"البدون" في السعودية.. "سبق" تفتح ملفهم الشائك في مختلف المناطق

أخصائي: الخطر يهدد استقرار المجتمع.. والحلّ في إنقاذهم من الضياع

- الشيخ ابن مرشد: المادة 9 حرمتنا من الوظائف والتعليم والعلاج.. وشيوخ القبائل لا "يزورون" الوثائق بل "المتمشيخون" الجدد
- المحامي أحمد الجربا: أبناء شمر وعنزة والظفير والأساعدة "سيُجنَّسون".. و"البدون" غير مسؤولين عن رفع نسبة الجريمة
- أبو فيصل: شاركت الحرس الوطني في حادثة الحرم وحرب تحرير الكويت وتقاعدتُ بشهادات الشكر.. وبلا جنسية سعودية
- الدكتور العنزي: أنا طبيب أسنان لا أملك إلا بطاقة "تنقل" منتهية الصلاحية
- سالم المنهالي: نعمل في محال الذهب وكبائن الاتصالات والمباسط قليلة الدخل.. وبلا مستقبل
- أحد البدون: تخرجت بنسبة 99 % ولم تقبلني الجامعات ولم يُسمح لي بالعمل
- الدكتور عبد العزيز الفايز: "البدون" من المشاكل الخطيرة.. وحرمانهم من التعليم والعلاج والعمل دفعهم للسرقات وبيع المخدرات والدعارة والإرهاب
 
"سبق" - فريق إعداد الملف (خالد الثواب "عرعر"- خالد الشاماني "المدينة المنورة"- نافل السبيعي "الرياض"- طلال الطلحي "حفر الباطن"- نواف الغضوري "تبوك"- محمد المواسي "جازان" - إشراف/ شقران الرشيدي): لا تزال مشكلة "البدون" في السعودية تتفاقم في ظل الواقع المرير؛ إذ يزداد معدل الحالات الإنسانية الصعبة، سواء بالنسبة للنساء والأطفال وكبار السن، وجميعها حالات تتطلب تدخلاً عاجلاً من الدولة لتعديل أوضاعها، وإيجاد الحلول الجذرية النهائية المتمثلة في إعطاء أصحابها الجنسية السعودية بالنسبة لمن يستحقها من ذوي الكفاءات، أو منحهم هويات رسمية، على الأقل تمكنهم من العمل، العلاج، التنقل والتعليم.
ويرزح "البدون" في السعودية تحت ظروف إنسانية، اقتصادية واجتماعية صعبة للغاية؛ إذ يعانون التعاملات القانونية غير الملائمة، وذلك على الرغم من الجهود التي تبذلها الدولة في ظل تزايد أعدادهم، وتنامي مطالبهم.
وقد ركزت "سبق" في تناولها لهذا الملف الشائك على واقع "البدون" في السعودية، لكشف الكثير من التفاصيل..
 
البدون" في السعودية 3 فئات
كشفت مصادر تاريخية عديدة أن "البدون" في السعودية مقيمون بصورة غير قانونية، وينقسمون إلى ثلاث فئات: أبناء القبائل النازحة الذين تعود أصولهم إلى بدو رحل كانوا يتنقلون بين دول الحدود في شمال وجنوب السعودية، الجاليات الإسلامية من آسيا التي استوطنت مكة المكرمة والمدينة المنورة والطائف وجدة كـ"البلوش، البخارية، التركستان، البرماوية والإندونيسية.. إلخ"، ثم الجاليات العربية والإفريقية التي استوطنت بعد أداء العمرة والحج.
وهناك من البدون من ينتمون إلى دول أخرى، لكنهم أخفوا كل الوثائق القانونية طمعاً في نيل الجنسية السعودية، خاصة أن كثيراً منهم وُلد وترعرع في السعودية.
وقد نشأت هذه الفئات في مختلف المدن، في ظل ظروف اجتماعية وإنسانية تدل على تعرضها للتهميش.
 
واقع البدون
يقول شيخ قبيلة السبعة من عنزة، الشيخ طراد بن مرشد، لـ"سبق": "بالنسبة لمن لا يحملون جنسية (البدون) من القبائل النازحة يمكن القول إن حال هؤلاء لا يسر؛ فأبناؤهم لا يعالَجون في المستشفيات، وتعليمهم يواجه مصاعب، ولا يجدون فرصة للحصول على الوظائف؛ ما يجعلهم عالة على المجتمع".
وأضاف: "حكومتنا لم تقصِّر في التعامل معنا؛ إذ فتحت أمامهم باب التجنيس في السبعينيات الميلادية، لكننا تجاهلناه، وذهبنا منذ القدم لنبحث في البادية عن الكلأ والمراعي لـ(حلالنا)، وكثير منّا عاد، وحصل على الجنسية السعودية".
ولدى سؤاله عن أسباب عدم تجنيس بعض أبناء هذه الفئة قال الشيخ "طراد": "لقد تأخروا في العودة، وحتى الذين تم تجنيسهم خضعوا للمادة (9) التي تنص على عدم حصول أبنائهم على وظائف عسكرية أو رسمية، ولا يحق لهم الالتحاق بالتعليم، كما لا حق لهم في العلاج، وحتى البنوك لا تتعاون معهم بتاتاً".
 
الشيخ طراد بن مرشد مع الزميل نافل السبيعي
 
وناشد الشيخ "طراد" الدولة النظر في حال البدون، وحل مشكلتهم مع الجنسية؛ لأن بعض العائلات يكون فيها أخ يحمل دفتر عائلة، بينما أخوه لا يملك إثباتاً.
وقال: "لا أعلم لماذا أوقف تسجيل (البدون) للحصول على الجنسية منذ سنتين؟ علماً بأنه لا يوجد تنسيق بين شيوخ القبائل؛ لأن كل شيخ تهمه مصلحة قبيلته فقط، ولا شأن له بغيرها".
وحول قيام بعض شيوخ القبائل بالتزوير، سواء بمقابل أو بشفاعات، لتسهيل حصول بعض "البدون" على الجنسية السعودية، قال الشيخ "طراد": "هذا الكلام غير صحيح، وهو افتراء وكذب، والذين يروجون له هم (المتمشيخون) الجدد".
 
قبائل شمر وعنزة والظفير والأساعدة
يقول المحامي أحمد باشا العواصي الجربا: "مصطلح (بدون) قاصر وناقص، ولا يجوز إطلاقه على فئة بشرية عزيزة، تشمل قبائل عربية عدة ".
واستشهد المحامي "الجربا" بحديث كبار المسؤولين في السعودية عن عدم وجود "بدون"، وإنما أبناء قبائل عربية لم تكتمل معاملاتهم بعد.
وبشأن الحلول القانونية لمعالجة مشكلة "غير محددي الجنسية" قال "الجربا": "لدي يقين بأن المسؤولين عن هذا الأمر، وعلى رأسهم وزير الداخلية، يهتمون بهذا الأمر بالشكل اللازم، وسيعملون على إلحاق بقية أبناء القبائل العربية من شمر، عنزة، الظفير والأساعدة، بأقاربهم وأهلهم وذويهم".
 المحامي أحمد باشا العواصي الجربا
ارتباط "البدون" بالجريمة
وبخصوص التداعيات السلبية لقضية "البدون"، وارتباطهم بالجريمة، وارتفاع نسبتها في المجتمع السعودي، قال "الجربا": "الجريمة ظاهرة سلبية، لا ترتبط بوطن أو دين أو جنس؛ فالجريمة وُجدت منذ الأزل، وستبقى إلى الأزل، لكن الواجب علينا هو الحد من الجريمة، وتقليل نسبتها، وإدراك أن أخطر ما يضر المجتمع هو البطالة. أما أن يتم تحميل البدون المسؤولية عن رفع نسبة الجريمة فهذا أمر منافٍ للحقيقة".
 
 البدون في "حفر الباطن"
ولمعرفة واقع حياة "البدون" ومشكلاتهم وتداعياتها التقى مراسل "سبق" في "حفر الباطن"، الزميل طلال الطلحي، الدكتور ع. م العنزي، وهو من أبناء القبائل النازحة، كما أنه حاصل على بكالوريوس في طب الأسنان، وعمل في مستشفيات عدة، حكومية وخاصة.
وقال "العنزي": "لم أستطع تجديد بطاقة التنقل والعمل؛ ما جعلها غير سارية المفعول؛ وهذا الأمر تسبب لي في صعوبات عدة، تتعلق بمحاولة إنجاز المعاملات الحكومية والإدارية والمالية".
وأضاف: "لم أشاهد والدتي التي تعيش بالكويت منذ أربع سنوات، وهي في آخر عمرها، والله أعلم بحالها، وقد توفي شقيقي ولم أستطع حضور دفنه، ولم أشاهد ابنتي من طليقتي منذ أربع سنوات؛ إذ تعيش في الكويت".
 
 
بيت شعر وترحيل
وزارت "سبق" حسين الرميح "أبو شامان" في بيت الشعر "الديوانية"، وظهرت على ملامحه آثار تعب السنين على الرغم من أنه لا يزال يحلم برؤية ابنه الأكبر بعد ترحيله إلى الأردن، وقال: "لم أشاهد ابني الأكبر منذ تسعة أعوام بعد ترحيله إلى الأردن، ولا أستطيع السفر لرؤيته لعدم مقدرتي على تجاوز الحدود؛ فلا جواز، ولا هوية".
 
ملكة عرب
ويلجأ عدد من البدون في حفر الباطن، بعد أن تسلل اليأس إلى قلوبهم، ورفضت الجهات المختصة توثيق عقود زواجهم، إلى زفاف يطلقون عليه اسم "ملكة عرب"، وهو زواج يستوفي جميع شروط الشريعة الإسلامية الخاصة بـ"صحة النكاح"، وفقاً لما أكده أحد مؤذني عقد الأنكحة المعتمدين لدى وزارة العدل، وتنقصه فقط عملية التوثيق في وزارة العدل.
 
معاناة "البدون" في المدينة المنورة
وبدوره، التقى مراسل "سبق" في المدينة المنورة، الزميل خالد الشاماني، سالم المنهالي، وهو من "البدون"، ويبلغ من العمر (32 عاماً)، ويعمل في مبسط مجاور للمسجد النبوي الشريف.
وقال "المنهالي": "نبحث عن الإثبات لمواصلة تعليمنا، والاستفادة من خدمات الدولة، أسوة ببقية المواطنين، إلا أننا فشلنا في الحصول على هذا الإثبات، وتحوَّل الموضوع بالنسبة لنا إلى كارثة كبيرة، أنهت مستقبلنا ومستقبل أبنائنا،؛ إذ أصبحنا محرومين من أبسط الحقوق".
وكشف "المنهالي" أن المستشفيات والدوائر الخدمية لا تستقبل البدون حالياً؛ فيضطرون إلى التوجُّه إلى المستشفيات الخاصة على نفقتهم الخاصة، على الرغم من الظروف المعيشية الصعبة.
 
 
 الوضع الاقتصادي سيئ
وأكد العديد من "البدون" في المدينة المنورة لـ"سبق" أن وضعهم الاقتصادي سيئ للغاية، نظراً إلى أن المرتبات القليلة لا تكفي المصروف اليومي، أو إيجار السكن، أو رحلات العودة إلى مناطقهم.
وأشاروا إلى أن بعضهم يعمل في محال الذهب بالمدينة المنورة، بينما يعمل عدد قليل منهم في كبائن الاتصالات، أو المباسط المتحركة قليلة الدخل.
 
 
"البدون" في عرعر
أما مراسل "سبق" في عرعر، الزميل خالد الثواب، فقد قام بجولة في أماكن وجود وعمل "البدون" في بسطات الخضار، وقيادة الشاحنات، ولاحظ أنهم يكافحون في أعمال بسيطة لكسب الرزق.
وتحدث عدد من البدون لـ"سبق" عن الأوضاع الاجتماعية، الاقتصادية والصحية السيئة، التي يعانونها، وقال عبدالسلام العنزي (52 عاماً): "كابدتُ مرارة الألم والشتات بعد تقاعدي، على الرغم من التحاقي بالسلك العسكري بالحرس الوطني؛ إذ تعطلت معاملتي في الجنسية لسنوات طويلة".
وأشار إلى شهادات الشكر المعلقة على جدران منزله، التي حصل عليها أثناء خدمته العسكرية، إضافة إلى مشاركته في حادثة الحرم المكي عام 1400هـ المعروفة بحادثة "جهيمان"، ودوره في حرب تحرير الكويت 1990م، والعديد من المشاركات الوطنية.
 
 
 
الكدادة.. والخضار
ويقول حمود عايد (50 عاماً): "الكثيرون من البدون يكافحون في مهنة (الكدادة) وقيادة الشاحنات لتوفير لقمة العيش لأولادهم بعيداً عن مدّ اليد للآخرين، وأغلبهم مدينون بمبالغ تتجاوز مئة ألف ريال من جراء شراء شاحنة للعمل عليها، وغالباً يكون مصير بعضهم السجن".
 
 
لا يستطيعون تزويج أبنائهم وبناتهم
واتفق عبد السلام العنزي وعادل صبحي مع الشكوى التي تؤكد أن الوضع الاجتماعي بالنسبة للبدون سيئ للغاية؛ إذ يعانون من تعامل المحاكم السعودية معهم؛ باعتبار أنهم أجانب، فضلاً عن الإجراءات المعقدة التي تواجههم.
وطالبوا بتسهيل هذه الإجراءات قائلين: "أصبحنا غرباء في وطننا".
وأوضح العديد من البدون الذين التقاهم مراسل "سبق" في عرعر أن مستقبل أبنائهم من بعدهم مجهولٌ، على الرغم من أنهم من مواليد السعودية؛ إذ سيُحرمون من جميع الحقوق التي يتمتع بها المواطن السعودي.
من جهته، قال الأمين العام لجمعية الأمير عبد العزيز بن مساعد الخيرية بمدينة عرعر، عبد الرحمن المحيميد، لـ"سبق": "الجمعية في تعاملها مع السعوديين تتبنى آلية معينة، لكن في ظل تزايد أعداد (البدون) في عرعر أصبحنا نعاملهم كما نعامل المواطنين".
وقال مدير الضمان الاجتماعي المتحدث الرسمي لفرع وزارة الشؤون الاجتماعية بالحدود الشمالية، الدكتور هلال الرويلي: "الضمان الاجتماعي يساعد أصحاب البطاقات (النازحين)، كالأرملة مع أبنائها أو المقعدين، وفقاً لما يرد في التقرير الطبي".
وأضاف: "الاستثناء بالنسبة للحالات الأخرى يخضع لموافقة صاحب الصلاحية في الوزارة".
 
 
البدون في "تبوك"
وفي سياق متصل، رصد مراسل "سبق" في تبوك، الزميل نواف الغضوري، معاناة "البدون" في تلك المنطقة، وقد أخبره الشاب فيصل العنزي، وهو من البدون: "نحن نعيش في مرارة بسبب عدم حملنا الهوية السعودية كبقية المواطنين الذين وُلدوا في هذا الوطن، لكننا لا نعرف لنا وطناً إلا هذا الوطن".
وأضاف "العنزي" وعيناه تملؤهما الدموع: "لقد عاش أبي وقبله جدي في هذا الوطن الغالي، حتى توفاهما الله، ولازمتهما معاناة البدون، وها هما الآن يورثان هذه المعاناة لي، وأخشى أن أورثها لأبنائي".
 
 
أجير عند وافد آسيوي
ويقول "أبو صايل"، وهو من "البدون": "نحن ممنوعون من الالتحاق بالوظائف ومن فتح سجلات تجارية أو ممارسة التجارة.. فكيف نعيش؟".
ويقول جاره "أبو سلطان"، وهو من البدون أيضاً: "لقد عملت في سوق الخضرة أجيراً عند وافد آسيوي؛ لأكسب رزق أطفالي، ومارست عليّ العمالة الآسيوية الوافدة كل أنواع الضغوط والإهانة، حتى أصبح حال العمال المقيمين أفضل من حالنا".
ويقول "أبو عبد الله"، وهو من البدون: "حكومة سيدي خادم الحرمين الشريفين احتوتنا، لكننا نطمع في المزيد، ونتمنى السماح لأبنائنا وبناتنا بالدراسة في الجامعات السعودية الحكومية، والسماح لنا بتملك العقارات ".
ويقول أحد الشباب من "البدون": "لقد درستُ، وتفوقتُ؛ وكنتُ أحلم بأن أكون طبيباً، ثم بعد تخرجي بنسبة 99 % صُدمت؛ لأن الجامعات لا تقبلني، وتم السماح لي بالدراسة في كلية التقنية فقط، وتخرجت منها بتقدير ممتاز، ولم يُسمح لي بنيل وظيفة".
 
 
العلاج مطلب رئيس
أما خليف العنزي، وهو من "البدون"، ويبلغ عمره (75 عاماً)، فيقول: "أنا مريض بالقلب، وفي كل مرة كنت أذهب فيها إلى المستشفيات أجد إجراءات طويلة معقدة تحول بيني وبين الاستفادة من العلاج، وأحياناً يكون هناك موظف شاب جديد لا يعرفني؛ ويرفض السماح لي بالعلاج".
ويقول قريبه رضوان العنزي: "أنا مريض بالسكر، وأُصبت بجلطة، وبعد نقلي إلى المستشفى رفضوا استقبالي؛ لأنني من (البدون)".
 
 
 
البدون في جازان
وركَّز مراسل "سبق" في جازان، الزميل محمد المواسي، على استعراض المشكلات والظروف الصعبة التي تحرم أشخاصاً نشؤوا في هذا البلد من مقومات الحياة الرئيسة، ومن قبلهم عاش على أرضه أجدادهم، لكنهم لا يستطيعون الحصول على الهويّة الوطنيّة.
فعلى الرغم من التوجيهات بمنح "البدون" خدمة التعليم وخدمة العلاج مجاناً إلا أنهم يلقون معاملة سيئة من بعض المسؤولين، ويُحرمون من العمل في القطاع الخاص، كما لا يُسمح لهم بالعمل في القطاع العام، على الرغم من أنهم من أبناء القبائل المهاجرة التي وصلت منذ القدم، وتوزعت على مختلف المناطق في السعودية.
ومن أبرز الأسباب وراء عدم حصول بعض "البدون" في قرى جازان على الجنسية السعودية عدم إضافة الآباء لهم في دفتر العائلة قبيل وفاتهم.
 
مشكلات اجتماعية خطيرة
ويقول الأخصائي الاجتماعي، الدكتور عبد العزيز الفايز: "وجود شرائح من (البدون) في المجتمع السعودي، وفي مختلف المناطق، يعتبر من المشكلات الاجتماعية الخطيرة التي تتفاقم عاماً بعد عام؛ لذلك لا بد أن تتحرك الدولة لإيجاد حلول عاجلة نظراً إلى أن وجودهم بهذه الأعداد الكبيرة، وفي ظل هذه الأوضاع المعيشية الصعبة، يهدد استقرار المجتمع".
وأضاف "الفايز": "عدم قدرة هذه الفئة على الحصول على الخدمات والحقوق يجعل أفرادها يلجؤون إلى الجريمة، السرقات، بيع المخدرات، الدعارة والإرهاب".
وطالب باحتواء "البدون" في المجتمع، والاستفادة من الموهوبين منهم وذوي الكفاءات العلمية، الفكرية والرياضية.
 
الجمعية الوطنية السعودية لحقوق الإنسان
وبدورها، رأت الجمعية الوطنية السعودية لحقوق الإنسان أن الأوامر السامية التي صدرت في وقت سابق بخصوص إيجاد حلول لبعض هؤلاء يجب أن تُطبَّق، وتتم متابعة تنفيذها على أرض الواقع حتى تشمل بقية أبناء البدون.
وأوضحت أن "البدون" يعيشون أوضاعاً شديدة القسوة؛ بسبب التعنت في الإجراءات، وصعوبة طرح مشكلتهم؛ ما يؤجل إمكانية التوصل إلى حلول حاسمة، تُنهي هذا الملف الشائك. 

اعلان
"البدون" في السعودية.. "سبق" تفتح ملفهم الشائك في مختلف المناطق
سبق
- الشيخ ابن مرشد: المادة 9 حرمتنا من الوظائف والتعليم والعلاج.. وشيوخ القبائل لا "يزورون" الوثائق بل "المتمشيخون" الجدد
- المحامي أحمد الجربا: أبناء شمر وعنزة والظفير والأساعدة "سيُجنَّسون".. و"البدون" غير مسؤولين عن رفع نسبة الجريمة
- أبو فيصل: شاركت الحرس الوطني في حادثة الحرم وحرب تحرير الكويت وتقاعدتُ بشهادات الشكر.. وبلا جنسية سعودية
- الدكتور العنزي: أنا طبيب أسنان لا أملك إلا بطاقة "تنقل" منتهية الصلاحية
- سالم المنهالي: نعمل في محال الذهب وكبائن الاتصالات والمباسط قليلة الدخل.. وبلا مستقبل
- أحد البدون: تخرجت بنسبة 99 % ولم تقبلني الجامعات ولم يُسمح لي بالعمل
- الدكتور عبد العزيز الفايز: "البدون" من المشاكل الخطيرة.. وحرمانهم من التعليم والعلاج والعمل دفعهم للسرقات وبيع المخدرات والدعارة والإرهاب
 
"سبق" - فريق إعداد الملف (خالد الثواب "عرعر"- خالد الشاماني "المدينة المنورة"- نافل السبيعي "الرياض"- طلال الطلحي "حفر الباطن"- نواف الغضوري "تبوك"- محمد المواسي "جازان" - إشراف/ شقران الرشيدي): لا تزال مشكلة "البدون" في السعودية تتفاقم في ظل الواقع المرير؛ إذ يزداد معدل الحالات الإنسانية الصعبة، سواء بالنسبة للنساء والأطفال وكبار السن، وجميعها حالات تتطلب تدخلاً عاجلاً من الدولة لتعديل أوضاعها، وإيجاد الحلول الجذرية النهائية المتمثلة في إعطاء أصحابها الجنسية السعودية بالنسبة لمن يستحقها من ذوي الكفاءات، أو منحهم هويات رسمية، على الأقل تمكنهم من العمل، العلاج، التنقل والتعليم.
ويرزح "البدون" في السعودية تحت ظروف إنسانية، اقتصادية واجتماعية صعبة للغاية؛ إذ يعانون التعاملات القانونية غير الملائمة، وذلك على الرغم من الجهود التي تبذلها الدولة في ظل تزايد أعدادهم، وتنامي مطالبهم.
وقد ركزت "سبق" في تناولها لهذا الملف الشائك على واقع "البدون" في السعودية، لكشف الكثير من التفاصيل..
 
البدون" في السعودية 3 فئات
كشفت مصادر تاريخية عديدة أن "البدون" في السعودية مقيمون بصورة غير قانونية، وينقسمون إلى ثلاث فئات: أبناء القبائل النازحة الذين تعود أصولهم إلى بدو رحل كانوا يتنقلون بين دول الحدود في شمال وجنوب السعودية، الجاليات الإسلامية من آسيا التي استوطنت مكة المكرمة والمدينة المنورة والطائف وجدة كـ"البلوش، البخارية، التركستان، البرماوية والإندونيسية.. إلخ"، ثم الجاليات العربية والإفريقية التي استوطنت بعد أداء العمرة والحج.
وهناك من البدون من ينتمون إلى دول أخرى، لكنهم أخفوا كل الوثائق القانونية طمعاً في نيل الجنسية السعودية، خاصة أن كثيراً منهم وُلد وترعرع في السعودية.
وقد نشأت هذه الفئات في مختلف المدن، في ظل ظروف اجتماعية وإنسانية تدل على تعرضها للتهميش.
 
واقع البدون
يقول شيخ قبيلة السبعة من عنزة، الشيخ طراد بن مرشد، لـ"سبق": "بالنسبة لمن لا يحملون جنسية (البدون) من القبائل النازحة يمكن القول إن حال هؤلاء لا يسر؛ فأبناؤهم لا يعالَجون في المستشفيات، وتعليمهم يواجه مصاعب، ولا يجدون فرصة للحصول على الوظائف؛ ما يجعلهم عالة على المجتمع".
وأضاف: "حكومتنا لم تقصِّر في التعامل معنا؛ إذ فتحت أمامهم باب التجنيس في السبعينيات الميلادية، لكننا تجاهلناه، وذهبنا منذ القدم لنبحث في البادية عن الكلأ والمراعي لـ(حلالنا)، وكثير منّا عاد، وحصل على الجنسية السعودية".
ولدى سؤاله عن أسباب عدم تجنيس بعض أبناء هذه الفئة قال الشيخ "طراد": "لقد تأخروا في العودة، وحتى الذين تم تجنيسهم خضعوا للمادة (9) التي تنص على عدم حصول أبنائهم على وظائف عسكرية أو رسمية، ولا يحق لهم الالتحاق بالتعليم، كما لا حق لهم في العلاج، وحتى البنوك لا تتعاون معهم بتاتاً".
 
الشيخ طراد بن مرشد مع الزميل نافل السبيعي
 
وناشد الشيخ "طراد" الدولة النظر في حال البدون، وحل مشكلتهم مع الجنسية؛ لأن بعض العائلات يكون فيها أخ يحمل دفتر عائلة، بينما أخوه لا يملك إثباتاً.
وقال: "لا أعلم لماذا أوقف تسجيل (البدون) للحصول على الجنسية منذ سنتين؟ علماً بأنه لا يوجد تنسيق بين شيوخ القبائل؛ لأن كل شيخ تهمه مصلحة قبيلته فقط، ولا شأن له بغيرها".
وحول قيام بعض شيوخ القبائل بالتزوير، سواء بمقابل أو بشفاعات، لتسهيل حصول بعض "البدون" على الجنسية السعودية، قال الشيخ "طراد": "هذا الكلام غير صحيح، وهو افتراء وكذب، والذين يروجون له هم (المتمشيخون) الجدد".
 
قبائل شمر وعنزة والظفير والأساعدة
يقول المحامي أحمد باشا العواصي الجربا: "مصطلح (بدون) قاصر وناقص، ولا يجوز إطلاقه على فئة بشرية عزيزة، تشمل قبائل عربية عدة ".
واستشهد المحامي "الجربا" بحديث كبار المسؤولين في السعودية عن عدم وجود "بدون"، وإنما أبناء قبائل عربية لم تكتمل معاملاتهم بعد.
وبشأن الحلول القانونية لمعالجة مشكلة "غير محددي الجنسية" قال "الجربا": "لدي يقين بأن المسؤولين عن هذا الأمر، وعلى رأسهم وزير الداخلية، يهتمون بهذا الأمر بالشكل اللازم، وسيعملون على إلحاق بقية أبناء القبائل العربية من شمر، عنزة، الظفير والأساعدة، بأقاربهم وأهلهم وذويهم".
 المحامي أحمد باشا العواصي الجربا
ارتباط "البدون" بالجريمة
وبخصوص التداعيات السلبية لقضية "البدون"، وارتباطهم بالجريمة، وارتفاع نسبتها في المجتمع السعودي، قال "الجربا": "الجريمة ظاهرة سلبية، لا ترتبط بوطن أو دين أو جنس؛ فالجريمة وُجدت منذ الأزل، وستبقى إلى الأزل، لكن الواجب علينا هو الحد من الجريمة، وتقليل نسبتها، وإدراك أن أخطر ما يضر المجتمع هو البطالة. أما أن يتم تحميل البدون المسؤولية عن رفع نسبة الجريمة فهذا أمر منافٍ للحقيقة".
 
 البدون في "حفر الباطن"
ولمعرفة واقع حياة "البدون" ومشكلاتهم وتداعياتها التقى مراسل "سبق" في "حفر الباطن"، الزميل طلال الطلحي، الدكتور ع. م العنزي، وهو من أبناء القبائل النازحة، كما أنه حاصل على بكالوريوس في طب الأسنان، وعمل في مستشفيات عدة، حكومية وخاصة.
وقال "العنزي": "لم أستطع تجديد بطاقة التنقل والعمل؛ ما جعلها غير سارية المفعول؛ وهذا الأمر تسبب لي في صعوبات عدة، تتعلق بمحاولة إنجاز المعاملات الحكومية والإدارية والمالية".
وأضاف: "لم أشاهد والدتي التي تعيش بالكويت منذ أربع سنوات، وهي في آخر عمرها، والله أعلم بحالها، وقد توفي شقيقي ولم أستطع حضور دفنه، ولم أشاهد ابنتي من طليقتي منذ أربع سنوات؛ إذ تعيش في الكويت".
 
 
بيت شعر وترحيل
وزارت "سبق" حسين الرميح "أبو شامان" في بيت الشعر "الديوانية"، وظهرت على ملامحه آثار تعب السنين على الرغم من أنه لا يزال يحلم برؤية ابنه الأكبر بعد ترحيله إلى الأردن، وقال: "لم أشاهد ابني الأكبر منذ تسعة أعوام بعد ترحيله إلى الأردن، ولا أستطيع السفر لرؤيته لعدم مقدرتي على تجاوز الحدود؛ فلا جواز، ولا هوية".
 
ملكة عرب
ويلجأ عدد من البدون في حفر الباطن، بعد أن تسلل اليأس إلى قلوبهم، ورفضت الجهات المختصة توثيق عقود زواجهم، إلى زفاف يطلقون عليه اسم "ملكة عرب"، وهو زواج يستوفي جميع شروط الشريعة الإسلامية الخاصة بـ"صحة النكاح"، وفقاً لما أكده أحد مؤذني عقد الأنكحة المعتمدين لدى وزارة العدل، وتنقصه فقط عملية التوثيق في وزارة العدل.
 
معاناة "البدون" في المدينة المنورة
وبدوره، التقى مراسل "سبق" في المدينة المنورة، الزميل خالد الشاماني، سالم المنهالي، وهو من "البدون"، ويبلغ من العمر (32 عاماً)، ويعمل في مبسط مجاور للمسجد النبوي الشريف.
وقال "المنهالي": "نبحث عن الإثبات لمواصلة تعليمنا، والاستفادة من خدمات الدولة، أسوة ببقية المواطنين، إلا أننا فشلنا في الحصول على هذا الإثبات، وتحوَّل الموضوع بالنسبة لنا إلى كارثة كبيرة، أنهت مستقبلنا ومستقبل أبنائنا،؛ إذ أصبحنا محرومين من أبسط الحقوق".
وكشف "المنهالي" أن المستشفيات والدوائر الخدمية لا تستقبل البدون حالياً؛ فيضطرون إلى التوجُّه إلى المستشفيات الخاصة على نفقتهم الخاصة، على الرغم من الظروف المعيشية الصعبة.
 
 
 الوضع الاقتصادي سيئ
وأكد العديد من "البدون" في المدينة المنورة لـ"سبق" أن وضعهم الاقتصادي سيئ للغاية، نظراً إلى أن المرتبات القليلة لا تكفي المصروف اليومي، أو إيجار السكن، أو رحلات العودة إلى مناطقهم.
وأشاروا إلى أن بعضهم يعمل في محال الذهب بالمدينة المنورة، بينما يعمل عدد قليل منهم في كبائن الاتصالات، أو المباسط المتحركة قليلة الدخل.
 
 
"البدون" في عرعر
أما مراسل "سبق" في عرعر، الزميل خالد الثواب، فقد قام بجولة في أماكن وجود وعمل "البدون" في بسطات الخضار، وقيادة الشاحنات، ولاحظ أنهم يكافحون في أعمال بسيطة لكسب الرزق.
وتحدث عدد من البدون لـ"سبق" عن الأوضاع الاجتماعية، الاقتصادية والصحية السيئة، التي يعانونها، وقال عبدالسلام العنزي (52 عاماً): "كابدتُ مرارة الألم والشتات بعد تقاعدي، على الرغم من التحاقي بالسلك العسكري بالحرس الوطني؛ إذ تعطلت معاملتي في الجنسية لسنوات طويلة".
وأشار إلى شهادات الشكر المعلقة على جدران منزله، التي حصل عليها أثناء خدمته العسكرية، إضافة إلى مشاركته في حادثة الحرم المكي عام 1400هـ المعروفة بحادثة "جهيمان"، ودوره في حرب تحرير الكويت 1990م، والعديد من المشاركات الوطنية.
 
 
 
الكدادة.. والخضار
ويقول حمود عايد (50 عاماً): "الكثيرون من البدون يكافحون في مهنة (الكدادة) وقيادة الشاحنات لتوفير لقمة العيش لأولادهم بعيداً عن مدّ اليد للآخرين، وأغلبهم مدينون بمبالغ تتجاوز مئة ألف ريال من جراء شراء شاحنة للعمل عليها، وغالباً يكون مصير بعضهم السجن".
 
 
لا يستطيعون تزويج أبنائهم وبناتهم
واتفق عبد السلام العنزي وعادل صبحي مع الشكوى التي تؤكد أن الوضع الاجتماعي بالنسبة للبدون سيئ للغاية؛ إذ يعانون من تعامل المحاكم السعودية معهم؛ باعتبار أنهم أجانب، فضلاً عن الإجراءات المعقدة التي تواجههم.
وطالبوا بتسهيل هذه الإجراءات قائلين: "أصبحنا غرباء في وطننا".
وأوضح العديد من البدون الذين التقاهم مراسل "سبق" في عرعر أن مستقبل أبنائهم من بعدهم مجهولٌ، على الرغم من أنهم من مواليد السعودية؛ إذ سيُحرمون من جميع الحقوق التي يتمتع بها المواطن السعودي.
من جهته، قال الأمين العام لجمعية الأمير عبد العزيز بن مساعد الخيرية بمدينة عرعر، عبد الرحمن المحيميد، لـ"سبق": "الجمعية في تعاملها مع السعوديين تتبنى آلية معينة، لكن في ظل تزايد أعداد (البدون) في عرعر أصبحنا نعاملهم كما نعامل المواطنين".
وقال مدير الضمان الاجتماعي المتحدث الرسمي لفرع وزارة الشؤون الاجتماعية بالحدود الشمالية، الدكتور هلال الرويلي: "الضمان الاجتماعي يساعد أصحاب البطاقات (النازحين)، كالأرملة مع أبنائها أو المقعدين، وفقاً لما يرد في التقرير الطبي".
وأضاف: "الاستثناء بالنسبة للحالات الأخرى يخضع لموافقة صاحب الصلاحية في الوزارة".
 
 
البدون في "تبوك"
وفي سياق متصل، رصد مراسل "سبق" في تبوك، الزميل نواف الغضوري، معاناة "البدون" في تلك المنطقة، وقد أخبره الشاب فيصل العنزي، وهو من البدون: "نحن نعيش في مرارة بسبب عدم حملنا الهوية السعودية كبقية المواطنين الذين وُلدوا في هذا الوطن، لكننا لا نعرف لنا وطناً إلا هذا الوطن".
وأضاف "العنزي" وعيناه تملؤهما الدموع: "لقد عاش أبي وقبله جدي في هذا الوطن الغالي، حتى توفاهما الله، ولازمتهما معاناة البدون، وها هما الآن يورثان هذه المعاناة لي، وأخشى أن أورثها لأبنائي".
 
 
أجير عند وافد آسيوي
ويقول "أبو صايل"، وهو من "البدون": "نحن ممنوعون من الالتحاق بالوظائف ومن فتح سجلات تجارية أو ممارسة التجارة.. فكيف نعيش؟".
ويقول جاره "أبو سلطان"، وهو من البدون أيضاً: "لقد عملت في سوق الخضرة أجيراً عند وافد آسيوي؛ لأكسب رزق أطفالي، ومارست عليّ العمالة الآسيوية الوافدة كل أنواع الضغوط والإهانة، حتى أصبح حال العمال المقيمين أفضل من حالنا".
ويقول "أبو عبد الله"، وهو من البدون: "حكومة سيدي خادم الحرمين الشريفين احتوتنا، لكننا نطمع في المزيد، ونتمنى السماح لأبنائنا وبناتنا بالدراسة في الجامعات السعودية الحكومية، والسماح لنا بتملك العقارات ".
ويقول أحد الشباب من "البدون": "لقد درستُ، وتفوقتُ؛ وكنتُ أحلم بأن أكون طبيباً، ثم بعد تخرجي بنسبة 99 % صُدمت؛ لأن الجامعات لا تقبلني، وتم السماح لي بالدراسة في كلية التقنية فقط، وتخرجت منها بتقدير ممتاز، ولم يُسمح لي بنيل وظيفة".
 
 
العلاج مطلب رئيس
أما خليف العنزي، وهو من "البدون"، ويبلغ عمره (75 عاماً)، فيقول: "أنا مريض بالقلب، وفي كل مرة كنت أذهب فيها إلى المستشفيات أجد إجراءات طويلة معقدة تحول بيني وبين الاستفادة من العلاج، وأحياناً يكون هناك موظف شاب جديد لا يعرفني؛ ويرفض السماح لي بالعلاج".
ويقول قريبه رضوان العنزي: "أنا مريض بالسكر، وأُصبت بجلطة، وبعد نقلي إلى المستشفى رفضوا استقبالي؛ لأنني من (البدون)".
 
 
 
البدون في جازان
وركَّز مراسل "سبق" في جازان، الزميل محمد المواسي، على استعراض المشكلات والظروف الصعبة التي تحرم أشخاصاً نشؤوا في هذا البلد من مقومات الحياة الرئيسة، ومن قبلهم عاش على أرضه أجدادهم، لكنهم لا يستطيعون الحصول على الهويّة الوطنيّة.
فعلى الرغم من التوجيهات بمنح "البدون" خدمة التعليم وخدمة العلاج مجاناً إلا أنهم يلقون معاملة سيئة من بعض المسؤولين، ويُحرمون من العمل في القطاع الخاص، كما لا يُسمح لهم بالعمل في القطاع العام، على الرغم من أنهم من أبناء القبائل المهاجرة التي وصلت منذ القدم، وتوزعت على مختلف المناطق في السعودية.
ومن أبرز الأسباب وراء عدم حصول بعض "البدون" في قرى جازان على الجنسية السعودية عدم إضافة الآباء لهم في دفتر العائلة قبيل وفاتهم.
 
مشكلات اجتماعية خطيرة
ويقول الأخصائي الاجتماعي، الدكتور عبد العزيز الفايز: "وجود شرائح من (البدون) في المجتمع السعودي، وفي مختلف المناطق، يعتبر من المشكلات الاجتماعية الخطيرة التي تتفاقم عاماً بعد عام؛ لذلك لا بد أن تتحرك الدولة لإيجاد حلول عاجلة نظراً إلى أن وجودهم بهذه الأعداد الكبيرة، وفي ظل هذه الأوضاع المعيشية الصعبة، يهدد استقرار المجتمع".
وأضاف "الفايز": "عدم قدرة هذه الفئة على الحصول على الخدمات والحقوق يجعل أفرادها يلجؤون إلى الجريمة، السرقات، بيع المخدرات، الدعارة والإرهاب".
وطالب باحتواء "البدون" في المجتمع، والاستفادة من الموهوبين منهم وذوي الكفاءات العلمية، الفكرية والرياضية.
 
الجمعية الوطنية السعودية لحقوق الإنسان
وبدورها، رأت الجمعية الوطنية السعودية لحقوق الإنسان أن الأوامر السامية التي صدرت في وقت سابق بخصوص إيجاد حلول لبعض هؤلاء يجب أن تُطبَّق، وتتم متابعة تنفيذها على أرض الواقع حتى تشمل بقية أبناء البدون.
وأوضحت أن "البدون" يعيشون أوضاعاً شديدة القسوة؛ بسبب التعنت في الإجراءات، وصعوبة طرح مشكلتهم؛ ما يؤجل إمكانية التوصل إلى حلول حاسمة، تُنهي هذا الملف الشائك. 
04 مايو 2014 - 5 رجب 1435
09:28 PM

"البدون" في السعودية.. "سبق" تفتح ملفهم الشائك في مختلف المناطق

أخصائي: الخطر يهدد استقرار المجتمع.. والحلّ في إنقاذهم من الضياع

A A A
0
286,113

- الشيخ ابن مرشد: المادة 9 حرمتنا من الوظائف والتعليم والعلاج.. وشيوخ القبائل لا "يزورون" الوثائق بل "المتمشيخون" الجدد
- المحامي أحمد الجربا: أبناء شمر وعنزة والظفير والأساعدة "سيُجنَّسون".. و"البدون" غير مسؤولين عن رفع نسبة الجريمة
- أبو فيصل: شاركت الحرس الوطني في حادثة الحرم وحرب تحرير الكويت وتقاعدتُ بشهادات الشكر.. وبلا جنسية سعودية
- الدكتور العنزي: أنا طبيب أسنان لا أملك إلا بطاقة "تنقل" منتهية الصلاحية
- سالم المنهالي: نعمل في محال الذهب وكبائن الاتصالات والمباسط قليلة الدخل.. وبلا مستقبل
- أحد البدون: تخرجت بنسبة 99 % ولم تقبلني الجامعات ولم يُسمح لي بالعمل
- الدكتور عبد العزيز الفايز: "البدون" من المشاكل الخطيرة.. وحرمانهم من التعليم والعلاج والعمل دفعهم للسرقات وبيع المخدرات والدعارة والإرهاب
 
"سبق" - فريق إعداد الملف (خالد الثواب "عرعر"- خالد الشاماني "المدينة المنورة"- نافل السبيعي "الرياض"- طلال الطلحي "حفر الباطن"- نواف الغضوري "تبوك"- محمد المواسي "جازان" - إشراف/ شقران الرشيدي): لا تزال مشكلة "البدون" في السعودية تتفاقم في ظل الواقع المرير؛ إذ يزداد معدل الحالات الإنسانية الصعبة، سواء بالنسبة للنساء والأطفال وكبار السن، وجميعها حالات تتطلب تدخلاً عاجلاً من الدولة لتعديل أوضاعها، وإيجاد الحلول الجذرية النهائية المتمثلة في إعطاء أصحابها الجنسية السعودية بالنسبة لمن يستحقها من ذوي الكفاءات، أو منحهم هويات رسمية، على الأقل تمكنهم من العمل، العلاج، التنقل والتعليم.
ويرزح "البدون" في السعودية تحت ظروف إنسانية، اقتصادية واجتماعية صعبة للغاية؛ إذ يعانون التعاملات القانونية غير الملائمة، وذلك على الرغم من الجهود التي تبذلها الدولة في ظل تزايد أعدادهم، وتنامي مطالبهم.
وقد ركزت "سبق" في تناولها لهذا الملف الشائك على واقع "البدون" في السعودية، لكشف الكثير من التفاصيل..
 
البدون" في السعودية 3 فئات
كشفت مصادر تاريخية عديدة أن "البدون" في السعودية مقيمون بصورة غير قانونية، وينقسمون إلى ثلاث فئات: أبناء القبائل النازحة الذين تعود أصولهم إلى بدو رحل كانوا يتنقلون بين دول الحدود في شمال وجنوب السعودية، الجاليات الإسلامية من آسيا التي استوطنت مكة المكرمة والمدينة المنورة والطائف وجدة كـ"البلوش، البخارية، التركستان، البرماوية والإندونيسية.. إلخ"، ثم الجاليات العربية والإفريقية التي استوطنت بعد أداء العمرة والحج.
وهناك من البدون من ينتمون إلى دول أخرى، لكنهم أخفوا كل الوثائق القانونية طمعاً في نيل الجنسية السعودية، خاصة أن كثيراً منهم وُلد وترعرع في السعودية.
وقد نشأت هذه الفئات في مختلف المدن، في ظل ظروف اجتماعية وإنسانية تدل على تعرضها للتهميش.
 
واقع البدون
يقول شيخ قبيلة السبعة من عنزة، الشيخ طراد بن مرشد، لـ"سبق": "بالنسبة لمن لا يحملون جنسية (البدون) من القبائل النازحة يمكن القول إن حال هؤلاء لا يسر؛ فأبناؤهم لا يعالَجون في المستشفيات، وتعليمهم يواجه مصاعب، ولا يجدون فرصة للحصول على الوظائف؛ ما يجعلهم عالة على المجتمع".
وأضاف: "حكومتنا لم تقصِّر في التعامل معنا؛ إذ فتحت أمامهم باب التجنيس في السبعينيات الميلادية، لكننا تجاهلناه، وذهبنا منذ القدم لنبحث في البادية عن الكلأ والمراعي لـ(حلالنا)، وكثير منّا عاد، وحصل على الجنسية السعودية".
ولدى سؤاله عن أسباب عدم تجنيس بعض أبناء هذه الفئة قال الشيخ "طراد": "لقد تأخروا في العودة، وحتى الذين تم تجنيسهم خضعوا للمادة (9) التي تنص على عدم حصول أبنائهم على وظائف عسكرية أو رسمية، ولا يحق لهم الالتحاق بالتعليم، كما لا حق لهم في العلاج، وحتى البنوك لا تتعاون معهم بتاتاً".
 
الشيخ طراد بن مرشد مع الزميل نافل السبيعي
 
وناشد الشيخ "طراد" الدولة النظر في حال البدون، وحل مشكلتهم مع الجنسية؛ لأن بعض العائلات يكون فيها أخ يحمل دفتر عائلة، بينما أخوه لا يملك إثباتاً.
وقال: "لا أعلم لماذا أوقف تسجيل (البدون) للحصول على الجنسية منذ سنتين؟ علماً بأنه لا يوجد تنسيق بين شيوخ القبائل؛ لأن كل شيخ تهمه مصلحة قبيلته فقط، ولا شأن له بغيرها".
وحول قيام بعض شيوخ القبائل بالتزوير، سواء بمقابل أو بشفاعات، لتسهيل حصول بعض "البدون" على الجنسية السعودية، قال الشيخ "طراد": "هذا الكلام غير صحيح، وهو افتراء وكذب، والذين يروجون له هم (المتمشيخون) الجدد".
 
قبائل شمر وعنزة والظفير والأساعدة
يقول المحامي أحمد باشا العواصي الجربا: "مصطلح (بدون) قاصر وناقص، ولا يجوز إطلاقه على فئة بشرية عزيزة، تشمل قبائل عربية عدة ".
واستشهد المحامي "الجربا" بحديث كبار المسؤولين في السعودية عن عدم وجود "بدون"، وإنما أبناء قبائل عربية لم تكتمل معاملاتهم بعد.
وبشأن الحلول القانونية لمعالجة مشكلة "غير محددي الجنسية" قال "الجربا": "لدي يقين بأن المسؤولين عن هذا الأمر، وعلى رأسهم وزير الداخلية، يهتمون بهذا الأمر بالشكل اللازم، وسيعملون على إلحاق بقية أبناء القبائل العربية من شمر، عنزة، الظفير والأساعدة، بأقاربهم وأهلهم وذويهم".
 المحامي أحمد باشا العواصي الجربا
ارتباط "البدون" بالجريمة
وبخصوص التداعيات السلبية لقضية "البدون"، وارتباطهم بالجريمة، وارتفاع نسبتها في المجتمع السعودي، قال "الجربا": "الجريمة ظاهرة سلبية، لا ترتبط بوطن أو دين أو جنس؛ فالجريمة وُجدت منذ الأزل، وستبقى إلى الأزل، لكن الواجب علينا هو الحد من الجريمة، وتقليل نسبتها، وإدراك أن أخطر ما يضر المجتمع هو البطالة. أما أن يتم تحميل البدون المسؤولية عن رفع نسبة الجريمة فهذا أمر منافٍ للحقيقة".
 
 البدون في "حفر الباطن"
ولمعرفة واقع حياة "البدون" ومشكلاتهم وتداعياتها التقى مراسل "سبق" في "حفر الباطن"، الزميل طلال الطلحي، الدكتور ع. م العنزي، وهو من أبناء القبائل النازحة، كما أنه حاصل على بكالوريوس في طب الأسنان، وعمل في مستشفيات عدة، حكومية وخاصة.
وقال "العنزي": "لم أستطع تجديد بطاقة التنقل والعمل؛ ما جعلها غير سارية المفعول؛ وهذا الأمر تسبب لي في صعوبات عدة، تتعلق بمحاولة إنجاز المعاملات الحكومية والإدارية والمالية".
وأضاف: "لم أشاهد والدتي التي تعيش بالكويت منذ أربع سنوات، وهي في آخر عمرها، والله أعلم بحالها، وقد توفي شقيقي ولم أستطع حضور دفنه، ولم أشاهد ابنتي من طليقتي منذ أربع سنوات؛ إذ تعيش في الكويت".
 
 
بيت شعر وترحيل
وزارت "سبق" حسين الرميح "أبو شامان" في بيت الشعر "الديوانية"، وظهرت على ملامحه آثار تعب السنين على الرغم من أنه لا يزال يحلم برؤية ابنه الأكبر بعد ترحيله إلى الأردن، وقال: "لم أشاهد ابني الأكبر منذ تسعة أعوام بعد ترحيله إلى الأردن، ولا أستطيع السفر لرؤيته لعدم مقدرتي على تجاوز الحدود؛ فلا جواز، ولا هوية".
 
ملكة عرب
ويلجأ عدد من البدون في حفر الباطن، بعد أن تسلل اليأس إلى قلوبهم، ورفضت الجهات المختصة توثيق عقود زواجهم، إلى زفاف يطلقون عليه اسم "ملكة عرب"، وهو زواج يستوفي جميع شروط الشريعة الإسلامية الخاصة بـ"صحة النكاح"، وفقاً لما أكده أحد مؤذني عقد الأنكحة المعتمدين لدى وزارة العدل، وتنقصه فقط عملية التوثيق في وزارة العدل.
 
معاناة "البدون" في المدينة المنورة
وبدوره، التقى مراسل "سبق" في المدينة المنورة، الزميل خالد الشاماني، سالم المنهالي، وهو من "البدون"، ويبلغ من العمر (32 عاماً)، ويعمل في مبسط مجاور للمسجد النبوي الشريف.
وقال "المنهالي": "نبحث عن الإثبات لمواصلة تعليمنا، والاستفادة من خدمات الدولة، أسوة ببقية المواطنين، إلا أننا فشلنا في الحصول على هذا الإثبات، وتحوَّل الموضوع بالنسبة لنا إلى كارثة كبيرة، أنهت مستقبلنا ومستقبل أبنائنا،؛ إذ أصبحنا محرومين من أبسط الحقوق".
وكشف "المنهالي" أن المستشفيات والدوائر الخدمية لا تستقبل البدون حالياً؛ فيضطرون إلى التوجُّه إلى المستشفيات الخاصة على نفقتهم الخاصة، على الرغم من الظروف المعيشية الصعبة.
 
 
 الوضع الاقتصادي سيئ
وأكد العديد من "البدون" في المدينة المنورة لـ"سبق" أن وضعهم الاقتصادي سيئ للغاية، نظراً إلى أن المرتبات القليلة لا تكفي المصروف اليومي، أو إيجار السكن، أو رحلات العودة إلى مناطقهم.
وأشاروا إلى أن بعضهم يعمل في محال الذهب بالمدينة المنورة، بينما يعمل عدد قليل منهم في كبائن الاتصالات، أو المباسط المتحركة قليلة الدخل.
 
 
"البدون" في عرعر
أما مراسل "سبق" في عرعر، الزميل خالد الثواب، فقد قام بجولة في أماكن وجود وعمل "البدون" في بسطات الخضار، وقيادة الشاحنات، ولاحظ أنهم يكافحون في أعمال بسيطة لكسب الرزق.
وتحدث عدد من البدون لـ"سبق" عن الأوضاع الاجتماعية، الاقتصادية والصحية السيئة، التي يعانونها، وقال عبدالسلام العنزي (52 عاماً): "كابدتُ مرارة الألم والشتات بعد تقاعدي، على الرغم من التحاقي بالسلك العسكري بالحرس الوطني؛ إذ تعطلت معاملتي في الجنسية لسنوات طويلة".
وأشار إلى شهادات الشكر المعلقة على جدران منزله، التي حصل عليها أثناء خدمته العسكرية، إضافة إلى مشاركته في حادثة الحرم المكي عام 1400هـ المعروفة بحادثة "جهيمان"، ودوره في حرب تحرير الكويت 1990م، والعديد من المشاركات الوطنية.
 
 
 
الكدادة.. والخضار
ويقول حمود عايد (50 عاماً): "الكثيرون من البدون يكافحون في مهنة (الكدادة) وقيادة الشاحنات لتوفير لقمة العيش لأولادهم بعيداً عن مدّ اليد للآخرين، وأغلبهم مدينون بمبالغ تتجاوز مئة ألف ريال من جراء شراء شاحنة للعمل عليها، وغالباً يكون مصير بعضهم السجن".
 
 
لا يستطيعون تزويج أبنائهم وبناتهم
واتفق عبد السلام العنزي وعادل صبحي مع الشكوى التي تؤكد أن الوضع الاجتماعي بالنسبة للبدون سيئ للغاية؛ إذ يعانون من تعامل المحاكم السعودية معهم؛ باعتبار أنهم أجانب، فضلاً عن الإجراءات المعقدة التي تواجههم.
وطالبوا بتسهيل هذه الإجراءات قائلين: "أصبحنا غرباء في وطننا".
وأوضح العديد من البدون الذين التقاهم مراسل "سبق" في عرعر أن مستقبل أبنائهم من بعدهم مجهولٌ، على الرغم من أنهم من مواليد السعودية؛ إذ سيُحرمون من جميع الحقوق التي يتمتع بها المواطن السعودي.
من جهته، قال الأمين العام لجمعية الأمير عبد العزيز بن مساعد الخيرية بمدينة عرعر، عبد الرحمن المحيميد، لـ"سبق": "الجمعية في تعاملها مع السعوديين تتبنى آلية معينة، لكن في ظل تزايد أعداد (البدون) في عرعر أصبحنا نعاملهم كما نعامل المواطنين".
وقال مدير الضمان الاجتماعي المتحدث الرسمي لفرع وزارة الشؤون الاجتماعية بالحدود الشمالية، الدكتور هلال الرويلي: "الضمان الاجتماعي يساعد أصحاب البطاقات (النازحين)، كالأرملة مع أبنائها أو المقعدين، وفقاً لما يرد في التقرير الطبي".
وأضاف: "الاستثناء بالنسبة للحالات الأخرى يخضع لموافقة صاحب الصلاحية في الوزارة".
 
 
البدون في "تبوك"
وفي سياق متصل، رصد مراسل "سبق" في تبوك، الزميل نواف الغضوري، معاناة "البدون" في تلك المنطقة، وقد أخبره الشاب فيصل العنزي، وهو من البدون: "نحن نعيش في مرارة بسبب عدم حملنا الهوية السعودية كبقية المواطنين الذين وُلدوا في هذا الوطن، لكننا لا نعرف لنا وطناً إلا هذا الوطن".
وأضاف "العنزي" وعيناه تملؤهما الدموع: "لقد عاش أبي وقبله جدي في هذا الوطن الغالي، حتى توفاهما الله، ولازمتهما معاناة البدون، وها هما الآن يورثان هذه المعاناة لي، وأخشى أن أورثها لأبنائي".
 
 
أجير عند وافد آسيوي
ويقول "أبو صايل"، وهو من "البدون": "نحن ممنوعون من الالتحاق بالوظائف ومن فتح سجلات تجارية أو ممارسة التجارة.. فكيف نعيش؟".
ويقول جاره "أبو سلطان"، وهو من البدون أيضاً: "لقد عملت في سوق الخضرة أجيراً عند وافد آسيوي؛ لأكسب رزق أطفالي، ومارست عليّ العمالة الآسيوية الوافدة كل أنواع الضغوط والإهانة، حتى أصبح حال العمال المقيمين أفضل من حالنا".
ويقول "أبو عبد الله"، وهو من البدون: "حكومة سيدي خادم الحرمين الشريفين احتوتنا، لكننا نطمع في المزيد، ونتمنى السماح لأبنائنا وبناتنا بالدراسة في الجامعات السعودية الحكومية، والسماح لنا بتملك العقارات ".
ويقول أحد الشباب من "البدون": "لقد درستُ، وتفوقتُ؛ وكنتُ أحلم بأن أكون طبيباً، ثم بعد تخرجي بنسبة 99 % صُدمت؛ لأن الجامعات لا تقبلني، وتم السماح لي بالدراسة في كلية التقنية فقط، وتخرجت منها بتقدير ممتاز، ولم يُسمح لي بنيل وظيفة".
 
 
العلاج مطلب رئيس
أما خليف العنزي، وهو من "البدون"، ويبلغ عمره (75 عاماً)، فيقول: "أنا مريض بالقلب، وفي كل مرة كنت أذهب فيها إلى المستشفيات أجد إجراءات طويلة معقدة تحول بيني وبين الاستفادة من العلاج، وأحياناً يكون هناك موظف شاب جديد لا يعرفني؛ ويرفض السماح لي بالعلاج".
ويقول قريبه رضوان العنزي: "أنا مريض بالسكر، وأُصبت بجلطة، وبعد نقلي إلى المستشفى رفضوا استقبالي؛ لأنني من (البدون)".
 
 
 
البدون في جازان
وركَّز مراسل "سبق" في جازان، الزميل محمد المواسي، على استعراض المشكلات والظروف الصعبة التي تحرم أشخاصاً نشؤوا في هذا البلد من مقومات الحياة الرئيسة، ومن قبلهم عاش على أرضه أجدادهم، لكنهم لا يستطيعون الحصول على الهويّة الوطنيّة.
فعلى الرغم من التوجيهات بمنح "البدون" خدمة التعليم وخدمة العلاج مجاناً إلا أنهم يلقون معاملة سيئة من بعض المسؤولين، ويُحرمون من العمل في القطاع الخاص، كما لا يُسمح لهم بالعمل في القطاع العام، على الرغم من أنهم من أبناء القبائل المهاجرة التي وصلت منذ القدم، وتوزعت على مختلف المناطق في السعودية.
ومن أبرز الأسباب وراء عدم حصول بعض "البدون" في قرى جازان على الجنسية السعودية عدم إضافة الآباء لهم في دفتر العائلة قبيل وفاتهم.
 
مشكلات اجتماعية خطيرة
ويقول الأخصائي الاجتماعي، الدكتور عبد العزيز الفايز: "وجود شرائح من (البدون) في المجتمع السعودي، وفي مختلف المناطق، يعتبر من المشكلات الاجتماعية الخطيرة التي تتفاقم عاماً بعد عام؛ لذلك لا بد أن تتحرك الدولة لإيجاد حلول عاجلة نظراً إلى أن وجودهم بهذه الأعداد الكبيرة، وفي ظل هذه الأوضاع المعيشية الصعبة، يهدد استقرار المجتمع".
وأضاف "الفايز": "عدم قدرة هذه الفئة على الحصول على الخدمات والحقوق يجعل أفرادها يلجؤون إلى الجريمة، السرقات، بيع المخدرات، الدعارة والإرهاب".
وطالب باحتواء "البدون" في المجتمع، والاستفادة من الموهوبين منهم وذوي الكفاءات العلمية، الفكرية والرياضية.
 
الجمعية الوطنية السعودية لحقوق الإنسان
وبدورها، رأت الجمعية الوطنية السعودية لحقوق الإنسان أن الأوامر السامية التي صدرت في وقت سابق بخصوص إيجاد حلول لبعض هؤلاء يجب أن تُطبَّق، وتتم متابعة تنفيذها على أرض الواقع حتى تشمل بقية أبناء البدون.
وأوضحت أن "البدون" يعيشون أوضاعاً شديدة القسوة؛ بسبب التعنت في الإجراءات، وصعوبة طرح مشكلتهم؛ ما يؤجل إمكانية التوصل إلى حلول حاسمة، تُنهي هذا الملف الشائك.