقل مركز القيادة من الحيرة إلى منطقة البويب غرب نهر الفرات؛ حتى لا يصبح صيدًا سهلاً للجيش الفارسي.

بدأ اللقاء الدامي بين جيش الفرس الذي يُقدَّر بـ150 ألفًا من الفرسان والمشاة، جاؤوا في أفضل تسليح، وجيش المسلمين المكون من 12 ألفًا من المقاتلين الأشداء.

تهيأ الفرس للهجوم، وبدؤوا بالزجل وهمهمات وأصوات عالية، فلما سمعهم المثنى بن حارثة قال لجنوده إن الذي تسمعون فشل فالزموا الصمت، وائتمروا همسًا. وكان للقائد المثنى فرس شموس لا يركبها غيره، وكان لا يركبها إلا عند القتال، فاستوى على ظهرها رغم جراحه الشديدة التي ما زال يعاني منها من معركة الجسر.

استعد الفريقان لبدء المعركة بالبويب، وكانت تعليمات المثنى بن حارثة ألا يهجم المسلمون إلا بعد ثلاث تكبيرات، ولكنه ما إن كبر التكبيرة الأولى حتى هجم الفرس بكل قوتهم، وعاجلوا المسلمين في ثلاث صفوف ضخمة، ومعهم سلاح الفيلة. وتوازنت الكفتان أول الأمر، والمثنى يجول على فرسه الشموس، يراقب سير المعركة، ويشد أزر المسلمين في القتال.

خالط المسلمون الفرس، والتحم القلبان، واشتد القتال بصورة لم يرَ المسلمون والفرس مثلها.

ولما رأى المسلمون أخا المثنى قد استُشهد تضعضعوا؛ فنادى فيهم المثنى بأعلى صوته "يا معشر المسلمين، لا يرعكم مصرع أخي؛ فإن مصارع خياركم هكذا".

رأى المثنى أن أمر القتال سيطول، وأن الفرس يقاتلون بمنتهى الضراوة والشدة؛ فقرر تغيير خطة القتال. وبالفعل قاد هجومًا شرسًا ومركزًا بأسلوب الصاعقة المفزع، وقاد مجموعة من أفضل وأمهر فرسان المسلمين، وضغطوا على قلب جيش الفرس بمنتهى القوة حتى زُحزح إلى ناحية اليمين، ثم واصل المسلمون ضغطهم حتى أجبروا القلب على التراجع للخلف، ثم دب الوهن في نفوس وحدات القطاع الأوسط فتراجعت هي الأخرى عن مواقعها.

وقُتل قائد الفرس، وعلا الصوت بقتل القائد؛ وانهارت معنويات الفرس رغم المقاومة الشديدة من جانبهم إلا أن ضغط المسلمين على جوانب الجيش الفارسي دفعهم في النهاية للفرار من أرض المعركة بعد أن انفصلت ميمنة الفرس عن ميسرتها بهجمات المسلمين السريعة حتى تمت هزيمة الجيش الفارسي، وصار أقصى همهم أن ينجوا بحياتهم من هذه المعركة.

فلما رأى القائد المثنى هزيمة الفرس انطلق كالسهم مخترقًا صفوف الفرس المنهزمة حتى وصل إلى الجسر، وقام بقطعه؛ ليقطع خط الرجعة على الفرس. وبالفعل وقع الفرس بين ضغط المسلمين والنهر، وقُتل منهم أكثر من مائة ألف، واستمر المسلمون في أعمال مطاردة فلول المنهزمين من الفرس يومًا وليلة.

كان هذا الانتصار الرائع في البويب من أعظم الفتوحات والانتصارات التي حققها المسلمون في العراق، وقد فاقوا فيها كل الانتصارات السابقة. ولولا معركة القادسية لكانت معركة البويب هي أشهر وأعظم معارك المسلمين بالعراق.

اعلان
هكذا واجه المسلمون "فرسان وفيلة" 150 ألف مقاتل فارسي في معركة "البويب"
سبق

تواصل "سبق" سرد تقارير عن المعارك الإسلامية الفاصلة التي لا يعلمها الكثيرون. واليوم ننشر ما حدث في معركة "البويب".

خاض المسلمون معارك طاحنة هائلة في مواجهة الفرس، وكلها متقاربة في التوقيت، وكتب الله النصر للمسلمين، حتى جاء يوم (الجسر) بعد أن تغيرت القيادة، وأصبح القائد الجديد هو (أبو عبيدة الثقفي) الذي حقق انتصارات عدة حتى وقع في خطأ عسكري كبير أثناء معركة الجسر، أدى لهزيمة المسلمين لأول مرة أمام الفرس، واستُشهد الثقفي، وتولى المثنى بن حارثة القيادة.

لم يبقَ مع القائد المثنى سوى ثلاثة آلاف مقاتل، وأمر خليفة المسلمين عمر بن الخطاب بتجميع قبيلة "بجيلة" بناء على طلب سيدهم الصحابي الجليل جرير بن عبدالله البجلي، وصارت تلك القبيلة عماد الجيوش الإسلامية بالعراق؛ وبذلك استطاع الخليفة عمر بن الخطاب أن يسد الفراغ الناشئ بعد الهزيمة الطارئة بمعركة الجسر.

بعد معركة الجسر وهزيمة المسلمين خرج قائدان من أكبر قادة الفرس، هما "جابان" و"مرادنشاه"، للتنزه على ظهور الخيل فرحًا بانتصارهم على المسلمين.

نُقل خبر خروجهما للقائد المثنى الذي قرر توجيه ضربة موجعة للفرس؛ فقاد المثنى مجموعة مختارة من فرسانه للقيام بعملية سريعة، واستطاع أسر القائدَين؛ فكانت ضربة موجعة للفرس.

بعد هذه العملية قرر قائد الجيوش الفارسية "رستم" التجهيز والتحضير لجيش لم يشهد التاريخ مثله؛ فحشد جيشًا جديدًا، فيه أقوى الأسلحة الفارسية، وسلاح الفرسان، وجعل على قيادته القائد مهران بن باذان الذي يعبد النار. وأبوه "باذان" من جملة الصحابة، وكان عاملاً لكسرى على اليمن، ودخل في الإسلام بعدما تيقن من نبوة الرسول – صلى الله عليه وسلم -، وأبلى في حروب الردة بلاء حسنًا حتى استُشهد مسلمًا؛ فكان هذا القائد الجديد مهران يوصف تاريخيًّا بالكافر ابن المؤمن.

وتكوّن الجيش من مائة ألف فارس، وخمسين ألفًا من المشاة، يقودهم أمهر القادة الفرس مهران بن باذان مدعومًا من القيادة الملكية الفارسية، وموعودًا بأعظم المكافآت والإقطاعات في حالة النصر على المسلمين.

كان القائد المثنى بن حارثة من أمهر وأقدر وأخبر القادة المسلمين بالعقلية الفارسية والبيئة العراقية؛ لأنه من قبيلة شيبان المجاورة للفرس؛ فهو يعلم تمامًا كيف يفكر الفرس؛ فقرر نقل مركز القيادة من الحيرة إلى منطقة البويب غرب نهر الفرات؛ حتى لا يصبح صيدًا سهلاً للجيش الفارسي.

بدأ اللقاء الدامي بين جيش الفرس الذي يُقدَّر بـ150 ألفًا من الفرسان والمشاة، جاؤوا في أفضل تسليح، وجيش المسلمين المكون من 12 ألفًا من المقاتلين الأشداء.

تهيأ الفرس للهجوم، وبدؤوا بالزجل وهمهمات وأصوات عالية، فلما سمعهم المثنى بن حارثة قال لجنوده إن الذي تسمعون فشل فالزموا الصمت، وائتمروا همسًا. وكان للقائد المثنى فرس شموس لا يركبها غيره، وكان لا يركبها إلا عند القتال، فاستوى على ظهرها رغم جراحه الشديدة التي ما زال يعاني منها من معركة الجسر.

استعد الفريقان لبدء المعركة بالبويب، وكانت تعليمات المثنى بن حارثة ألا يهجم المسلمون إلا بعد ثلاث تكبيرات، ولكنه ما إن كبر التكبيرة الأولى حتى هجم الفرس بكل قوتهم، وعاجلوا المسلمين في ثلاث صفوف ضخمة، ومعهم سلاح الفيلة. وتوازنت الكفتان أول الأمر، والمثنى يجول على فرسه الشموس، يراقب سير المعركة، ويشد أزر المسلمين في القتال.

خالط المسلمون الفرس، والتحم القلبان، واشتد القتال بصورة لم يرَ المسلمون والفرس مثلها.

ولما رأى المسلمون أخا المثنى قد استُشهد تضعضعوا؛ فنادى فيهم المثنى بأعلى صوته "يا معشر المسلمين، لا يرعكم مصرع أخي؛ فإن مصارع خياركم هكذا".

رأى المثنى أن أمر القتال سيطول، وأن الفرس يقاتلون بمنتهى الضراوة والشدة؛ فقرر تغيير خطة القتال. وبالفعل قاد هجومًا شرسًا ومركزًا بأسلوب الصاعقة المفزع، وقاد مجموعة من أفضل وأمهر فرسان المسلمين، وضغطوا على قلب جيش الفرس بمنتهى القوة حتى زُحزح إلى ناحية اليمين، ثم واصل المسلمون ضغطهم حتى أجبروا القلب على التراجع للخلف، ثم دب الوهن في نفوس وحدات القطاع الأوسط فتراجعت هي الأخرى عن مواقعها.

وقُتل قائد الفرس، وعلا الصوت بقتل القائد؛ وانهارت معنويات الفرس رغم المقاومة الشديدة من جانبهم إلا أن ضغط المسلمين على جوانب الجيش الفارسي دفعهم في النهاية للفرار من أرض المعركة بعد أن انفصلت ميمنة الفرس عن ميسرتها بهجمات المسلمين السريعة حتى تمت هزيمة الجيش الفارسي، وصار أقصى همهم أن ينجوا بحياتهم من هذه المعركة.

فلما رأى القائد المثنى هزيمة الفرس انطلق كالسهم مخترقًا صفوف الفرس المنهزمة حتى وصل إلى الجسر، وقام بقطعه؛ ليقطع خط الرجعة على الفرس. وبالفعل وقع الفرس بين ضغط المسلمين والنهر، وقُتل منهم أكثر من مائة ألف، واستمر المسلمون في أعمال مطاردة فلول المنهزمين من الفرس يومًا وليلة.

كان هذا الانتصار الرائع في البويب من أعظم الفتوحات والانتصارات التي حققها المسلمون في العراق، وقد فاقوا فيها كل الانتصارات السابقة. ولولا معركة القادسية لكانت معركة البويب هي أشهر وأعظم معارك المسلمين بالعراق.

29 إبريل 2021 - 17 رمضان 1442
01:30 AM

هكذا واجه المسلمون "فرسان وفيلة" 150 ألف مقاتل فارسي في معركة "البويب"

"المثنى" غيّر خطة القتال وقاد هجومًا شرسًا ومركَّزًا بأسلوب الصاعقة

A A A
5
10,905

تواصل "سبق" سرد تقارير عن المعارك الإسلامية الفاصلة التي لا يعلمها الكثيرون. واليوم ننشر ما حدث في معركة "البويب".

خاض المسلمون معارك طاحنة هائلة في مواجهة الفرس، وكلها متقاربة في التوقيت، وكتب الله النصر للمسلمين، حتى جاء يوم (الجسر) بعد أن تغيرت القيادة، وأصبح القائد الجديد هو (أبو عبيدة الثقفي) الذي حقق انتصارات عدة حتى وقع في خطأ عسكري كبير أثناء معركة الجسر، أدى لهزيمة المسلمين لأول مرة أمام الفرس، واستُشهد الثقفي، وتولى المثنى بن حارثة القيادة.

لم يبقَ مع القائد المثنى سوى ثلاثة آلاف مقاتل، وأمر خليفة المسلمين عمر بن الخطاب بتجميع قبيلة "بجيلة" بناء على طلب سيدهم الصحابي الجليل جرير بن عبدالله البجلي، وصارت تلك القبيلة عماد الجيوش الإسلامية بالعراق؛ وبذلك استطاع الخليفة عمر بن الخطاب أن يسد الفراغ الناشئ بعد الهزيمة الطارئة بمعركة الجسر.

بعد معركة الجسر وهزيمة المسلمين خرج قائدان من أكبر قادة الفرس، هما "جابان" و"مرادنشاه"، للتنزه على ظهور الخيل فرحًا بانتصارهم على المسلمين.

نُقل خبر خروجهما للقائد المثنى الذي قرر توجيه ضربة موجعة للفرس؛ فقاد المثنى مجموعة مختارة من فرسانه للقيام بعملية سريعة، واستطاع أسر القائدَين؛ فكانت ضربة موجعة للفرس.

بعد هذه العملية قرر قائد الجيوش الفارسية "رستم" التجهيز والتحضير لجيش لم يشهد التاريخ مثله؛ فحشد جيشًا جديدًا، فيه أقوى الأسلحة الفارسية، وسلاح الفرسان، وجعل على قيادته القائد مهران بن باذان الذي يعبد النار. وأبوه "باذان" من جملة الصحابة، وكان عاملاً لكسرى على اليمن، ودخل في الإسلام بعدما تيقن من نبوة الرسول – صلى الله عليه وسلم -، وأبلى في حروب الردة بلاء حسنًا حتى استُشهد مسلمًا؛ فكان هذا القائد الجديد مهران يوصف تاريخيًّا بالكافر ابن المؤمن.

وتكوّن الجيش من مائة ألف فارس، وخمسين ألفًا من المشاة، يقودهم أمهر القادة الفرس مهران بن باذان مدعومًا من القيادة الملكية الفارسية، وموعودًا بأعظم المكافآت والإقطاعات في حالة النصر على المسلمين.

كان القائد المثنى بن حارثة من أمهر وأقدر وأخبر القادة المسلمين بالعقلية الفارسية والبيئة العراقية؛ لأنه من قبيلة شيبان المجاورة للفرس؛ فهو يعلم تمامًا كيف يفكر الفرس؛ فقرر نقل مركز القيادة من الحيرة إلى منطقة البويب غرب نهر الفرات؛ حتى لا يصبح صيدًا سهلاً للجيش الفارسي.

بدأ اللقاء الدامي بين جيش الفرس الذي يُقدَّر بـ150 ألفًا من الفرسان والمشاة، جاؤوا في أفضل تسليح، وجيش المسلمين المكون من 12 ألفًا من المقاتلين الأشداء.

تهيأ الفرس للهجوم، وبدؤوا بالزجل وهمهمات وأصوات عالية، فلما سمعهم المثنى بن حارثة قال لجنوده إن الذي تسمعون فشل فالزموا الصمت، وائتمروا همسًا. وكان للقائد المثنى فرس شموس لا يركبها غيره، وكان لا يركبها إلا عند القتال، فاستوى على ظهرها رغم جراحه الشديدة التي ما زال يعاني منها من معركة الجسر.

استعد الفريقان لبدء المعركة بالبويب، وكانت تعليمات المثنى بن حارثة ألا يهجم المسلمون إلا بعد ثلاث تكبيرات، ولكنه ما إن كبر التكبيرة الأولى حتى هجم الفرس بكل قوتهم، وعاجلوا المسلمين في ثلاث صفوف ضخمة، ومعهم سلاح الفيلة. وتوازنت الكفتان أول الأمر، والمثنى يجول على فرسه الشموس، يراقب سير المعركة، ويشد أزر المسلمين في القتال.

خالط المسلمون الفرس، والتحم القلبان، واشتد القتال بصورة لم يرَ المسلمون والفرس مثلها.

ولما رأى المسلمون أخا المثنى قد استُشهد تضعضعوا؛ فنادى فيهم المثنى بأعلى صوته "يا معشر المسلمين، لا يرعكم مصرع أخي؛ فإن مصارع خياركم هكذا".

رأى المثنى أن أمر القتال سيطول، وأن الفرس يقاتلون بمنتهى الضراوة والشدة؛ فقرر تغيير خطة القتال. وبالفعل قاد هجومًا شرسًا ومركزًا بأسلوب الصاعقة المفزع، وقاد مجموعة من أفضل وأمهر فرسان المسلمين، وضغطوا على قلب جيش الفرس بمنتهى القوة حتى زُحزح إلى ناحية اليمين، ثم واصل المسلمون ضغطهم حتى أجبروا القلب على التراجع للخلف، ثم دب الوهن في نفوس وحدات القطاع الأوسط فتراجعت هي الأخرى عن مواقعها.

وقُتل قائد الفرس، وعلا الصوت بقتل القائد؛ وانهارت معنويات الفرس رغم المقاومة الشديدة من جانبهم إلا أن ضغط المسلمين على جوانب الجيش الفارسي دفعهم في النهاية للفرار من أرض المعركة بعد أن انفصلت ميمنة الفرس عن ميسرتها بهجمات المسلمين السريعة حتى تمت هزيمة الجيش الفارسي، وصار أقصى همهم أن ينجوا بحياتهم من هذه المعركة.

فلما رأى القائد المثنى هزيمة الفرس انطلق كالسهم مخترقًا صفوف الفرس المنهزمة حتى وصل إلى الجسر، وقام بقطعه؛ ليقطع خط الرجعة على الفرس. وبالفعل وقع الفرس بين ضغط المسلمين والنهر، وقُتل منهم أكثر من مائة ألف، واستمر المسلمون في أعمال مطاردة فلول المنهزمين من الفرس يومًا وليلة.

كان هذا الانتصار الرائع في البويب من أعظم الفتوحات والانتصارات التي حققها المسلمون في العراق، وقد فاقوا فيها كل الانتصارات السابقة. ولولا معركة القادسية لكانت معركة البويب هي أشهر وأعظم معارك المسلمين بالعراق.