بين الشمس والمدارس وزارةُ التعليم

هناك قاعدة مهمة في علم النفس تقول: "ركز على الحل، بدلاً من التركيز على المشكلة".

ولا أحب المكوث طويلاً عند طرح المشكلة، ولا أستمتع بتوصيفها المطرد؛ فبذلك لا أقدم حلولاً تساعد في حلها؛ بل أزيد إشعاعها وليس هذا ما أريد..

عندما نجد أساليب خاطئةً حولنا في التربية والتعليم؛ فإننا نجد الكثير من المغردين والكتّاب والمعلمين يدورون حول المشكلة، ينتقدون ويشتكون؛ ولكن ماذا بعد ذلك؟!

لقد عرفنا المشكلة تماماً؛ بل وحفظناها عن ظهر قلب، وما نحتاجه بالفعل هو سبيل الخروج منها.

في مقالي السابق "بين النجمة والخمسة سبعة عشر عاماً" تناولت قضية التحفيز الذي يعتمد على إثارة التنافس وأثره السلبي، وكيف ناقشتُ ولدي في المشكلة، واستطعتُ إقناعه بعدم جدوى تلك النجوم ونجحت في ذلك بفضل الله.

ولكن ماذا عن باقي الطلبة؟! ماذا عن طلبة العام المقبل؟! ماذا عن المدارس الأخرى؟!

أردت اتخاذ خطوة تالية؛ فاتصلت بالمعلم وكان تجاوبه جميلاً، وكذلك أعتقد أغلب المعلمين؛ فهم يجتهدون لما يعتقدون أنه من مصلحة الطالب.

ولكن نحن الأهل، نحن المربين، نرى الصورة من الجهة الأخرى؛ حيث لا يرونها ربما، فوجب علينا أن ننبههم ونقترح لنكون يداً واحدة من أجل أولادنا ومن أجل تعليم أفضل ودافعية أعلى للعلم.

شرحتُ له أثر تلك النجوم على خط ولدي، وكيف أن المصطلحات كذلك لم تكن تُفهم بالشكل المطلوب، سَعِدتُ برحابة صدر ذلك المعلم، وسرني سرعة تجاوبه وتقبله التي تنم عن حبه الحقيقي للطلاب ولمهنته..

في اليوم التالي، أخبرني ولدي أن الأستاذ لم يعد يستخدم النجوم، وكان أجملَ خبر سمعته منذ فترة..

سعدتُ وحمدتُ الله أني لم أترك تلك الخطوة الأخيرة؛ فلعلها الآن هي الخطوة الأولى لتغيير تلك الثقافة بين المدارس والمعلمين.

فقد كان وارداً أن أقول لنفسي: ما الفائدة؟ كل المعلمين كذلك، لن يتغير شيء!

ولكن.. لم أسمح لطوق السلبية أن يحيط بي؛ فكسرته وتكسرت معه تلك النجوم..

اقترحت على الأستاذ طرقاً بديلة، وهي: "لوحة الشمس التعاونية"، التي تعزز كل الطلاب وليس المتميزين فقط، وكان استعداده لتطبيق الفكرة عالياً؛ بل بدأ التطبيق مباشرة وصار الفصل يتعاون حتى تكتمل شمس التعاون بدلاً من التنافس لتحصيل النجوم.

أما النتائج فكانت إيجابية جداً، وحماس الطلاب كان جلياً، واقترح المعلم تعميم الفكرة على المدرسة.

ما أود قوله هنا؛ أن المعلم يؤدي دوراً صعباً في الموازنة بين المتفوق والمتعثر، وإعطاء الدرس.. وفي ظل كل ذلك يبحث عن طرق تُعينه لجذب الطلاب وإثارة حماستهم ودافعيتهم؛ ولكن لو أعاد كل معلم النظر في الأهداف الحقيقية: أهي السرعة أم الإتقان؟ أهي حب العلم أم التحدي؟ أهي حب التعاون أم التنافس؟ أهو الصالح العام أم الصالح الفردي؟

‏وهل نجاحك كمعلم يكون عندما يتميز لديك طالبان أو ثلاثة؟ أو عندما يتميز جميع طلابك؟ ‏وما هو مؤشر قوتك كمعلم؛ أن تُغيّر مشاعر الطلاب نحو التعليم بشكل إيجابي، وتشعل دافعيتهم للتعلم مدى الحياة؟ أم أن تعطي "الشاطر" نجمة؟

كل تلك الأسئلة ستساعد المعلم في تقييم طرق التحفيز التي يستخدمها، وأنا متأكدة أنه سيجد مخرجاً رائعاً إن هو فقط أعاد ترتيب الأولويات وحدد ماذا يريد بالضبط من الطلاب، وما هو هدفه الأساسي من التعليم؟

إن وسائل التحفيز المحمودة هي ما تعتمد على إثارة دوافع إيجابية لحب المادة والمعلم وليس العكس.

ووسائل التحفيز المطلوبة هي ما تُركز على مجهودات جميع الطلاب بمختلف مستوياتهم وقدراتهم في الصف وليس المتفوق فقط.. وما يساعد الضعيف على أن يتقدم لا أن يزيد ضعفه ونظرته الدونية لنفسه.. وما ينمي روح التعاون والمبادرة بين الطلاب وليس العكس!

فالتبعات النفسية الهدامة للوح التعزيز، والمنافسات المتداولة في الروضات والمدارس بكثافة -مع الأسف- ما هي إلا معاول هدم لشخصيات الكثيرين؛ فالمتفوق يزداد توتراً أو غروراً أو أنانية، والضعيف يزداد ضعفاً وانطوائية وخجلاً، وكل معلم مع الأسف يعتقد أنه يحفز بشكل صحيح..

لكن لو تدارك نفسه ونظر نظرةً فاحصة لأثر تلك الأساليب على طلابه؛ حتماً سيعيد التفكير ليعزز المُجِدّ والضعيف بنفس الوتيرة.

فدورك أيها المعلم الفاضل أن تُظهر الإبداع في كل طالب، وأن تنمي حبه للمادة وثقته في نفسه قبل درجته العالية؛ فحب المادة والعلم وقوة الشخصية ستستمر معه إلى الأبد؛ أما تحصيل الدرجات فهو غاية منتهية ولا قيمة فيها بحد ذاتها؛ فالدرجات دون حب للعلم والتعلم ونفع الآخرين لا قيمة لها، وما هي إلا أرقام فقط!!

وهل ستحرك الأرقام الأمم؟! وهل ستدفع الأرقام الطالب نحو القمم؟! كلا وألف كلا!!

فكم من حامل شهادة لم ينفع نفسه وبلده بها، وأين مقولة الشافعي من ذلك: "ليس العلم ما حُفظ، العلم ما نفع".

الخلاصة:

املأ قلب الطفل بحب المعرفة.. ولا تملأ معدته بالحلوى!

‏فالمعلم الحقيقي هو الذي يؤمن برسالته ويتحمل صعوباتها، و‏هو المعلم الذي يتعامل مع الطلاب بقلبه؛ ‏فيراهم جميعاً متشابهين من ناحية:

‏الحاجة للتعلم

‏الحاجة للتميز

‏الحاجة للتطور

‏الحاجة للإنجاز

‏قد تختلف إنجازاتهم ومستوى وسرعة تطورهم؛ ‏ولكنهم في النهاية يحتاجون لذلك جميعاً.

أتمنى أن يصل هذا المقال لكل معلم مجتهد محب لمهنته العظيمة؛ لتشرق شمس التعاون والتميز في كل المدارس.

وأرجو أن تتخذ وزارة التعليم إجراءً بهذا الصدد؛ فالتعزيز الصحيح هو قلب العملية التعليمية وأحد أهم أذرعها الفعالة في تطوير الطلاب؛ لذلك وجَب الإشراف على طرقه المستخدمة والتوعية بأساليبه الصحيحة؛ حتى لا يكون عُرضةً لاجتهادات خاطئة يكون ضحيتها أطفال كانت فيهم بذرة تميّز انطفأت بسوء التعزيز.

اعلان
بين الشمس والمدارس وزارةُ التعليم
سبق

هناك قاعدة مهمة في علم النفس تقول: "ركز على الحل، بدلاً من التركيز على المشكلة".

ولا أحب المكوث طويلاً عند طرح المشكلة، ولا أستمتع بتوصيفها المطرد؛ فبذلك لا أقدم حلولاً تساعد في حلها؛ بل أزيد إشعاعها وليس هذا ما أريد..

عندما نجد أساليب خاطئةً حولنا في التربية والتعليم؛ فإننا نجد الكثير من المغردين والكتّاب والمعلمين يدورون حول المشكلة، ينتقدون ويشتكون؛ ولكن ماذا بعد ذلك؟!

لقد عرفنا المشكلة تماماً؛ بل وحفظناها عن ظهر قلب، وما نحتاجه بالفعل هو سبيل الخروج منها.

في مقالي السابق "بين النجمة والخمسة سبعة عشر عاماً" تناولت قضية التحفيز الذي يعتمد على إثارة التنافس وأثره السلبي، وكيف ناقشتُ ولدي في المشكلة، واستطعتُ إقناعه بعدم جدوى تلك النجوم ونجحت في ذلك بفضل الله.

ولكن ماذا عن باقي الطلبة؟! ماذا عن طلبة العام المقبل؟! ماذا عن المدارس الأخرى؟!

أردت اتخاذ خطوة تالية؛ فاتصلت بالمعلم وكان تجاوبه جميلاً، وكذلك أعتقد أغلب المعلمين؛ فهم يجتهدون لما يعتقدون أنه من مصلحة الطالب.

ولكن نحن الأهل، نحن المربين، نرى الصورة من الجهة الأخرى؛ حيث لا يرونها ربما، فوجب علينا أن ننبههم ونقترح لنكون يداً واحدة من أجل أولادنا ومن أجل تعليم أفضل ودافعية أعلى للعلم.

شرحتُ له أثر تلك النجوم على خط ولدي، وكيف أن المصطلحات كذلك لم تكن تُفهم بالشكل المطلوب، سَعِدتُ برحابة صدر ذلك المعلم، وسرني سرعة تجاوبه وتقبله التي تنم عن حبه الحقيقي للطلاب ولمهنته..

في اليوم التالي، أخبرني ولدي أن الأستاذ لم يعد يستخدم النجوم، وكان أجملَ خبر سمعته منذ فترة..

سعدتُ وحمدتُ الله أني لم أترك تلك الخطوة الأخيرة؛ فلعلها الآن هي الخطوة الأولى لتغيير تلك الثقافة بين المدارس والمعلمين.

فقد كان وارداً أن أقول لنفسي: ما الفائدة؟ كل المعلمين كذلك، لن يتغير شيء!

ولكن.. لم أسمح لطوق السلبية أن يحيط بي؛ فكسرته وتكسرت معه تلك النجوم..

اقترحت على الأستاذ طرقاً بديلة، وهي: "لوحة الشمس التعاونية"، التي تعزز كل الطلاب وليس المتميزين فقط، وكان استعداده لتطبيق الفكرة عالياً؛ بل بدأ التطبيق مباشرة وصار الفصل يتعاون حتى تكتمل شمس التعاون بدلاً من التنافس لتحصيل النجوم.

أما النتائج فكانت إيجابية جداً، وحماس الطلاب كان جلياً، واقترح المعلم تعميم الفكرة على المدرسة.

ما أود قوله هنا؛ أن المعلم يؤدي دوراً صعباً في الموازنة بين المتفوق والمتعثر، وإعطاء الدرس.. وفي ظل كل ذلك يبحث عن طرق تُعينه لجذب الطلاب وإثارة حماستهم ودافعيتهم؛ ولكن لو أعاد كل معلم النظر في الأهداف الحقيقية: أهي السرعة أم الإتقان؟ أهي حب العلم أم التحدي؟ أهي حب التعاون أم التنافس؟ أهو الصالح العام أم الصالح الفردي؟

‏وهل نجاحك كمعلم يكون عندما يتميز لديك طالبان أو ثلاثة؟ أو عندما يتميز جميع طلابك؟ ‏وما هو مؤشر قوتك كمعلم؛ أن تُغيّر مشاعر الطلاب نحو التعليم بشكل إيجابي، وتشعل دافعيتهم للتعلم مدى الحياة؟ أم أن تعطي "الشاطر" نجمة؟

كل تلك الأسئلة ستساعد المعلم في تقييم طرق التحفيز التي يستخدمها، وأنا متأكدة أنه سيجد مخرجاً رائعاً إن هو فقط أعاد ترتيب الأولويات وحدد ماذا يريد بالضبط من الطلاب، وما هو هدفه الأساسي من التعليم؟

إن وسائل التحفيز المحمودة هي ما تعتمد على إثارة دوافع إيجابية لحب المادة والمعلم وليس العكس.

ووسائل التحفيز المطلوبة هي ما تُركز على مجهودات جميع الطلاب بمختلف مستوياتهم وقدراتهم في الصف وليس المتفوق فقط.. وما يساعد الضعيف على أن يتقدم لا أن يزيد ضعفه ونظرته الدونية لنفسه.. وما ينمي روح التعاون والمبادرة بين الطلاب وليس العكس!

فالتبعات النفسية الهدامة للوح التعزيز، والمنافسات المتداولة في الروضات والمدارس بكثافة -مع الأسف- ما هي إلا معاول هدم لشخصيات الكثيرين؛ فالمتفوق يزداد توتراً أو غروراً أو أنانية، والضعيف يزداد ضعفاً وانطوائية وخجلاً، وكل معلم مع الأسف يعتقد أنه يحفز بشكل صحيح..

لكن لو تدارك نفسه ونظر نظرةً فاحصة لأثر تلك الأساليب على طلابه؛ حتماً سيعيد التفكير ليعزز المُجِدّ والضعيف بنفس الوتيرة.

فدورك أيها المعلم الفاضل أن تُظهر الإبداع في كل طالب، وأن تنمي حبه للمادة وثقته في نفسه قبل درجته العالية؛ فحب المادة والعلم وقوة الشخصية ستستمر معه إلى الأبد؛ أما تحصيل الدرجات فهو غاية منتهية ولا قيمة فيها بحد ذاتها؛ فالدرجات دون حب للعلم والتعلم ونفع الآخرين لا قيمة لها، وما هي إلا أرقام فقط!!

وهل ستحرك الأرقام الأمم؟! وهل ستدفع الأرقام الطالب نحو القمم؟! كلا وألف كلا!!

فكم من حامل شهادة لم ينفع نفسه وبلده بها، وأين مقولة الشافعي من ذلك: "ليس العلم ما حُفظ، العلم ما نفع".

الخلاصة:

املأ قلب الطفل بحب المعرفة.. ولا تملأ معدته بالحلوى!

‏فالمعلم الحقيقي هو الذي يؤمن برسالته ويتحمل صعوباتها، و‏هو المعلم الذي يتعامل مع الطلاب بقلبه؛ ‏فيراهم جميعاً متشابهين من ناحية:

‏الحاجة للتعلم

‏الحاجة للتميز

‏الحاجة للتطور

‏الحاجة للإنجاز

‏قد تختلف إنجازاتهم ومستوى وسرعة تطورهم؛ ‏ولكنهم في النهاية يحتاجون لذلك جميعاً.

أتمنى أن يصل هذا المقال لكل معلم مجتهد محب لمهنته العظيمة؛ لتشرق شمس التعاون والتميز في كل المدارس.

وأرجو أن تتخذ وزارة التعليم إجراءً بهذا الصدد؛ فالتعزيز الصحيح هو قلب العملية التعليمية وأحد أهم أذرعها الفعالة في تطوير الطلاب؛ لذلك وجَب الإشراف على طرقه المستخدمة والتوعية بأساليبه الصحيحة؛ حتى لا يكون عُرضةً لاجتهادات خاطئة يكون ضحيتها أطفال كانت فيهم بذرة تميّز انطفأت بسوء التعزيز.

16 إبريل 2018 - 30 رجب 1439
12:12 PM

بين الشمس والمدارس وزارةُ التعليم

مها عبدالله الحقباني - الرياض
A A A
2
1,019

هناك قاعدة مهمة في علم النفس تقول: "ركز على الحل، بدلاً من التركيز على المشكلة".

ولا أحب المكوث طويلاً عند طرح المشكلة، ولا أستمتع بتوصيفها المطرد؛ فبذلك لا أقدم حلولاً تساعد في حلها؛ بل أزيد إشعاعها وليس هذا ما أريد..

عندما نجد أساليب خاطئةً حولنا في التربية والتعليم؛ فإننا نجد الكثير من المغردين والكتّاب والمعلمين يدورون حول المشكلة، ينتقدون ويشتكون؛ ولكن ماذا بعد ذلك؟!

لقد عرفنا المشكلة تماماً؛ بل وحفظناها عن ظهر قلب، وما نحتاجه بالفعل هو سبيل الخروج منها.

في مقالي السابق "بين النجمة والخمسة سبعة عشر عاماً" تناولت قضية التحفيز الذي يعتمد على إثارة التنافس وأثره السلبي، وكيف ناقشتُ ولدي في المشكلة، واستطعتُ إقناعه بعدم جدوى تلك النجوم ونجحت في ذلك بفضل الله.

ولكن ماذا عن باقي الطلبة؟! ماذا عن طلبة العام المقبل؟! ماذا عن المدارس الأخرى؟!

أردت اتخاذ خطوة تالية؛ فاتصلت بالمعلم وكان تجاوبه جميلاً، وكذلك أعتقد أغلب المعلمين؛ فهم يجتهدون لما يعتقدون أنه من مصلحة الطالب.

ولكن نحن الأهل، نحن المربين، نرى الصورة من الجهة الأخرى؛ حيث لا يرونها ربما، فوجب علينا أن ننبههم ونقترح لنكون يداً واحدة من أجل أولادنا ومن أجل تعليم أفضل ودافعية أعلى للعلم.

شرحتُ له أثر تلك النجوم على خط ولدي، وكيف أن المصطلحات كذلك لم تكن تُفهم بالشكل المطلوب، سَعِدتُ برحابة صدر ذلك المعلم، وسرني سرعة تجاوبه وتقبله التي تنم عن حبه الحقيقي للطلاب ولمهنته..

في اليوم التالي، أخبرني ولدي أن الأستاذ لم يعد يستخدم النجوم، وكان أجملَ خبر سمعته منذ فترة..

سعدتُ وحمدتُ الله أني لم أترك تلك الخطوة الأخيرة؛ فلعلها الآن هي الخطوة الأولى لتغيير تلك الثقافة بين المدارس والمعلمين.

فقد كان وارداً أن أقول لنفسي: ما الفائدة؟ كل المعلمين كذلك، لن يتغير شيء!

ولكن.. لم أسمح لطوق السلبية أن يحيط بي؛ فكسرته وتكسرت معه تلك النجوم..

اقترحت على الأستاذ طرقاً بديلة، وهي: "لوحة الشمس التعاونية"، التي تعزز كل الطلاب وليس المتميزين فقط، وكان استعداده لتطبيق الفكرة عالياً؛ بل بدأ التطبيق مباشرة وصار الفصل يتعاون حتى تكتمل شمس التعاون بدلاً من التنافس لتحصيل النجوم.

أما النتائج فكانت إيجابية جداً، وحماس الطلاب كان جلياً، واقترح المعلم تعميم الفكرة على المدرسة.

ما أود قوله هنا؛ أن المعلم يؤدي دوراً صعباً في الموازنة بين المتفوق والمتعثر، وإعطاء الدرس.. وفي ظل كل ذلك يبحث عن طرق تُعينه لجذب الطلاب وإثارة حماستهم ودافعيتهم؛ ولكن لو أعاد كل معلم النظر في الأهداف الحقيقية: أهي السرعة أم الإتقان؟ أهي حب العلم أم التحدي؟ أهي حب التعاون أم التنافس؟ أهو الصالح العام أم الصالح الفردي؟

‏وهل نجاحك كمعلم يكون عندما يتميز لديك طالبان أو ثلاثة؟ أو عندما يتميز جميع طلابك؟ ‏وما هو مؤشر قوتك كمعلم؛ أن تُغيّر مشاعر الطلاب نحو التعليم بشكل إيجابي، وتشعل دافعيتهم للتعلم مدى الحياة؟ أم أن تعطي "الشاطر" نجمة؟

كل تلك الأسئلة ستساعد المعلم في تقييم طرق التحفيز التي يستخدمها، وأنا متأكدة أنه سيجد مخرجاً رائعاً إن هو فقط أعاد ترتيب الأولويات وحدد ماذا يريد بالضبط من الطلاب، وما هو هدفه الأساسي من التعليم؟

إن وسائل التحفيز المحمودة هي ما تعتمد على إثارة دوافع إيجابية لحب المادة والمعلم وليس العكس.

ووسائل التحفيز المطلوبة هي ما تُركز على مجهودات جميع الطلاب بمختلف مستوياتهم وقدراتهم في الصف وليس المتفوق فقط.. وما يساعد الضعيف على أن يتقدم لا أن يزيد ضعفه ونظرته الدونية لنفسه.. وما ينمي روح التعاون والمبادرة بين الطلاب وليس العكس!

فالتبعات النفسية الهدامة للوح التعزيز، والمنافسات المتداولة في الروضات والمدارس بكثافة -مع الأسف- ما هي إلا معاول هدم لشخصيات الكثيرين؛ فالمتفوق يزداد توتراً أو غروراً أو أنانية، والضعيف يزداد ضعفاً وانطوائية وخجلاً، وكل معلم مع الأسف يعتقد أنه يحفز بشكل صحيح..

لكن لو تدارك نفسه ونظر نظرةً فاحصة لأثر تلك الأساليب على طلابه؛ حتماً سيعيد التفكير ليعزز المُجِدّ والضعيف بنفس الوتيرة.

فدورك أيها المعلم الفاضل أن تُظهر الإبداع في كل طالب، وأن تنمي حبه للمادة وثقته في نفسه قبل درجته العالية؛ فحب المادة والعلم وقوة الشخصية ستستمر معه إلى الأبد؛ أما تحصيل الدرجات فهو غاية منتهية ولا قيمة فيها بحد ذاتها؛ فالدرجات دون حب للعلم والتعلم ونفع الآخرين لا قيمة لها، وما هي إلا أرقام فقط!!

وهل ستحرك الأرقام الأمم؟! وهل ستدفع الأرقام الطالب نحو القمم؟! كلا وألف كلا!!

فكم من حامل شهادة لم ينفع نفسه وبلده بها، وأين مقولة الشافعي من ذلك: "ليس العلم ما حُفظ، العلم ما نفع".

الخلاصة:

املأ قلب الطفل بحب المعرفة.. ولا تملأ معدته بالحلوى!

‏فالمعلم الحقيقي هو الذي يؤمن برسالته ويتحمل صعوباتها، و‏هو المعلم الذي يتعامل مع الطلاب بقلبه؛ ‏فيراهم جميعاً متشابهين من ناحية:

‏الحاجة للتعلم

‏الحاجة للتميز

‏الحاجة للتطور

‏الحاجة للإنجاز

‏قد تختلف إنجازاتهم ومستوى وسرعة تطورهم؛ ‏ولكنهم في النهاية يحتاجون لذلك جميعاً.

أتمنى أن يصل هذا المقال لكل معلم مجتهد محب لمهنته العظيمة؛ لتشرق شمس التعاون والتميز في كل المدارس.

وأرجو أن تتخذ وزارة التعليم إجراءً بهذا الصدد؛ فالتعزيز الصحيح هو قلب العملية التعليمية وأحد أهم أذرعها الفعالة في تطوير الطلاب؛ لذلك وجَب الإشراف على طرقه المستخدمة والتوعية بأساليبه الصحيحة؛ حتى لا يكون عُرضةً لاجتهادات خاطئة يكون ضحيتها أطفال كانت فيهم بذرة تميّز انطفأت بسوء التعزيز.