مبروك جاكم مخ جديد !

تزوجوا بعد خطوبةٍ دامت أشهراً..

كانت تفاصيل حفل زفافهم منتقاة بعناية ..

وقاموا بتأثيث المنزل بعد الاطلاع والتشاور والبحث المطوّل ..

حددوا وجهة السفر بعد قراءة الخيارات وبحثٍ وتفكيرٍ عميق ..

ثم بدأت أسئلة المحيطين " ها مافيه شي في الطريق؟!"

وبعد رحلة وهنٍ على وهن، حان موعد الولادة المرتقب..

وكل شيءٍ جاهزٌ لاستقبال هذا الضيف الجديد

صواني الشوكولا الفاخرة رصّت بعناية قبل الموعد.

وتنسيقات الاستقبال، وترتيب الورد، وحجز صالة الأفراح عفواً أقصد غرفة المستشفى كان على أتمّ الاستعداد.

وملابسه الصغيرة قد اختيرت من أجود أنواع القطن الناعم، أما السرير فكان اختياره بعد مشورة كل أمهات العائلة.

وأخيراً شرف المولود ..

وانهالت التبريكات والورود مجدداً والشوكولا الإضافية التي ملأت المكان حلاوةً وسكر!

ثم في غضون سنوات انقلب الحال

فتحولت الفرحة إلى آهات وتشكّي !

وبدأت السلوكيات المتعبة والانحرافات والمشاكل البسيطة والمعقدة، وتحول طعم السكر إلى مرٍ وعلقم عندما بدأ ذلك الطفل في العناد والفرعنة والشقاوة !

ويبدأ الأب بنسب الطفل الشقي لأمه "من زين ولدك".

والأم تحمّل الأب مسؤولية ضياع البنت " هذي بنتك ما علي منها".

ويستمرون في تبادل الاتهامات أوالهروب من المشاكل إلى أعذار أنهم "أطفال وبيكبرون ويعقلون وينتهي الموضوع".

ذبلت الورود واختفت الشوكولا والتبريكات

وصارت التربيةُ معاناة !

مهلاً .. مهلاً ..

ألم يكنْ ذاك الذي ولدَ للتو عقلا جديدا؟!

يا ترى هل سيذوق الحلوى أم سيكون قطعة أثاث فاخرة تضاف للمجلس؟!

ألا يستحق ذاك العقل بعض الاستعداد للنهوض به ؟!

لم تتردد الأم في دفع مئاتٍ بل ربما ألوفا لتكون ضيافتها من أعلى طراز !

ولم يتردد الأب في حجز أفضل مستشفى ولادة !

ثم ماذا؟!

ذهب كل ذلك ..

وتبقى ذلك (العقل) الذي لم يعدّ لاستقباله أي شيءٍ يذكر !

فلا قراءة ولا ثقافة ولا اطلاع، بل ويستخسرون حضور دورةٍ قيّمة أو محاضرة في التربية، وتفضل بسعرها قارورة عطرٍ أو علبة مكياج!

ويعتقد الأب أنها مضيعة للوقت وللمال ولسان حاله يقول: “كبرنا وانتهى الموضوع وشوله الفلسفة وتعقيد الأمور ؟!".

فتجدهم يتحمّلون ساعاتٍ وساعاتٍ في لُعبةِ جوالٍ أو متابعة مشاهيرٍ بلا قيمة ، ولا يحْتملون نصف ساعة لمحاضرة تربوية قيمة!

وذاك العقل

ذاك الطفل

تلك الأمانة

تكبر وتكبر ويزيد الاحتياج ولا حياة لمن تنادي !

والمصيبة أنهم يعتقدون أن كل ذلك " عادي".

فلا يفهمون أسباب تصرفاته وينعتونها بألقابٍ ظالمة.

أو يبالغون في وصف حركاته الطفولية بالعبث والشقاوة.

لأنهم لا يعرفون احتياجاته الأساسية وطريقة فهمه للعالم.

أو يعتقدون أن لا مشكلة وأن كل شيءٍ على ما يرام.

وقد يتحول الاحتياج إلى سياجٍ من مشاكل سلوكية لا حصر لها، يقيد الطفل ويمنعه من الإبداع والتقدم بشكل سوي.

حتى يصلوا أعتاب المراهقة فتظهر أعراضٌ يصعب التعامل معها، كانت بذورها في الطفولة واضحةٌ لو كانوا يعلمون !

وقد تصل تلك الآثار لمرحلة الزواج فشخصيته الهشة لا تتحمّل أي شيء، ثم تتفاقم الأمور لتصل إلى الطلاقِ أو ربما الخيانة!

دعوني هنا أوضح الصورة للضرورة:

قبل ظهور المشاكل هناك حاجاتٌ أساسيةٌ ماسة لكل طفل، إن لم تشبع جميعها بالشكل الصحيح وفي الوقت الصحيح ستتحول مع مرور الوقت إلى مشاكل سلوكية، وإن أُهملت تلك الأخرى ستصبح أعمق وقد تتسب في عقدٍ نفسية أو شخصياتٍ ضعيفة مهزوزة فتصبح بيئةً خصبةً لبداية الانحرافات !

من المهم أن يعرف الأهل كحد أدنى طبيعة مرحلة الطفولة وخصائصها حتى يميزوا الخبيث من المستهجن من السلوكيات في أطفالهم.

كل ذلك يهمّش في مقابل التحضير للكماليات بكل دقة وعناية ومشورة، بينما تُركت الأساسيات عشوائية تعتمد بالدرجة الأولى علي الفطرة والتوقعات والتجارب أو حتى الصدف!

لم يرضوا بأي شيءٍ عندما كان الوضع يخص الرفاهية أو نظرة المجتمع أو العادات السائدة "والسنع "، ولكن عندما جاءت التربية رضوا بأبسط الطرق البدائية، من ضربٍ وشطة وفلفل وغيرها من المقادير التي لا تمتُّ للتربية الصحيحة بأي صلة !

مهلاً ..

أيتركُ عقلٌ أودعه الله أمانة لكل أمٍ وأب للصدفة والعشوائية والتخبط ؟!

أيّ تناقضٍ هذا ؟

لم لا تكتمل القصة ويكون كل شيء كما كانت البداية؟

بدقة واهتمام وعناية ؟!

لمَ تُبْترُ الحكايةُ من أولها ؟!

وليتها كانت كذلك فقط

بل شُوّهت !

وحُجّم العقل !

وصُغّرت القدرات !

واختصرت في كلمة "بــزر ما يفهم".

وياللخســـارة .. !

فعقلٌ أودع الله فيه مساراتٍ عقلية أكبرَ من عدد ذرات الكون، يستحق كل التعب والبحث والمعرفة والعلم من أجل أن تستغل كل ذرةٍ فيه ليخدم نفسه ويخدم البشرية بما ينفع، لا أن يصبح عالةً على أسرته ونفسه والعالم أجمع!

فكم من صورٍ سلبية نراها في حياتنا اليومية لأشخاصٍ كانوا ضحية التربية العشوائية، فيمشون بنصف عقل أو ربما ربع عقل، أو ربما بلا عقل فهم مع القطيع يسرون أينما كان !

وختاماً:

لكل أمٍ وأبٍ أقول

" مبروك جاكم مخ جديد"

أحسنوا تطويره

أتقنوا تعميره

فهذا الجهد سيبقى مع طفلكم طوال حياته بإذن الله.

لاعجب فعقل الإنسان يتكون أكثر من ثلثيه في الطفولة المبكرة من يوم ولادته وحتى أربع سنوات !

ساعدوا أطفالكم لتكون أدمغتهم قوية وعقولهم مثمرة لتأخذ بأيديهم في هذا العالم ، فهذه أفضل هدية تقدمونها لهم مدى الحياة، منحكم الله عقولهم أمانة ، فكيف عمّرتموها ؟

استثمروها

ولن يحدث ذلك بالصدفة ولا بالفطرة ، بل بالعلم والتعلم والوعي والاهتمام ..

لا تنتظروا حدوث المشاكل حتى تبدؤوا بالعمل والقراءة، بل ابدؤوا التعلم حتى تدرؤوا بوعيكم تلك المشاكل قبل ظهورها ..

فتكون طفولتهم زينة.

ومراهقتهم رزينــة.

أعزائي الوالدين

إن الخيار لكم في الإنجاب من عدمه، ولكن ما إن يأخذ ذاك العقل نفسه الأول تبدأ مسؤوليتكم في التربية ولا خيار لكم في ذلك.

" كلكم راعٍ وكلكم مسؤول ٌ عن رعيته"

محاضر بقسم الطفولة المبكرة بجامعة الملك سعود

مدربة ومستشارة في الطفولة

‏@maha_hagabani

اعلان
مبروك جاكم مخ جديد !
سبق

تزوجوا بعد خطوبةٍ دامت أشهراً..

كانت تفاصيل حفل زفافهم منتقاة بعناية ..

وقاموا بتأثيث المنزل بعد الاطلاع والتشاور والبحث المطوّل ..

حددوا وجهة السفر بعد قراءة الخيارات وبحثٍ وتفكيرٍ عميق ..

ثم بدأت أسئلة المحيطين " ها مافيه شي في الطريق؟!"

وبعد رحلة وهنٍ على وهن، حان موعد الولادة المرتقب..

وكل شيءٍ جاهزٌ لاستقبال هذا الضيف الجديد

صواني الشوكولا الفاخرة رصّت بعناية قبل الموعد.

وتنسيقات الاستقبال، وترتيب الورد، وحجز صالة الأفراح عفواً أقصد غرفة المستشفى كان على أتمّ الاستعداد.

وملابسه الصغيرة قد اختيرت من أجود أنواع القطن الناعم، أما السرير فكان اختياره بعد مشورة كل أمهات العائلة.

وأخيراً شرف المولود ..

وانهالت التبريكات والورود مجدداً والشوكولا الإضافية التي ملأت المكان حلاوةً وسكر!

ثم في غضون سنوات انقلب الحال

فتحولت الفرحة إلى آهات وتشكّي !

وبدأت السلوكيات المتعبة والانحرافات والمشاكل البسيطة والمعقدة، وتحول طعم السكر إلى مرٍ وعلقم عندما بدأ ذلك الطفل في العناد والفرعنة والشقاوة !

ويبدأ الأب بنسب الطفل الشقي لأمه "من زين ولدك".

والأم تحمّل الأب مسؤولية ضياع البنت " هذي بنتك ما علي منها".

ويستمرون في تبادل الاتهامات أوالهروب من المشاكل إلى أعذار أنهم "أطفال وبيكبرون ويعقلون وينتهي الموضوع".

ذبلت الورود واختفت الشوكولا والتبريكات

وصارت التربيةُ معاناة !

مهلاً .. مهلاً ..

ألم يكنْ ذاك الذي ولدَ للتو عقلا جديدا؟!

يا ترى هل سيذوق الحلوى أم سيكون قطعة أثاث فاخرة تضاف للمجلس؟!

ألا يستحق ذاك العقل بعض الاستعداد للنهوض به ؟!

لم تتردد الأم في دفع مئاتٍ بل ربما ألوفا لتكون ضيافتها من أعلى طراز !

ولم يتردد الأب في حجز أفضل مستشفى ولادة !

ثم ماذا؟!

ذهب كل ذلك ..

وتبقى ذلك (العقل) الذي لم يعدّ لاستقباله أي شيءٍ يذكر !

فلا قراءة ولا ثقافة ولا اطلاع، بل ويستخسرون حضور دورةٍ قيّمة أو محاضرة في التربية، وتفضل بسعرها قارورة عطرٍ أو علبة مكياج!

ويعتقد الأب أنها مضيعة للوقت وللمال ولسان حاله يقول: “كبرنا وانتهى الموضوع وشوله الفلسفة وتعقيد الأمور ؟!".

فتجدهم يتحمّلون ساعاتٍ وساعاتٍ في لُعبةِ جوالٍ أو متابعة مشاهيرٍ بلا قيمة ، ولا يحْتملون نصف ساعة لمحاضرة تربوية قيمة!

وذاك العقل

ذاك الطفل

تلك الأمانة

تكبر وتكبر ويزيد الاحتياج ولا حياة لمن تنادي !

والمصيبة أنهم يعتقدون أن كل ذلك " عادي".

فلا يفهمون أسباب تصرفاته وينعتونها بألقابٍ ظالمة.

أو يبالغون في وصف حركاته الطفولية بالعبث والشقاوة.

لأنهم لا يعرفون احتياجاته الأساسية وطريقة فهمه للعالم.

أو يعتقدون أن لا مشكلة وأن كل شيءٍ على ما يرام.

وقد يتحول الاحتياج إلى سياجٍ من مشاكل سلوكية لا حصر لها، يقيد الطفل ويمنعه من الإبداع والتقدم بشكل سوي.

حتى يصلوا أعتاب المراهقة فتظهر أعراضٌ يصعب التعامل معها، كانت بذورها في الطفولة واضحةٌ لو كانوا يعلمون !

وقد تصل تلك الآثار لمرحلة الزواج فشخصيته الهشة لا تتحمّل أي شيء، ثم تتفاقم الأمور لتصل إلى الطلاقِ أو ربما الخيانة!

دعوني هنا أوضح الصورة للضرورة:

قبل ظهور المشاكل هناك حاجاتٌ أساسيةٌ ماسة لكل طفل، إن لم تشبع جميعها بالشكل الصحيح وفي الوقت الصحيح ستتحول مع مرور الوقت إلى مشاكل سلوكية، وإن أُهملت تلك الأخرى ستصبح أعمق وقد تتسب في عقدٍ نفسية أو شخصياتٍ ضعيفة مهزوزة فتصبح بيئةً خصبةً لبداية الانحرافات !

من المهم أن يعرف الأهل كحد أدنى طبيعة مرحلة الطفولة وخصائصها حتى يميزوا الخبيث من المستهجن من السلوكيات في أطفالهم.

كل ذلك يهمّش في مقابل التحضير للكماليات بكل دقة وعناية ومشورة، بينما تُركت الأساسيات عشوائية تعتمد بالدرجة الأولى علي الفطرة والتوقعات والتجارب أو حتى الصدف!

لم يرضوا بأي شيءٍ عندما كان الوضع يخص الرفاهية أو نظرة المجتمع أو العادات السائدة "والسنع "، ولكن عندما جاءت التربية رضوا بأبسط الطرق البدائية، من ضربٍ وشطة وفلفل وغيرها من المقادير التي لا تمتُّ للتربية الصحيحة بأي صلة !

مهلاً ..

أيتركُ عقلٌ أودعه الله أمانة لكل أمٍ وأب للصدفة والعشوائية والتخبط ؟!

أيّ تناقضٍ هذا ؟

لم لا تكتمل القصة ويكون كل شيء كما كانت البداية؟

بدقة واهتمام وعناية ؟!

لمَ تُبْترُ الحكايةُ من أولها ؟!

وليتها كانت كذلك فقط

بل شُوّهت !

وحُجّم العقل !

وصُغّرت القدرات !

واختصرت في كلمة "بــزر ما يفهم".

وياللخســـارة .. !

فعقلٌ أودع الله فيه مساراتٍ عقلية أكبرَ من عدد ذرات الكون، يستحق كل التعب والبحث والمعرفة والعلم من أجل أن تستغل كل ذرةٍ فيه ليخدم نفسه ويخدم البشرية بما ينفع، لا أن يصبح عالةً على أسرته ونفسه والعالم أجمع!

فكم من صورٍ سلبية نراها في حياتنا اليومية لأشخاصٍ كانوا ضحية التربية العشوائية، فيمشون بنصف عقل أو ربما ربع عقل، أو ربما بلا عقل فهم مع القطيع يسرون أينما كان !

وختاماً:

لكل أمٍ وأبٍ أقول

" مبروك جاكم مخ جديد"

أحسنوا تطويره

أتقنوا تعميره

فهذا الجهد سيبقى مع طفلكم طوال حياته بإذن الله.

لاعجب فعقل الإنسان يتكون أكثر من ثلثيه في الطفولة المبكرة من يوم ولادته وحتى أربع سنوات !

ساعدوا أطفالكم لتكون أدمغتهم قوية وعقولهم مثمرة لتأخذ بأيديهم في هذا العالم ، فهذه أفضل هدية تقدمونها لهم مدى الحياة، منحكم الله عقولهم أمانة ، فكيف عمّرتموها ؟

استثمروها

ولن يحدث ذلك بالصدفة ولا بالفطرة ، بل بالعلم والتعلم والوعي والاهتمام ..

لا تنتظروا حدوث المشاكل حتى تبدؤوا بالعمل والقراءة، بل ابدؤوا التعلم حتى تدرؤوا بوعيكم تلك المشاكل قبل ظهورها ..

فتكون طفولتهم زينة.

ومراهقتهم رزينــة.

أعزائي الوالدين

إن الخيار لكم في الإنجاب من عدمه، ولكن ما إن يأخذ ذاك العقل نفسه الأول تبدأ مسؤوليتكم في التربية ولا خيار لكم في ذلك.

" كلكم راعٍ وكلكم مسؤول ٌ عن رعيته"

محاضر بقسم الطفولة المبكرة بجامعة الملك سعود

مدربة ومستشارة في الطفولة

‏@maha_hagabani

02 إبريل 2018 - 16 رجب 1439
02:49 PM

مبروك جاكم مخ جديد !

مها عبدالله الحقباني - الرياض
A A A
3
8,990

تزوجوا بعد خطوبةٍ دامت أشهراً..

كانت تفاصيل حفل زفافهم منتقاة بعناية ..

وقاموا بتأثيث المنزل بعد الاطلاع والتشاور والبحث المطوّل ..

حددوا وجهة السفر بعد قراءة الخيارات وبحثٍ وتفكيرٍ عميق ..

ثم بدأت أسئلة المحيطين " ها مافيه شي في الطريق؟!"

وبعد رحلة وهنٍ على وهن، حان موعد الولادة المرتقب..

وكل شيءٍ جاهزٌ لاستقبال هذا الضيف الجديد

صواني الشوكولا الفاخرة رصّت بعناية قبل الموعد.

وتنسيقات الاستقبال، وترتيب الورد، وحجز صالة الأفراح عفواً أقصد غرفة المستشفى كان على أتمّ الاستعداد.

وملابسه الصغيرة قد اختيرت من أجود أنواع القطن الناعم، أما السرير فكان اختياره بعد مشورة كل أمهات العائلة.

وأخيراً شرف المولود ..

وانهالت التبريكات والورود مجدداً والشوكولا الإضافية التي ملأت المكان حلاوةً وسكر!

ثم في غضون سنوات انقلب الحال

فتحولت الفرحة إلى آهات وتشكّي !

وبدأت السلوكيات المتعبة والانحرافات والمشاكل البسيطة والمعقدة، وتحول طعم السكر إلى مرٍ وعلقم عندما بدأ ذلك الطفل في العناد والفرعنة والشقاوة !

ويبدأ الأب بنسب الطفل الشقي لأمه "من زين ولدك".

والأم تحمّل الأب مسؤولية ضياع البنت " هذي بنتك ما علي منها".

ويستمرون في تبادل الاتهامات أوالهروب من المشاكل إلى أعذار أنهم "أطفال وبيكبرون ويعقلون وينتهي الموضوع".

ذبلت الورود واختفت الشوكولا والتبريكات

وصارت التربيةُ معاناة !

مهلاً .. مهلاً ..

ألم يكنْ ذاك الذي ولدَ للتو عقلا جديدا؟!

يا ترى هل سيذوق الحلوى أم سيكون قطعة أثاث فاخرة تضاف للمجلس؟!

ألا يستحق ذاك العقل بعض الاستعداد للنهوض به ؟!

لم تتردد الأم في دفع مئاتٍ بل ربما ألوفا لتكون ضيافتها من أعلى طراز !

ولم يتردد الأب في حجز أفضل مستشفى ولادة !

ثم ماذا؟!

ذهب كل ذلك ..

وتبقى ذلك (العقل) الذي لم يعدّ لاستقباله أي شيءٍ يذكر !

فلا قراءة ولا ثقافة ولا اطلاع، بل ويستخسرون حضور دورةٍ قيّمة أو محاضرة في التربية، وتفضل بسعرها قارورة عطرٍ أو علبة مكياج!

ويعتقد الأب أنها مضيعة للوقت وللمال ولسان حاله يقول: “كبرنا وانتهى الموضوع وشوله الفلسفة وتعقيد الأمور ؟!".

فتجدهم يتحمّلون ساعاتٍ وساعاتٍ في لُعبةِ جوالٍ أو متابعة مشاهيرٍ بلا قيمة ، ولا يحْتملون نصف ساعة لمحاضرة تربوية قيمة!

وذاك العقل

ذاك الطفل

تلك الأمانة

تكبر وتكبر ويزيد الاحتياج ولا حياة لمن تنادي !

والمصيبة أنهم يعتقدون أن كل ذلك " عادي".

فلا يفهمون أسباب تصرفاته وينعتونها بألقابٍ ظالمة.

أو يبالغون في وصف حركاته الطفولية بالعبث والشقاوة.

لأنهم لا يعرفون احتياجاته الأساسية وطريقة فهمه للعالم.

أو يعتقدون أن لا مشكلة وأن كل شيءٍ على ما يرام.

وقد يتحول الاحتياج إلى سياجٍ من مشاكل سلوكية لا حصر لها، يقيد الطفل ويمنعه من الإبداع والتقدم بشكل سوي.

حتى يصلوا أعتاب المراهقة فتظهر أعراضٌ يصعب التعامل معها، كانت بذورها في الطفولة واضحةٌ لو كانوا يعلمون !

وقد تصل تلك الآثار لمرحلة الزواج فشخصيته الهشة لا تتحمّل أي شيء، ثم تتفاقم الأمور لتصل إلى الطلاقِ أو ربما الخيانة!

دعوني هنا أوضح الصورة للضرورة:

قبل ظهور المشاكل هناك حاجاتٌ أساسيةٌ ماسة لكل طفل، إن لم تشبع جميعها بالشكل الصحيح وفي الوقت الصحيح ستتحول مع مرور الوقت إلى مشاكل سلوكية، وإن أُهملت تلك الأخرى ستصبح أعمق وقد تتسب في عقدٍ نفسية أو شخصياتٍ ضعيفة مهزوزة فتصبح بيئةً خصبةً لبداية الانحرافات !

من المهم أن يعرف الأهل كحد أدنى طبيعة مرحلة الطفولة وخصائصها حتى يميزوا الخبيث من المستهجن من السلوكيات في أطفالهم.

كل ذلك يهمّش في مقابل التحضير للكماليات بكل دقة وعناية ومشورة، بينما تُركت الأساسيات عشوائية تعتمد بالدرجة الأولى علي الفطرة والتوقعات والتجارب أو حتى الصدف!

لم يرضوا بأي شيءٍ عندما كان الوضع يخص الرفاهية أو نظرة المجتمع أو العادات السائدة "والسنع "، ولكن عندما جاءت التربية رضوا بأبسط الطرق البدائية، من ضربٍ وشطة وفلفل وغيرها من المقادير التي لا تمتُّ للتربية الصحيحة بأي صلة !

مهلاً ..

أيتركُ عقلٌ أودعه الله أمانة لكل أمٍ وأب للصدفة والعشوائية والتخبط ؟!

أيّ تناقضٍ هذا ؟

لم لا تكتمل القصة ويكون كل شيء كما كانت البداية؟

بدقة واهتمام وعناية ؟!

لمَ تُبْترُ الحكايةُ من أولها ؟!

وليتها كانت كذلك فقط

بل شُوّهت !

وحُجّم العقل !

وصُغّرت القدرات !

واختصرت في كلمة "بــزر ما يفهم".

وياللخســـارة .. !

فعقلٌ أودع الله فيه مساراتٍ عقلية أكبرَ من عدد ذرات الكون، يستحق كل التعب والبحث والمعرفة والعلم من أجل أن تستغل كل ذرةٍ فيه ليخدم نفسه ويخدم البشرية بما ينفع، لا أن يصبح عالةً على أسرته ونفسه والعالم أجمع!

فكم من صورٍ سلبية نراها في حياتنا اليومية لأشخاصٍ كانوا ضحية التربية العشوائية، فيمشون بنصف عقل أو ربما ربع عقل، أو ربما بلا عقل فهم مع القطيع يسرون أينما كان !

وختاماً:

لكل أمٍ وأبٍ أقول

" مبروك جاكم مخ جديد"

أحسنوا تطويره

أتقنوا تعميره

فهذا الجهد سيبقى مع طفلكم طوال حياته بإذن الله.

لاعجب فعقل الإنسان يتكون أكثر من ثلثيه في الطفولة المبكرة من يوم ولادته وحتى أربع سنوات !

ساعدوا أطفالكم لتكون أدمغتهم قوية وعقولهم مثمرة لتأخذ بأيديهم في هذا العالم ، فهذه أفضل هدية تقدمونها لهم مدى الحياة، منحكم الله عقولهم أمانة ، فكيف عمّرتموها ؟

استثمروها

ولن يحدث ذلك بالصدفة ولا بالفطرة ، بل بالعلم والتعلم والوعي والاهتمام ..

لا تنتظروا حدوث المشاكل حتى تبدؤوا بالعمل والقراءة، بل ابدؤوا التعلم حتى تدرؤوا بوعيكم تلك المشاكل قبل ظهورها ..

فتكون طفولتهم زينة.

ومراهقتهم رزينــة.

أعزائي الوالدين

إن الخيار لكم في الإنجاب من عدمه، ولكن ما إن يأخذ ذاك العقل نفسه الأول تبدأ مسؤوليتكم في التربية ولا خيار لكم في ذلك.

" كلكم راعٍ وكلكم مسؤول ٌ عن رعيته"

محاضر بقسم الطفولة المبكرة بجامعة الملك سعود

مدربة ومستشارة في الطفولة

‏@maha_hagabani