بين طيَّات المِحَن تأتي المِنَح

لا يكاد يفتأ أي حوار متداوَل هذه الأيام عن مناقشة الوباء العالمي الذي ساد صيته في الإعلام، وأرعب الملايين حول العالم.. إنه "كورونا". وبين تلك الأخبار المتناقلة، والزخم في المعلومات المتداوَلَة، بغض النظر عن صحتها من عدمها، يجد الكثيرُ أنفسَهُم في حالة من الإنهاك العقلي والذهني، بل الجسدي؛ كيف لا وقد عُلّقت المدارس، واضطر الجميع للبقاء في المنازل في مواجهة غامضة مع هذا الوباء المقلق، ومع المسؤوليات المتزايدة من تدريس وملء أوقات أبنائهم.

ما بين غمضة عين وانتباهتها تغيَّر كل شيء.. وكأنه درس عميقٌ لمن أراد أن يعتبر.. ومسرحية ذهول لمن أراد أن يستبصر..

عوضًا عن وصف هذا المشهد التراجيدي، وزيادة ألمكم، وربما مخاوفكم، دعونا نتفكر سوية في مشهد حياة الكثير قبل شهر أو شهرين فقط من الآن.. وبصورة أدق حال المنازل والعلاقات العائلية، وحالات الكثير من الأهالي مع أطفالهم وأبنائهم.

فكما أسهم التغيُّر النوعي في طبيعة مجتمعنا في حياة أكثر انفتاحًا وترفيهًا ووفرة في الخيارات، جعل البعض ينساق انسياقًا مبالغًا، أثَّر في انعدام التوازن في عجلة حياته. وكما نعرف دائمًا أن الشيء إذا زاد عن حده ينقلب للضد، والتوازن هو المطلوب.

فعندما يصبح همُّ الوالدَيْن في أوقات فراغهما، إن لم تكن أغلب أوقاتهما، متابعة كل جديد، والتسابق في حضور كل حدث على حساب الأوقات العائلية المنزلية، فإنهم يفقدون خلال ذلك أمورًا شتى، لم يلقوا لها بالاً، ولكن المتضرر الوحيد منها هو "البيت والأسرة"!

فأنْ تفقد القدرة على المكوث في بيتك بمتعة بضعة أيام دون مناسبات أو تجمعات أو زيارات أو مقاهٍ على اختلاف أنوعها فتلك مصيبة، وأن يكون الجلوس مع أبنائك فقط دون وجود صديق أو قريب مهمة صعبة عليك، وساعات لا تعرف كيف تديرها، فتلك مصيبة أعظم..

أنْ تفقد القدرة على ذلك يعني أنك تخشى مواجهة الفوضى بداخلك، وعجزك عن مواجهة بعض المسؤوليات، وربما لأن نفسك وأبناءك باتوا غرباء عنك؛ فلا تعرف كيف تقطع الوقت برفقتهم! بل تجد نفسك في معضلة عندما تضطر للمكوث يومًا كاملاً أو يومَيْن معهم، فكيف لو طالت تلك المدة؟!

المفارقة أن هذه الحلقة المفقودة أنتجت الكثير من الخسائر على صعيد العلاقات الأسرية والزوجية، وعلى أسلوب تربية الأبناء وشخصياتهم ونظرتهم للحياة.

لستُ هنا لأوبِّخ أو أؤنِّب، ولكنه حال انزلق فيها الكثير بلا استشعار لعِظَم قيمة ما يفقدون في المقابل. ولو تأملنا القرآن العظيم {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} لأدركنا أن قيمة الوقت الذي تمضيه الأم في المنزل مع عائلتها بوعي وحب وعطاء لا مثيل له في الإصلاح والإعمار والتطور. ولو تذكرنا حديث رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم "خيركم خيركم لأهله" لتوقَّف كل رجل ليراجع خيره وجمال شخصيته وعطاءه، أهي لأهل بيته؟ أم باتت لمن هم خارجه؟

وهنا تأتي "المنحة" التي سيراها القليل، وسيوفَّق للعمل بها مَن يختاره الله لذلك!

ففي ظل هذه المحنة التي نعيشها اليوم ثمة منحة ربانية، وفرصة لكل مَن فوّت لحظات منزلية ذهبية، وبالَغَ بعض الشيء في سالف الأيام في استثمار العلاقات الخارجية، واستكشاف الأماكن والحسابات الجديدة، والتعرُّف على كل شيء عدا جمال بيته، واستثمار زواياه وأهله، ولحظات الجمال التي لا يدركها كثير إلا عندما ترحل!

في النكات المتداوَلَة أجد الكثير وقد صوَّر وجود أبنائه حوله لمدة طويلة بالفراغ القاتل، واختلاق المشكلات وخلافها!

وهنا لبُّ الموضوع.. إن وجود أطفالك حولك بهذه الكثافة الوقتية بكامل صحتهم وعافيتهم لهو حظٌّ عظيم، وفرصة لتدارُك جوانب التقصير، وضخ المزيد من التطوير..

أبناؤك مِلْكك ما داموا صغارًا، تشكِّلهم كيفما تشاء، فإنْ أخفق معلِّم في صقل شخصية أحدهم فدورك الآن يمتثل في التقويم، وإن باعَدَتْ بينكم المشاغل في التقرُّب واللعب، وإمضاء الأوقات الذهبية في الحياة، فهذه فرصة على طبق من ذهب، جاءت لتهذِّب سلوكنا الطائش في التهرُّب من المسؤوليات مقابل مشاغل العمل أو الاستمتاع بالحياة، وترفيه النفس على نحو مسرف، ناسين أن السعادة كل السعادة في ولد صالح، يدعو لك بعد مماتك وانقطاع أثرك..

عزيزي الأب، عزيزتي الأم..

وقتك مع أبنائك هو منحة ونعمة كبيرة، إن أحسنتَ استثمارها:

أشركهم في تقسيم الأيام، وتحمُّل المسؤولية، وتعرَّف على نقاط قوتهم، وساعدهم على تجاوز أوقات هذه الأزمة إيجابًا، وقد تضرعوا لله، وعرفوا قدرته وعظمته بحوارك معهم حول الأحداث بتعقُّل.. ساعدهم لتعلُّم مهارة جديدة، أو صقل هواية مفيدة، أو إنجاز أفكار كانت مركونة على الرف، بدلاً من أن يكونوا ضحايا لكآبة الأهل من جراء متابعة الأخبار، أو وسائل معينة على انتشار الإشاعات والسخرية على القدر والامتعاض من الأحوال.. فكل تلك مشيئة الله، ونحن مسيَّرون لا مخيَّرون فيما يحدث خارج أسوار بيوتنا، ولكن ما يحصل داخل حدود منازلنا هو رهن إرادتنا التي منحنا الله إياها.

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها"؛

فشدوا الهمة قبل أن تزول هذه الغمة ونحن في غمرتنا ساهون، وأحسنوا الغرس يا معشر الأهالي، فما هي إلا غمامة وستنقشع من ربٍّ كريم، ولكن العبرة كل العبرة أن تمضي وقد ابتدأ بسببها عهدٌ جديد في العلاقات بيننا وبين الله ابتداء، وبين الأب وأبنائه، والأُم وصغارها، وإعادة موازنة الأمور التي أسرفنا فيها كثيرًا فيما مضى؛ فالبلاء الحقيقي أن نُطرد من رحمة الله، وأن نُحرم من قوافل الخير.

اللهم لا تحرمنا خير ما عندك بسوء ما عندنا، وادفع عنا هذا البلاء برحمتك ولطفك، إنك على كل شيء قدير.

مها عبدالله الحقباني فيروس كورونا الجديد
اعلان
بين طيَّات المِحَن تأتي المِنَح
سبق

لا يكاد يفتأ أي حوار متداوَل هذه الأيام عن مناقشة الوباء العالمي الذي ساد صيته في الإعلام، وأرعب الملايين حول العالم.. إنه "كورونا". وبين تلك الأخبار المتناقلة، والزخم في المعلومات المتداوَلَة، بغض النظر عن صحتها من عدمها، يجد الكثيرُ أنفسَهُم في حالة من الإنهاك العقلي والذهني، بل الجسدي؛ كيف لا وقد عُلّقت المدارس، واضطر الجميع للبقاء في المنازل في مواجهة غامضة مع هذا الوباء المقلق، ومع المسؤوليات المتزايدة من تدريس وملء أوقات أبنائهم.

ما بين غمضة عين وانتباهتها تغيَّر كل شيء.. وكأنه درس عميقٌ لمن أراد أن يعتبر.. ومسرحية ذهول لمن أراد أن يستبصر..

عوضًا عن وصف هذا المشهد التراجيدي، وزيادة ألمكم، وربما مخاوفكم، دعونا نتفكر سوية في مشهد حياة الكثير قبل شهر أو شهرين فقط من الآن.. وبصورة أدق حال المنازل والعلاقات العائلية، وحالات الكثير من الأهالي مع أطفالهم وأبنائهم.

فكما أسهم التغيُّر النوعي في طبيعة مجتمعنا في حياة أكثر انفتاحًا وترفيهًا ووفرة في الخيارات، جعل البعض ينساق انسياقًا مبالغًا، أثَّر في انعدام التوازن في عجلة حياته. وكما نعرف دائمًا أن الشيء إذا زاد عن حده ينقلب للضد، والتوازن هو المطلوب.

فعندما يصبح همُّ الوالدَيْن في أوقات فراغهما، إن لم تكن أغلب أوقاتهما، متابعة كل جديد، والتسابق في حضور كل حدث على حساب الأوقات العائلية المنزلية، فإنهم يفقدون خلال ذلك أمورًا شتى، لم يلقوا لها بالاً، ولكن المتضرر الوحيد منها هو "البيت والأسرة"!

فأنْ تفقد القدرة على المكوث في بيتك بمتعة بضعة أيام دون مناسبات أو تجمعات أو زيارات أو مقاهٍ على اختلاف أنوعها فتلك مصيبة، وأن يكون الجلوس مع أبنائك فقط دون وجود صديق أو قريب مهمة صعبة عليك، وساعات لا تعرف كيف تديرها، فتلك مصيبة أعظم..

أنْ تفقد القدرة على ذلك يعني أنك تخشى مواجهة الفوضى بداخلك، وعجزك عن مواجهة بعض المسؤوليات، وربما لأن نفسك وأبناءك باتوا غرباء عنك؛ فلا تعرف كيف تقطع الوقت برفقتهم! بل تجد نفسك في معضلة عندما تضطر للمكوث يومًا كاملاً أو يومَيْن معهم، فكيف لو طالت تلك المدة؟!

المفارقة أن هذه الحلقة المفقودة أنتجت الكثير من الخسائر على صعيد العلاقات الأسرية والزوجية، وعلى أسلوب تربية الأبناء وشخصياتهم ونظرتهم للحياة.

لستُ هنا لأوبِّخ أو أؤنِّب، ولكنه حال انزلق فيها الكثير بلا استشعار لعِظَم قيمة ما يفقدون في المقابل. ولو تأملنا القرآن العظيم {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} لأدركنا أن قيمة الوقت الذي تمضيه الأم في المنزل مع عائلتها بوعي وحب وعطاء لا مثيل له في الإصلاح والإعمار والتطور. ولو تذكرنا حديث رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم "خيركم خيركم لأهله" لتوقَّف كل رجل ليراجع خيره وجمال شخصيته وعطاءه، أهي لأهل بيته؟ أم باتت لمن هم خارجه؟

وهنا تأتي "المنحة" التي سيراها القليل، وسيوفَّق للعمل بها مَن يختاره الله لذلك!

ففي ظل هذه المحنة التي نعيشها اليوم ثمة منحة ربانية، وفرصة لكل مَن فوّت لحظات منزلية ذهبية، وبالَغَ بعض الشيء في سالف الأيام في استثمار العلاقات الخارجية، واستكشاف الأماكن والحسابات الجديدة، والتعرُّف على كل شيء عدا جمال بيته، واستثمار زواياه وأهله، ولحظات الجمال التي لا يدركها كثير إلا عندما ترحل!

في النكات المتداوَلَة أجد الكثير وقد صوَّر وجود أبنائه حوله لمدة طويلة بالفراغ القاتل، واختلاق المشكلات وخلافها!

وهنا لبُّ الموضوع.. إن وجود أطفالك حولك بهذه الكثافة الوقتية بكامل صحتهم وعافيتهم لهو حظٌّ عظيم، وفرصة لتدارُك جوانب التقصير، وضخ المزيد من التطوير..

أبناؤك مِلْكك ما داموا صغارًا، تشكِّلهم كيفما تشاء، فإنْ أخفق معلِّم في صقل شخصية أحدهم فدورك الآن يمتثل في التقويم، وإن باعَدَتْ بينكم المشاغل في التقرُّب واللعب، وإمضاء الأوقات الذهبية في الحياة، فهذه فرصة على طبق من ذهب، جاءت لتهذِّب سلوكنا الطائش في التهرُّب من المسؤوليات مقابل مشاغل العمل أو الاستمتاع بالحياة، وترفيه النفس على نحو مسرف، ناسين أن السعادة كل السعادة في ولد صالح، يدعو لك بعد مماتك وانقطاع أثرك..

عزيزي الأب، عزيزتي الأم..

وقتك مع أبنائك هو منحة ونعمة كبيرة، إن أحسنتَ استثمارها:

أشركهم في تقسيم الأيام، وتحمُّل المسؤولية، وتعرَّف على نقاط قوتهم، وساعدهم على تجاوز أوقات هذه الأزمة إيجابًا، وقد تضرعوا لله، وعرفوا قدرته وعظمته بحوارك معهم حول الأحداث بتعقُّل.. ساعدهم لتعلُّم مهارة جديدة، أو صقل هواية مفيدة، أو إنجاز أفكار كانت مركونة على الرف، بدلاً من أن يكونوا ضحايا لكآبة الأهل من جراء متابعة الأخبار، أو وسائل معينة على انتشار الإشاعات والسخرية على القدر والامتعاض من الأحوال.. فكل تلك مشيئة الله، ونحن مسيَّرون لا مخيَّرون فيما يحدث خارج أسوار بيوتنا، ولكن ما يحصل داخل حدود منازلنا هو رهن إرادتنا التي منحنا الله إياها.

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها"؛

فشدوا الهمة قبل أن تزول هذه الغمة ونحن في غمرتنا ساهون، وأحسنوا الغرس يا معشر الأهالي، فما هي إلا غمامة وستنقشع من ربٍّ كريم، ولكن العبرة كل العبرة أن تمضي وقد ابتدأ بسببها عهدٌ جديد في العلاقات بيننا وبين الله ابتداء، وبين الأب وأبنائه، والأُم وصغارها، وإعادة موازنة الأمور التي أسرفنا فيها كثيرًا فيما مضى؛ فالبلاء الحقيقي أن نُطرد من رحمة الله، وأن نُحرم من قوافل الخير.

اللهم لا تحرمنا خير ما عندك بسوء ما عندنا، وادفع عنا هذا البلاء برحمتك ولطفك، إنك على كل شيء قدير.

15 مارس 2020 - 20 رجب 1441
12:51 AM

بين طيَّات المِحَن تأتي المِنَح

مها عبدالله الحقباني - الرياض
A A A
2
5,311

لا يكاد يفتأ أي حوار متداوَل هذه الأيام عن مناقشة الوباء العالمي الذي ساد صيته في الإعلام، وأرعب الملايين حول العالم.. إنه "كورونا". وبين تلك الأخبار المتناقلة، والزخم في المعلومات المتداوَلَة، بغض النظر عن صحتها من عدمها، يجد الكثيرُ أنفسَهُم في حالة من الإنهاك العقلي والذهني، بل الجسدي؛ كيف لا وقد عُلّقت المدارس، واضطر الجميع للبقاء في المنازل في مواجهة غامضة مع هذا الوباء المقلق، ومع المسؤوليات المتزايدة من تدريس وملء أوقات أبنائهم.

ما بين غمضة عين وانتباهتها تغيَّر كل شيء.. وكأنه درس عميقٌ لمن أراد أن يعتبر.. ومسرحية ذهول لمن أراد أن يستبصر..

عوضًا عن وصف هذا المشهد التراجيدي، وزيادة ألمكم، وربما مخاوفكم، دعونا نتفكر سوية في مشهد حياة الكثير قبل شهر أو شهرين فقط من الآن.. وبصورة أدق حال المنازل والعلاقات العائلية، وحالات الكثير من الأهالي مع أطفالهم وأبنائهم.

فكما أسهم التغيُّر النوعي في طبيعة مجتمعنا في حياة أكثر انفتاحًا وترفيهًا ووفرة في الخيارات، جعل البعض ينساق انسياقًا مبالغًا، أثَّر في انعدام التوازن في عجلة حياته. وكما نعرف دائمًا أن الشيء إذا زاد عن حده ينقلب للضد، والتوازن هو المطلوب.

فعندما يصبح همُّ الوالدَيْن في أوقات فراغهما، إن لم تكن أغلب أوقاتهما، متابعة كل جديد، والتسابق في حضور كل حدث على حساب الأوقات العائلية المنزلية، فإنهم يفقدون خلال ذلك أمورًا شتى، لم يلقوا لها بالاً، ولكن المتضرر الوحيد منها هو "البيت والأسرة"!

فأنْ تفقد القدرة على المكوث في بيتك بمتعة بضعة أيام دون مناسبات أو تجمعات أو زيارات أو مقاهٍ على اختلاف أنوعها فتلك مصيبة، وأن يكون الجلوس مع أبنائك فقط دون وجود صديق أو قريب مهمة صعبة عليك، وساعات لا تعرف كيف تديرها، فتلك مصيبة أعظم..

أنْ تفقد القدرة على ذلك يعني أنك تخشى مواجهة الفوضى بداخلك، وعجزك عن مواجهة بعض المسؤوليات، وربما لأن نفسك وأبناءك باتوا غرباء عنك؛ فلا تعرف كيف تقطع الوقت برفقتهم! بل تجد نفسك في معضلة عندما تضطر للمكوث يومًا كاملاً أو يومَيْن معهم، فكيف لو طالت تلك المدة؟!

المفارقة أن هذه الحلقة المفقودة أنتجت الكثير من الخسائر على صعيد العلاقات الأسرية والزوجية، وعلى أسلوب تربية الأبناء وشخصياتهم ونظرتهم للحياة.

لستُ هنا لأوبِّخ أو أؤنِّب، ولكنه حال انزلق فيها الكثير بلا استشعار لعِظَم قيمة ما يفقدون في المقابل. ولو تأملنا القرآن العظيم {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} لأدركنا أن قيمة الوقت الذي تمضيه الأم في المنزل مع عائلتها بوعي وحب وعطاء لا مثيل له في الإصلاح والإعمار والتطور. ولو تذكرنا حديث رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم "خيركم خيركم لأهله" لتوقَّف كل رجل ليراجع خيره وجمال شخصيته وعطاءه، أهي لأهل بيته؟ أم باتت لمن هم خارجه؟

وهنا تأتي "المنحة" التي سيراها القليل، وسيوفَّق للعمل بها مَن يختاره الله لذلك!

ففي ظل هذه المحنة التي نعيشها اليوم ثمة منحة ربانية، وفرصة لكل مَن فوّت لحظات منزلية ذهبية، وبالَغَ بعض الشيء في سالف الأيام في استثمار العلاقات الخارجية، واستكشاف الأماكن والحسابات الجديدة، والتعرُّف على كل شيء عدا جمال بيته، واستثمار زواياه وأهله، ولحظات الجمال التي لا يدركها كثير إلا عندما ترحل!

في النكات المتداوَلَة أجد الكثير وقد صوَّر وجود أبنائه حوله لمدة طويلة بالفراغ القاتل، واختلاق المشكلات وخلافها!

وهنا لبُّ الموضوع.. إن وجود أطفالك حولك بهذه الكثافة الوقتية بكامل صحتهم وعافيتهم لهو حظٌّ عظيم، وفرصة لتدارُك جوانب التقصير، وضخ المزيد من التطوير..

أبناؤك مِلْكك ما داموا صغارًا، تشكِّلهم كيفما تشاء، فإنْ أخفق معلِّم في صقل شخصية أحدهم فدورك الآن يمتثل في التقويم، وإن باعَدَتْ بينكم المشاغل في التقرُّب واللعب، وإمضاء الأوقات الذهبية في الحياة، فهذه فرصة على طبق من ذهب، جاءت لتهذِّب سلوكنا الطائش في التهرُّب من المسؤوليات مقابل مشاغل العمل أو الاستمتاع بالحياة، وترفيه النفس على نحو مسرف، ناسين أن السعادة كل السعادة في ولد صالح، يدعو لك بعد مماتك وانقطاع أثرك..

عزيزي الأب، عزيزتي الأم..

وقتك مع أبنائك هو منحة ونعمة كبيرة، إن أحسنتَ استثمارها:

أشركهم في تقسيم الأيام، وتحمُّل المسؤولية، وتعرَّف على نقاط قوتهم، وساعدهم على تجاوز أوقات هذه الأزمة إيجابًا، وقد تضرعوا لله، وعرفوا قدرته وعظمته بحوارك معهم حول الأحداث بتعقُّل.. ساعدهم لتعلُّم مهارة جديدة، أو صقل هواية مفيدة، أو إنجاز أفكار كانت مركونة على الرف، بدلاً من أن يكونوا ضحايا لكآبة الأهل من جراء متابعة الأخبار، أو وسائل معينة على انتشار الإشاعات والسخرية على القدر والامتعاض من الأحوال.. فكل تلك مشيئة الله، ونحن مسيَّرون لا مخيَّرون فيما يحدث خارج أسوار بيوتنا، ولكن ما يحصل داخل حدود منازلنا هو رهن إرادتنا التي منحنا الله إياها.

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها"؛

فشدوا الهمة قبل أن تزول هذه الغمة ونحن في غمرتنا ساهون، وأحسنوا الغرس يا معشر الأهالي، فما هي إلا غمامة وستنقشع من ربٍّ كريم، ولكن العبرة كل العبرة أن تمضي وقد ابتدأ بسببها عهدٌ جديد في العلاقات بيننا وبين الله ابتداء، وبين الأب وأبنائه، والأُم وصغارها، وإعادة موازنة الأمور التي أسرفنا فيها كثيرًا فيما مضى؛ فالبلاء الحقيقي أن نُطرد من رحمة الله، وأن نُحرم من قوافل الخير.

اللهم لا تحرمنا خير ما عندك بسوء ما عندنا، وادفع عنا هذا البلاء برحمتك ولطفك، إنك على كل شيء قدير.