"أخو نورة".. عبقرية ملك أسس للمجد.. ملامح من حياة مؤسس السعودية

أشاد به المؤرخون العالميون.. ووصفه الأديب العقاد بـ"عنيد مع الأقوياء ومتواضع مع الضعفاء"
"أخو نورة".. عبقرية ملك أسس للمجد.. ملامح من حياة مؤسس السعودية

يتفق المؤرخون على أن "عبقرية" الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن ـ طيب الله ثراه ـ كانت العامل المهم، الذي أسهم في تأسيس المملكة العربية السعودية على أسس ثابتة، جعلت منها دولة نموذجية في كل شيء.

ويصف المؤرخون ما قام به الملك عبد العزيز في استعادة مُلك أجداده بأنه ملحمة بطولية، بكل ما تحمله الكلمة من مدلولات، وأشاروا إلى أن السياسة التي اتبعها الملك عبد العزيز في بناء دولته الجديدة كانت حكيمة؛ إذ لم تغفل أي شأن من أمور البلاد، بل أولته العناية الفائقة؛ إذ طبق شرع الله في التعاملات اليومية، وعمل على استتباب الأمن في ربوع البلاد، وبناء الاقتصاد، وتعزيز علاقات السعودية مع الدول الخارجية.

النشأة والميلاد

اختلف المؤرخون حول تاريخ ميلاد الملك عبدالعزيز آل سعود إلا أن الكثير منهم ذهبوا إلى مصادر المؤرخ هاشم بن سعيد النعمي، الذي أوضح أنه وُلد في مدينة الرياض عام 1293هـ الموافق 1876م، بحسب ما ورد في مجلد تاريخي من بين 12 مجلدًا، طبعتها دارة الملك عبدالعزيز عن سيرة وشخصية الملك عبدالعزيز، ومراحل بناء الدولة السعودية الثالثة. وقد خضعت الرياض لحكم الدولة السعودية الأولى والثانية، ثم عادت لحكم الدولة السعودية الثالثة على يد الملك عبدالعزيز آل سعود عام 1319هـ.

وأصرّ الملك عبدالعزيز على إعادة الرياض التي تعد امتدادًا تاريخيًّا لمسيرة الآباء والأجداد؛ إذ إنه ولد وترعرع فيها، ونهل من علمائها بعد أن عهد به والده الإمام عبدالرحمن بن فيصل آل سعود إلى القاضي عبدالله الخرجي لتعليمه القرآن الكريم والقراءة والكتابة وهو في سن السابعة من عمره، وفي سن العاشرة تلقى تحصيله في الفقه والتوحيد على يد الشيخ عبدالله بن عبداللطيف آل الشيخ، وبالتوازي مع ذلك كان الملك عبدالعزيز يتعلم ركوب الخيل، ومهارات الفروسية.

أخو نورة

وتأثرت شخصية الملك عبدالعزيز كثيرًا بشخصية والده الإمام عبدالرحمن الفيصل؛ إذ كان أبًا، ومعلمًا، وأخًا، وصديقًا لابنه، فضلاً عن شخصية والدته الأميرة سارة السديري التي كانت من أكمل النساء عقلاً وتدبيرًا، وكان محبًّا لإخوته (خالد، فيصل، فهد، محمد ونورة)، لكن علاقته بالأميرة نورة احتلت مكانة كبيرة في نفسه حتى إنه كان يقول: "أنا أخو نورة.. أنا أخو نورة"، ويحرص على زيارتها يوميًّا في منزلها.

وللملك عبدالعزيز شخصية قوية آسرة، ومهابة، تأثر بها كل من قابله. وفي المقابل كان له صورة باسمة مشرقة بأسارير متهللة بما عُرف عنه من لين الجانب والتواضع والمرح، وعدم تكلفه في الحديث مع أبناء شعبه ورعيته، فضلاً عن كرمه وسخائه مع الجميع؛ فلم يكن ملكًا فقط، بل كان رب أسرة ومحبًّا للجميع، ورجلاً قدوة في أفعاله وسلوكياته.

شهادة صينية

وبهرت شخصية الملك عبدالعزيز الكثير من المفكرين والمؤرخين في العالم، ومنهم المؤرخ الصيني البروفيسور يانغ يان هونغ الذي قال عنه: "لقد كان الملك عبدالعزيز أحد العباقرة الذين قدموا لأوطانهم خدمات جليلة بجهودهم الجبارة التي لا تعرف الكلل أو الملل، وأثروا في تطور المجتمعات البشرية وتقدُّمها نحو الغاية المنشودة، وسجلوا مآثر عظيمة في السجل التاريخي المفعم بالأمجاد الخالدة".

ووصف الدكتور "فون دايزل" النمساوي، الذي زار السعودية عام 1926م، الملك عبدالعزيز بالنابغة، مستشهدًا بالقول: "إذا عرفتم أن ابن سعود نجح في تأليف إمبراطورية تفوق مساحتها مجموع مساحات ألمانيا وفرنسا وإيطاليا معًا بعد أن كان زعيما لا يقود في بادئ الأمر سوى عدد من الرجال، وتمكن بمساعدتهم من استرداد الرياض عاصمة أجداده، ولم يداخلكم الشك في أن هذا الرجل الذي يعمل هذا يحق له أن يسمى (نابغة)".

العلم والعلماء

وعُرف عن الملك عبدالعزيز احترامه الكبير للعلماء طيلة فترة حياته؛ فكان يقدمهم على إخوته في مجلسه، ويستمع إليهم. ومبعث ذلك إيمان الملك عبدالعزيز التام بقيمة العلم والعلماء، وأثرهم في الحياة.

وعد المؤرخون خروج الملك عبدالعزيز مع والده الإمام عبدالرحمن وبعض أفراد أسرته من الرياض عام 1308هـ، الموافق 1891م، الحدث الأصعب في حياته؛ إذ غادرها وهو في سن الـ 12 عامًا، وقيل 15 عامًا، وكانت محطتهم الأولى بعد الرياض واحة "يبرين" في الأحساء، فالبحرين، إلى أن وصلوا فيما بعد إلى الكويت، واستقروا بها سنوات عدة، ظل فيها الملك عبدالعزيز معلق القلب بالرياض التي وُلد وترعرع فيها، وكبرت فيها تطلعاته وآماله.

رحلة بطولية

وعندما بلغ الملك عبدالعزيز سن العشرين من عمره وهو في الكويت توجه في الخامس من شهر رمضان عام 1319هـ إلى الرياض في رحلة بطولية، قاد مسيرتها بصحبة 40 رجلاً؛ ليتمكنوا من اختراق جوف الصحراء التي تلتهب رمالها تحت أشعة الشمس الحارة، وصاموا رمضان في واحة "يبرين" في الأحساء، وعيّدوا في موقع يقال له "أبو جفان".

وأثناء السير في الطريق اتخذ الملك عبدالعزيز آل سعود من واحة "يبرين" مقرًّا له لتنفيذ خطته في إعادة الرياض. وتقع هذه الواحة بمحاذاة رمال الربع الخالي من الشمال على بُعد 160 ميلاً جنوب الأحساء، و175 ميلاً عن الرياض شرقًا. وأثناء السير مَرّ الملك عبدالعزيز ورجاله بـ"حرض"، وهي إحدى قرى الأحساء.

مشيًا على الأقدام

وفي اليوم الرابع من شهر شوال من عام 1319هـ، الموافق 15 يناير 1902م، وصل الملك عبدالعزيز ورجاله إلى "ضلع الشقيب" الذي يبعد عن مدينة الرياض نحو ساعة ونصف الساعة مشيًا على الأقدام، ومن الضلع تقدموا إلى الرياض التي دخلها الملك عبدالعزيز بذكاء القائد المحنك، وأعاد الأمور إلى نصابها الصحيح بعد عملية بطولية حامية الوطيس، لم تدم طويلاً.

وتمكن الملك عبدالعزيز من طي زمن العهد الغابر في الرياض، وأعلن بداية العهد الزاهر في نجد، بعد أن بايعه أهالي الرياض وأعيانها عام 1320هـ أميرًا على نجد وإمامًا لأهلها، وذلك عقب صلاة الجمعة في ساحة المسجد الكبير بالرياض؛ فدب الاستقرار السياسي في مدينة الرياض بعد سنين من الاضطراب، وكانت وحدة الحكم من أهم العوامل التي مهّدت دخول الرياض مرحلة جديدة من النمو والازدهار الحضاري.

وتمكن الملك عبدالعزيز آل سعود عبر رحلة طويلة، أضناه فيها طول المشي والتفكير، من لملمة شتات البلاد، وإعادة الأمن، والتصدي للفوضى التي كانت سائدة في الجزيرة العربية آنذاك.

شؤون الدولة

واهتم الملك عبدالعزيز بتطوير البلاد؛ فأصدر مرسومًا ملكيًّا برقم 2716، وتاريخ 17 جمادى الأولى عام 1351 هـ، يقضي بتحويل اسم الدولة من "مملكة الحجاز ونجد وملحقاتها" إلى المملكة العربية السعودية ابتداء من يوم الخميس 21 جمادى الأولى 1351 هـ، الموافق الأول من برج الميزان/ 23 سبتمبر 1932م.

ووجّه الملك عبدالعزيز عند بداية تنظيم شؤون الدولة بالاهتمام بالحرمين الشريفين وتوسعتهما، وخدمة الحجاج والمعتمرين، فضلاً عن البدء في فتح المدارس، وإنشاء المستشفيات، وبناء القرى، وإصلاح التربة، وتوطين البادية، والتنقيب عن مياه الري من أجل دعم الزراعة.. بيد أن هذه الجهود كانت تصطدم بتوافر المال لتنفيذها؛ وهو ما أشغل تفكير الملك عبدالعزيز إلى أن أشار عليه أحد المستشارين بالبحث عن الثروات المعدنية تحت باطن الأرض.

التنقيب عن النفط

وتماشيًا مع الرغبة في النهوض بالبلاد بدأت في خريف عام 1933م عمليات التنقيب عن النفط في بعض أراضي السعودية، لكن مضت أربعة أعوام عجاف؛ لم تثمر أعمالها الوصول إلى نتيجة إيجابية مُرضية لاكتشاف مكامن النفط، إلى أن قرر الخبراء التنقيب حول بئر ماء في منطقة تسمى "عين جت"، كان الملك عبدالعزيز قد توقف عندها عام 1902م / 1319هـ في طريقه من الكويت إلى الرياض، فكانت المفاجأة بوجود النفط على عمق 5 آلاف قدم تحت الأرض.

وانتعشت الأرض الصحراوية بخروج الذهب الأسود الذي حول الصحراء القاحلة المؤنسة بهدير الرياح إلى مدينة ديناميكية ممتلئة بالعمال والمهندسين وخبراء النفط. وفي عام 1939م جرت أول عملية ضخ للنفط في احتفال شهده الملك عبدالعزيز؛ ليستهل بعدها مشروعات الدولة التي خطط لها وسط تحديات عالمية واجهت السعودية ودول المنطقة بسبب الحرب العالمية الثانية.

الشأن الداخلي

وكان اهتمام الملك عبدالعزيز بالشأن الخارجي باهتمامه نفسه بالشأن الداخلي للبلاد، وتعامل مع جميع دول العالم بدبلوماسية عالية المستوى، آخذًا بعين الاعتبار حق السعودية في استقلالها واختيار طبيعة علاقاتها مع الدول دون الإخلال بمكانتها: الدينية، والحضارية، والثقافية؛ وهو ما جعله محبوبًا من مختلف قادة دول العالم، ويصبح حديث الإعلام العربي والإقليمي والدولي في ذلك الوقت.

وسعى الملك عبدالعزيز إلى تسوية أوضاع البلاد، وتأمين الاعتراف بها مع الدول العربية المجاورة أولاً، ثم مع باقي الدول العربية والإسلامية، وصولاً إلى دول العالم؛ فعقد مع الدول العربية اتفاقيات ومعاهدات تهدف إلى تسوية الحدود مع هذه الدول من جهة، وخلق أجواء من السلم والأمن والصداقة معها من جهة أخرى، علاوة على إقامة علاقة دبلوماسية، تلبي مصالح البلاد مع دول العالم دون الإخلال بثوابتها.

ترجُّل الفارس

من هنا وصف الأديب والمفكر المصري عباس العقاد شخصية الملك عبدالعزيز بالقول: "كان الملك عبدالعزيز عنيدًا مع الأقوياء، متواضعًا مع الضعفاء، لكنه كان يسمع الرأي الآخر، فإذا اقتنع به رجع إليه؛ لأنه اتخذ من الحق والشريعة إمامًا وحكمًا".

وفي شهر محرم من عام 1373هـ ترجل الفارس الملك عبدالعزيز عن صهوة جواده بعد أن اشتد عليه المرض أثناء إقامته في الطائف. وفي فجر الثاني من شهر ربيع الأول من عام 1373هـ، الموافق 9 نوفمبر 1953م، فاضت روحه إلى بارئها.

أخبار قد تعجبك

No stories found.
صحيفة سبق الالكترونية
sabq.org