هيئة الصحة العامة.. ورياح التطوير

ما زلتُ أذكر جيدًا تصريحًا سابقًا لي عام 2007 في صحيفة الرياض، طالبتُ فيه بإنشاء منظومة وطنية متكاملة لتعزيز الصحة، بما في ذلك الصحة العامة، تضمن توفير البيئة الداعمة لتعزيز الصحة، وتشكيل التأييد السياسي لذلك، ووضعها في صلب أجندة القرارات والسياسات والاستراتيجيات الوطنية لدى القطاعات المعنية، مع بناء سياسات وبرامج وطنية مؤسسية فعّالة.

وتحدثت في أكثر من تصريح ومقال بأنه لا يوجد ما يبرر الاستمرار في إهمال الصحة العامة وتعزيز والإعاقة، واستنزاف الخدمات الصحية، وإتاحة المجال لوباء الأمراض المزمنة في اغتيال آلاف الأرواح سنويًّا، وإحداث العجز. إلا أنّ الصورة تحسنت في السنوات الأخيرة، وأصبحت أكثر وضوحًا تجاه الصحة العامة وتعزيزها، في ظل رياح التطوير لدى وزارة الصحة نحو تعزيز الصحة في المجتمع، التي بدأت بشكل ملموس مع تولي الدكتور توفيق الربيعة وزارة الصحة.

وفي ظل النجاحات المستمرة للمملكة في السيطرة على جائحة كورونا يأتينا خبر موافقة مجلس الوزراء على تحويل "المركز الوطني للوقاية من الأمراض ومكافحتها" إلى هيئة عامة بمسمى "هيئة الصحة العامة".

وتأتي هذه الهيئة في ظل مَواطن قوة وفرص مواتية للعمل وفق منهجية مؤسسية مبنية على البراهين.

فها هي رؤية 2030 وبرنامج التحول الوطني لوزارة الصحة ينصان بما لا يدع مجالاً للشك على أهمية الصحة العامة، وتعزيز الصحة في المجتمع، والتركيز على الخدمات الوقائية، وقبل ذلك نملك قيادة حكيمة، تضع تعزيز الصحة في أولوياتها.

وبوصفنا متخصصين في تعزيز الصحة، نؤمن تمامًا بأن معظم محددات الصحة وتعزيزها في المجتمع تقبع خارج وزارة الصحة والقطاعات الصحية؛ وبالتالي فعندما نذكر "القطاعات المعنية" فلا نعني القطاعات الصحية فقط، وإنما التعليمية والاقتصادية والتجارية والمالية والاجتماعية والإعلامية والإنمائية والرياضية.. وغيرها.

وهنا يأتي أكبر التحديات التي يمكن أن تواجهها الهيئة الناشئة. وفي اعتقادي إن من أهم الخطوات لتحقيق الشراكة مع تلك القطاعات تبنّي مفهوم بناء التأييد Advocacy Building لقضايا الصحة العامة وتعزيز الصحة؛ وهو ما يُسهم في تحديد وتوزيع الأدوار فيما بينها بشكل تكاملي فعّال.

والمؤسف أن العديد من تلك القطاعات لا تُعطي الصحة العامة حقها من التأييد ولا التعامل معها كقضايا ذات أولوية.

ولا أبالغ إذا قلت إن الهيئة بحاجة لإدارة متكاملة بمسمى إدارة صناعة وتعزيز الصحة وطنيًّا.

التأييد، بل لا أبالغ إذا قلت إن الهيئة بحاجة ماسة لصناعة استراتيجية شاملة لبناء التأييد للصحة العامة. والهيئة، وهي في بداية الطريق، بحاجة ماسة لعمل تحليل كامل وشامل لوضع الصحة العامة في المملكة، يضمن حصر السياسات والأنظمة واللوائح والبرامج والقوى البشرية كافة المتعلقة بمجال عملها ومواردها، وحصر القطاعات كافة التي تعمل في هذا المجال، ومسؤولياتهم، وأدوارهم، ومن ثم وضع خارطة طريق واستراتيجية وطنية للصحة العامة، تلم شتاتها، وتبيّن أدوار كل قطاع. والبناء على ما تحقق من نجاحات تمت في "المركز الوطني للوقاية من الأمراض ومكافحتها"، وغيرها من القطاعات.

ولعل من أهم ما يمكن عمله بشكل عاجل في الهيئة متابعة ما تم في موافقة خادم الحرمين الشريفين على أن تكون الصحة العامة سياسة وأولوية في جميع الأنظمة والتشريعات لمكافحة الأمراض والوقاية منها. وهذا وحده مَوطن قوة للهيئة. وهي بحاجة للعمل على إزالة التداخل والازدواجية ما بين صلاحياتها وصلاحيات عدد من القطاعات الأخرى، ولعل في مقدمتها الصلاحيات المتعلقة بالصحة العامة، وتعزيز الصحة لدى المجلس الصحي، التي من المفترض نقلها للهيئة، ومن ثم إعطاؤها ثقلها الكافي بعيدًا عن الارتجالية.

ولعلي أهمس في أذن الهيئة بأن تضع نصب عينيها شركة الصحة القابضة ووحدات الأعمال التابعة لها، وتجمعاتها الصحية؛ فهنا يقبع جزء كبير من مستقبل الصحة في المملكة، وأن تضع يديها بيدي الشركة، وتتساءل معها عن مكونات الصحة العامة، وتعزيز الصحة في خططها؟ وهل فعلاً تأخذ مكانها الحقيقي في تلك الوحدات والتجمعات ومجتمعاتها؟ أم ما زالت الخدمات العلاجية تنهب مكانة الخدمات الوقائية؟

أما "تمكين المجتمع" فهو جوهر العمل في تعزيز الصحة. والهيئة بحاجة لمناصرة إنشاء مبادرات وطنية قائمة على البراهين في ذلك، تصل إلى جذور المجتمع؛ ليصبح شريكًا في اتخاذ القرارات الصحية، وتنفيذها، وتقييمها، لا مجرد متلقٍ للخدمة.

ماذا عن برامج التوعية الصحية الوطنية وحملاتها؟ هل هي فعالة؟ متى نلم شتاتها وتَفرُّقها؟ متى نحشد لها مزيدًا من الكفاءات المتخصصة التي تقدّم التوعية بطريقة مؤسسية مستدامة، تصنع الأثر في المجتمع؟

أما الالتفات لتحسين صحة الناشئة، وتعزيز الصحة في التعليم بقطاعاته كافة، فالمفترض أن يكون في صلب الأجندة وسياسة الهيئة، مع تطوير سياسات وأنظمة، تضع التوعية الصحية في قلب المناهج التعليمية بطرق مبنية على "البراهين العلمية"، تصنع الأثر في الجيل القادم، وتركّز على ما نسميه "المهارات الحياتية"، لا مجرد سرد لمعلومات صحية.. إضافة إلى أن الصحة العامة بحاجة إلى تطوير البنى التحتية لها، بما في ذلك بناء القدرات، وتأمين دخول مالية مستدامة، ووضع الأنظمة الداعمة للبحوث الصحية، وهو ما نأمل أن تحققه هيئتنا الفتية.

أما دعم وتعزيز إنفاذ التشريعات والأنظمة واللوائح المعنية بالصحة العامة؛ لتصبح واقعًا ملموسًا، فهو محك رئيس لنجاح الهيئة. وهناك حاجة لبرامج رقابة وعقوبات صارمة، تضرب بيد من حديد على المتلاعبين بصحة المجتمع وبائعي المرض.

ولا أبالغ إذا قلت إن كل ما سبق ذكره من تشريعات وأنظمة معززة للصحة في الهيئة قد لا تُحقق أثرًا فعّالاً، ولا تُنجز هدفًا بكفاءة، إذا لم يصاحبه تأهيل قياديين متعطشين لذلك، متوثبين لتحقيق رؤية 2030، مسلحين بقدر عالٍ من المهارات القيادية والتفكير الاستراتيجي، واتخاذ القرار والتأييد والتمكين، وتبني الأسس العلمية والمؤسسية في برامج الصحة العامة وتعزيز الصحة بعيدًا عن الارتجالية.

ماذا بعد؟!! كل ما يحتاج إليه الأمر في الهيئة قدر عالٍ من التأييد والشجاعة والطموح والعمل المؤسسي. وكما تقول منظمة الصحة العالمية، فجدول الأعمال واسع وجريء، والطريق إلى الأمام واضحة كل الوضوح، وهي مليئة بمَواطن القوة والفرص كما التحديات!!

عبدالرحمن القحطاني
اعلان
هيئة الصحة العامة.. ورياح التطوير
سبق

ما زلتُ أذكر جيدًا تصريحًا سابقًا لي عام 2007 في صحيفة الرياض، طالبتُ فيه بإنشاء منظومة وطنية متكاملة لتعزيز الصحة، بما في ذلك الصحة العامة، تضمن توفير البيئة الداعمة لتعزيز الصحة، وتشكيل التأييد السياسي لذلك، ووضعها في صلب أجندة القرارات والسياسات والاستراتيجيات الوطنية لدى القطاعات المعنية، مع بناء سياسات وبرامج وطنية مؤسسية فعّالة.

وتحدثت في أكثر من تصريح ومقال بأنه لا يوجد ما يبرر الاستمرار في إهمال الصحة العامة وتعزيز والإعاقة، واستنزاف الخدمات الصحية، وإتاحة المجال لوباء الأمراض المزمنة في اغتيال آلاف الأرواح سنويًّا، وإحداث العجز. إلا أنّ الصورة تحسنت في السنوات الأخيرة، وأصبحت أكثر وضوحًا تجاه الصحة العامة وتعزيزها، في ظل رياح التطوير لدى وزارة الصحة نحو تعزيز الصحة في المجتمع، التي بدأت بشكل ملموس مع تولي الدكتور توفيق الربيعة وزارة الصحة.

وفي ظل النجاحات المستمرة للمملكة في السيطرة على جائحة كورونا يأتينا خبر موافقة مجلس الوزراء على تحويل "المركز الوطني للوقاية من الأمراض ومكافحتها" إلى هيئة عامة بمسمى "هيئة الصحة العامة".

وتأتي هذه الهيئة في ظل مَواطن قوة وفرص مواتية للعمل وفق منهجية مؤسسية مبنية على البراهين.

فها هي رؤية 2030 وبرنامج التحول الوطني لوزارة الصحة ينصان بما لا يدع مجالاً للشك على أهمية الصحة العامة، وتعزيز الصحة في المجتمع، والتركيز على الخدمات الوقائية، وقبل ذلك نملك قيادة حكيمة، تضع تعزيز الصحة في أولوياتها.

وبوصفنا متخصصين في تعزيز الصحة، نؤمن تمامًا بأن معظم محددات الصحة وتعزيزها في المجتمع تقبع خارج وزارة الصحة والقطاعات الصحية؛ وبالتالي فعندما نذكر "القطاعات المعنية" فلا نعني القطاعات الصحية فقط، وإنما التعليمية والاقتصادية والتجارية والمالية والاجتماعية والإعلامية والإنمائية والرياضية.. وغيرها.

وهنا يأتي أكبر التحديات التي يمكن أن تواجهها الهيئة الناشئة. وفي اعتقادي إن من أهم الخطوات لتحقيق الشراكة مع تلك القطاعات تبنّي مفهوم بناء التأييد Advocacy Building لقضايا الصحة العامة وتعزيز الصحة؛ وهو ما يُسهم في تحديد وتوزيع الأدوار فيما بينها بشكل تكاملي فعّال.

والمؤسف أن العديد من تلك القطاعات لا تُعطي الصحة العامة حقها من التأييد ولا التعامل معها كقضايا ذات أولوية.

ولا أبالغ إذا قلت إن الهيئة بحاجة لإدارة متكاملة بمسمى إدارة صناعة وتعزيز الصحة وطنيًّا.

التأييد، بل لا أبالغ إذا قلت إن الهيئة بحاجة ماسة لصناعة استراتيجية شاملة لبناء التأييد للصحة العامة. والهيئة، وهي في بداية الطريق، بحاجة ماسة لعمل تحليل كامل وشامل لوضع الصحة العامة في المملكة، يضمن حصر السياسات والأنظمة واللوائح والبرامج والقوى البشرية كافة المتعلقة بمجال عملها ومواردها، وحصر القطاعات كافة التي تعمل في هذا المجال، ومسؤولياتهم، وأدوارهم، ومن ثم وضع خارطة طريق واستراتيجية وطنية للصحة العامة، تلم شتاتها، وتبيّن أدوار كل قطاع. والبناء على ما تحقق من نجاحات تمت في "المركز الوطني للوقاية من الأمراض ومكافحتها"، وغيرها من القطاعات.

ولعل من أهم ما يمكن عمله بشكل عاجل في الهيئة متابعة ما تم في موافقة خادم الحرمين الشريفين على أن تكون الصحة العامة سياسة وأولوية في جميع الأنظمة والتشريعات لمكافحة الأمراض والوقاية منها. وهذا وحده مَوطن قوة للهيئة. وهي بحاجة للعمل على إزالة التداخل والازدواجية ما بين صلاحياتها وصلاحيات عدد من القطاعات الأخرى، ولعل في مقدمتها الصلاحيات المتعلقة بالصحة العامة، وتعزيز الصحة لدى المجلس الصحي، التي من المفترض نقلها للهيئة، ومن ثم إعطاؤها ثقلها الكافي بعيدًا عن الارتجالية.

ولعلي أهمس في أذن الهيئة بأن تضع نصب عينيها شركة الصحة القابضة ووحدات الأعمال التابعة لها، وتجمعاتها الصحية؛ فهنا يقبع جزء كبير من مستقبل الصحة في المملكة، وأن تضع يديها بيدي الشركة، وتتساءل معها عن مكونات الصحة العامة، وتعزيز الصحة في خططها؟ وهل فعلاً تأخذ مكانها الحقيقي في تلك الوحدات والتجمعات ومجتمعاتها؟ أم ما زالت الخدمات العلاجية تنهب مكانة الخدمات الوقائية؟

أما "تمكين المجتمع" فهو جوهر العمل في تعزيز الصحة. والهيئة بحاجة لمناصرة إنشاء مبادرات وطنية قائمة على البراهين في ذلك، تصل إلى جذور المجتمع؛ ليصبح شريكًا في اتخاذ القرارات الصحية، وتنفيذها، وتقييمها، لا مجرد متلقٍ للخدمة.

ماذا عن برامج التوعية الصحية الوطنية وحملاتها؟ هل هي فعالة؟ متى نلم شتاتها وتَفرُّقها؟ متى نحشد لها مزيدًا من الكفاءات المتخصصة التي تقدّم التوعية بطريقة مؤسسية مستدامة، تصنع الأثر في المجتمع؟

أما الالتفات لتحسين صحة الناشئة، وتعزيز الصحة في التعليم بقطاعاته كافة، فالمفترض أن يكون في صلب الأجندة وسياسة الهيئة، مع تطوير سياسات وأنظمة، تضع التوعية الصحية في قلب المناهج التعليمية بطرق مبنية على "البراهين العلمية"، تصنع الأثر في الجيل القادم، وتركّز على ما نسميه "المهارات الحياتية"، لا مجرد سرد لمعلومات صحية.. إضافة إلى أن الصحة العامة بحاجة إلى تطوير البنى التحتية لها، بما في ذلك بناء القدرات، وتأمين دخول مالية مستدامة، ووضع الأنظمة الداعمة للبحوث الصحية، وهو ما نأمل أن تحققه هيئتنا الفتية.

أما دعم وتعزيز إنفاذ التشريعات والأنظمة واللوائح المعنية بالصحة العامة؛ لتصبح واقعًا ملموسًا، فهو محك رئيس لنجاح الهيئة. وهناك حاجة لبرامج رقابة وعقوبات صارمة، تضرب بيد من حديد على المتلاعبين بصحة المجتمع وبائعي المرض.

ولا أبالغ إذا قلت إن كل ما سبق ذكره من تشريعات وأنظمة معززة للصحة في الهيئة قد لا تُحقق أثرًا فعّالاً، ولا تُنجز هدفًا بكفاءة، إذا لم يصاحبه تأهيل قياديين متعطشين لذلك، متوثبين لتحقيق رؤية 2030، مسلحين بقدر عالٍ من المهارات القيادية والتفكير الاستراتيجي، واتخاذ القرار والتأييد والتمكين، وتبني الأسس العلمية والمؤسسية في برامج الصحة العامة وتعزيز الصحة بعيدًا عن الارتجالية.

ماذا بعد؟!! كل ما يحتاج إليه الأمر في الهيئة قدر عالٍ من التأييد والشجاعة والطموح والعمل المؤسسي. وكما تقول منظمة الصحة العالمية، فجدول الأعمال واسع وجريء، والطريق إلى الأمام واضحة كل الوضوح، وهي مليئة بمَواطن القوة والفرص كما التحديات!!

04 مارس 2021 - 20 رجب 1442
01:14 AM
اخر تعديل
19 إبريل 2021 - 7 رمضان 1442
12:24 PM

هيئة الصحة العامة.. ورياح التطوير

عبدالرحمن القحطاني - الرياض
A A A
1
1,382

ما زلتُ أذكر جيدًا تصريحًا سابقًا لي عام 2007 في صحيفة الرياض، طالبتُ فيه بإنشاء منظومة وطنية متكاملة لتعزيز الصحة، بما في ذلك الصحة العامة، تضمن توفير البيئة الداعمة لتعزيز الصحة، وتشكيل التأييد السياسي لذلك، ووضعها في صلب أجندة القرارات والسياسات والاستراتيجيات الوطنية لدى القطاعات المعنية، مع بناء سياسات وبرامج وطنية مؤسسية فعّالة.

وتحدثت في أكثر من تصريح ومقال بأنه لا يوجد ما يبرر الاستمرار في إهمال الصحة العامة وتعزيز والإعاقة، واستنزاف الخدمات الصحية، وإتاحة المجال لوباء الأمراض المزمنة في اغتيال آلاف الأرواح سنويًّا، وإحداث العجز. إلا أنّ الصورة تحسنت في السنوات الأخيرة، وأصبحت أكثر وضوحًا تجاه الصحة العامة وتعزيزها، في ظل رياح التطوير لدى وزارة الصحة نحو تعزيز الصحة في المجتمع، التي بدأت بشكل ملموس مع تولي الدكتور توفيق الربيعة وزارة الصحة.

وفي ظل النجاحات المستمرة للمملكة في السيطرة على جائحة كورونا يأتينا خبر موافقة مجلس الوزراء على تحويل "المركز الوطني للوقاية من الأمراض ومكافحتها" إلى هيئة عامة بمسمى "هيئة الصحة العامة".

وتأتي هذه الهيئة في ظل مَواطن قوة وفرص مواتية للعمل وفق منهجية مؤسسية مبنية على البراهين.

فها هي رؤية 2030 وبرنامج التحول الوطني لوزارة الصحة ينصان بما لا يدع مجالاً للشك على أهمية الصحة العامة، وتعزيز الصحة في المجتمع، والتركيز على الخدمات الوقائية، وقبل ذلك نملك قيادة حكيمة، تضع تعزيز الصحة في أولوياتها.

وبوصفنا متخصصين في تعزيز الصحة، نؤمن تمامًا بأن معظم محددات الصحة وتعزيزها في المجتمع تقبع خارج وزارة الصحة والقطاعات الصحية؛ وبالتالي فعندما نذكر "القطاعات المعنية" فلا نعني القطاعات الصحية فقط، وإنما التعليمية والاقتصادية والتجارية والمالية والاجتماعية والإعلامية والإنمائية والرياضية.. وغيرها.

وهنا يأتي أكبر التحديات التي يمكن أن تواجهها الهيئة الناشئة. وفي اعتقادي إن من أهم الخطوات لتحقيق الشراكة مع تلك القطاعات تبنّي مفهوم بناء التأييد Advocacy Building لقضايا الصحة العامة وتعزيز الصحة؛ وهو ما يُسهم في تحديد وتوزيع الأدوار فيما بينها بشكل تكاملي فعّال.

والمؤسف أن العديد من تلك القطاعات لا تُعطي الصحة العامة حقها من التأييد ولا التعامل معها كقضايا ذات أولوية.

ولا أبالغ إذا قلت إن الهيئة بحاجة لإدارة متكاملة بمسمى إدارة صناعة وتعزيز الصحة وطنيًّا.

التأييد، بل لا أبالغ إذا قلت إن الهيئة بحاجة ماسة لصناعة استراتيجية شاملة لبناء التأييد للصحة العامة. والهيئة، وهي في بداية الطريق، بحاجة ماسة لعمل تحليل كامل وشامل لوضع الصحة العامة في المملكة، يضمن حصر السياسات والأنظمة واللوائح والبرامج والقوى البشرية كافة المتعلقة بمجال عملها ومواردها، وحصر القطاعات كافة التي تعمل في هذا المجال، ومسؤولياتهم، وأدوارهم، ومن ثم وضع خارطة طريق واستراتيجية وطنية للصحة العامة، تلم شتاتها، وتبيّن أدوار كل قطاع. والبناء على ما تحقق من نجاحات تمت في "المركز الوطني للوقاية من الأمراض ومكافحتها"، وغيرها من القطاعات.

ولعل من أهم ما يمكن عمله بشكل عاجل في الهيئة متابعة ما تم في موافقة خادم الحرمين الشريفين على أن تكون الصحة العامة سياسة وأولوية في جميع الأنظمة والتشريعات لمكافحة الأمراض والوقاية منها. وهذا وحده مَوطن قوة للهيئة. وهي بحاجة للعمل على إزالة التداخل والازدواجية ما بين صلاحياتها وصلاحيات عدد من القطاعات الأخرى، ولعل في مقدمتها الصلاحيات المتعلقة بالصحة العامة، وتعزيز الصحة لدى المجلس الصحي، التي من المفترض نقلها للهيئة، ومن ثم إعطاؤها ثقلها الكافي بعيدًا عن الارتجالية.

ولعلي أهمس في أذن الهيئة بأن تضع نصب عينيها شركة الصحة القابضة ووحدات الأعمال التابعة لها، وتجمعاتها الصحية؛ فهنا يقبع جزء كبير من مستقبل الصحة في المملكة، وأن تضع يديها بيدي الشركة، وتتساءل معها عن مكونات الصحة العامة، وتعزيز الصحة في خططها؟ وهل فعلاً تأخذ مكانها الحقيقي في تلك الوحدات والتجمعات ومجتمعاتها؟ أم ما زالت الخدمات العلاجية تنهب مكانة الخدمات الوقائية؟

أما "تمكين المجتمع" فهو جوهر العمل في تعزيز الصحة. والهيئة بحاجة لمناصرة إنشاء مبادرات وطنية قائمة على البراهين في ذلك، تصل إلى جذور المجتمع؛ ليصبح شريكًا في اتخاذ القرارات الصحية، وتنفيذها، وتقييمها، لا مجرد متلقٍ للخدمة.

ماذا عن برامج التوعية الصحية الوطنية وحملاتها؟ هل هي فعالة؟ متى نلم شتاتها وتَفرُّقها؟ متى نحشد لها مزيدًا من الكفاءات المتخصصة التي تقدّم التوعية بطريقة مؤسسية مستدامة، تصنع الأثر في المجتمع؟

أما الالتفات لتحسين صحة الناشئة، وتعزيز الصحة في التعليم بقطاعاته كافة، فالمفترض أن يكون في صلب الأجندة وسياسة الهيئة، مع تطوير سياسات وأنظمة، تضع التوعية الصحية في قلب المناهج التعليمية بطرق مبنية على "البراهين العلمية"، تصنع الأثر في الجيل القادم، وتركّز على ما نسميه "المهارات الحياتية"، لا مجرد سرد لمعلومات صحية.. إضافة إلى أن الصحة العامة بحاجة إلى تطوير البنى التحتية لها، بما في ذلك بناء القدرات، وتأمين دخول مالية مستدامة، ووضع الأنظمة الداعمة للبحوث الصحية، وهو ما نأمل أن تحققه هيئتنا الفتية.

أما دعم وتعزيز إنفاذ التشريعات والأنظمة واللوائح المعنية بالصحة العامة؛ لتصبح واقعًا ملموسًا، فهو محك رئيس لنجاح الهيئة. وهناك حاجة لبرامج رقابة وعقوبات صارمة، تضرب بيد من حديد على المتلاعبين بصحة المجتمع وبائعي المرض.

ولا أبالغ إذا قلت إن كل ما سبق ذكره من تشريعات وأنظمة معززة للصحة في الهيئة قد لا تُحقق أثرًا فعّالاً، ولا تُنجز هدفًا بكفاءة، إذا لم يصاحبه تأهيل قياديين متعطشين لذلك، متوثبين لتحقيق رؤية 2030، مسلحين بقدر عالٍ من المهارات القيادية والتفكير الاستراتيجي، واتخاذ القرار والتأييد والتمكين، وتبني الأسس العلمية والمؤسسية في برامج الصحة العامة وتعزيز الصحة بعيدًا عن الارتجالية.

ماذا بعد؟!! كل ما يحتاج إليه الأمر في الهيئة قدر عالٍ من التأييد والشجاعة والطموح والعمل المؤسسي. وكما تقول منظمة الصحة العالمية، فجدول الأعمال واسع وجريء، والطريق إلى الأمام واضحة كل الوضوح، وهي مليئة بمَواطن القوة والفرص كما التحديات!!