خطيب الحرم المكي: على الحاجّ أن يقف مع نفسه وقفات محكمات

حذّر من الانزلاق في الشرك وارتداء لباس الإثم والفسوق والعصيان

أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور أسامة بن عبدالله خياط، المسلمين بتقوى الله حق تقاته، والإنابة إليه وطلب مرضاته.

وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم: وقوف حاج بيت الله في مقام الشكر لله رب العالمين على ما مَنّ به سبحانه من نِعم جليلة؛ يأتي في الطليعة منها بعد نعمة الإسلام، التوفيق إلى قضاء المناسك، والفراغ من أعمال الحج والعمرة، في صحة وسلامة، وأمن وصلاح حال؛ حق واجب، وفرض متعين عليه إذا أراد استبقاء النعمة، واستدامة الفضل، واتصال التكريم؛ ذلك أن الشكر صاحبه موعود بالمزيد، كما قال عز من قائل: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد}.

وأضاف: وجّه سبحانه حجاج بيته إلى ذكره وشكره والتضـرع إليه، وسؤاله من خيريْ الدنيا والآخرة عقب قضاء المناسك؛ مستشهداً بقوله تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما لـه في الآخرة من خلاق، ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار، أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب}.

وأردف: في هـذا إيماء بيّن، وإيضاح جليّ؛ لتأكّد ذكر الله تعالى عقب الفراغ من الطاعات كلها، والمناسك منها خاصةً؛ شكراً لله تعالى واعترافاً بمننه السابغة وآلائه الجزيلة وفعاله الجميلة؛ حيث وفق عباده إلى بلوغ محابه ومراضيه، وأسعدهم بطاعته، ومَن عليهم بإتمام ذلك والفراغ منه، على أكمل أحوال الحاج وأجملها، وأبرها وأتقاها.

وتابع إمام وخطيب المسجد الحرام: في الآية الكريمة أيضاً، تحذير وتوجيه، أما التحذير فمن دعاء الحجاج ربهم أن يؤتيهم من حظوظ الحياة الدنيا ما ينصرفون إليه، ويقتصرون عليه؛ نائين به عما هو أعظم وأكمل وأبقى وأجمل من المنازل والمقامات في الدار الآخرة، دار الخلد ودار المتقين، وأمـا التوجيه فهو إلى دعائه سبحانه أن يؤتيهم في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنة، وأن يقيهم عذاب النار؛ لأن هذه الدعوة القرآنية الطيبة المباركة جمعت كل خير في الدنيا والآخرة وصرفت كل شر.

وقال "خياط": الحسنة في الدنيا كما قال الإمام ابن كثير رحمه الله، تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ودار رحبة وزوجة صالحة ورزق واسع وعلم نافع وعمل صالح ومركب هني وثناء جميل، وأما الحسنة في الآخرة فأعلاها النظر إلى وجه الرب الكريم الرحمن، ودخول جنات النعيم، والرضوان، والأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب، وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة التي يمن الله بها على أهل جنته ودار كرامته، وأما النجاة من النار فهي يقتضي تيسير أسبابها في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام.

وأضاف: لهذا لم يكن عجباً أن كـانت هذه الدعوة الطيبة المباركة أكثر ما كان يدعو بـه النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد رحمه الله في مسنده بإسناد صحيح عن عبدالعزيز بن سهيل أنه قال: سأل قتادة أنساً عن أكثر ما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يقول: "اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار"، وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه.

وتساءل "خياط" كيف سيكون حال حاج بيت الله فيما يستقبل من أيام عمره، بعد أن مَن الله عليه بإتمام حجه؟! وهل سينكص على عقبيه فيتردى في وهدة الشـرك بالله تعالى بعد إذ أنار الله فؤاده وأضاء جنبات نفسه وكشف عنه غطاء الجهالات الجاهلة والضلالات الضالة، فوجهه سبحانه للطواف ببيته الحرام، وحرّم عليه الطواف بأي شيء آخر سواه؟! كما تساءل هل سيعود إلى ارتداء لباس الإثم والفسوق والعصيان، ومبارزة الملك الـديان بالخطايا والآثام بعدما كساه ربه من لباس الإيمان والتقوى خير اللباس وأبهى الثياب؟! وهل سيعود إلى انتهاج نهج الجحود والنكران، فيترك الشكر والحمد لربه بعد أن لهج لسانه بهذا الشكر: تلبيةً، وتكبيراً، وتهليلاً، وتحميداً، وتسبيحاً، وبعد ما عملت جوارحه بهذا الشكر نحراً للهدي والأضاحي، وإتماماً للمناسك وفق ما شرعه الله، وسَنّه رسوله صلوات الله وسلامه عليه؟! وهل سينسى أو يتناسى موقفه غـداً بين يدي الله تعالى يوم البعث والحشـر والنشور بعد إذ ذكره به ربه يوم وقف هناك على ثرى عرفات داعياً ضارعاً خائفاً وجلاً سائلاً إياه الجنة مستعيذاً به من النار؟

وقال إمام وخطيب المسجد الحرام: على الحاج أن يقف مع نفسه وقفات محكمات؛ لتكون له منها عِظَات بالغات، وعهود موثقات، يأخذهن على نفسه بدوام الإقبال على الخيرات، واستمرار المسارعة إلى الباقيات الصالحات، واتصال البراءة من الشـرك والخطيئات، والثبات على ذلك حتى الممات.

وأضاف: الظفر بالموعود لمن حج البيت حجاً مبروراً؛ ذلك الموعود الذي جاء في حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس لـه جزاء إلا الجنة". (أخرجه الشيخان في صحيحيهما).

وأردف: الظفر بهذا الموعود يقتضـي أن يراقب الحاج سير حياته بعد حجه؛ فيجهد كل جهده في أن تكون حاله بعد الحج خيراً من حاله قبله، فتلك هي علامة الحج المبرور؛ مستشهداً بقوله تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}.

موسم الحج 1439هـ الحج 1439هـ الحج
اعلان
خطيب الحرم المكي: على الحاجّ أن يقف مع نفسه وقفات محكمات
سبق

أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور أسامة بن عبدالله خياط، المسلمين بتقوى الله حق تقاته، والإنابة إليه وطلب مرضاته.

وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم: وقوف حاج بيت الله في مقام الشكر لله رب العالمين على ما مَنّ به سبحانه من نِعم جليلة؛ يأتي في الطليعة منها بعد نعمة الإسلام، التوفيق إلى قضاء المناسك، والفراغ من أعمال الحج والعمرة، في صحة وسلامة، وأمن وصلاح حال؛ حق واجب، وفرض متعين عليه إذا أراد استبقاء النعمة، واستدامة الفضل، واتصال التكريم؛ ذلك أن الشكر صاحبه موعود بالمزيد، كما قال عز من قائل: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد}.

وأضاف: وجّه سبحانه حجاج بيته إلى ذكره وشكره والتضـرع إليه، وسؤاله من خيريْ الدنيا والآخرة عقب قضاء المناسك؛ مستشهداً بقوله تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما لـه في الآخرة من خلاق، ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار، أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب}.

وأردف: في هـذا إيماء بيّن، وإيضاح جليّ؛ لتأكّد ذكر الله تعالى عقب الفراغ من الطاعات كلها، والمناسك منها خاصةً؛ شكراً لله تعالى واعترافاً بمننه السابغة وآلائه الجزيلة وفعاله الجميلة؛ حيث وفق عباده إلى بلوغ محابه ومراضيه، وأسعدهم بطاعته، ومَن عليهم بإتمام ذلك والفراغ منه، على أكمل أحوال الحاج وأجملها، وأبرها وأتقاها.

وتابع إمام وخطيب المسجد الحرام: في الآية الكريمة أيضاً، تحذير وتوجيه، أما التحذير فمن دعاء الحجاج ربهم أن يؤتيهم من حظوظ الحياة الدنيا ما ينصرفون إليه، ويقتصرون عليه؛ نائين به عما هو أعظم وأكمل وأبقى وأجمل من المنازل والمقامات في الدار الآخرة، دار الخلد ودار المتقين، وأمـا التوجيه فهو إلى دعائه سبحانه أن يؤتيهم في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنة، وأن يقيهم عذاب النار؛ لأن هذه الدعوة القرآنية الطيبة المباركة جمعت كل خير في الدنيا والآخرة وصرفت كل شر.

وقال "خياط": الحسنة في الدنيا كما قال الإمام ابن كثير رحمه الله، تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ودار رحبة وزوجة صالحة ورزق واسع وعلم نافع وعمل صالح ومركب هني وثناء جميل، وأما الحسنة في الآخرة فأعلاها النظر إلى وجه الرب الكريم الرحمن، ودخول جنات النعيم، والرضوان، والأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب، وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة التي يمن الله بها على أهل جنته ودار كرامته، وأما النجاة من النار فهي يقتضي تيسير أسبابها في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام.

وأضاف: لهذا لم يكن عجباً أن كـانت هذه الدعوة الطيبة المباركة أكثر ما كان يدعو بـه النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد رحمه الله في مسنده بإسناد صحيح عن عبدالعزيز بن سهيل أنه قال: سأل قتادة أنساً عن أكثر ما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يقول: "اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار"، وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه.

وتساءل "خياط" كيف سيكون حال حاج بيت الله فيما يستقبل من أيام عمره، بعد أن مَن الله عليه بإتمام حجه؟! وهل سينكص على عقبيه فيتردى في وهدة الشـرك بالله تعالى بعد إذ أنار الله فؤاده وأضاء جنبات نفسه وكشف عنه غطاء الجهالات الجاهلة والضلالات الضالة، فوجهه سبحانه للطواف ببيته الحرام، وحرّم عليه الطواف بأي شيء آخر سواه؟! كما تساءل هل سيعود إلى ارتداء لباس الإثم والفسوق والعصيان، ومبارزة الملك الـديان بالخطايا والآثام بعدما كساه ربه من لباس الإيمان والتقوى خير اللباس وأبهى الثياب؟! وهل سيعود إلى انتهاج نهج الجحود والنكران، فيترك الشكر والحمد لربه بعد أن لهج لسانه بهذا الشكر: تلبيةً، وتكبيراً، وتهليلاً، وتحميداً، وتسبيحاً، وبعد ما عملت جوارحه بهذا الشكر نحراً للهدي والأضاحي، وإتماماً للمناسك وفق ما شرعه الله، وسَنّه رسوله صلوات الله وسلامه عليه؟! وهل سينسى أو يتناسى موقفه غـداً بين يدي الله تعالى يوم البعث والحشـر والنشور بعد إذ ذكره به ربه يوم وقف هناك على ثرى عرفات داعياً ضارعاً خائفاً وجلاً سائلاً إياه الجنة مستعيذاً به من النار؟

وقال إمام وخطيب المسجد الحرام: على الحاج أن يقف مع نفسه وقفات محكمات؛ لتكون له منها عِظَات بالغات، وعهود موثقات، يأخذهن على نفسه بدوام الإقبال على الخيرات، واستمرار المسارعة إلى الباقيات الصالحات، واتصال البراءة من الشـرك والخطيئات، والثبات على ذلك حتى الممات.

وأضاف: الظفر بالموعود لمن حج البيت حجاً مبروراً؛ ذلك الموعود الذي جاء في حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس لـه جزاء إلا الجنة". (أخرجه الشيخان في صحيحيهما).

وأردف: الظفر بهذا الموعود يقتضـي أن يراقب الحاج سير حياته بعد حجه؛ فيجهد كل جهده في أن تكون حاله بعد الحج خيراً من حاله قبله، فتلك هي علامة الحج المبرور؛ مستشهداً بقوله تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}.

31 أغسطس 2018 - 20 ذو الحجة 1439
03:49 PM
اخر تعديل
05 سبتمبر 2018 - 25 ذو الحجة 1439
12:54 PM

خطيب الحرم المكي: على الحاجّ أن يقف مع نفسه وقفات محكمات

حذّر من الانزلاق في الشرك وارتداء لباس الإثم والفسوق والعصيان

A A A
0
3,383

أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور أسامة بن عبدالله خياط، المسلمين بتقوى الله حق تقاته، والإنابة إليه وطلب مرضاته.

وقال في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم: وقوف حاج بيت الله في مقام الشكر لله رب العالمين على ما مَنّ به سبحانه من نِعم جليلة؛ يأتي في الطليعة منها بعد نعمة الإسلام، التوفيق إلى قضاء المناسك، والفراغ من أعمال الحج والعمرة، في صحة وسلامة، وأمن وصلاح حال؛ حق واجب، وفرض متعين عليه إذا أراد استبقاء النعمة، واستدامة الفضل، واتصال التكريم؛ ذلك أن الشكر صاحبه موعود بالمزيد، كما قال عز من قائل: {وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد}.

وأضاف: وجّه سبحانه حجاج بيته إلى ذكره وشكره والتضـرع إليه، وسؤاله من خيريْ الدنيا والآخرة عقب قضاء المناسك؛ مستشهداً بقوله تعالى: {فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما لـه في الآخرة من خلاق، ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً وقنا عذاب النار، أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب}.

وأردف: في هـذا إيماء بيّن، وإيضاح جليّ؛ لتأكّد ذكر الله تعالى عقب الفراغ من الطاعات كلها، والمناسك منها خاصةً؛ شكراً لله تعالى واعترافاً بمننه السابغة وآلائه الجزيلة وفعاله الجميلة؛ حيث وفق عباده إلى بلوغ محابه ومراضيه، وأسعدهم بطاعته، ومَن عليهم بإتمام ذلك والفراغ منه، على أكمل أحوال الحاج وأجملها، وأبرها وأتقاها.

وتابع إمام وخطيب المسجد الحرام: في الآية الكريمة أيضاً، تحذير وتوجيه، أما التحذير فمن دعاء الحجاج ربهم أن يؤتيهم من حظوظ الحياة الدنيا ما ينصرفون إليه، ويقتصرون عليه؛ نائين به عما هو أعظم وأكمل وأبقى وأجمل من المنازل والمقامات في الدار الآخرة، دار الخلد ودار المتقين، وأمـا التوجيه فهو إلى دعائه سبحانه أن يؤتيهم في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنة، وأن يقيهم عذاب النار؛ لأن هذه الدعوة القرآنية الطيبة المباركة جمعت كل خير في الدنيا والآخرة وصرفت كل شر.

وقال "خياط": الحسنة في الدنيا كما قال الإمام ابن كثير رحمه الله، تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ودار رحبة وزوجة صالحة ورزق واسع وعلم نافع وعمل صالح ومركب هني وثناء جميل، وأما الحسنة في الآخرة فأعلاها النظر إلى وجه الرب الكريم الرحمن، ودخول جنات النعيم، والرضوان، والأمن من الفزع الأكبر في العرصات، وتيسير الحساب، وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة التي يمن الله بها على أهل جنته ودار كرامته، وأما النجاة من النار فهي يقتضي تيسير أسبابها في الدنيا من اجتناب المحارم والآثام، وترك الشبهات والحرام.

وأضاف: لهذا لم يكن عجباً أن كـانت هذه الدعوة الطيبة المباركة أكثر ما كان يدعو بـه النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد رحمه الله في مسنده بإسناد صحيح عن عبدالعزيز بن سهيل أنه قال: سأل قتادة أنساً عن أكثر ما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يقول: "اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار"، وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعوة دعا بها، وإذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها فيه.

وتساءل "خياط" كيف سيكون حال حاج بيت الله فيما يستقبل من أيام عمره، بعد أن مَن الله عليه بإتمام حجه؟! وهل سينكص على عقبيه فيتردى في وهدة الشـرك بالله تعالى بعد إذ أنار الله فؤاده وأضاء جنبات نفسه وكشف عنه غطاء الجهالات الجاهلة والضلالات الضالة، فوجهه سبحانه للطواف ببيته الحرام، وحرّم عليه الطواف بأي شيء آخر سواه؟! كما تساءل هل سيعود إلى ارتداء لباس الإثم والفسوق والعصيان، ومبارزة الملك الـديان بالخطايا والآثام بعدما كساه ربه من لباس الإيمان والتقوى خير اللباس وأبهى الثياب؟! وهل سيعود إلى انتهاج نهج الجحود والنكران، فيترك الشكر والحمد لربه بعد أن لهج لسانه بهذا الشكر: تلبيةً، وتكبيراً، وتهليلاً، وتحميداً، وتسبيحاً، وبعد ما عملت جوارحه بهذا الشكر نحراً للهدي والأضاحي، وإتماماً للمناسك وفق ما شرعه الله، وسَنّه رسوله صلوات الله وسلامه عليه؟! وهل سينسى أو يتناسى موقفه غـداً بين يدي الله تعالى يوم البعث والحشـر والنشور بعد إذ ذكره به ربه يوم وقف هناك على ثرى عرفات داعياً ضارعاً خائفاً وجلاً سائلاً إياه الجنة مستعيذاً به من النار؟

وقال إمام وخطيب المسجد الحرام: على الحاج أن يقف مع نفسه وقفات محكمات؛ لتكون له منها عِظَات بالغات، وعهود موثقات، يأخذهن على نفسه بدوام الإقبال على الخيرات، واستمرار المسارعة إلى الباقيات الصالحات، واتصال البراءة من الشـرك والخطيئات، والثبات على ذلك حتى الممات.

وأضاف: الظفر بالموعود لمن حج البيت حجاً مبروراً؛ ذلك الموعود الذي جاء في حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس لـه جزاء إلا الجنة". (أخرجه الشيخان في صحيحيهما).

وأردف: الظفر بهذا الموعود يقتضـي أن يراقب الحاج سير حياته بعد حجه؛ فيجهد كل جهده في أن تكون حاله بعد الحج خيراً من حاله قبله، فتلك هي علامة الحج المبرور؛ مستشهداً بقوله تعالى {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}.