قسوة والدي والباب الكبير..

اليوم سأُجري المقابلة الشخصية الأولى في حياتي للحصول على وظيفة مرموقة في إحدى الشركات الكبرى.. وإن تم قبولي فسأترك هذا البيت الكئيب إلى غير رجعة، وسأرتاح من أبي وتوبيخه الدائم لي.

استيقظتُ باكرًا، وهممت بالخروج، فإذا بيد تربت على كتفي. التفت فإذا به أبي متبسمًا رغم ظهور أعراض المرض على وجهه.. ناولني مصروف الجيب، وقال لي "أريدك أن تكون إيجابيًّا، واثقًا بنفسك، ولا تهتز".

ابتلعتُ النصيحة على مضض، وابتسمت وأنا أتأفف من داخلي (حتى في هذه اللحظات لا يكف عن النصائح، وكأنه يتعمد تعكير مزاجي في أسعد لحظات حياتي).

وصلتُ بوابة الشركة. لم يكن هناك سوى لوحات إرشادية، تقود إلى مكان المقابلة؛ فلا حراس عند الباب، ولا موظفي استقبال. بمجرد دخولي من الباب لاحظتُ أن مقبض الباب معرض للكسر، وقد خرج من مكانه. تذكرتُ نصيحة أبي "كن إيجابيًّا"؛ فقمتُ فأحكمته جيدًا، ثم تتبعت اللوحات فإذ بالممرات غارقة بالمياه التي كانت تطفو من أحد الأحواض؛ فتذكرت تعنيف أبي لي على هدر المياه؛ فسحبت خرطوم المياه من الحوض الممتلئ، ووضعته في حوض آخر. صعدت الدرج فلاحظت المصابيح مضاءة ونحن في النهار؛ فقمت لا إراديًّا بإطفائها خوفًا من صراخ أبي الذي كان يصدح في أذني أينما ذهبتُ، إلى أن وصلت إلى الدور العلوي، وفوجئت بعدد كبير من المتقدمين لهذه الوظيفة. سجلتُ اسمي، ثم جلست أنتظر دوري. بعضهم يتباهى بشهاداته الحاصل عليها من الجامعات الأمريكية.

لاحظت أيضًا أن كل من يدخل المقابلة لا يلبث أن يخرج في أقل من دقيقة.

فقلتُ في نفسي إن كان هؤلاء قد تم رفضهم فهل سأُقبل أنا؟ هممتُ بالانسحاب من المنافسة، لكني تذكرت نصيحة أبي "كن إيجابيًّا واثقًا بنفسك". انتظرتُ دوري، وقد أعطاني كلامه شحنات ثقة بالنفس.

نادى الموظف على اسمي؛ فجلست على الكرسي في مقابل ثلاثة أشخاص، نظروا إليّ وابتسموا، وقال أحدهم: متى تحب أن تستلم الوظيفة؟ ظننتُ أنه يسخر مني؛ فتذكرت نصيحة أبي: "لا تهتز، وكن واثقًا"؛ قلت: "بعد أن أجتاز الاختبار بنجاح".

رد آخر: "لقد صممنا مجموعة اختبارات غير تقليدية، تكشف لنا سلوك المتقدم وإيجابيته عمليًّا، ثم حرصه على مقدرات الشركة.. فكنت أنت الشخص الوحيد الذي سعى لإصلاح كل عيب تعمدنا وضعه في طريق كل متقدم. وقد تم توثيق ذلك من خلال كاميرات مراقبة. مبروك".

لا تتأففوا من كثرة نصائح آبائكم؛ فإن وراءها حبًّا كبيرًا، ستدركونه يومًا ما.. فمن أدرك والديه فأبرهما فقد حاز الدنيا والآخرة، وإلا فالصدقة الجارية لهما عمل لا ينقطع.. ربِّ ارحمهما كما ربياني صغيرًا.

اعلان
قسوة والدي والباب الكبير..
سبق

اليوم سأُجري المقابلة الشخصية الأولى في حياتي للحصول على وظيفة مرموقة في إحدى الشركات الكبرى.. وإن تم قبولي فسأترك هذا البيت الكئيب إلى غير رجعة، وسأرتاح من أبي وتوبيخه الدائم لي.

استيقظتُ باكرًا، وهممت بالخروج، فإذا بيد تربت على كتفي. التفت فإذا به أبي متبسمًا رغم ظهور أعراض المرض على وجهه.. ناولني مصروف الجيب، وقال لي "أريدك أن تكون إيجابيًّا، واثقًا بنفسك، ولا تهتز".

ابتلعتُ النصيحة على مضض، وابتسمت وأنا أتأفف من داخلي (حتى في هذه اللحظات لا يكف عن النصائح، وكأنه يتعمد تعكير مزاجي في أسعد لحظات حياتي).

وصلتُ بوابة الشركة. لم يكن هناك سوى لوحات إرشادية، تقود إلى مكان المقابلة؛ فلا حراس عند الباب، ولا موظفي استقبال. بمجرد دخولي من الباب لاحظتُ أن مقبض الباب معرض للكسر، وقد خرج من مكانه. تذكرتُ نصيحة أبي "كن إيجابيًّا"؛ فقمتُ فأحكمته جيدًا، ثم تتبعت اللوحات فإذ بالممرات غارقة بالمياه التي كانت تطفو من أحد الأحواض؛ فتذكرت تعنيف أبي لي على هدر المياه؛ فسحبت خرطوم المياه من الحوض الممتلئ، ووضعته في حوض آخر. صعدت الدرج فلاحظت المصابيح مضاءة ونحن في النهار؛ فقمت لا إراديًّا بإطفائها خوفًا من صراخ أبي الذي كان يصدح في أذني أينما ذهبتُ، إلى أن وصلت إلى الدور العلوي، وفوجئت بعدد كبير من المتقدمين لهذه الوظيفة. سجلتُ اسمي، ثم جلست أنتظر دوري. بعضهم يتباهى بشهاداته الحاصل عليها من الجامعات الأمريكية.

لاحظت أيضًا أن كل من يدخل المقابلة لا يلبث أن يخرج في أقل من دقيقة.

فقلتُ في نفسي إن كان هؤلاء قد تم رفضهم فهل سأُقبل أنا؟ هممتُ بالانسحاب من المنافسة، لكني تذكرت نصيحة أبي "كن إيجابيًّا واثقًا بنفسك". انتظرتُ دوري، وقد أعطاني كلامه شحنات ثقة بالنفس.

نادى الموظف على اسمي؛ فجلست على الكرسي في مقابل ثلاثة أشخاص، نظروا إليّ وابتسموا، وقال أحدهم: متى تحب أن تستلم الوظيفة؟ ظننتُ أنه يسخر مني؛ فتذكرت نصيحة أبي: "لا تهتز، وكن واثقًا"؛ قلت: "بعد أن أجتاز الاختبار بنجاح".

رد آخر: "لقد صممنا مجموعة اختبارات غير تقليدية، تكشف لنا سلوك المتقدم وإيجابيته عمليًّا، ثم حرصه على مقدرات الشركة.. فكنت أنت الشخص الوحيد الذي سعى لإصلاح كل عيب تعمدنا وضعه في طريق كل متقدم. وقد تم توثيق ذلك من خلال كاميرات مراقبة. مبروك".

لا تتأففوا من كثرة نصائح آبائكم؛ فإن وراءها حبًّا كبيرًا، ستدركونه يومًا ما.. فمن أدرك والديه فأبرهما فقد حاز الدنيا والآخرة، وإلا فالصدقة الجارية لهما عمل لا ينقطع.. ربِّ ارحمهما كما ربياني صغيرًا.

28 يوليو 2019 - 25 ذو القعدة 1440
09:32 PM

قسوة والدي والباب الكبير..

عبدالغني الشيخ - الرياض
A A A
1
3,291

اليوم سأُجري المقابلة الشخصية الأولى في حياتي للحصول على وظيفة مرموقة في إحدى الشركات الكبرى.. وإن تم قبولي فسأترك هذا البيت الكئيب إلى غير رجعة، وسأرتاح من أبي وتوبيخه الدائم لي.

استيقظتُ باكرًا، وهممت بالخروج، فإذا بيد تربت على كتفي. التفت فإذا به أبي متبسمًا رغم ظهور أعراض المرض على وجهه.. ناولني مصروف الجيب، وقال لي "أريدك أن تكون إيجابيًّا، واثقًا بنفسك، ولا تهتز".

ابتلعتُ النصيحة على مضض، وابتسمت وأنا أتأفف من داخلي (حتى في هذه اللحظات لا يكف عن النصائح، وكأنه يتعمد تعكير مزاجي في أسعد لحظات حياتي).

وصلتُ بوابة الشركة. لم يكن هناك سوى لوحات إرشادية، تقود إلى مكان المقابلة؛ فلا حراس عند الباب، ولا موظفي استقبال. بمجرد دخولي من الباب لاحظتُ أن مقبض الباب معرض للكسر، وقد خرج من مكانه. تذكرتُ نصيحة أبي "كن إيجابيًّا"؛ فقمتُ فأحكمته جيدًا، ثم تتبعت اللوحات فإذ بالممرات غارقة بالمياه التي كانت تطفو من أحد الأحواض؛ فتذكرت تعنيف أبي لي على هدر المياه؛ فسحبت خرطوم المياه من الحوض الممتلئ، ووضعته في حوض آخر. صعدت الدرج فلاحظت المصابيح مضاءة ونحن في النهار؛ فقمت لا إراديًّا بإطفائها خوفًا من صراخ أبي الذي كان يصدح في أذني أينما ذهبتُ، إلى أن وصلت إلى الدور العلوي، وفوجئت بعدد كبير من المتقدمين لهذه الوظيفة. سجلتُ اسمي، ثم جلست أنتظر دوري. بعضهم يتباهى بشهاداته الحاصل عليها من الجامعات الأمريكية.

لاحظت أيضًا أن كل من يدخل المقابلة لا يلبث أن يخرج في أقل من دقيقة.

فقلتُ في نفسي إن كان هؤلاء قد تم رفضهم فهل سأُقبل أنا؟ هممتُ بالانسحاب من المنافسة، لكني تذكرت نصيحة أبي "كن إيجابيًّا واثقًا بنفسك". انتظرتُ دوري، وقد أعطاني كلامه شحنات ثقة بالنفس.

نادى الموظف على اسمي؛ فجلست على الكرسي في مقابل ثلاثة أشخاص، نظروا إليّ وابتسموا، وقال أحدهم: متى تحب أن تستلم الوظيفة؟ ظننتُ أنه يسخر مني؛ فتذكرت نصيحة أبي: "لا تهتز، وكن واثقًا"؛ قلت: "بعد أن أجتاز الاختبار بنجاح".

رد آخر: "لقد صممنا مجموعة اختبارات غير تقليدية، تكشف لنا سلوك المتقدم وإيجابيته عمليًّا، ثم حرصه على مقدرات الشركة.. فكنت أنت الشخص الوحيد الذي سعى لإصلاح كل عيب تعمدنا وضعه في طريق كل متقدم. وقد تم توثيق ذلك من خلال كاميرات مراقبة. مبروك".

لا تتأففوا من كثرة نصائح آبائكم؛ فإن وراءها حبًّا كبيرًا، ستدركونه يومًا ما.. فمن أدرك والديه فأبرهما فقد حاز الدنيا والآخرة، وإلا فالصدقة الجارية لهما عمل لا ينقطع.. ربِّ ارحمهما كما ربياني صغيرًا.