العيد والمرح والتغيير

لا تسير وقائع حياة الناس على نسقٍ واحد، ولا تدور أحداثها بوتيرة واحدة، فحياتنا تتقلب أيامها ولياليها بين رخاءٍ وشدة، ويسرٍ وعسر، ولأن التغيير سنة كونية وفطرة إلهية فطر الله عليها البشر، فقد شُرعت الأعياد لتلبية حاجات الناس إلى التغيير، والتجاوب مع فِطرهم في حب الترويح عن النفس، والرغبة في إنعاش الحياة وترطيبها بين وقتٍ وآخر من خلال التجديد والتنويع.

وعلى مستوى الأمة العربية والإسلامية يأتي العيد وحالنا كما نعلم!! فمع الأسف حاضر أغلب شعوب أمتنا أليم، وواقعهم مرير، ومستقبلهم قاتم بسبب التناحر والصراعات، والمؤامرات التي تُحاك بينهم وضدهم ليل نهار، فضلاً عن جائحة كورونا التي أقضَّت مضاجع جميع الدول وأنهكت اقتصاداتها.

ومن مقاصد العيد تغيير نمط الحياة المعتاد، وكسر رتابتها؛ لأن ذلك يسبب الملل، ويؤدي إلى التوتر والاحتقان، ومن طبيعة النفوس البشرية التطلع إلى تغيير ما اعتادت القيام به من أعمال، فكان العيد فرصة للتغيير، ومناسبة للترويح عن النفوس، لتستريح بعد المشقة والتعب، وتفرح بعد الجد والنصب، وتنال حظها من الاسترواح والاستجمام، والاستمتاع بما أباح الله من متع الحياة، فتعود النفوس أكثر انتعاشاً وإقبالاً على العمل والنشاط.

إن من يتأمل وتيرة حياتنا المعاصرة يجدها جافة قاحلة في معظم الأحيان، وضغوطها ومطالبها لا تنتهي، وتضغط على أعصاب الناس ومشاعرهم فيقع الجفاء والجفاف حتى بين الرجل وذاته، ناهيك عن زوجه وأبنائه وأقاربه وأصدقائه ومعارفه، وقد باعدت تكاليف الحياة ومشاغلها بين الناس حتى بين الأب وأبنائه، والزوج وزوجه، وبين المرء وقرابته وذوي رحمه؛ لذلك كان من مقاصد العيد التقارب مع الأهل والأبناء ومباسطتهم ومداعبتهم، وإدخال السرور عليهم، والترويح عنهم بكل ألوان المرح واللهو المباح.

وفي الحديث عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "دَخَلَ عَلَيَّ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعِندِي جارِيَتانِ تُغَنِّيانِ بغِناءِ بُعاثَ، فاضْطَجَعَ علَى الفِراشِ، وحَوَّلَ وجْهَهُ، ودَخَلَ أبو بَكْرٍ، فانْتَهَرَنِي (لامني ومنعني عن فعل ذلك) وقالَ: مِزْمارَةُ الشَّيْطانِ عِنْدَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ!! فأقْبَلَ عليه رَسولُ اللَّهِ وقالَ: دَعْهُما فَإِنَّه يَوُم عِيد".

ومن المشاهد الجميلة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته الترويح عنهن يوم العيد، ولنتأمل هذا المشهد بينه صلى الله عليه وسلم وبين عائشة رضي الله عنها تقول: كانَ يَومَ عِيدٍ، يَلْعَبُ السُّودانُ (بعض الشباب السمر) بالدَّرَقِ (أي الترس) والحِرابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وإمَّا قالَ: تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟ فَقُلتُ: نَعَمْ، فأقامَنِي وراءَهُ، خَدِّي علَى خَدِّهِ، وهو يقولُ: دُونَكُمْ يا بَنِي أرْفِدَةَ حتَّى إذا مَلِلْتُ، قالَ: حَسْبُكِ؟ (هل يكفيكِ هذا القدر يا عائشة؟) قُلتُ: نَعَمْ، قالَ: فاذْهَبِي.

ففي هذا الحديث نرى الرسول صلى الله عليه وسلم يحرص على إسعاد زوجته في العيد، ولم يتعلل بأن عمره أكبر منها بنحو (45 عامًا) وأن وقوفه وزوجته تقف من خلفه تضع رأسها على كتفه وتشاهد بعض الشباب يلعبون يتعارض مع مقام النبوة، ولم يقل لها هذا لا يليق بوقار الأنبياء!! أو كيف تقفين خلفي وتنظرين لشبابٍ يلعبون.

وهكذا فمن السنة النبوية الانبساط والانشراح والتوسعة على الأهل والأبناء في أيام العيد، ويكون ذلك بكل ألوان اللهو المباح، وما يحصل به الترويح عن النفس، وهذا الانبساط والسرور والاستمتاع باللهو المباح، لا يعني بالطبع ارتكاب المحرمات، ولا الانفلات من القيم والأخلاق، أو التحلل من الآداب، وإطلاق العنان للشهوات، لتقع النفوس في الآثام، أو تسترسل في اللذات المحرمة، وتنساق مع دواعي الهوى والشيطان، دون رادعٍ من دين أو وازعٍ من خلق أو حياء.

كل عام والجميع بخير، ولنغير أنفسنا في العيد، ولنحلم بغدٍ أجمل وأنضر ومستقبل أكثر إشراقاً بحول الله تعالى.

@GhassanOsailan

غسان عسيلان
اعلان
العيد والمرح والتغيير
سبق

لا تسير وقائع حياة الناس على نسقٍ واحد، ولا تدور أحداثها بوتيرة واحدة، فحياتنا تتقلب أيامها ولياليها بين رخاءٍ وشدة، ويسرٍ وعسر، ولأن التغيير سنة كونية وفطرة إلهية فطر الله عليها البشر، فقد شُرعت الأعياد لتلبية حاجات الناس إلى التغيير، والتجاوب مع فِطرهم في حب الترويح عن النفس، والرغبة في إنعاش الحياة وترطيبها بين وقتٍ وآخر من خلال التجديد والتنويع.

وعلى مستوى الأمة العربية والإسلامية يأتي العيد وحالنا كما نعلم!! فمع الأسف حاضر أغلب شعوب أمتنا أليم، وواقعهم مرير، ومستقبلهم قاتم بسبب التناحر والصراعات، والمؤامرات التي تُحاك بينهم وضدهم ليل نهار، فضلاً عن جائحة كورونا التي أقضَّت مضاجع جميع الدول وأنهكت اقتصاداتها.

ومن مقاصد العيد تغيير نمط الحياة المعتاد، وكسر رتابتها؛ لأن ذلك يسبب الملل، ويؤدي إلى التوتر والاحتقان، ومن طبيعة النفوس البشرية التطلع إلى تغيير ما اعتادت القيام به من أعمال، فكان العيد فرصة للتغيير، ومناسبة للترويح عن النفوس، لتستريح بعد المشقة والتعب، وتفرح بعد الجد والنصب، وتنال حظها من الاسترواح والاستجمام، والاستمتاع بما أباح الله من متع الحياة، فتعود النفوس أكثر انتعاشاً وإقبالاً على العمل والنشاط.

إن من يتأمل وتيرة حياتنا المعاصرة يجدها جافة قاحلة في معظم الأحيان، وضغوطها ومطالبها لا تنتهي، وتضغط على أعصاب الناس ومشاعرهم فيقع الجفاء والجفاف حتى بين الرجل وذاته، ناهيك عن زوجه وأبنائه وأقاربه وأصدقائه ومعارفه، وقد باعدت تكاليف الحياة ومشاغلها بين الناس حتى بين الأب وأبنائه، والزوج وزوجه، وبين المرء وقرابته وذوي رحمه؛ لذلك كان من مقاصد العيد التقارب مع الأهل والأبناء ومباسطتهم ومداعبتهم، وإدخال السرور عليهم، والترويح عنهم بكل ألوان المرح واللهو المباح.

وفي الحديث عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "دَخَلَ عَلَيَّ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعِندِي جارِيَتانِ تُغَنِّيانِ بغِناءِ بُعاثَ، فاضْطَجَعَ علَى الفِراشِ، وحَوَّلَ وجْهَهُ، ودَخَلَ أبو بَكْرٍ، فانْتَهَرَنِي (لامني ومنعني عن فعل ذلك) وقالَ: مِزْمارَةُ الشَّيْطانِ عِنْدَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ!! فأقْبَلَ عليه رَسولُ اللَّهِ وقالَ: دَعْهُما فَإِنَّه يَوُم عِيد".

ومن المشاهد الجميلة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته الترويح عنهن يوم العيد، ولنتأمل هذا المشهد بينه صلى الله عليه وسلم وبين عائشة رضي الله عنها تقول: كانَ يَومَ عِيدٍ، يَلْعَبُ السُّودانُ (بعض الشباب السمر) بالدَّرَقِ (أي الترس) والحِرابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وإمَّا قالَ: تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟ فَقُلتُ: نَعَمْ، فأقامَنِي وراءَهُ، خَدِّي علَى خَدِّهِ، وهو يقولُ: دُونَكُمْ يا بَنِي أرْفِدَةَ حتَّى إذا مَلِلْتُ، قالَ: حَسْبُكِ؟ (هل يكفيكِ هذا القدر يا عائشة؟) قُلتُ: نَعَمْ، قالَ: فاذْهَبِي.

ففي هذا الحديث نرى الرسول صلى الله عليه وسلم يحرص على إسعاد زوجته في العيد، ولم يتعلل بأن عمره أكبر منها بنحو (45 عامًا) وأن وقوفه وزوجته تقف من خلفه تضع رأسها على كتفه وتشاهد بعض الشباب يلعبون يتعارض مع مقام النبوة، ولم يقل لها هذا لا يليق بوقار الأنبياء!! أو كيف تقفين خلفي وتنظرين لشبابٍ يلعبون.

وهكذا فمن السنة النبوية الانبساط والانشراح والتوسعة على الأهل والأبناء في أيام العيد، ويكون ذلك بكل ألوان اللهو المباح، وما يحصل به الترويح عن النفس، وهذا الانبساط والسرور والاستمتاع باللهو المباح، لا يعني بالطبع ارتكاب المحرمات، ولا الانفلات من القيم والأخلاق، أو التحلل من الآداب، وإطلاق العنان للشهوات، لتقع النفوس في الآثام، أو تسترسل في اللذات المحرمة، وتنساق مع دواعي الهوى والشيطان، دون رادعٍ من دين أو وازعٍ من خلق أو حياء.

كل عام والجميع بخير، ولنغير أنفسنا في العيد، ولنحلم بغدٍ أجمل وأنضر ومستقبل أكثر إشراقاً بحول الله تعالى.

@GhassanOsailan

21 يوليو 2021 - 11 ذو الحجة 1442
10:38 AM
اخر تعديل
28 يوليو 2021 - 18 ذو الحجة 1442
06:04 AM

العيد والمرح والتغيير

غسان محمد عسيلان - الرياض
A A A
0
602

لا تسير وقائع حياة الناس على نسقٍ واحد، ولا تدور أحداثها بوتيرة واحدة، فحياتنا تتقلب أيامها ولياليها بين رخاءٍ وشدة، ويسرٍ وعسر، ولأن التغيير سنة كونية وفطرة إلهية فطر الله عليها البشر، فقد شُرعت الأعياد لتلبية حاجات الناس إلى التغيير، والتجاوب مع فِطرهم في حب الترويح عن النفس، والرغبة في إنعاش الحياة وترطيبها بين وقتٍ وآخر من خلال التجديد والتنويع.

وعلى مستوى الأمة العربية والإسلامية يأتي العيد وحالنا كما نعلم!! فمع الأسف حاضر أغلب شعوب أمتنا أليم، وواقعهم مرير، ومستقبلهم قاتم بسبب التناحر والصراعات، والمؤامرات التي تُحاك بينهم وضدهم ليل نهار، فضلاً عن جائحة كورونا التي أقضَّت مضاجع جميع الدول وأنهكت اقتصاداتها.

ومن مقاصد العيد تغيير نمط الحياة المعتاد، وكسر رتابتها؛ لأن ذلك يسبب الملل، ويؤدي إلى التوتر والاحتقان، ومن طبيعة النفوس البشرية التطلع إلى تغيير ما اعتادت القيام به من أعمال، فكان العيد فرصة للتغيير، ومناسبة للترويح عن النفوس، لتستريح بعد المشقة والتعب، وتفرح بعد الجد والنصب، وتنال حظها من الاسترواح والاستجمام، والاستمتاع بما أباح الله من متع الحياة، فتعود النفوس أكثر انتعاشاً وإقبالاً على العمل والنشاط.

إن من يتأمل وتيرة حياتنا المعاصرة يجدها جافة قاحلة في معظم الأحيان، وضغوطها ومطالبها لا تنتهي، وتضغط على أعصاب الناس ومشاعرهم فيقع الجفاء والجفاف حتى بين الرجل وذاته، ناهيك عن زوجه وأبنائه وأقاربه وأصدقائه ومعارفه، وقد باعدت تكاليف الحياة ومشاغلها بين الناس حتى بين الأب وأبنائه، والزوج وزوجه، وبين المرء وقرابته وذوي رحمه؛ لذلك كان من مقاصد العيد التقارب مع الأهل والأبناء ومباسطتهم ومداعبتهم، وإدخال السرور عليهم، والترويح عنهم بكل ألوان المرح واللهو المباح.

وفي الحديث عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "دَخَلَ عَلَيَّ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وعِندِي جارِيَتانِ تُغَنِّيانِ بغِناءِ بُعاثَ، فاضْطَجَعَ علَى الفِراشِ، وحَوَّلَ وجْهَهُ، ودَخَلَ أبو بَكْرٍ، فانْتَهَرَنِي (لامني ومنعني عن فعل ذلك) وقالَ: مِزْمارَةُ الشَّيْطانِ عِنْدَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ!! فأقْبَلَ عليه رَسولُ اللَّهِ وقالَ: دَعْهُما فَإِنَّه يَوُم عِيد".

ومن المشاهد الجميلة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم مع زوجاته الترويح عنهن يوم العيد، ولنتأمل هذا المشهد بينه صلى الله عليه وسلم وبين عائشة رضي الله عنها تقول: كانَ يَومَ عِيدٍ، يَلْعَبُ السُّودانُ (بعض الشباب السمر) بالدَّرَقِ (أي الترس) والحِرابِ، فَإِمَّا سَأَلْتُ النبيَّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وإمَّا قالَ: تَشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟ فَقُلتُ: نَعَمْ، فأقامَنِي وراءَهُ، خَدِّي علَى خَدِّهِ، وهو يقولُ: دُونَكُمْ يا بَنِي أرْفِدَةَ حتَّى إذا مَلِلْتُ، قالَ: حَسْبُكِ؟ (هل يكفيكِ هذا القدر يا عائشة؟) قُلتُ: نَعَمْ، قالَ: فاذْهَبِي.

ففي هذا الحديث نرى الرسول صلى الله عليه وسلم يحرص على إسعاد زوجته في العيد، ولم يتعلل بأن عمره أكبر منها بنحو (45 عامًا) وأن وقوفه وزوجته تقف من خلفه تضع رأسها على كتفه وتشاهد بعض الشباب يلعبون يتعارض مع مقام النبوة، ولم يقل لها هذا لا يليق بوقار الأنبياء!! أو كيف تقفين خلفي وتنظرين لشبابٍ يلعبون.

وهكذا فمن السنة النبوية الانبساط والانشراح والتوسعة على الأهل والأبناء في أيام العيد، ويكون ذلك بكل ألوان اللهو المباح، وما يحصل به الترويح عن النفس، وهذا الانبساط والسرور والاستمتاع باللهو المباح، لا يعني بالطبع ارتكاب المحرمات، ولا الانفلات من القيم والأخلاق، أو التحلل من الآداب، وإطلاق العنان للشهوات، لتقع النفوس في الآثام، أو تسترسل في اللذات المحرمة، وتنساق مع دواعي الهوى والشيطان، دون رادعٍ من دين أو وازعٍ من خلق أو حياء.

كل عام والجميع بخير، ولنغير أنفسنا في العيد، ولنحلم بغدٍ أجمل وأنضر ومستقبل أكثر إشراقاً بحول الله تعالى.

@GhassanOsailan