"الزعتر" لـ"سبق": اتفاق الرياض يقوّض نفوذ إيران باليمن.. ومشروعها يواجه انكسارًا في العراق ولبنان

قطر فتحت الباب لاحتلال فارسي ناعم.. والتعويل على تحرك شعبها لإنقاذ هويته

- اتفاق الرياض يحصّن إنجازات التحالف والمقاومة اليمنية.

- المملكة ردمت هوة الخلاف وأعادت الثقة بين اليمنيين.

- العقوبات الأمريكية على إيران أسقطت خطابها الثوري.

- من المرجّح أن تفجر العقوبات حراكًا شعبيًّا داخل إيران.

- دعوات إيران للحوار الإقليمي تحايلٌ على عقوبات واشنطن.

- مظاهرات العراق ولبنان محاولة لاستعادة الدولة الوطنية.

- وعي الشعوب بمخاطر إيران أكبر ما يهدد مشروعها التوسعي.

- مصير وكلاء إيران في العراق ولبنان أصبح على المحك.

- سقوط هيبة النظام الإيراني في الخارج سيدعم إزالته بالداخل.

- قطر تَحَوّلت لأداة فعالة للمشروعين الفارسي والعثماني.

في حديثه لـ"سبق"، يؤكد الكاتب والباحث السياسي خالد الزعتر، أن اتفاق الرياض قطع الطريق أمام استفحال التهديد الإيراني للدولة اليمنية عبر الانقلاب الحوثي، كما أثبت وقوف السعودية على مسافة واحدة من كل مكونات الشعب اليمني.

ولفت "الزعتر" إلى أن المشروع الإيراني في العراق ولبنان يواجه حاليًا انكسارًا عميقًا بتأثير المظاهرات الشعبية واسعة النطاق، والمطالبة باستعادة الدولة الوطنية من قبضة وكلاء إيران في كلتا الدولتين؛ موضحًا أن المظاهرات فرضت واقعًا عربيًّا جديدًا يقوم على تغليب الهوية الوطنية على الانتماء الطائفي.

وبيّن "الزعتر" أن العقوبات الأمريكية أثّرت بشدة على النظام الإيراني، الذي بات يتخوف من تزايد مؤشرات الانفجار الداخلي، وأشار إلى أن النظام القطري فتح الباب لاحتلال إيراني ناعم من خلال توسعه في إبرام الاتفاقات المتنوعة مع طهران؛ مضيفًا أن التعويل ينصبّ على احتمال تحرك الشعب القطري للمحافظة على هويته في مواجهة التغلغل الإيراني.

تفاصيل أكثر في ثنايا الحوار:

احتواء الخلافات

* ما الأهمية الاستراتيجية لاتفاق الرياض بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي بالنسبة لمعادلة الصراع مع إيران، ومسار الحرب التي يشنها الحوثيون بالنيابة عنها في اليمن؟

- تكمن الأهمية الاستراتيجية لاتفاق الرياض في أنه يشكل خطوة باتجاه ترتيب الأولويات والعمل على توحيد الجبهة الداخلية في مواجهة الحوثي وتوابعه "القاعدة" و"داعش"، والعمل على تحصين الإنجازات والمكتسبات التي تَحققت بفضل التحالف العربي والمقاومة، التي استطاعت تحرير ما يقارب الـ80% من الأراضي اليمنية؛ وبالتالي فإن اتفاق الرياض خطوة تأتي داعمة لاستكمال تحرير الأراضي اليمنية وقطع الطريق أمام الحوثي من العمل على استغلال حالة التأزم بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي في توظيف ذلك؛ لمصلحة إعادة ترتيب أوراقه والتقاط أنفاسه في ظل حالة الإنهاك النفسي والعسكري التي يعيشها، وقطع الطريق أمام التنظيمات الإرهابية من استغلال حالة الانفلات الأمني للعودة إلى الواجهة؛ وهو ما شاهدناه من محاولات لتنظيم "داعش" الإرهابي لاستهداف قوات الحزام الأمني في عدن.

كما أن اتفاق الرياض يدشن مرحلة مهمة في تاريخ الملف اليمني قائمة على ترسيخ مبدأ الشراكة بين كل الأطراف اليمنية وحفظ حقوق كل الأطراف اليمنية الفاعلة على الأرض، والتي لعبت دورًا في مواجهة الحوثي وتوابعه "القاعدة" و"داعش"؛ وبالتالي فهو يقطع الطريق أمام إعادة إنتاج السياسات القديمة التي أرسى قواعدها نظام علي عبدالله صالح منذ العام 1994، القائمة على هضم حقوق الجنوبيين والعمل على إقصائهم وتهميشهم، كما أن اتفاق الرياض لا يقف عند حدود توحيد الجبهة الداخلية في مواجهة المشروع الإيراني؛ وإنما يقطع الطريق أمام المشروع الإخواني الذي يحاول السيطرة على الحكومة اليمنية والعمل على تسييرها لمصلحته، والعمل على إقصاء كل المكونات اليمنية التي لعبت دورًا في مواجهة الحوثي.

* حرصت السعودية خلال احتضانها لمحادثات الطرفين، على منع الاستغلال الخارجي لنزاعهما من خلال تشجيعهما على الخروج بحل "يمني- يمني" ينسجم مع المرجعيات الثلاث؛ فما قيمة الدور الذي لعبته السعودية في الوساطة بين الطرفين؟

- اتفاق الرياض يأتي نتيجة لجهود سياسية بذلتها المملكة العربية السعودية لتقريب وجهات النظر بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي، والعمل على ردم هوة الاختلاف وبناء الثقة بين كل الأطراف؛ وبالتالي فإن نجاح حوار جدة، والخروج باتفاق الرياض؛ يؤكد قدرة السعودية على احتواء الخلافات بين كل الأطراف اليمنية، والعمل على استعادة الثقة بين هذه الأطراف اليمنية بما يخدم قطع الطريق أمام من يحاول التربص بالملف اليمني لهدم الإنجازات والمكتسبات، التي حققها التحالف العربي في طريق دحر المشروع الإيراني في اليمن، وأيضًا يأتي اتفاق الرياض، الذي جاء نجاحه نتيجة لرعاية السعودية لحوار جده؛ ليؤكد وقوف المملكة على مسافة واحد بين كل المكونات اليمنية، كما أن اتفاق الرياض جاء نتيجة تكاتف دول التحالف العربي لإنجاح حوار جدة؛ وهو بالتالي يعكس مدى قدرة التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن على التعامل مع كل التحديات فيما يخص الملف اليمني، وكل دولة تكمل الأخرى، ووقوف الجميع على مسافة واحدة من جميع الأطراف اليمنية.

تأثير العقوبات

* ما تأثير العقوبات الأمريكية على النظام الإيراني في الداخل والخارج لا سيما أنه يحاول إعطاء انطباع عام بأنها محدودة التأثير رغم انهيار مبيعاته من النفط وتراجع قيمة العملة إلى مستوى متدني؟

- حديث الرئيس الإيراني حسن روحاني في شهر فبراير 2019 بأن الحرب الاقتصادية أقوى من الحرب العسكرية، الذي سبقه تصريحات له بأن بلاده تُواجه أصعب وضع اقتصادي منذ 40 عامًا؛ يدل على سقوط الخطاب الثوري وخطاب المكابرة، الذي اعتدنا سماعه لسنوات طويلة، والذي كان يتضمن شعارات بأن "إيران سوف تصمد ولن تتأثر بالعقوبات" وغيرها من الشعارات المواجهة للاستهلاك الداخلي؛ فهذا الاعتراف وهذا السقوط المدوّي لخطاب المكابرة الإيراني؛ يعكس إلى أي مدى هناك إحساس داخلي بأن العقوبات الاقتصادية الأمريكية بدأت تؤثر في الداخل الإيراني، والوضع الاقتصادي المتردي في إيران، الذي وصل إلى مستويات عالية من الانهيار؛ لا تؤكده فقط تصريحات روحاني، بل تدعمه الأرقام.

لقد كشف مصطفى مير موساوي، العضو في مجلس تشخيص مصلحة النظام في إيران؛ أن حوالى 70% من المصانع أُغلقت بسبب الوضع الاقتصادي، وكذلك تصريحات رئيس لجنة الصناعات في الغرفة التجارية الإيرانية أبو الفضل كلبايكاني، الذي تَحَدّث عن عدم توافر المواد الخام، ونقص العملة الصعبة بسبب العقوبات الأمريكية، التي أدت لإغلاق وإفلاس العديد من المصانع وورش العمل، كما أن نسبة التضخم السنوي في إيران وصلت في الفترة من 23 أكتوبر وحتى 22 نوفمبر 2018 ما يقارب 34.9%؛ وهو ما يعكس بالتالي الضرر الحاصل في الاقتصاد الإيراني نتيجة الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية.

وفي المحصلة؛ فإن هذه العقوبات سيكون لها تأثير على تشديد الضغط الداخلي في إيران التي تعيش وضعًا احتجاجيًّا مستمرًّا ما، يعكس بالتالي أن مخاوف النظام الإيراني ليست فقط بسبب عودة العقوبات الاقتصادية؛ بل بتزامن عودتها مع حراك شعبي سوف تقود هذه العقوبات وهذه الأزمة الاقتصادية الخانقة إلى تصاعد حالة الغضب الشعبي الداخلي؛ أما تأثير هذه العقوبات على الصعيد الخارجي فإن أزمة إيران الاقتصادية لا شك أنها سوف تعيق عملية التمويل الإيراني للمليشيات الإرهابية ووكلاءها في المنطقة؛ وبالتالي فإن هذه المليشيات التي تعتمد في بقائها بشكل رئيسي على الدعم الإيراني سوف تبدأ في الدخول في مرحلة الضعف التي ستقود إلى إسقاطها في ظل الضربات، التي تتلقاها من دول المحور العربي بقيادة السعودية التي تتصدى للسياسات الإيرانية المزعزعة للاستقرار في المنطقة.

الضغط الشعبي

* تراهن الإدارة الأمريكية على فاعلية العقوبات في تغيير مسلك النظام الإيراني، فهل ترى مؤشرات تعبّر عن قُربِ تحقّق هذا الاحتمال؟

- الرهان الأمريكي على فاعلية العقوبات الأمريكية يعتمد بدرجة كبيرة على التعويل على الضغط الشعبي الداخلي.. عندما ننظر إلى الخطاب السياسي الأمريكي نجده بدأ يتبنى لغة جديدة موجهة ضد إيران، يحاول الأمريكيون من خلالها مخاطبة الشعب الإيراني والحديث معه؛ وهو ما حاول وزير الخارجية الأمريكي تأكيده عبر العرض الذي قدمه للسفر لإيران ومخاطبة الشعب الإيراني، وحديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عندما قال: "أنا حزين على الشعب الإيراني"، وغيرها من الأحاديث الأمريكية التي تتحدث بشكل مباشر عن الشعب الإيراني وعن سماع صوته وعن تطلعه للحرية.

وكل هذه المحاولات تؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية تعوّل على أن يكون هناك ضغط شعبي يسرّع من عملية تأثير العقوبات على السياسات الإيراني؛ وهذا هو أحد أسباب سياسة القفز الأمريكية على النظام الإيراني والعمل على مخاطبة الشعب الإيراني مباشرة، وأن يكون الشعب الإيراني وطموحاته وأضرار سياسات النظام الإيراني على الشعب جزءًا من الخطاب السياسي الأمريكي في التعامل مع الحالة الإيرانية؛ أملًا في أن يدفع ذلك إلى إحداث تطورات في الحالة الداخلية الإيرانية تكون عاملًا مساهمًا في عملية الضغط الخارجي.

الأطماع التوسعية

* أعلنت إيران خلال الأيام الأخيرة عن تسليم دول الخليج ما وُصف بـ"خطة إقليمية للأمن والتعاون في المنطقة"؛ فهل من الوارد تعاون دول الخليج مع إيران في الوقت الذي لم تتخلَّ فيه عن توجهاتها العدائية لمعظم تلك الدول؟

- "الخطة الإقليمية الإيرانية للأمن والتعاون في المنطقة"، التي سبقتها دعوة إيرانية لحوار إقليمي؛ لا تعكس وجود نوايا إيرانية لتغيير حقيقي في سياساتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة، هذه المحاولات الإيرانية يمكن النظر لها بأنها محاولة للقفز على الضغوط الأمريكية عبر إجهاض هذه الخطوات الأمريكية بالتسويق لصفحة جديدة تجاه المنطقة، وأيضًا القفز على حالة العزلة السياسية التي تعيشها إيران والتي يحاول الإيرانيون عبر التسويق لهذه المقترحات؛ وذلك من أجل أن يضمنوا لهم دورًا في أي ترتيبات إقليمية، وأن تكون إيران جزءًا من العمل الإقليمي؛ وذلك للخروج من حالة العُزلة التي فرضت عليها.

ولكن هذه الأساليب الإيرانية لن تنطوي على دول الخليج؛ فموقف الأغلبية الخليجية يرفض أن يكون هناك تعامل أو تعاطٍ مع أي نوع من المبادرات الإيرانية؛ ما لم يكن هناك تغيير حقيقي في السياسات الإيرانية، وتقديم ورقة إثبات حسن نوايا تُؤكد وجود جدية إيرانية في تغيير سياساتها، وهذا أمر صعب لأن من الصعوبة أن يكون هناك تغيير في السياسات الإيرانية؛ لأن نظام الخميني تأسس على الأطماع التوسعية والفوضوية، التي أصبحت جزءًا من الدستور الإيراني تحت مسمى "نصرة المستضعفين"، وهي النقطة التي يحاول عبرها نظام الملالي في إيران تغليف مشروعه التوسعي.

استعادة الدولة الوطنية

* لماذا يتخوف النظام الإيراني من المظاهرات الوطنية العابرة للطائفية في العراق ولبنان؟

- المظاهرات الوطنية في العراق ولبنان، ليست مجرد مظاهرات عابرة أو ثورات شبيهة بثورات الربيع العربي؛ فالمتابع لمطالب هذه الانتفاضة العراقية واللبنانية يجد أنها لم تخرج من أجل كسرة خبز أو بحث عن عدالة اجتماعية؛ بل خرجت من أجل استعادة الدولة الوطنية؛ وهذا هو أخطر ما تواجهه إيران؛ لأن استعادة الدولة الوطنية هو القضاء على كل المليشيات الإيرانية.. والمتابع لإيران في طريقة تعاطيها مع الدول العربية التي وجدت موطأ قدم فيها؛ يجد أن شغل إيران الشاغل هو العمل على هدم الدولة الوطنية عبر تقوية التشكيلات والمليشيات التي أصبحت قوة فوق الدولة وأصبحت الدولة تابعة لها كما هو الحال في لبنان والعراق.

وما يحدث في العراق ولبنان يختلف عما حدث في مرحلة الربيع العربي؛ بل هو تجسيد حقيقي لما يمكن تسميته بالربيع العربي؛ فهذه المظاهرات هي صراع بين الهوية العربية والهوية الفارسية، التي تحاول إيران العمل على أن تحلّ محل الهوية العربية في العراق ولبنان؛ وبالتالي أكبر ما يواجه إيران اليوم ويجعلها تتخوف مما يحدث في العراق ولبنان؛ هو وعي الشعوب؛ لأن إيران كانت تراهن على نجاح مشروعها التوسعي والمسيطر على الدول العربية، وهو تغييب الوعي الشعبي بصياغة شعارات مثل نصرة المستضعفين ومواجهة الإمبريالية وغيرها.

مرحلة جديدة

* إلى أي مدى يمكن القول إن المظاهرات تدشن مسارًا جديًّا لتصفية النفوذ الإيراني في العراق ولبنان؟

- عندما ننظر إلى المظاهرات العراقية واللبنانية، نجد أن الشعارات والهتافات تركز بشكل كبير على "طرد إيران"؛ وهو بالتالي ما يعكس وجود إدراك شعبي بأن المواجهة ليست مع النظام العراقي واللبناني الطائفي بل مع إيران، وأن طرد إيران والقضاء على نفوذها في العراق ولبنان هو بداية الطريق نحو اجتثاث الأنظمة الطائفية وبناء الدولة الوطنية؛ وبالتالي فلا شك أن ما يحدث في العراق ولبنان يدشن مرحلة جديدة في معادلة الصراع "العربي- الإيراني"، ويقود لإحداث تغيير في ميزان القوة. فلم يعد أمام إيران فرصة للتباهي بالسيطرة على أربعة عواصم عربية، لن تعود بيروت وبغداد ضمن قائمة العواصم الأربعة التي تسيطر عليها إيران، وهناك تقدم على الأرض اليمنية في اتجاه تحرير صنعاء؛ وبالتالي ما كانت إيران تتباهى به بالأمس تبخّر؛ وبالتالي فهذه المظاهرات العراقية واللبنانية تفرض واقعًا عربيًّا جديدًا، وخارطة عربية جديدة، غير تلك التي تتباهى بها إيران، وسيكون لها تأثير كبير على إحداث تقدم في طريق تصفية النفوذ الإيراني في المنطقة العربية.

النظام الطائفي

* بعد أن أجبر المتظاهرون العراقيون، عادل عبدالمهدي على قبول التنحي، وأطاح نظراؤهم اللبنانيون بحكومة سعد الحريري التي كان يهيمن عليها "حزب الله".. ما توقعاتك لمصير وكلاء إيران في العراق ولبنان؟

- استقالة سعد الحريري في لبنان، وإجبار عادل عبدالمهدي في العراق على التنحي؛ هو بلا شك انتصار للإرادة الشعبية العربية في العراق ولبنان؛ وهي خطوة ستقود إلى الإبقاء على ميزان القوة في الشارع العراقي واللبناني لصالح المتظاهرين، وهي بلا شك ستقود لخلق إصرار شعبي على مواصلة استكمال تحقيق جميع مطالبه، وما يحدث في العراق ولبنان ليس المستهدف الرئيسي منه هو عادل عبدالمهدي أو سعد الحريري؛ بل المستهدف هو النظام الطائفي بأكمله، الذي وفر البيئة الخصبة لاستمرارية بقاء المليشيات الإيرانية.

وترتيبًا على ذلك؛ فإن مصير وكلاء إيران في العراق ولبنان أصبح على المحك؛ لا سميا أن قوة الشارع -وخاصة في لبنان- برهنت على إمكانية اقتلاع وكلاء إيران من جذورها، ربما الفشل الذريع لمليشيا "حزب الله" في تغيير معادلة القوة في الشارع لمصلحته، عندما سعى للإيعاز لأتباعه بالنزول إلى الشارع ورفع أعلام وشعارات مؤيدة للحزب، ولم ينجح ذلك في تغيير معادلة القوة في الشارع اللبناني، وهو ما يؤكد مدى هشاشة الحزب أمام قوة الشارع، ويعد بمثابة انتصار للمتظاهرين اللبنانيين ولانتفاضتهم.

كسر الحواجز

* ما احتمالات انتقال المظاهرات إلى الداخل الإيراني مع استمرار الاحتقان الشعبي من النظام وفي ضوء المظاهرات التي اجتاحت إيران عامي 2018 و2019؟

- الفشل الإيراني في الإبقاء على ميزان القوة في العراق ولبنان لمصلحتهم؛ يعكس مدى هشاشة النظام الإيراني خارجيًّا، وأنه لم يَعُد بالقوة التي كان عليها في السابق؛ وبالتالي فإن سقوط الهيبة الإيرانية في الخارج سيقود إلى إعطاء دفعة معنوية لإسقاط هيبته في الداخل الإيراني؛ خاصة في ظل وجود أرضية خصبة للانتفاضة، وهي الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها إيران بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وفي ظل وجود حراك شعبي في الشارع يمكن النظر له بأنه يقود إلى كسر حاجز الخوف والصمت؛ وبالتالي فإن النظام الإيراني يتخوف من الانفجار الداخلي؛ وبالتالي لا يزال النظام يُصِر على التعامل مع الحالة الجديدة بالأدوات القديمة عبر محاولات الهروب إلى الخارج، واللعب على وتر الشعارات التي لم تعد ذات فائدة في ظل السقوط المدوي لتأثيرها في لبنان والعراق، والتي أصبح تأثيرها باهتًا في الداخل الإيراني.

* أعربتَ عن أمنيتك في مشاهدة ما يحدث في العراق ولبنان في شوارع قطر؛ فما الذي يحدوك لذلك؛ لا سيما أنك ربطته بالقلق من احتمال عبث إيران بالهوية العربية للقطريين؟

- ما يحدث في قطر هو تفريط في الهوية العربية، النظام القطري لم يتعلم من دروس العراق ولبنان، وسعى لفتح الطريق أمام تعزيز الهيمنة الإيرانية في الداخل عبر الاتفاقيات العسكرية والتجارية والثقافية، التي تستخدمها إيران حصان طروادة لتعميق وترسيخ احتلالها الناعم في الدول التي تجد مدخلًا لها فيها؛ وبالتالي فإن النظام القطري كان يعتقد أن تعزيز العلاقة مع إيران سوف يجبر الدول المقاطعة على التراجع عن المطالب الـ13 والعزلة التي تعيشها قطر، وهي قراءة خاطئة؛ فلم يعد بالإمكان اللعب على وتر العلاقة مع إيران كأداة لتحقيق مكاسب وأهداف سياسية في ظل حالة الانكسار التي يعيشها المشروع الإيراني.

وفي ضوء ذلك؛ فإن هذه الخطوة القطرية، سيكون المتضرر الوحيد منها هو قطر الدولة والشعب؛ ولذلك فإنه يبدو أن النظام القطري غير مبالٍ للمشروع الإيراني للتغلغل في الداخل القطري. ويبدو أنه لم ينتبه بشكل جدي لهذا الخطر الإيراني؛ وبالتالي فالتعويل على الشعب القطري في التحرك لدق ناقوس الخطر الذي يهدد عروبته وهويته العربية؛ حيث المتابع للسياسات القطرية؛ يجد أن قطر لم يعد لها من عروبتها سوى موقعها الجغرافي، وأصبحت أداة للمشروعين الفارسي والعثماني؛ حيث سخّرت إمكانياتها المادية والإعلامية كافة لدعم هذه المشاريع، التي ستكون قطر هي أول المستهدفين بها.

اتفاق الرياض اليمن إيران خالد الزعتر
اعلان
"الزعتر" لـ"سبق": اتفاق الرياض يقوّض نفوذ إيران باليمن.. ومشروعها يواجه انكسارًا في العراق ولبنان
سبق

- اتفاق الرياض يحصّن إنجازات التحالف والمقاومة اليمنية.

- المملكة ردمت هوة الخلاف وأعادت الثقة بين اليمنيين.

- العقوبات الأمريكية على إيران أسقطت خطابها الثوري.

- من المرجّح أن تفجر العقوبات حراكًا شعبيًّا داخل إيران.

- دعوات إيران للحوار الإقليمي تحايلٌ على عقوبات واشنطن.

- مظاهرات العراق ولبنان محاولة لاستعادة الدولة الوطنية.

- وعي الشعوب بمخاطر إيران أكبر ما يهدد مشروعها التوسعي.

- مصير وكلاء إيران في العراق ولبنان أصبح على المحك.

- سقوط هيبة النظام الإيراني في الخارج سيدعم إزالته بالداخل.

- قطر تَحَوّلت لأداة فعالة للمشروعين الفارسي والعثماني.

في حديثه لـ"سبق"، يؤكد الكاتب والباحث السياسي خالد الزعتر، أن اتفاق الرياض قطع الطريق أمام استفحال التهديد الإيراني للدولة اليمنية عبر الانقلاب الحوثي، كما أثبت وقوف السعودية على مسافة واحدة من كل مكونات الشعب اليمني.

ولفت "الزعتر" إلى أن المشروع الإيراني في العراق ولبنان يواجه حاليًا انكسارًا عميقًا بتأثير المظاهرات الشعبية واسعة النطاق، والمطالبة باستعادة الدولة الوطنية من قبضة وكلاء إيران في كلتا الدولتين؛ موضحًا أن المظاهرات فرضت واقعًا عربيًّا جديدًا يقوم على تغليب الهوية الوطنية على الانتماء الطائفي.

وبيّن "الزعتر" أن العقوبات الأمريكية أثّرت بشدة على النظام الإيراني، الذي بات يتخوف من تزايد مؤشرات الانفجار الداخلي، وأشار إلى أن النظام القطري فتح الباب لاحتلال إيراني ناعم من خلال توسعه في إبرام الاتفاقات المتنوعة مع طهران؛ مضيفًا أن التعويل ينصبّ على احتمال تحرك الشعب القطري للمحافظة على هويته في مواجهة التغلغل الإيراني.

تفاصيل أكثر في ثنايا الحوار:

احتواء الخلافات

* ما الأهمية الاستراتيجية لاتفاق الرياض بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي بالنسبة لمعادلة الصراع مع إيران، ومسار الحرب التي يشنها الحوثيون بالنيابة عنها في اليمن؟

- تكمن الأهمية الاستراتيجية لاتفاق الرياض في أنه يشكل خطوة باتجاه ترتيب الأولويات والعمل على توحيد الجبهة الداخلية في مواجهة الحوثي وتوابعه "القاعدة" و"داعش"، والعمل على تحصين الإنجازات والمكتسبات التي تَحققت بفضل التحالف العربي والمقاومة، التي استطاعت تحرير ما يقارب الـ80% من الأراضي اليمنية؛ وبالتالي فإن اتفاق الرياض خطوة تأتي داعمة لاستكمال تحرير الأراضي اليمنية وقطع الطريق أمام الحوثي من العمل على استغلال حالة التأزم بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي في توظيف ذلك؛ لمصلحة إعادة ترتيب أوراقه والتقاط أنفاسه في ظل حالة الإنهاك النفسي والعسكري التي يعيشها، وقطع الطريق أمام التنظيمات الإرهابية من استغلال حالة الانفلات الأمني للعودة إلى الواجهة؛ وهو ما شاهدناه من محاولات لتنظيم "داعش" الإرهابي لاستهداف قوات الحزام الأمني في عدن.

كما أن اتفاق الرياض يدشن مرحلة مهمة في تاريخ الملف اليمني قائمة على ترسيخ مبدأ الشراكة بين كل الأطراف اليمنية وحفظ حقوق كل الأطراف اليمنية الفاعلة على الأرض، والتي لعبت دورًا في مواجهة الحوثي وتوابعه "القاعدة" و"داعش"؛ وبالتالي فهو يقطع الطريق أمام إعادة إنتاج السياسات القديمة التي أرسى قواعدها نظام علي عبدالله صالح منذ العام 1994، القائمة على هضم حقوق الجنوبيين والعمل على إقصائهم وتهميشهم، كما أن اتفاق الرياض لا يقف عند حدود توحيد الجبهة الداخلية في مواجهة المشروع الإيراني؛ وإنما يقطع الطريق أمام المشروع الإخواني الذي يحاول السيطرة على الحكومة اليمنية والعمل على تسييرها لمصلحته، والعمل على إقصاء كل المكونات اليمنية التي لعبت دورًا في مواجهة الحوثي.

* حرصت السعودية خلال احتضانها لمحادثات الطرفين، على منع الاستغلال الخارجي لنزاعهما من خلال تشجيعهما على الخروج بحل "يمني- يمني" ينسجم مع المرجعيات الثلاث؛ فما قيمة الدور الذي لعبته السعودية في الوساطة بين الطرفين؟

- اتفاق الرياض يأتي نتيجة لجهود سياسية بذلتها المملكة العربية السعودية لتقريب وجهات النظر بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي، والعمل على ردم هوة الاختلاف وبناء الثقة بين كل الأطراف؛ وبالتالي فإن نجاح حوار جدة، والخروج باتفاق الرياض؛ يؤكد قدرة السعودية على احتواء الخلافات بين كل الأطراف اليمنية، والعمل على استعادة الثقة بين هذه الأطراف اليمنية بما يخدم قطع الطريق أمام من يحاول التربص بالملف اليمني لهدم الإنجازات والمكتسبات، التي حققها التحالف العربي في طريق دحر المشروع الإيراني في اليمن، وأيضًا يأتي اتفاق الرياض، الذي جاء نجاحه نتيجة لرعاية السعودية لحوار جده؛ ليؤكد وقوف المملكة على مسافة واحد بين كل المكونات اليمنية، كما أن اتفاق الرياض جاء نتيجة تكاتف دول التحالف العربي لإنجاح حوار جدة؛ وهو بالتالي يعكس مدى قدرة التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن على التعامل مع كل التحديات فيما يخص الملف اليمني، وكل دولة تكمل الأخرى، ووقوف الجميع على مسافة واحدة من جميع الأطراف اليمنية.

تأثير العقوبات

* ما تأثير العقوبات الأمريكية على النظام الإيراني في الداخل والخارج لا سيما أنه يحاول إعطاء انطباع عام بأنها محدودة التأثير رغم انهيار مبيعاته من النفط وتراجع قيمة العملة إلى مستوى متدني؟

- حديث الرئيس الإيراني حسن روحاني في شهر فبراير 2019 بأن الحرب الاقتصادية أقوى من الحرب العسكرية، الذي سبقه تصريحات له بأن بلاده تُواجه أصعب وضع اقتصادي منذ 40 عامًا؛ يدل على سقوط الخطاب الثوري وخطاب المكابرة، الذي اعتدنا سماعه لسنوات طويلة، والذي كان يتضمن شعارات بأن "إيران سوف تصمد ولن تتأثر بالعقوبات" وغيرها من الشعارات المواجهة للاستهلاك الداخلي؛ فهذا الاعتراف وهذا السقوط المدوّي لخطاب المكابرة الإيراني؛ يعكس إلى أي مدى هناك إحساس داخلي بأن العقوبات الاقتصادية الأمريكية بدأت تؤثر في الداخل الإيراني، والوضع الاقتصادي المتردي في إيران، الذي وصل إلى مستويات عالية من الانهيار؛ لا تؤكده فقط تصريحات روحاني، بل تدعمه الأرقام.

لقد كشف مصطفى مير موساوي، العضو في مجلس تشخيص مصلحة النظام في إيران؛ أن حوالى 70% من المصانع أُغلقت بسبب الوضع الاقتصادي، وكذلك تصريحات رئيس لجنة الصناعات في الغرفة التجارية الإيرانية أبو الفضل كلبايكاني، الذي تَحَدّث عن عدم توافر المواد الخام، ونقص العملة الصعبة بسبب العقوبات الأمريكية، التي أدت لإغلاق وإفلاس العديد من المصانع وورش العمل، كما أن نسبة التضخم السنوي في إيران وصلت في الفترة من 23 أكتوبر وحتى 22 نوفمبر 2018 ما يقارب 34.9%؛ وهو ما يعكس بالتالي الضرر الحاصل في الاقتصاد الإيراني نتيجة الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية.

وفي المحصلة؛ فإن هذه العقوبات سيكون لها تأثير على تشديد الضغط الداخلي في إيران التي تعيش وضعًا احتجاجيًّا مستمرًّا ما، يعكس بالتالي أن مخاوف النظام الإيراني ليست فقط بسبب عودة العقوبات الاقتصادية؛ بل بتزامن عودتها مع حراك شعبي سوف تقود هذه العقوبات وهذه الأزمة الاقتصادية الخانقة إلى تصاعد حالة الغضب الشعبي الداخلي؛ أما تأثير هذه العقوبات على الصعيد الخارجي فإن أزمة إيران الاقتصادية لا شك أنها سوف تعيق عملية التمويل الإيراني للمليشيات الإرهابية ووكلاءها في المنطقة؛ وبالتالي فإن هذه المليشيات التي تعتمد في بقائها بشكل رئيسي على الدعم الإيراني سوف تبدأ في الدخول في مرحلة الضعف التي ستقود إلى إسقاطها في ظل الضربات، التي تتلقاها من دول المحور العربي بقيادة السعودية التي تتصدى للسياسات الإيرانية المزعزعة للاستقرار في المنطقة.

الضغط الشعبي

* تراهن الإدارة الأمريكية على فاعلية العقوبات في تغيير مسلك النظام الإيراني، فهل ترى مؤشرات تعبّر عن قُربِ تحقّق هذا الاحتمال؟

- الرهان الأمريكي على فاعلية العقوبات الأمريكية يعتمد بدرجة كبيرة على التعويل على الضغط الشعبي الداخلي.. عندما ننظر إلى الخطاب السياسي الأمريكي نجده بدأ يتبنى لغة جديدة موجهة ضد إيران، يحاول الأمريكيون من خلالها مخاطبة الشعب الإيراني والحديث معه؛ وهو ما حاول وزير الخارجية الأمريكي تأكيده عبر العرض الذي قدمه للسفر لإيران ومخاطبة الشعب الإيراني، وحديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عندما قال: "أنا حزين على الشعب الإيراني"، وغيرها من الأحاديث الأمريكية التي تتحدث بشكل مباشر عن الشعب الإيراني وعن سماع صوته وعن تطلعه للحرية.

وكل هذه المحاولات تؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية تعوّل على أن يكون هناك ضغط شعبي يسرّع من عملية تأثير العقوبات على السياسات الإيراني؛ وهذا هو أحد أسباب سياسة القفز الأمريكية على النظام الإيراني والعمل على مخاطبة الشعب الإيراني مباشرة، وأن يكون الشعب الإيراني وطموحاته وأضرار سياسات النظام الإيراني على الشعب جزءًا من الخطاب السياسي الأمريكي في التعامل مع الحالة الإيرانية؛ أملًا في أن يدفع ذلك إلى إحداث تطورات في الحالة الداخلية الإيرانية تكون عاملًا مساهمًا في عملية الضغط الخارجي.

الأطماع التوسعية

* أعلنت إيران خلال الأيام الأخيرة عن تسليم دول الخليج ما وُصف بـ"خطة إقليمية للأمن والتعاون في المنطقة"؛ فهل من الوارد تعاون دول الخليج مع إيران في الوقت الذي لم تتخلَّ فيه عن توجهاتها العدائية لمعظم تلك الدول؟

- "الخطة الإقليمية الإيرانية للأمن والتعاون في المنطقة"، التي سبقتها دعوة إيرانية لحوار إقليمي؛ لا تعكس وجود نوايا إيرانية لتغيير حقيقي في سياساتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة، هذه المحاولات الإيرانية يمكن النظر لها بأنها محاولة للقفز على الضغوط الأمريكية عبر إجهاض هذه الخطوات الأمريكية بالتسويق لصفحة جديدة تجاه المنطقة، وأيضًا القفز على حالة العزلة السياسية التي تعيشها إيران والتي يحاول الإيرانيون عبر التسويق لهذه المقترحات؛ وذلك من أجل أن يضمنوا لهم دورًا في أي ترتيبات إقليمية، وأن تكون إيران جزءًا من العمل الإقليمي؛ وذلك للخروج من حالة العُزلة التي فرضت عليها.

ولكن هذه الأساليب الإيرانية لن تنطوي على دول الخليج؛ فموقف الأغلبية الخليجية يرفض أن يكون هناك تعامل أو تعاطٍ مع أي نوع من المبادرات الإيرانية؛ ما لم يكن هناك تغيير حقيقي في السياسات الإيرانية، وتقديم ورقة إثبات حسن نوايا تُؤكد وجود جدية إيرانية في تغيير سياساتها، وهذا أمر صعب لأن من الصعوبة أن يكون هناك تغيير في السياسات الإيرانية؛ لأن نظام الخميني تأسس على الأطماع التوسعية والفوضوية، التي أصبحت جزءًا من الدستور الإيراني تحت مسمى "نصرة المستضعفين"، وهي النقطة التي يحاول عبرها نظام الملالي في إيران تغليف مشروعه التوسعي.

استعادة الدولة الوطنية

* لماذا يتخوف النظام الإيراني من المظاهرات الوطنية العابرة للطائفية في العراق ولبنان؟

- المظاهرات الوطنية في العراق ولبنان، ليست مجرد مظاهرات عابرة أو ثورات شبيهة بثورات الربيع العربي؛ فالمتابع لمطالب هذه الانتفاضة العراقية واللبنانية يجد أنها لم تخرج من أجل كسرة خبز أو بحث عن عدالة اجتماعية؛ بل خرجت من أجل استعادة الدولة الوطنية؛ وهذا هو أخطر ما تواجهه إيران؛ لأن استعادة الدولة الوطنية هو القضاء على كل المليشيات الإيرانية.. والمتابع لإيران في طريقة تعاطيها مع الدول العربية التي وجدت موطأ قدم فيها؛ يجد أن شغل إيران الشاغل هو العمل على هدم الدولة الوطنية عبر تقوية التشكيلات والمليشيات التي أصبحت قوة فوق الدولة وأصبحت الدولة تابعة لها كما هو الحال في لبنان والعراق.

وما يحدث في العراق ولبنان يختلف عما حدث في مرحلة الربيع العربي؛ بل هو تجسيد حقيقي لما يمكن تسميته بالربيع العربي؛ فهذه المظاهرات هي صراع بين الهوية العربية والهوية الفارسية، التي تحاول إيران العمل على أن تحلّ محل الهوية العربية في العراق ولبنان؛ وبالتالي أكبر ما يواجه إيران اليوم ويجعلها تتخوف مما يحدث في العراق ولبنان؛ هو وعي الشعوب؛ لأن إيران كانت تراهن على نجاح مشروعها التوسعي والمسيطر على الدول العربية، وهو تغييب الوعي الشعبي بصياغة شعارات مثل نصرة المستضعفين ومواجهة الإمبريالية وغيرها.

مرحلة جديدة

* إلى أي مدى يمكن القول إن المظاهرات تدشن مسارًا جديًّا لتصفية النفوذ الإيراني في العراق ولبنان؟

- عندما ننظر إلى المظاهرات العراقية واللبنانية، نجد أن الشعارات والهتافات تركز بشكل كبير على "طرد إيران"؛ وهو بالتالي ما يعكس وجود إدراك شعبي بأن المواجهة ليست مع النظام العراقي واللبناني الطائفي بل مع إيران، وأن طرد إيران والقضاء على نفوذها في العراق ولبنان هو بداية الطريق نحو اجتثاث الأنظمة الطائفية وبناء الدولة الوطنية؛ وبالتالي فلا شك أن ما يحدث في العراق ولبنان يدشن مرحلة جديدة في معادلة الصراع "العربي- الإيراني"، ويقود لإحداث تغيير في ميزان القوة. فلم يعد أمام إيران فرصة للتباهي بالسيطرة على أربعة عواصم عربية، لن تعود بيروت وبغداد ضمن قائمة العواصم الأربعة التي تسيطر عليها إيران، وهناك تقدم على الأرض اليمنية في اتجاه تحرير صنعاء؛ وبالتالي ما كانت إيران تتباهى به بالأمس تبخّر؛ وبالتالي فهذه المظاهرات العراقية واللبنانية تفرض واقعًا عربيًّا جديدًا، وخارطة عربية جديدة، غير تلك التي تتباهى بها إيران، وسيكون لها تأثير كبير على إحداث تقدم في طريق تصفية النفوذ الإيراني في المنطقة العربية.

النظام الطائفي

* بعد أن أجبر المتظاهرون العراقيون، عادل عبدالمهدي على قبول التنحي، وأطاح نظراؤهم اللبنانيون بحكومة سعد الحريري التي كان يهيمن عليها "حزب الله".. ما توقعاتك لمصير وكلاء إيران في العراق ولبنان؟

- استقالة سعد الحريري في لبنان، وإجبار عادل عبدالمهدي في العراق على التنحي؛ هو بلا شك انتصار للإرادة الشعبية العربية في العراق ولبنان؛ وهي خطوة ستقود إلى الإبقاء على ميزان القوة في الشارع العراقي واللبناني لصالح المتظاهرين، وهي بلا شك ستقود لخلق إصرار شعبي على مواصلة استكمال تحقيق جميع مطالبه، وما يحدث في العراق ولبنان ليس المستهدف الرئيسي منه هو عادل عبدالمهدي أو سعد الحريري؛ بل المستهدف هو النظام الطائفي بأكمله، الذي وفر البيئة الخصبة لاستمرارية بقاء المليشيات الإيرانية.

وترتيبًا على ذلك؛ فإن مصير وكلاء إيران في العراق ولبنان أصبح على المحك؛ لا سميا أن قوة الشارع -وخاصة في لبنان- برهنت على إمكانية اقتلاع وكلاء إيران من جذورها، ربما الفشل الذريع لمليشيا "حزب الله" في تغيير معادلة القوة في الشارع لمصلحته، عندما سعى للإيعاز لأتباعه بالنزول إلى الشارع ورفع أعلام وشعارات مؤيدة للحزب، ولم ينجح ذلك في تغيير معادلة القوة في الشارع اللبناني، وهو ما يؤكد مدى هشاشة الحزب أمام قوة الشارع، ويعد بمثابة انتصار للمتظاهرين اللبنانيين ولانتفاضتهم.

كسر الحواجز

* ما احتمالات انتقال المظاهرات إلى الداخل الإيراني مع استمرار الاحتقان الشعبي من النظام وفي ضوء المظاهرات التي اجتاحت إيران عامي 2018 و2019؟

- الفشل الإيراني في الإبقاء على ميزان القوة في العراق ولبنان لمصلحتهم؛ يعكس مدى هشاشة النظام الإيراني خارجيًّا، وأنه لم يَعُد بالقوة التي كان عليها في السابق؛ وبالتالي فإن سقوط الهيبة الإيرانية في الخارج سيقود إلى إعطاء دفعة معنوية لإسقاط هيبته في الداخل الإيراني؛ خاصة في ظل وجود أرضية خصبة للانتفاضة، وهي الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها إيران بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وفي ظل وجود حراك شعبي في الشارع يمكن النظر له بأنه يقود إلى كسر حاجز الخوف والصمت؛ وبالتالي فإن النظام الإيراني يتخوف من الانفجار الداخلي؛ وبالتالي لا يزال النظام يُصِر على التعامل مع الحالة الجديدة بالأدوات القديمة عبر محاولات الهروب إلى الخارج، واللعب على وتر الشعارات التي لم تعد ذات فائدة في ظل السقوط المدوي لتأثيرها في لبنان والعراق، والتي أصبح تأثيرها باهتًا في الداخل الإيراني.

* أعربتَ عن أمنيتك في مشاهدة ما يحدث في العراق ولبنان في شوارع قطر؛ فما الذي يحدوك لذلك؛ لا سيما أنك ربطته بالقلق من احتمال عبث إيران بالهوية العربية للقطريين؟

- ما يحدث في قطر هو تفريط في الهوية العربية، النظام القطري لم يتعلم من دروس العراق ولبنان، وسعى لفتح الطريق أمام تعزيز الهيمنة الإيرانية في الداخل عبر الاتفاقيات العسكرية والتجارية والثقافية، التي تستخدمها إيران حصان طروادة لتعميق وترسيخ احتلالها الناعم في الدول التي تجد مدخلًا لها فيها؛ وبالتالي فإن النظام القطري كان يعتقد أن تعزيز العلاقة مع إيران سوف يجبر الدول المقاطعة على التراجع عن المطالب الـ13 والعزلة التي تعيشها قطر، وهي قراءة خاطئة؛ فلم يعد بالإمكان اللعب على وتر العلاقة مع إيران كأداة لتحقيق مكاسب وأهداف سياسية في ظل حالة الانكسار التي يعيشها المشروع الإيراني.

وفي ضوء ذلك؛ فإن هذه الخطوة القطرية، سيكون المتضرر الوحيد منها هو قطر الدولة والشعب؛ ولذلك فإنه يبدو أن النظام القطري غير مبالٍ للمشروع الإيراني للتغلغل في الداخل القطري. ويبدو أنه لم ينتبه بشكل جدي لهذا الخطر الإيراني؛ وبالتالي فالتعويل على الشعب القطري في التحرك لدق ناقوس الخطر الذي يهدد عروبته وهويته العربية؛ حيث المتابع للسياسات القطرية؛ يجد أن قطر لم يعد لها من عروبتها سوى موقعها الجغرافي، وأصبحت أداة للمشروعين الفارسي والعثماني؛ حيث سخّرت إمكانياتها المادية والإعلامية كافة لدعم هذه المشاريع، التي ستكون قطر هي أول المستهدفين بها.

07 نوفمبر 2019 - 10 ربيع الأول 1441
02:00 PM

"الزعتر" لـ"سبق": اتفاق الرياض يقوّض نفوذ إيران باليمن.. ومشروعها يواجه انكسارًا في العراق ولبنان

قطر فتحت الباب لاحتلال فارسي ناعم.. والتعويل على تحرك شعبها لإنقاذ هويته

A A A
27
19,099

- اتفاق الرياض يحصّن إنجازات التحالف والمقاومة اليمنية.

- المملكة ردمت هوة الخلاف وأعادت الثقة بين اليمنيين.

- العقوبات الأمريكية على إيران أسقطت خطابها الثوري.

- من المرجّح أن تفجر العقوبات حراكًا شعبيًّا داخل إيران.

- دعوات إيران للحوار الإقليمي تحايلٌ على عقوبات واشنطن.

- مظاهرات العراق ولبنان محاولة لاستعادة الدولة الوطنية.

- وعي الشعوب بمخاطر إيران أكبر ما يهدد مشروعها التوسعي.

- مصير وكلاء إيران في العراق ولبنان أصبح على المحك.

- سقوط هيبة النظام الإيراني في الخارج سيدعم إزالته بالداخل.

- قطر تَحَوّلت لأداة فعالة للمشروعين الفارسي والعثماني.

في حديثه لـ"سبق"، يؤكد الكاتب والباحث السياسي خالد الزعتر، أن اتفاق الرياض قطع الطريق أمام استفحال التهديد الإيراني للدولة اليمنية عبر الانقلاب الحوثي، كما أثبت وقوف السعودية على مسافة واحدة من كل مكونات الشعب اليمني.

ولفت "الزعتر" إلى أن المشروع الإيراني في العراق ولبنان يواجه حاليًا انكسارًا عميقًا بتأثير المظاهرات الشعبية واسعة النطاق، والمطالبة باستعادة الدولة الوطنية من قبضة وكلاء إيران في كلتا الدولتين؛ موضحًا أن المظاهرات فرضت واقعًا عربيًّا جديدًا يقوم على تغليب الهوية الوطنية على الانتماء الطائفي.

وبيّن "الزعتر" أن العقوبات الأمريكية أثّرت بشدة على النظام الإيراني، الذي بات يتخوف من تزايد مؤشرات الانفجار الداخلي، وأشار إلى أن النظام القطري فتح الباب لاحتلال إيراني ناعم من خلال توسعه في إبرام الاتفاقات المتنوعة مع طهران؛ مضيفًا أن التعويل ينصبّ على احتمال تحرك الشعب القطري للمحافظة على هويته في مواجهة التغلغل الإيراني.

تفاصيل أكثر في ثنايا الحوار:

احتواء الخلافات

* ما الأهمية الاستراتيجية لاتفاق الرياض بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي بالنسبة لمعادلة الصراع مع إيران، ومسار الحرب التي يشنها الحوثيون بالنيابة عنها في اليمن؟

- تكمن الأهمية الاستراتيجية لاتفاق الرياض في أنه يشكل خطوة باتجاه ترتيب الأولويات والعمل على توحيد الجبهة الداخلية في مواجهة الحوثي وتوابعه "القاعدة" و"داعش"، والعمل على تحصين الإنجازات والمكتسبات التي تَحققت بفضل التحالف العربي والمقاومة، التي استطاعت تحرير ما يقارب الـ80% من الأراضي اليمنية؛ وبالتالي فإن اتفاق الرياض خطوة تأتي داعمة لاستكمال تحرير الأراضي اليمنية وقطع الطريق أمام الحوثي من العمل على استغلال حالة التأزم بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي في توظيف ذلك؛ لمصلحة إعادة ترتيب أوراقه والتقاط أنفاسه في ظل حالة الإنهاك النفسي والعسكري التي يعيشها، وقطع الطريق أمام التنظيمات الإرهابية من استغلال حالة الانفلات الأمني للعودة إلى الواجهة؛ وهو ما شاهدناه من محاولات لتنظيم "داعش" الإرهابي لاستهداف قوات الحزام الأمني في عدن.

كما أن اتفاق الرياض يدشن مرحلة مهمة في تاريخ الملف اليمني قائمة على ترسيخ مبدأ الشراكة بين كل الأطراف اليمنية وحفظ حقوق كل الأطراف اليمنية الفاعلة على الأرض، والتي لعبت دورًا في مواجهة الحوثي وتوابعه "القاعدة" و"داعش"؛ وبالتالي فهو يقطع الطريق أمام إعادة إنتاج السياسات القديمة التي أرسى قواعدها نظام علي عبدالله صالح منذ العام 1994، القائمة على هضم حقوق الجنوبيين والعمل على إقصائهم وتهميشهم، كما أن اتفاق الرياض لا يقف عند حدود توحيد الجبهة الداخلية في مواجهة المشروع الإيراني؛ وإنما يقطع الطريق أمام المشروع الإخواني الذي يحاول السيطرة على الحكومة اليمنية والعمل على تسييرها لمصلحته، والعمل على إقصاء كل المكونات اليمنية التي لعبت دورًا في مواجهة الحوثي.

* حرصت السعودية خلال احتضانها لمحادثات الطرفين، على منع الاستغلال الخارجي لنزاعهما من خلال تشجيعهما على الخروج بحل "يمني- يمني" ينسجم مع المرجعيات الثلاث؛ فما قيمة الدور الذي لعبته السعودية في الوساطة بين الطرفين؟

- اتفاق الرياض يأتي نتيجة لجهود سياسية بذلتها المملكة العربية السعودية لتقريب وجهات النظر بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي، والعمل على ردم هوة الاختلاف وبناء الثقة بين كل الأطراف؛ وبالتالي فإن نجاح حوار جدة، والخروج باتفاق الرياض؛ يؤكد قدرة السعودية على احتواء الخلافات بين كل الأطراف اليمنية، والعمل على استعادة الثقة بين هذه الأطراف اليمنية بما يخدم قطع الطريق أمام من يحاول التربص بالملف اليمني لهدم الإنجازات والمكتسبات، التي حققها التحالف العربي في طريق دحر المشروع الإيراني في اليمن، وأيضًا يأتي اتفاق الرياض، الذي جاء نجاحه نتيجة لرعاية السعودية لحوار جده؛ ليؤكد وقوف المملكة على مسافة واحد بين كل المكونات اليمنية، كما أن اتفاق الرياض جاء نتيجة تكاتف دول التحالف العربي لإنجاح حوار جدة؛ وهو بالتالي يعكس مدى قدرة التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن على التعامل مع كل التحديات فيما يخص الملف اليمني، وكل دولة تكمل الأخرى، ووقوف الجميع على مسافة واحدة من جميع الأطراف اليمنية.

تأثير العقوبات

* ما تأثير العقوبات الأمريكية على النظام الإيراني في الداخل والخارج لا سيما أنه يحاول إعطاء انطباع عام بأنها محدودة التأثير رغم انهيار مبيعاته من النفط وتراجع قيمة العملة إلى مستوى متدني؟

- حديث الرئيس الإيراني حسن روحاني في شهر فبراير 2019 بأن الحرب الاقتصادية أقوى من الحرب العسكرية، الذي سبقه تصريحات له بأن بلاده تُواجه أصعب وضع اقتصادي منذ 40 عامًا؛ يدل على سقوط الخطاب الثوري وخطاب المكابرة، الذي اعتدنا سماعه لسنوات طويلة، والذي كان يتضمن شعارات بأن "إيران سوف تصمد ولن تتأثر بالعقوبات" وغيرها من الشعارات المواجهة للاستهلاك الداخلي؛ فهذا الاعتراف وهذا السقوط المدوّي لخطاب المكابرة الإيراني؛ يعكس إلى أي مدى هناك إحساس داخلي بأن العقوبات الاقتصادية الأمريكية بدأت تؤثر في الداخل الإيراني، والوضع الاقتصادي المتردي في إيران، الذي وصل إلى مستويات عالية من الانهيار؛ لا تؤكده فقط تصريحات روحاني، بل تدعمه الأرقام.

لقد كشف مصطفى مير موساوي، العضو في مجلس تشخيص مصلحة النظام في إيران؛ أن حوالى 70% من المصانع أُغلقت بسبب الوضع الاقتصادي، وكذلك تصريحات رئيس لجنة الصناعات في الغرفة التجارية الإيرانية أبو الفضل كلبايكاني، الذي تَحَدّث عن عدم توافر المواد الخام، ونقص العملة الصعبة بسبب العقوبات الأمريكية، التي أدت لإغلاق وإفلاس العديد من المصانع وورش العمل، كما أن نسبة التضخم السنوي في إيران وصلت في الفترة من 23 أكتوبر وحتى 22 نوفمبر 2018 ما يقارب 34.9%؛ وهو ما يعكس بالتالي الضرر الحاصل في الاقتصاد الإيراني نتيجة الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية.

وفي المحصلة؛ فإن هذه العقوبات سيكون لها تأثير على تشديد الضغط الداخلي في إيران التي تعيش وضعًا احتجاجيًّا مستمرًّا ما، يعكس بالتالي أن مخاوف النظام الإيراني ليست فقط بسبب عودة العقوبات الاقتصادية؛ بل بتزامن عودتها مع حراك شعبي سوف تقود هذه العقوبات وهذه الأزمة الاقتصادية الخانقة إلى تصاعد حالة الغضب الشعبي الداخلي؛ أما تأثير هذه العقوبات على الصعيد الخارجي فإن أزمة إيران الاقتصادية لا شك أنها سوف تعيق عملية التمويل الإيراني للمليشيات الإرهابية ووكلاءها في المنطقة؛ وبالتالي فإن هذه المليشيات التي تعتمد في بقائها بشكل رئيسي على الدعم الإيراني سوف تبدأ في الدخول في مرحلة الضعف التي ستقود إلى إسقاطها في ظل الضربات، التي تتلقاها من دول المحور العربي بقيادة السعودية التي تتصدى للسياسات الإيرانية المزعزعة للاستقرار في المنطقة.

الضغط الشعبي

* تراهن الإدارة الأمريكية على فاعلية العقوبات في تغيير مسلك النظام الإيراني، فهل ترى مؤشرات تعبّر عن قُربِ تحقّق هذا الاحتمال؟

- الرهان الأمريكي على فاعلية العقوبات الأمريكية يعتمد بدرجة كبيرة على التعويل على الضغط الشعبي الداخلي.. عندما ننظر إلى الخطاب السياسي الأمريكي نجده بدأ يتبنى لغة جديدة موجهة ضد إيران، يحاول الأمريكيون من خلالها مخاطبة الشعب الإيراني والحديث معه؛ وهو ما حاول وزير الخارجية الأمريكي تأكيده عبر العرض الذي قدمه للسفر لإيران ومخاطبة الشعب الإيراني، وحديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عندما قال: "أنا حزين على الشعب الإيراني"، وغيرها من الأحاديث الأمريكية التي تتحدث بشكل مباشر عن الشعب الإيراني وعن سماع صوته وعن تطلعه للحرية.

وكل هذه المحاولات تؤكد أن الولايات المتحدة الأمريكية تعوّل على أن يكون هناك ضغط شعبي يسرّع من عملية تأثير العقوبات على السياسات الإيراني؛ وهذا هو أحد أسباب سياسة القفز الأمريكية على النظام الإيراني والعمل على مخاطبة الشعب الإيراني مباشرة، وأن يكون الشعب الإيراني وطموحاته وأضرار سياسات النظام الإيراني على الشعب جزءًا من الخطاب السياسي الأمريكي في التعامل مع الحالة الإيرانية؛ أملًا في أن يدفع ذلك إلى إحداث تطورات في الحالة الداخلية الإيرانية تكون عاملًا مساهمًا في عملية الضغط الخارجي.

الأطماع التوسعية

* أعلنت إيران خلال الأيام الأخيرة عن تسليم دول الخليج ما وُصف بـ"خطة إقليمية للأمن والتعاون في المنطقة"؛ فهل من الوارد تعاون دول الخليج مع إيران في الوقت الذي لم تتخلَّ فيه عن توجهاتها العدائية لمعظم تلك الدول؟

- "الخطة الإقليمية الإيرانية للأمن والتعاون في المنطقة"، التي سبقتها دعوة إيرانية لحوار إقليمي؛ لا تعكس وجود نوايا إيرانية لتغيير حقيقي في سياساتها المزعزعة للاستقرار في المنطقة، هذه المحاولات الإيرانية يمكن النظر لها بأنها محاولة للقفز على الضغوط الأمريكية عبر إجهاض هذه الخطوات الأمريكية بالتسويق لصفحة جديدة تجاه المنطقة، وأيضًا القفز على حالة العزلة السياسية التي تعيشها إيران والتي يحاول الإيرانيون عبر التسويق لهذه المقترحات؛ وذلك من أجل أن يضمنوا لهم دورًا في أي ترتيبات إقليمية، وأن تكون إيران جزءًا من العمل الإقليمي؛ وذلك للخروج من حالة العُزلة التي فرضت عليها.

ولكن هذه الأساليب الإيرانية لن تنطوي على دول الخليج؛ فموقف الأغلبية الخليجية يرفض أن يكون هناك تعامل أو تعاطٍ مع أي نوع من المبادرات الإيرانية؛ ما لم يكن هناك تغيير حقيقي في السياسات الإيرانية، وتقديم ورقة إثبات حسن نوايا تُؤكد وجود جدية إيرانية في تغيير سياساتها، وهذا أمر صعب لأن من الصعوبة أن يكون هناك تغيير في السياسات الإيرانية؛ لأن نظام الخميني تأسس على الأطماع التوسعية والفوضوية، التي أصبحت جزءًا من الدستور الإيراني تحت مسمى "نصرة المستضعفين"، وهي النقطة التي يحاول عبرها نظام الملالي في إيران تغليف مشروعه التوسعي.

استعادة الدولة الوطنية

* لماذا يتخوف النظام الإيراني من المظاهرات الوطنية العابرة للطائفية في العراق ولبنان؟

- المظاهرات الوطنية في العراق ولبنان، ليست مجرد مظاهرات عابرة أو ثورات شبيهة بثورات الربيع العربي؛ فالمتابع لمطالب هذه الانتفاضة العراقية واللبنانية يجد أنها لم تخرج من أجل كسرة خبز أو بحث عن عدالة اجتماعية؛ بل خرجت من أجل استعادة الدولة الوطنية؛ وهذا هو أخطر ما تواجهه إيران؛ لأن استعادة الدولة الوطنية هو القضاء على كل المليشيات الإيرانية.. والمتابع لإيران في طريقة تعاطيها مع الدول العربية التي وجدت موطأ قدم فيها؛ يجد أن شغل إيران الشاغل هو العمل على هدم الدولة الوطنية عبر تقوية التشكيلات والمليشيات التي أصبحت قوة فوق الدولة وأصبحت الدولة تابعة لها كما هو الحال في لبنان والعراق.

وما يحدث في العراق ولبنان يختلف عما حدث في مرحلة الربيع العربي؛ بل هو تجسيد حقيقي لما يمكن تسميته بالربيع العربي؛ فهذه المظاهرات هي صراع بين الهوية العربية والهوية الفارسية، التي تحاول إيران العمل على أن تحلّ محل الهوية العربية في العراق ولبنان؛ وبالتالي أكبر ما يواجه إيران اليوم ويجعلها تتخوف مما يحدث في العراق ولبنان؛ هو وعي الشعوب؛ لأن إيران كانت تراهن على نجاح مشروعها التوسعي والمسيطر على الدول العربية، وهو تغييب الوعي الشعبي بصياغة شعارات مثل نصرة المستضعفين ومواجهة الإمبريالية وغيرها.

مرحلة جديدة

* إلى أي مدى يمكن القول إن المظاهرات تدشن مسارًا جديًّا لتصفية النفوذ الإيراني في العراق ولبنان؟

- عندما ننظر إلى المظاهرات العراقية واللبنانية، نجد أن الشعارات والهتافات تركز بشكل كبير على "طرد إيران"؛ وهو بالتالي ما يعكس وجود إدراك شعبي بأن المواجهة ليست مع النظام العراقي واللبناني الطائفي بل مع إيران، وأن طرد إيران والقضاء على نفوذها في العراق ولبنان هو بداية الطريق نحو اجتثاث الأنظمة الطائفية وبناء الدولة الوطنية؛ وبالتالي فلا شك أن ما يحدث في العراق ولبنان يدشن مرحلة جديدة في معادلة الصراع "العربي- الإيراني"، ويقود لإحداث تغيير في ميزان القوة. فلم يعد أمام إيران فرصة للتباهي بالسيطرة على أربعة عواصم عربية، لن تعود بيروت وبغداد ضمن قائمة العواصم الأربعة التي تسيطر عليها إيران، وهناك تقدم على الأرض اليمنية في اتجاه تحرير صنعاء؛ وبالتالي ما كانت إيران تتباهى به بالأمس تبخّر؛ وبالتالي فهذه المظاهرات العراقية واللبنانية تفرض واقعًا عربيًّا جديدًا، وخارطة عربية جديدة، غير تلك التي تتباهى بها إيران، وسيكون لها تأثير كبير على إحداث تقدم في طريق تصفية النفوذ الإيراني في المنطقة العربية.

النظام الطائفي

* بعد أن أجبر المتظاهرون العراقيون، عادل عبدالمهدي على قبول التنحي، وأطاح نظراؤهم اللبنانيون بحكومة سعد الحريري التي كان يهيمن عليها "حزب الله".. ما توقعاتك لمصير وكلاء إيران في العراق ولبنان؟

- استقالة سعد الحريري في لبنان، وإجبار عادل عبدالمهدي في العراق على التنحي؛ هو بلا شك انتصار للإرادة الشعبية العربية في العراق ولبنان؛ وهي خطوة ستقود إلى الإبقاء على ميزان القوة في الشارع العراقي واللبناني لصالح المتظاهرين، وهي بلا شك ستقود لخلق إصرار شعبي على مواصلة استكمال تحقيق جميع مطالبه، وما يحدث في العراق ولبنان ليس المستهدف الرئيسي منه هو عادل عبدالمهدي أو سعد الحريري؛ بل المستهدف هو النظام الطائفي بأكمله، الذي وفر البيئة الخصبة لاستمرارية بقاء المليشيات الإيرانية.

وترتيبًا على ذلك؛ فإن مصير وكلاء إيران في العراق ولبنان أصبح على المحك؛ لا سميا أن قوة الشارع -وخاصة في لبنان- برهنت على إمكانية اقتلاع وكلاء إيران من جذورها، ربما الفشل الذريع لمليشيا "حزب الله" في تغيير معادلة القوة في الشارع لمصلحته، عندما سعى للإيعاز لأتباعه بالنزول إلى الشارع ورفع أعلام وشعارات مؤيدة للحزب، ولم ينجح ذلك في تغيير معادلة القوة في الشارع اللبناني، وهو ما يؤكد مدى هشاشة الحزب أمام قوة الشارع، ويعد بمثابة انتصار للمتظاهرين اللبنانيين ولانتفاضتهم.

كسر الحواجز

* ما احتمالات انتقال المظاهرات إلى الداخل الإيراني مع استمرار الاحتقان الشعبي من النظام وفي ضوء المظاهرات التي اجتاحت إيران عامي 2018 و2019؟

- الفشل الإيراني في الإبقاء على ميزان القوة في العراق ولبنان لمصلحتهم؛ يعكس مدى هشاشة النظام الإيراني خارجيًّا، وأنه لم يَعُد بالقوة التي كان عليها في السابق؛ وبالتالي فإن سقوط الهيبة الإيرانية في الخارج سيقود إلى إعطاء دفعة معنوية لإسقاط هيبته في الداخل الإيراني؛ خاصة في ظل وجود أرضية خصبة للانتفاضة، وهي الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعيشها إيران بسبب العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، وفي ظل وجود حراك شعبي في الشارع يمكن النظر له بأنه يقود إلى كسر حاجز الخوف والصمت؛ وبالتالي فإن النظام الإيراني يتخوف من الانفجار الداخلي؛ وبالتالي لا يزال النظام يُصِر على التعامل مع الحالة الجديدة بالأدوات القديمة عبر محاولات الهروب إلى الخارج، واللعب على وتر الشعارات التي لم تعد ذات فائدة في ظل السقوط المدوي لتأثيرها في لبنان والعراق، والتي أصبح تأثيرها باهتًا في الداخل الإيراني.

* أعربتَ عن أمنيتك في مشاهدة ما يحدث في العراق ولبنان في شوارع قطر؛ فما الذي يحدوك لذلك؛ لا سيما أنك ربطته بالقلق من احتمال عبث إيران بالهوية العربية للقطريين؟

- ما يحدث في قطر هو تفريط في الهوية العربية، النظام القطري لم يتعلم من دروس العراق ولبنان، وسعى لفتح الطريق أمام تعزيز الهيمنة الإيرانية في الداخل عبر الاتفاقيات العسكرية والتجارية والثقافية، التي تستخدمها إيران حصان طروادة لتعميق وترسيخ احتلالها الناعم في الدول التي تجد مدخلًا لها فيها؛ وبالتالي فإن النظام القطري كان يعتقد أن تعزيز العلاقة مع إيران سوف يجبر الدول المقاطعة على التراجع عن المطالب الـ13 والعزلة التي تعيشها قطر، وهي قراءة خاطئة؛ فلم يعد بالإمكان اللعب على وتر العلاقة مع إيران كأداة لتحقيق مكاسب وأهداف سياسية في ظل حالة الانكسار التي يعيشها المشروع الإيراني.

وفي ضوء ذلك؛ فإن هذه الخطوة القطرية، سيكون المتضرر الوحيد منها هو قطر الدولة والشعب؛ ولذلك فإنه يبدو أن النظام القطري غير مبالٍ للمشروع الإيراني للتغلغل في الداخل القطري. ويبدو أنه لم ينتبه بشكل جدي لهذا الخطر الإيراني؛ وبالتالي فالتعويل على الشعب القطري في التحرك لدق ناقوس الخطر الذي يهدد عروبته وهويته العربية؛ حيث المتابع للسياسات القطرية؛ يجد أن قطر لم يعد لها من عروبتها سوى موقعها الجغرافي، وأصبحت أداة للمشروعين الفارسي والعثماني؛ حيث سخّرت إمكانياتها المادية والإعلامية كافة لدعم هذه المشاريع، التي ستكون قطر هي أول المستهدفين بها.