سكر العصائر.. والأبواب المشرعة للصحة!!

في خطوة جريئة، وغير مسبوقة عالميًّا، أعلنت هيئة الغذاء والدواء تطبيق لائحة جديدة مع بداية عام 2020، شملت منع استخدام السكر المضاف والعسل وشراب الجلوكوز في العصائر الطازجة وخلطاتها في محال بيع العصائر والمطاعم والمقاهي.

بداية، دعونا نتفق على أن ارتفاع معدلات زيادة الوزن والسمنة، والإصابة بالسكري، وأمراض القلب، وبعض أنواع السرطانات في السعودية، يستلزم إيجاد حلول عاجلة لخفض مدخول السكريات، والسعرات الحرارية بشكل عام، والأملاح، على نحو تدريجي ومستدام على المستوى الوطني، وهو ما تدعو إليه منظمة الصحة العالمية.

وبالنظر إيجابيًّا لهذه اللائحة فإن امتلاك الهيئة هذه الصلاحية والسلطة لمنع استخدام السكر وبدائله في العصائر يجعل الأبواب مشرعة أمامها وأمام القطاعات المعنية بالصحة لاتخاذ مثل هذه الخطوات الجريئة لصالح تعزيز صحة المجتمع؛ لذا فمن باب أولى أن تمارس تلك الصلاحيات مع المنتجات الأكثر ضررًا على الصحة، كالمشروبات السكرية، بما فيها المشروبات الغازية، وأنواع الشوكولاته، وكلاهما من المصادر الأساسية للسكريات في مجتمعنا، وذلك من خلال العمل على خفض نسبة السكريات فيها.

والأمر ينطبق تمامًا على المطالبة بخفض نسبة السعرات الحرارية والدهون والأملاح في أطعمة الوجبات السريعة بطريقة متدرجة ومستدامة.

كما نحتاج القوة والسلطة والجرأة ذاتها التي حظرت الإعلان أو الترويج لمشروبات الطاقة لفرض قيود على تسويق جميع الأطعمة والمشروبات الغنية بالسعرات الحرارية أو الأملاح، وإعلانها، أو رعايتها في وسائل الإعلام كافة، بما في ذلك القنوات الفضائية والمنصات الرقمية. وهناك العديد من التجارب الأوروبية الواعدة في هذا الشأن، التي يمكن الاستفادة منها.

وغني عن القول أن التفنن في استهداف الأطفال والمراهقين بتلك الإعلانات، وتأثيرها على الخيارات التفضيلية الغذائية وطلبات الشراء وأنماط الاستهلاك لديهم، يعد انتهاكًا صارخًا لحقوقهم وصحتهم. والمؤسف أننا لا نكاد نجد من يلجم تلك الشركات عن ذلك العبث بصحة أجيالنا.

وفي الوقت ذاته، وبمثل تلك القوة والصلاحية والجرأة، نستطيع حظر أنواع عروض الأسعار الترويجية كافة، بما في ذلك التخفيضات والتنزيلات لأسعار المنتجات الغنية بالسعرات الحرارية أو الدهون والملح، وهو ما تطالب به العديد من المنظمات.

كما أن الحاجة ملحة لقيام وزارة المالية بدراسة مدى تأثير الضريبة الانتقائية على المشروبات المحلاة، بما فيها المشروبات الغازية، في خفض استهلاكها، ومدى الحاجة لرفعها، في ظل نتائج التحليلات الاقتصادية التي تشير إلى أنه كلما ارتفع معدل الضريبة انخفض استهلاك تلك المنتجات.

وأيضًا من التدخلات المبنية على البراهين التي تطالب بها منظمة الصحة العالمية وضع تدابير إلزامية لمنع بيع أي مشروبات محلاة بالسكر في القطاعات الحكومية، مع التخفيض التدريجي لكمية السكر المستخدمة من قِبل جميع المطاعم ومورِّدي ومصنِّعي الأغذية للقطاعات الحكومية.

والمؤسف أن تجد العديد من الأطعمة غير الصحية معروضة في الأكشاك أو آلات البيع الذاتي في المستشفيات والجامعات والعديد من القطاعات الحكومية الأخرى دون أدنى نظر للأبعاد المرضية لذلك.

وحقيقة، لا يمنع ذلك سوى الإرادة القوية لدى الجهات المعنية. ولنا تجربه رائدة سابقة في حظر بيع مشروبات الطاقة في المطاعم والمقاصف في المنشآت الحكومية، بما في ذلك المنشآت التعليمية والصحية والصالات والأندية الرياضية الحكومية والخاصة.

أعلم يقينًا أن التعامل مع لوبي شركات الأغذية العالمية وسلاسل المطاعم العالمية ليس بتلك السهولة، والطريق فيه شاق وشائك وموحش!! فهي قوة وسلطة، تسيطر على الأسواق العالمية، ويمارس العديد منها أساليب مخادعة ومراوغة لخلخلة أي محاولات لبناء السياسات والأنظمة التي تضعف استهلاك منتجاتها. ويمكن تشبيهها بشركات التبغ التي ظلت عقودًا طويلة تخادع الشعوب، وتتلاعب بالحكومات للحد من السياسات التي تمنع الترويج للتبغ وتسويقه، بل تتغلغل للتأثير على صناعة القرار في بعض الدول لصالحها.

أما وضع المقاصف المدرسية فهو وضع مقلق للغاية؛ فالعبث الذي يزاوَل فيها من قِبل العديد من مشغلي تلك المقاصف، عبر بيع الأطعمة والمشروبات غير الصحية، نزيف مرضي، يضرب صحة الناشئة في عمقها!!

وإذا كانت وزارة الصحة تبذل جهدها في الحد من ذلك العبث إلا أنها بحاجة لدعم مباشر وغير متناهٍ من قِبل وزارة التعليم للعمل سوية على إيجاد حلول جذرية جريئة ومبتكرة وغير تقليدية لهذا التحدي الجسيم لصحة أبنائنا.

ولعل أهم تحدٍّ إيقاف نظرة وزارة التعليم للمقصف كمورد مالي للمدرسة!!

ولعل من أهم الحلول الجذرية مطالبة وزارة المالية بدعم سنوي مستدام، يخصص للمقاصف المدرسية.

فإذا استطاعت وزارة المالية مشكورة توفير ميزانيات طائلة غير مسبوقة لقطاعات مثل هيئة الرياضة وهيئة الترفيه فمن باب أولى أن تخصص مبالغ مستدامة للحفاظ على صحة جيل بأكمله. وهذا استثمار لا جدال فيه من أجل التنمية الصحية، وتحقيق رؤية 2030.

وفي منظور آخر حول منع استخدام السكر والعسل في العصائر علينا الحذر عند التعامل مع تلك المحال التي يفترض أن تقدم منتجًا صحيًّا في المقام الأول، مع هامش ربحي ضعيف.. ولدي تخوُّف كبير من أن ذلك قد يؤدي لإغلاق العديد منها؛ ومن ثم فالحاجة ماسة لتقييم هذا القرار خلال الأشهر الستة الأولى من تطبيقه، والنظر في جدوى ذلك، ومدى تأثيره عليها، والعمل على إيجاد حلول بديلة، مثل تحديد نسبة السكر في حدود مقبولة صحيًّا في أنواع محددة من العصائر عوضًا عن منعه كليًّا، والعمل على تقنين استخدام العسل "الطبيعي"؛ فهو وإن كان غنيًّا بالطاقة إلا أنه غذاء يحتوي على العديد من الفيتامينات والعناصر الغذائية.

ومن الضروري أن توضع تلك الحلول بعد مقارنة حجم مدخول هذه العصائر من إجمالي السعرات الحرارية التي يستهلكها الفرد السعودي يوميًّا في نظامه الغذائي.

والأهم في ذلك إيجاد حلول صحية مبتكرة، تخدم وتدعم هذه المحال، وتساعد في تطوير منتجاتها الصحية، وتوسعها لا إغلاقها.

أخيرًا، أنا على يقين تام بأن القيادات الصحية الحالية، سواء في وزارة الصحة أو هيئة الغذاء والدواء، أقدر على بناء السياسات والأنظمة المعززة للصحة في هذا الوقت أفضل من أي وقت مضى، وربما أفضل من أي وقت قادم!!

فلنستثمر ذلك بكل ما أوتينا من قوة.

عبدالرحمن القحطاني
اعلان
سكر العصائر.. والأبواب المشرعة للصحة!!
سبق

في خطوة جريئة، وغير مسبوقة عالميًّا، أعلنت هيئة الغذاء والدواء تطبيق لائحة جديدة مع بداية عام 2020، شملت منع استخدام السكر المضاف والعسل وشراب الجلوكوز في العصائر الطازجة وخلطاتها في محال بيع العصائر والمطاعم والمقاهي.

بداية، دعونا نتفق على أن ارتفاع معدلات زيادة الوزن والسمنة، والإصابة بالسكري، وأمراض القلب، وبعض أنواع السرطانات في السعودية، يستلزم إيجاد حلول عاجلة لخفض مدخول السكريات، والسعرات الحرارية بشكل عام، والأملاح، على نحو تدريجي ومستدام على المستوى الوطني، وهو ما تدعو إليه منظمة الصحة العالمية.

وبالنظر إيجابيًّا لهذه اللائحة فإن امتلاك الهيئة هذه الصلاحية والسلطة لمنع استخدام السكر وبدائله في العصائر يجعل الأبواب مشرعة أمامها وأمام القطاعات المعنية بالصحة لاتخاذ مثل هذه الخطوات الجريئة لصالح تعزيز صحة المجتمع؛ لذا فمن باب أولى أن تمارس تلك الصلاحيات مع المنتجات الأكثر ضررًا على الصحة، كالمشروبات السكرية، بما فيها المشروبات الغازية، وأنواع الشوكولاته، وكلاهما من المصادر الأساسية للسكريات في مجتمعنا، وذلك من خلال العمل على خفض نسبة السكريات فيها.

والأمر ينطبق تمامًا على المطالبة بخفض نسبة السعرات الحرارية والدهون والأملاح في أطعمة الوجبات السريعة بطريقة متدرجة ومستدامة.

كما نحتاج القوة والسلطة والجرأة ذاتها التي حظرت الإعلان أو الترويج لمشروبات الطاقة لفرض قيود على تسويق جميع الأطعمة والمشروبات الغنية بالسعرات الحرارية أو الأملاح، وإعلانها، أو رعايتها في وسائل الإعلام كافة، بما في ذلك القنوات الفضائية والمنصات الرقمية. وهناك العديد من التجارب الأوروبية الواعدة في هذا الشأن، التي يمكن الاستفادة منها.

وغني عن القول أن التفنن في استهداف الأطفال والمراهقين بتلك الإعلانات، وتأثيرها على الخيارات التفضيلية الغذائية وطلبات الشراء وأنماط الاستهلاك لديهم، يعد انتهاكًا صارخًا لحقوقهم وصحتهم. والمؤسف أننا لا نكاد نجد من يلجم تلك الشركات عن ذلك العبث بصحة أجيالنا.

وفي الوقت ذاته، وبمثل تلك القوة والصلاحية والجرأة، نستطيع حظر أنواع عروض الأسعار الترويجية كافة، بما في ذلك التخفيضات والتنزيلات لأسعار المنتجات الغنية بالسعرات الحرارية أو الدهون والملح، وهو ما تطالب به العديد من المنظمات.

كما أن الحاجة ملحة لقيام وزارة المالية بدراسة مدى تأثير الضريبة الانتقائية على المشروبات المحلاة، بما فيها المشروبات الغازية، في خفض استهلاكها، ومدى الحاجة لرفعها، في ظل نتائج التحليلات الاقتصادية التي تشير إلى أنه كلما ارتفع معدل الضريبة انخفض استهلاك تلك المنتجات.

وأيضًا من التدخلات المبنية على البراهين التي تطالب بها منظمة الصحة العالمية وضع تدابير إلزامية لمنع بيع أي مشروبات محلاة بالسكر في القطاعات الحكومية، مع التخفيض التدريجي لكمية السكر المستخدمة من قِبل جميع المطاعم ومورِّدي ومصنِّعي الأغذية للقطاعات الحكومية.

والمؤسف أن تجد العديد من الأطعمة غير الصحية معروضة في الأكشاك أو آلات البيع الذاتي في المستشفيات والجامعات والعديد من القطاعات الحكومية الأخرى دون أدنى نظر للأبعاد المرضية لذلك.

وحقيقة، لا يمنع ذلك سوى الإرادة القوية لدى الجهات المعنية. ولنا تجربه رائدة سابقة في حظر بيع مشروبات الطاقة في المطاعم والمقاصف في المنشآت الحكومية، بما في ذلك المنشآت التعليمية والصحية والصالات والأندية الرياضية الحكومية والخاصة.

أعلم يقينًا أن التعامل مع لوبي شركات الأغذية العالمية وسلاسل المطاعم العالمية ليس بتلك السهولة، والطريق فيه شاق وشائك وموحش!! فهي قوة وسلطة، تسيطر على الأسواق العالمية، ويمارس العديد منها أساليب مخادعة ومراوغة لخلخلة أي محاولات لبناء السياسات والأنظمة التي تضعف استهلاك منتجاتها. ويمكن تشبيهها بشركات التبغ التي ظلت عقودًا طويلة تخادع الشعوب، وتتلاعب بالحكومات للحد من السياسات التي تمنع الترويج للتبغ وتسويقه، بل تتغلغل للتأثير على صناعة القرار في بعض الدول لصالحها.

أما وضع المقاصف المدرسية فهو وضع مقلق للغاية؛ فالعبث الذي يزاوَل فيها من قِبل العديد من مشغلي تلك المقاصف، عبر بيع الأطعمة والمشروبات غير الصحية، نزيف مرضي، يضرب صحة الناشئة في عمقها!!

وإذا كانت وزارة الصحة تبذل جهدها في الحد من ذلك العبث إلا أنها بحاجة لدعم مباشر وغير متناهٍ من قِبل وزارة التعليم للعمل سوية على إيجاد حلول جذرية جريئة ومبتكرة وغير تقليدية لهذا التحدي الجسيم لصحة أبنائنا.

ولعل أهم تحدٍّ إيقاف نظرة وزارة التعليم للمقصف كمورد مالي للمدرسة!!

ولعل من أهم الحلول الجذرية مطالبة وزارة المالية بدعم سنوي مستدام، يخصص للمقاصف المدرسية.

فإذا استطاعت وزارة المالية مشكورة توفير ميزانيات طائلة غير مسبوقة لقطاعات مثل هيئة الرياضة وهيئة الترفيه فمن باب أولى أن تخصص مبالغ مستدامة للحفاظ على صحة جيل بأكمله. وهذا استثمار لا جدال فيه من أجل التنمية الصحية، وتحقيق رؤية 2030.

وفي منظور آخر حول منع استخدام السكر والعسل في العصائر علينا الحذر عند التعامل مع تلك المحال التي يفترض أن تقدم منتجًا صحيًّا في المقام الأول، مع هامش ربحي ضعيف.. ولدي تخوُّف كبير من أن ذلك قد يؤدي لإغلاق العديد منها؛ ومن ثم فالحاجة ماسة لتقييم هذا القرار خلال الأشهر الستة الأولى من تطبيقه، والنظر في جدوى ذلك، ومدى تأثيره عليها، والعمل على إيجاد حلول بديلة، مثل تحديد نسبة السكر في حدود مقبولة صحيًّا في أنواع محددة من العصائر عوضًا عن منعه كليًّا، والعمل على تقنين استخدام العسل "الطبيعي"؛ فهو وإن كان غنيًّا بالطاقة إلا أنه غذاء يحتوي على العديد من الفيتامينات والعناصر الغذائية.

ومن الضروري أن توضع تلك الحلول بعد مقارنة حجم مدخول هذه العصائر من إجمالي السعرات الحرارية التي يستهلكها الفرد السعودي يوميًّا في نظامه الغذائي.

والأهم في ذلك إيجاد حلول صحية مبتكرة، تخدم وتدعم هذه المحال، وتساعد في تطوير منتجاتها الصحية، وتوسعها لا إغلاقها.

أخيرًا، أنا على يقين تام بأن القيادات الصحية الحالية، سواء في وزارة الصحة أو هيئة الغذاء والدواء، أقدر على بناء السياسات والأنظمة المعززة للصحة في هذا الوقت أفضل من أي وقت مضى، وربما أفضل من أي وقت قادم!!

فلنستثمر ذلك بكل ما أوتينا من قوة.

07 أكتوبر 2019 - 8 صفر 1441
12:14 AM
اخر تعديل
14 أكتوبر 2019 - 15 صفر 1441
11:32 PM

سكر العصائر.. والأبواب المشرعة للصحة!!

عبدالرحمن القحطاني - الرياض
A A A
0
2,367

في خطوة جريئة، وغير مسبوقة عالميًّا، أعلنت هيئة الغذاء والدواء تطبيق لائحة جديدة مع بداية عام 2020، شملت منع استخدام السكر المضاف والعسل وشراب الجلوكوز في العصائر الطازجة وخلطاتها في محال بيع العصائر والمطاعم والمقاهي.

بداية، دعونا نتفق على أن ارتفاع معدلات زيادة الوزن والسمنة، والإصابة بالسكري، وأمراض القلب، وبعض أنواع السرطانات في السعودية، يستلزم إيجاد حلول عاجلة لخفض مدخول السكريات، والسعرات الحرارية بشكل عام، والأملاح، على نحو تدريجي ومستدام على المستوى الوطني، وهو ما تدعو إليه منظمة الصحة العالمية.

وبالنظر إيجابيًّا لهذه اللائحة فإن امتلاك الهيئة هذه الصلاحية والسلطة لمنع استخدام السكر وبدائله في العصائر يجعل الأبواب مشرعة أمامها وأمام القطاعات المعنية بالصحة لاتخاذ مثل هذه الخطوات الجريئة لصالح تعزيز صحة المجتمع؛ لذا فمن باب أولى أن تمارس تلك الصلاحيات مع المنتجات الأكثر ضررًا على الصحة، كالمشروبات السكرية، بما فيها المشروبات الغازية، وأنواع الشوكولاته، وكلاهما من المصادر الأساسية للسكريات في مجتمعنا، وذلك من خلال العمل على خفض نسبة السكريات فيها.

والأمر ينطبق تمامًا على المطالبة بخفض نسبة السعرات الحرارية والدهون والأملاح في أطعمة الوجبات السريعة بطريقة متدرجة ومستدامة.

كما نحتاج القوة والسلطة والجرأة ذاتها التي حظرت الإعلان أو الترويج لمشروبات الطاقة لفرض قيود على تسويق جميع الأطعمة والمشروبات الغنية بالسعرات الحرارية أو الأملاح، وإعلانها، أو رعايتها في وسائل الإعلام كافة، بما في ذلك القنوات الفضائية والمنصات الرقمية. وهناك العديد من التجارب الأوروبية الواعدة في هذا الشأن، التي يمكن الاستفادة منها.

وغني عن القول أن التفنن في استهداف الأطفال والمراهقين بتلك الإعلانات، وتأثيرها على الخيارات التفضيلية الغذائية وطلبات الشراء وأنماط الاستهلاك لديهم، يعد انتهاكًا صارخًا لحقوقهم وصحتهم. والمؤسف أننا لا نكاد نجد من يلجم تلك الشركات عن ذلك العبث بصحة أجيالنا.

وفي الوقت ذاته، وبمثل تلك القوة والصلاحية والجرأة، نستطيع حظر أنواع عروض الأسعار الترويجية كافة، بما في ذلك التخفيضات والتنزيلات لأسعار المنتجات الغنية بالسعرات الحرارية أو الدهون والملح، وهو ما تطالب به العديد من المنظمات.

كما أن الحاجة ملحة لقيام وزارة المالية بدراسة مدى تأثير الضريبة الانتقائية على المشروبات المحلاة، بما فيها المشروبات الغازية، في خفض استهلاكها، ومدى الحاجة لرفعها، في ظل نتائج التحليلات الاقتصادية التي تشير إلى أنه كلما ارتفع معدل الضريبة انخفض استهلاك تلك المنتجات.

وأيضًا من التدخلات المبنية على البراهين التي تطالب بها منظمة الصحة العالمية وضع تدابير إلزامية لمنع بيع أي مشروبات محلاة بالسكر في القطاعات الحكومية، مع التخفيض التدريجي لكمية السكر المستخدمة من قِبل جميع المطاعم ومورِّدي ومصنِّعي الأغذية للقطاعات الحكومية.

والمؤسف أن تجد العديد من الأطعمة غير الصحية معروضة في الأكشاك أو آلات البيع الذاتي في المستشفيات والجامعات والعديد من القطاعات الحكومية الأخرى دون أدنى نظر للأبعاد المرضية لذلك.

وحقيقة، لا يمنع ذلك سوى الإرادة القوية لدى الجهات المعنية. ولنا تجربه رائدة سابقة في حظر بيع مشروبات الطاقة في المطاعم والمقاصف في المنشآت الحكومية، بما في ذلك المنشآت التعليمية والصحية والصالات والأندية الرياضية الحكومية والخاصة.

أعلم يقينًا أن التعامل مع لوبي شركات الأغذية العالمية وسلاسل المطاعم العالمية ليس بتلك السهولة، والطريق فيه شاق وشائك وموحش!! فهي قوة وسلطة، تسيطر على الأسواق العالمية، ويمارس العديد منها أساليب مخادعة ومراوغة لخلخلة أي محاولات لبناء السياسات والأنظمة التي تضعف استهلاك منتجاتها. ويمكن تشبيهها بشركات التبغ التي ظلت عقودًا طويلة تخادع الشعوب، وتتلاعب بالحكومات للحد من السياسات التي تمنع الترويج للتبغ وتسويقه، بل تتغلغل للتأثير على صناعة القرار في بعض الدول لصالحها.

أما وضع المقاصف المدرسية فهو وضع مقلق للغاية؛ فالعبث الذي يزاوَل فيها من قِبل العديد من مشغلي تلك المقاصف، عبر بيع الأطعمة والمشروبات غير الصحية، نزيف مرضي، يضرب صحة الناشئة في عمقها!!

وإذا كانت وزارة الصحة تبذل جهدها في الحد من ذلك العبث إلا أنها بحاجة لدعم مباشر وغير متناهٍ من قِبل وزارة التعليم للعمل سوية على إيجاد حلول جذرية جريئة ومبتكرة وغير تقليدية لهذا التحدي الجسيم لصحة أبنائنا.

ولعل أهم تحدٍّ إيقاف نظرة وزارة التعليم للمقصف كمورد مالي للمدرسة!!

ولعل من أهم الحلول الجذرية مطالبة وزارة المالية بدعم سنوي مستدام، يخصص للمقاصف المدرسية.

فإذا استطاعت وزارة المالية مشكورة توفير ميزانيات طائلة غير مسبوقة لقطاعات مثل هيئة الرياضة وهيئة الترفيه فمن باب أولى أن تخصص مبالغ مستدامة للحفاظ على صحة جيل بأكمله. وهذا استثمار لا جدال فيه من أجل التنمية الصحية، وتحقيق رؤية 2030.

وفي منظور آخر حول منع استخدام السكر والعسل في العصائر علينا الحذر عند التعامل مع تلك المحال التي يفترض أن تقدم منتجًا صحيًّا في المقام الأول، مع هامش ربحي ضعيف.. ولدي تخوُّف كبير من أن ذلك قد يؤدي لإغلاق العديد منها؛ ومن ثم فالحاجة ماسة لتقييم هذا القرار خلال الأشهر الستة الأولى من تطبيقه، والنظر في جدوى ذلك، ومدى تأثيره عليها، والعمل على إيجاد حلول بديلة، مثل تحديد نسبة السكر في حدود مقبولة صحيًّا في أنواع محددة من العصائر عوضًا عن منعه كليًّا، والعمل على تقنين استخدام العسل "الطبيعي"؛ فهو وإن كان غنيًّا بالطاقة إلا أنه غذاء يحتوي على العديد من الفيتامينات والعناصر الغذائية.

ومن الضروري أن توضع تلك الحلول بعد مقارنة حجم مدخول هذه العصائر من إجمالي السعرات الحرارية التي يستهلكها الفرد السعودي يوميًّا في نظامه الغذائي.

والأهم في ذلك إيجاد حلول صحية مبتكرة، تخدم وتدعم هذه المحال، وتساعد في تطوير منتجاتها الصحية، وتوسعها لا إغلاقها.

أخيرًا، أنا على يقين تام بأن القيادات الصحية الحالية، سواء في وزارة الصحة أو هيئة الغذاء والدواء، أقدر على بناء السياسات والأنظمة المعززة للصحة في هذا الوقت أفضل من أي وقت مضى، وربما أفضل من أي وقت قادم!!

فلنستثمر ذلك بكل ما أوتينا من قوة.