إلى ماذا استندت "كبار العلماء" في قرارها بإيقاف الصلوات في المساجد؟

أوصت بالتقيد التام بما تصدره الجهات المختصة من الإجراءات الوقائية والاحترازية

جاء قرار هيئة كبار العلماء بإيقاف صلاة الجمعة والجماعة لجميع الفروض في المساجد والاكتفاء برفع الأذان، ويستثنى من ذلك الحرمان الشريفان موافقاً للأدلة الفقهية والشرعية، وتجاوباً مع جائحة كورونا التي تهدد العالم بأسره، وتتخذ لها الدول والحكومات التدابير والإجراءات الاحترازية المشددة.

أدلة معتبرة

ويستند قرار "كبار العلماء" إلى أدلة شرعية معتبرة، ويتسق مع الشريعة الإسلامية الغراء في قاعدتها الأساسية "لا ضرار ولا ضرار"، فقد جعلت الشريعة الحفاظ على حياة وصحة الإنسان أحد الضروريات الأساسية، وأهم مقصادها، فقد حذرت الشريعة الإسلامية من إيقاع النفس في مواطن الهلاك، فقال الله تعالى: "وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ"، في إشارة إلى ضرورة أن يحافظ الإنسان على حياته وصحته، ويدفع عن نفسه الضرر بكل وسيلة ممكنة، ويتجنب ما قد يضرها أو يتسبب في هلاكها.

ومن نافلة القول إن الإنسان في نظر الإسلام وشريعته أهم وأعظم مخلوقات الله في أرضه، ولا أدل على ذلك من حديث ابن عمر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة، ويقول: ما أطيبك، وأطيب ريحك! ما أعظمك، وأعظم حرمتك! والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله، ودمه. أخرجه ابن ماجه. وفيه دلالة صريحة على أهمية الإنسان، وأهمية صون حياته من الأخطار المحدقة بكافة الوسائل والطرق.

ونجد أن الرسول الكريم كان الأكثر حرصاً على أرواح وصحة الناس، وهو أول من أرسى قواعد الحجر الصحي عندما أمر الناس بملازمة منازلهم وبلادهم في حال تفشى فيها وباء مثل الطاعون، وعدم مخالطة المرضى، وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها" (متفق عليه). وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يُورِد ممرض على مصح" (متفق عليه)، وقوله: "فر من المجذوم كما تفر من الأسد" (أخرجه البخاري).

ويُشار أيضاً إلى ما رواه الشريد بن سويد الثقفي –رضي الله عنه- بقوله: "كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- إنا قد بايعناك فارجع".

وعلى النهج النبوي، وفي ضوء مقاصد الشريعة سار صحابة رسول الله الكرام –رضوان الله عليهم-؛ فعندما ظهر الطاعون في الشام عام 18هـ، وأراد خليفة المسلمين عمر بن الخطاب زيارة الشام، والتقى مجموعة من الأمراء على حدود الحجاز والشام، وأخبروه بانتشار المرض بها، تشاور مع مَن معه، وآثر عدم دخولها؛ حفاظاً على نفسه، ونفس من معه، فقال أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: أفراراً من قدر اللَّه! فقال عمر رضي الله عنه: نعم نفر من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه.

الحد من انتشاره

ويستدعي ما يمر به العالم الآن من أزمة كبرى جراء ذلك الوباء أن تتخذ كافة الإجراءات الاحترازية التي تحفظ حياة البشر، وتمنع انتقال العدوى، التي تنتقل بسهولة وسرعة بالمخالطة وفي التجمعات الكبيرة، فالفيروس ينتقل عبر الرذاذ الملوث (من خلال السعال أو العطس) أو الأيدي الملوثة، كما ينتقل عن طريق ملامسة الأسطح الملوثة.

ومنذ ظهور الفيروس في ديسمبر من العام الماضي، فقد أصاب ما يناهز 200 ألف شخص، وقتل نحو 8 آلاف حتى الآن، ويعتقد باحثون حالياً أنّ ما بين 5 و40 حالة من كل 1000 حالة إصابة بفيروس كورونا ستنتهي بالوفاة، وأن أفضل تخمين لمعدل الوفاة هو موت تسعة أشخاص من كل 1000 حالة إصابة أو نحو 1 في المئة منها. فخطورة الأمر تستدعي اتخاذ ما يلزم من إجراءات وتدابير مشددة، وتعاون الجميع مع ما يتخذ؛ لدفع المرض، والمساهمة في عدم انتشاره وانتقاله للآخرين.

هيئة كبار العلماء إيقاف صلاة الجمعة والجماعة في المساجد فيروس كورونا الجديد
اعلان
إلى ماذا استندت "كبار العلماء" في قرارها بإيقاف الصلوات في المساجد؟
سبق

جاء قرار هيئة كبار العلماء بإيقاف صلاة الجمعة والجماعة لجميع الفروض في المساجد والاكتفاء برفع الأذان، ويستثنى من ذلك الحرمان الشريفان موافقاً للأدلة الفقهية والشرعية، وتجاوباً مع جائحة كورونا التي تهدد العالم بأسره، وتتخذ لها الدول والحكومات التدابير والإجراءات الاحترازية المشددة.

أدلة معتبرة

ويستند قرار "كبار العلماء" إلى أدلة شرعية معتبرة، ويتسق مع الشريعة الإسلامية الغراء في قاعدتها الأساسية "لا ضرار ولا ضرار"، فقد جعلت الشريعة الحفاظ على حياة وصحة الإنسان أحد الضروريات الأساسية، وأهم مقصادها، فقد حذرت الشريعة الإسلامية من إيقاع النفس في مواطن الهلاك، فقال الله تعالى: "وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ"، في إشارة إلى ضرورة أن يحافظ الإنسان على حياته وصحته، ويدفع عن نفسه الضرر بكل وسيلة ممكنة، ويتجنب ما قد يضرها أو يتسبب في هلاكها.

ومن نافلة القول إن الإنسان في نظر الإسلام وشريعته أهم وأعظم مخلوقات الله في أرضه، ولا أدل على ذلك من حديث ابن عمر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة، ويقول: ما أطيبك، وأطيب ريحك! ما أعظمك، وأعظم حرمتك! والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله، ودمه. أخرجه ابن ماجه. وفيه دلالة صريحة على أهمية الإنسان، وأهمية صون حياته من الأخطار المحدقة بكافة الوسائل والطرق.

ونجد أن الرسول الكريم كان الأكثر حرصاً على أرواح وصحة الناس، وهو أول من أرسى قواعد الحجر الصحي عندما أمر الناس بملازمة منازلهم وبلادهم في حال تفشى فيها وباء مثل الطاعون، وعدم مخالطة المرضى، وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها" (متفق عليه). وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يُورِد ممرض على مصح" (متفق عليه)، وقوله: "فر من المجذوم كما تفر من الأسد" (أخرجه البخاري).

ويُشار أيضاً إلى ما رواه الشريد بن سويد الثقفي –رضي الله عنه- بقوله: "كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- إنا قد بايعناك فارجع".

وعلى النهج النبوي، وفي ضوء مقاصد الشريعة سار صحابة رسول الله الكرام –رضوان الله عليهم-؛ فعندما ظهر الطاعون في الشام عام 18هـ، وأراد خليفة المسلمين عمر بن الخطاب زيارة الشام، والتقى مجموعة من الأمراء على حدود الحجاز والشام، وأخبروه بانتشار المرض بها، تشاور مع مَن معه، وآثر عدم دخولها؛ حفاظاً على نفسه، ونفس من معه، فقال أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: أفراراً من قدر اللَّه! فقال عمر رضي الله عنه: نعم نفر من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه.

الحد من انتشاره

ويستدعي ما يمر به العالم الآن من أزمة كبرى جراء ذلك الوباء أن تتخذ كافة الإجراءات الاحترازية التي تحفظ حياة البشر، وتمنع انتقال العدوى، التي تنتقل بسهولة وسرعة بالمخالطة وفي التجمعات الكبيرة، فالفيروس ينتقل عبر الرذاذ الملوث (من خلال السعال أو العطس) أو الأيدي الملوثة، كما ينتقل عن طريق ملامسة الأسطح الملوثة.

ومنذ ظهور الفيروس في ديسمبر من العام الماضي، فقد أصاب ما يناهز 200 ألف شخص، وقتل نحو 8 آلاف حتى الآن، ويعتقد باحثون حالياً أنّ ما بين 5 و40 حالة من كل 1000 حالة إصابة بفيروس كورونا ستنتهي بالوفاة، وأن أفضل تخمين لمعدل الوفاة هو موت تسعة أشخاص من كل 1000 حالة إصابة أو نحو 1 في المئة منها. فخطورة الأمر تستدعي اتخاذ ما يلزم من إجراءات وتدابير مشددة، وتعاون الجميع مع ما يتخذ؛ لدفع المرض، والمساهمة في عدم انتشاره وانتقاله للآخرين.

18 مارس 2020 - 23 رجب 1441
12:26 AM
اخر تعديل
02 سبتمبر 2020 - 14 محرّم 1442
01:21 PM

إلى ماذا استندت "كبار العلماء" في قرارها بإيقاف الصلوات في المساجد؟

أوصت بالتقيد التام بما تصدره الجهات المختصة من الإجراءات الوقائية والاحترازية

A A A
5
12,845

جاء قرار هيئة كبار العلماء بإيقاف صلاة الجمعة والجماعة لجميع الفروض في المساجد والاكتفاء برفع الأذان، ويستثنى من ذلك الحرمان الشريفان موافقاً للأدلة الفقهية والشرعية، وتجاوباً مع جائحة كورونا التي تهدد العالم بأسره، وتتخذ لها الدول والحكومات التدابير والإجراءات الاحترازية المشددة.

أدلة معتبرة

ويستند قرار "كبار العلماء" إلى أدلة شرعية معتبرة، ويتسق مع الشريعة الإسلامية الغراء في قاعدتها الأساسية "لا ضرار ولا ضرار"، فقد جعلت الشريعة الحفاظ على حياة وصحة الإنسان أحد الضروريات الأساسية، وأهم مقصادها، فقد حذرت الشريعة الإسلامية من إيقاع النفس في مواطن الهلاك، فقال الله تعالى: "وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إلى التَّهْلُكَةِ"، في إشارة إلى ضرورة أن يحافظ الإنسان على حياته وصحته، ويدفع عن نفسه الضرر بكل وسيلة ممكنة، ويتجنب ما قد يضرها أو يتسبب في هلاكها.

ومن نافلة القول إن الإنسان في نظر الإسلام وشريعته أهم وأعظم مخلوقات الله في أرضه، ولا أدل على ذلك من حديث ابن عمر قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة، ويقول: ما أطيبك، وأطيب ريحك! ما أعظمك، وأعظم حرمتك! والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك، ماله، ودمه. أخرجه ابن ماجه. وفيه دلالة صريحة على أهمية الإنسان، وأهمية صون حياته من الأخطار المحدقة بكافة الوسائل والطرق.

ونجد أن الرسول الكريم كان الأكثر حرصاً على أرواح وصحة الناس، وهو أول من أرسى قواعد الحجر الصحي عندما أمر الناس بملازمة منازلهم وبلادهم في حال تفشى فيها وباء مثل الطاعون، وعدم مخالطة المرضى، وذلك بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا سمعتم الطاعون بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا منها" (متفق عليه). وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يُورِد ممرض على مصح" (متفق عليه)، وقوله: "فر من المجذوم كما تفر من الأسد" (أخرجه البخاري).

ويُشار أيضاً إلى ما رواه الشريد بن سويد الثقفي –رضي الله عنه- بقوله: "كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- إنا قد بايعناك فارجع".

وعلى النهج النبوي، وفي ضوء مقاصد الشريعة سار صحابة رسول الله الكرام –رضوان الله عليهم-؛ فعندما ظهر الطاعون في الشام عام 18هـ، وأراد خليفة المسلمين عمر بن الخطاب زيارة الشام، والتقى مجموعة من الأمراء على حدود الحجاز والشام، وأخبروه بانتشار المرض بها، تشاور مع مَن معه، وآثر عدم دخولها؛ حفاظاً على نفسه، ونفس من معه، فقال أبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنه: أفراراً من قدر اللَّه! فقال عمر رضي الله عنه: نعم نفر من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه.

الحد من انتشاره

ويستدعي ما يمر به العالم الآن من أزمة كبرى جراء ذلك الوباء أن تتخذ كافة الإجراءات الاحترازية التي تحفظ حياة البشر، وتمنع انتقال العدوى، التي تنتقل بسهولة وسرعة بالمخالطة وفي التجمعات الكبيرة، فالفيروس ينتقل عبر الرذاذ الملوث (من خلال السعال أو العطس) أو الأيدي الملوثة، كما ينتقل عن طريق ملامسة الأسطح الملوثة.

ومنذ ظهور الفيروس في ديسمبر من العام الماضي، فقد أصاب ما يناهز 200 ألف شخص، وقتل نحو 8 آلاف حتى الآن، ويعتقد باحثون حالياً أنّ ما بين 5 و40 حالة من كل 1000 حالة إصابة بفيروس كورونا ستنتهي بالوفاة، وأن أفضل تخمين لمعدل الوفاة هو موت تسعة أشخاص من كل 1000 حالة إصابة أو نحو 1 في المئة منها. فخطورة الأمر تستدعي اتخاذ ما يلزم من إجراءات وتدابير مشددة، وتعاون الجميع مع ما يتخذ؛ لدفع المرض، والمساهمة في عدم انتشاره وانتقاله للآخرين.