الممثل البارع أردوغان وأقنعة لكل مشهد

منذ عقود مضت والوطن العربي غير مستقر وغير مرتاح البال؛ ما يخرج من أزمة إلا ويجد نفسه في أزمة أكبر وأخطر من سابقتها، حروب وخراب ودمار، وأخيرًا ربيع عربي أثمر أنظمة جديدة، يدفع معظمها ثمن تصرفات الأنظمة القديمة. وإذا كانت إسرائيل السبب المباشر للكثير من هذه الأزمات فتركيا هي السبب الثاني. وإذا جاز القول فـ"أنقرة" هي الامتداد الطبيعي لـ"تل أبيب".

ما ترتبكه تركيا من أعمال عسكرية في سوريا والعراق ثم ليبيا لا يشير إلى أن نظامها الحاكم إسلامي الطابع، يشهد بالشهادتين، وإنما يشير إلى أطماع النظام في التوسع ميدانيًّا، واحتلال الدول، والتحكم في مصيرها، ومصادرة قرارها السياسي. وإذا كانت تركيا أوجدت مبررًا سياسيًّا للتدخل العسكري في سوريا والعراق بمحاربة الإرهابيين من وجهة نظرها إلا أن تدخلها في ليبيا بعدد وافر من المرتزقة والعصابات السورية لا مبرر له سوى أن الرئيس التركي أردوغان لديه أجندة توسعية، تسعى إلى إعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية، وبعدها ينصب نفسه خليفة للمسلمين من الخليج إلى المحيط. وتدرك الدول العربية اليوم أنه لا فرق بين إسرائيل وتركيا؛ فكلاهما يريد النيل من الوطن العربي، وكلاهما له أطماعه في مقدرات هذا الوطن وخيرات شعوبه، وإلا لما قطع أردوغان آلاف الأميال صوب ليبيا بهدف السيطرة على آبار النفط هناك، والاستحواذ على عقود إعادة إعمار ليبيا بثورة تقدر بـ120 مليار دولار. ومن هنا لم يكن غريبًا أن تبادر السعودية بدعم موقف مصر الرافض للوجود التركي في ليبيا، وترى أن من حق القاهرة حماية حدودها الغربية من وجود عصابات ومرتزقة، تهدد أمنها وسيادتها.

لا أبالغ إذا أكدت أن السعودية من أولى الدول العربية والإسلامية التي تنبهت مبكرًا للأطماع التركية في الوطن العربي، وحذرت منها مرارًا وتكرارًا؛ فلم ينطلِ عليها العبارات المعسولة التي ينطق بها أردوغان، ويدعي فيها أنه إنسان مسلم، محب للعرب والإسلام، فأردوغان أثبت أنه ممثل بارع، يرتدي قناعًا لكل مشهد، وكان أبرز هذه المشاهد عندما هاجم الرئيس الإسرائيلي الأسبق بيريز، وانتقد موقف إسرائيل من قتل أطفال فلسطين؛ فصفق له كل العرب الذين لم يكونوا يعلمون أنه تركيا في عهد أردوغان أكبر شريك اقتصادي وسياسي لإسرائيل في المنطقة.

يومًا ما سيحاكم التاريخ أردوغان على تخبطاته وسياسته الخارجية، وتصرفاته الطائشة، ويومًا ما سيحاكم الشعب التركي المغلوب على أمره رئيسه الذي زج بالبلاد في حروب عدة، هو في غنى عنها. فاليوم ليس لتركيا صديق صدوق سوى قطر وإيران، وهي تشكل ثلاثي الشر في المنطقة، تعشق الإرهاب، وتحتضن الإرهابيين، وتتدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار. ومثل هذه الدول ستدفع ثمن جرائمها وتصرفاتها؛ فالتاريخ لا يرحم أحدًا، وستكشف صفحاته عن الدول الغارقة في الإرهاب، وتلك التي تحاربه وترفض دعمه.

ماجد البريكان
اعلان
الممثل البارع أردوغان وأقنعة لكل مشهد
سبق

منذ عقود مضت والوطن العربي غير مستقر وغير مرتاح البال؛ ما يخرج من أزمة إلا ويجد نفسه في أزمة أكبر وأخطر من سابقتها، حروب وخراب ودمار، وأخيرًا ربيع عربي أثمر أنظمة جديدة، يدفع معظمها ثمن تصرفات الأنظمة القديمة. وإذا كانت إسرائيل السبب المباشر للكثير من هذه الأزمات فتركيا هي السبب الثاني. وإذا جاز القول فـ"أنقرة" هي الامتداد الطبيعي لـ"تل أبيب".

ما ترتبكه تركيا من أعمال عسكرية في سوريا والعراق ثم ليبيا لا يشير إلى أن نظامها الحاكم إسلامي الطابع، يشهد بالشهادتين، وإنما يشير إلى أطماع النظام في التوسع ميدانيًّا، واحتلال الدول، والتحكم في مصيرها، ومصادرة قرارها السياسي. وإذا كانت تركيا أوجدت مبررًا سياسيًّا للتدخل العسكري في سوريا والعراق بمحاربة الإرهابيين من وجهة نظرها إلا أن تدخلها في ليبيا بعدد وافر من المرتزقة والعصابات السورية لا مبرر له سوى أن الرئيس التركي أردوغان لديه أجندة توسعية، تسعى إلى إعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية، وبعدها ينصب نفسه خليفة للمسلمين من الخليج إلى المحيط. وتدرك الدول العربية اليوم أنه لا فرق بين إسرائيل وتركيا؛ فكلاهما يريد النيل من الوطن العربي، وكلاهما له أطماعه في مقدرات هذا الوطن وخيرات شعوبه، وإلا لما قطع أردوغان آلاف الأميال صوب ليبيا بهدف السيطرة على آبار النفط هناك، والاستحواذ على عقود إعادة إعمار ليبيا بثورة تقدر بـ120 مليار دولار. ومن هنا لم يكن غريبًا أن تبادر السعودية بدعم موقف مصر الرافض للوجود التركي في ليبيا، وترى أن من حق القاهرة حماية حدودها الغربية من وجود عصابات ومرتزقة، تهدد أمنها وسيادتها.

لا أبالغ إذا أكدت أن السعودية من أولى الدول العربية والإسلامية التي تنبهت مبكرًا للأطماع التركية في الوطن العربي، وحذرت منها مرارًا وتكرارًا؛ فلم ينطلِ عليها العبارات المعسولة التي ينطق بها أردوغان، ويدعي فيها أنه إنسان مسلم، محب للعرب والإسلام، فأردوغان أثبت أنه ممثل بارع، يرتدي قناعًا لكل مشهد، وكان أبرز هذه المشاهد عندما هاجم الرئيس الإسرائيلي الأسبق بيريز، وانتقد موقف إسرائيل من قتل أطفال فلسطين؛ فصفق له كل العرب الذين لم يكونوا يعلمون أنه تركيا في عهد أردوغان أكبر شريك اقتصادي وسياسي لإسرائيل في المنطقة.

يومًا ما سيحاكم التاريخ أردوغان على تخبطاته وسياسته الخارجية، وتصرفاته الطائشة، ويومًا ما سيحاكم الشعب التركي المغلوب على أمره رئيسه الذي زج بالبلاد في حروب عدة، هو في غنى عنها. فاليوم ليس لتركيا صديق صدوق سوى قطر وإيران، وهي تشكل ثلاثي الشر في المنطقة، تعشق الإرهاب، وتحتضن الإرهابيين، وتتدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار. ومثل هذه الدول ستدفع ثمن جرائمها وتصرفاتها؛ فالتاريخ لا يرحم أحدًا، وستكشف صفحاته عن الدول الغارقة في الإرهاب، وتلك التي تحاربه وترفض دعمه.

26 يونيو 2020 - 5 ذو القعدة 1441
11:57 PM

الممثل البارع أردوغان وأقنعة لكل مشهد

ماجد البريكان - الرياض
A A A
1
981

منذ عقود مضت والوطن العربي غير مستقر وغير مرتاح البال؛ ما يخرج من أزمة إلا ويجد نفسه في أزمة أكبر وأخطر من سابقتها، حروب وخراب ودمار، وأخيرًا ربيع عربي أثمر أنظمة جديدة، يدفع معظمها ثمن تصرفات الأنظمة القديمة. وإذا كانت إسرائيل السبب المباشر للكثير من هذه الأزمات فتركيا هي السبب الثاني. وإذا جاز القول فـ"أنقرة" هي الامتداد الطبيعي لـ"تل أبيب".

ما ترتبكه تركيا من أعمال عسكرية في سوريا والعراق ثم ليبيا لا يشير إلى أن نظامها الحاكم إسلامي الطابع، يشهد بالشهادتين، وإنما يشير إلى أطماع النظام في التوسع ميدانيًّا، واحتلال الدول، والتحكم في مصيرها، ومصادرة قرارها السياسي. وإذا كانت تركيا أوجدت مبررًا سياسيًّا للتدخل العسكري في سوريا والعراق بمحاربة الإرهابيين من وجهة نظرها إلا أن تدخلها في ليبيا بعدد وافر من المرتزقة والعصابات السورية لا مبرر له سوى أن الرئيس التركي أردوغان لديه أجندة توسعية، تسعى إلى إعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية، وبعدها ينصب نفسه خليفة للمسلمين من الخليج إلى المحيط. وتدرك الدول العربية اليوم أنه لا فرق بين إسرائيل وتركيا؛ فكلاهما يريد النيل من الوطن العربي، وكلاهما له أطماعه في مقدرات هذا الوطن وخيرات شعوبه، وإلا لما قطع أردوغان آلاف الأميال صوب ليبيا بهدف السيطرة على آبار النفط هناك، والاستحواذ على عقود إعادة إعمار ليبيا بثورة تقدر بـ120 مليار دولار. ومن هنا لم يكن غريبًا أن تبادر السعودية بدعم موقف مصر الرافض للوجود التركي في ليبيا، وترى أن من حق القاهرة حماية حدودها الغربية من وجود عصابات ومرتزقة، تهدد أمنها وسيادتها.

لا أبالغ إذا أكدت أن السعودية من أولى الدول العربية والإسلامية التي تنبهت مبكرًا للأطماع التركية في الوطن العربي، وحذرت منها مرارًا وتكرارًا؛ فلم ينطلِ عليها العبارات المعسولة التي ينطق بها أردوغان، ويدعي فيها أنه إنسان مسلم، محب للعرب والإسلام، فأردوغان أثبت أنه ممثل بارع، يرتدي قناعًا لكل مشهد، وكان أبرز هذه المشاهد عندما هاجم الرئيس الإسرائيلي الأسبق بيريز، وانتقد موقف إسرائيل من قتل أطفال فلسطين؛ فصفق له كل العرب الذين لم يكونوا يعلمون أنه تركيا في عهد أردوغان أكبر شريك اقتصادي وسياسي لإسرائيل في المنطقة.

يومًا ما سيحاكم التاريخ أردوغان على تخبطاته وسياسته الخارجية، وتصرفاته الطائشة، ويومًا ما سيحاكم الشعب التركي المغلوب على أمره رئيسه الذي زج بالبلاد في حروب عدة، هو في غنى عنها. فاليوم ليس لتركيا صديق صدوق سوى قطر وإيران، وهي تشكل ثلاثي الشر في المنطقة، تعشق الإرهاب، وتحتضن الإرهابيين، وتتدخل في الشؤون الداخلية لدول الجوار. ومثل هذه الدول ستدفع ثمن جرائمها وتصرفاتها؛ فالتاريخ لا يرحم أحدًا، وستكشف صفحاته عن الدول الغارقة في الإرهاب، وتلك التي تحاربه وترفض دعمه.