دعاة الصحوة وفقيه القرية

تناثرت دموع الفقيه وهو يخطب في المصلين بإحدى القرى، ولانت كلماته، وترخم صوته مبشرًا بالأجر الكبير والثواب العظيم لمن سارع في تقديم صدقته للفقراء والمساكين وغيرهم، ووصل صوته لأذن زوجته؛ إذ إن منزله لصيق بالمسجد، وصادف أن جاءت امرأة عجوز ذات فاقة وحاجة، ورق قلب امرأة الفقيه لتمنحها الطعام وقليلاً من المال، كان الفقيه قد دسه في صرة من القماش. ولما عاد الفقيه من صلاة الجمعة لم يجد الغداء؛ فقد تصدقت به للعجوز المحتاجة؛ فهب الفقيه غاضبًا، وقال لِمَ فعلتِ؟ أتتركين بطوننا خاوية؟ ذلك الحديث يخص الجماعة ولا يخصنا. تذكرت هذه الحكاية القروية؛ إذ تشبه إلى حد بعيد ما قام به الكثير من "دعاة الصحوة" في وقت مضى بتأجيج حماس الشباب؛ ليذهبوا للجهاد، فيما هم وأبناؤهم ينعمون بالبقاء والاستقرار في بيوتهم وفي وظائفهم. وكان تأثير أشرطة الكاسيت والكتب الدعوية تأثيرًا بليغًا؛ إذ رحل الكثير من الشباب إلى أفغانستان والعراق وسوريا والبوسنة وغيرها من البلدان التي وقعت بها الحروب، وانتشرت بها القلاقل، ولم يدركوا أن الجهاد في مثل هذه الحالة باطل؛ إذ لا بد من استئذان ولي الأمر؛ فهو أدرى بمصالح البلاد. وفي المقابل لم نسمع أبدًا عن موت أحد أبناء دعاة الكاسيت ومروجي الكتب الدعوية التي تؤلب على الجهاد، ومع الأسف كانت الكثير من المدارس تسير في تلك الموجة، وسمحت باعتلاء الخطاب الجهادي من على مسارحها، وإلقاء الأناشيد التي تقطر دمًا من على منابرها، وبالفعل رقت قلوب الصغار؛ إذ نجحوا في استخدام الأساليب المؤثرة، والتغلغل من المنافذ التي تصل إلى قلوبهم؛ فانسل الكثير من الشباب خفية صوب أفغانستان وسوريا ووو.. دون علم آبائهم، وانضموا إلى خلايا سرية، تلقفتهم ليكونوا وقودًا لأعمال ليس لهم فيها لا ناقة ولا جمل. ‎وتأتي الأخبار بفقدانهم إما موتًا أو ضياعًا. والأسوأ أن تجد الزاحفين للموت تتلقفهم مليشيات لتفرِّقهم، ويقتتلون ضد بعضهم. والذين تكشف لهم مغبة الخطأ الذي وقعوا فيه، والانزلاق المشين الذي تورطوا فيه، حاولوا الهروب والعودة إلى بلادهم، ولكن هيهات.. هيهات؛ الموت مصيرهم في كلتا الحالتين. وهنا نعود لنتذكر حكاية فقيه القرية وحديثه الذي يتشابه مع أساليب دعاة الصحوة في نصح الآخرين بتأجيج عواطفهم وسلب عقولهم، فيما ينعمون هم وأسرهم بحياة مستقرة، بل إن أولادهم يدرسون في جامعات، سواء في داخل السعودية أو خارجها، والأذى يلحق بالشباب الذين ذهبوا دون تحكيم عقولهم، والحزن لأسرهم الذين فوجئوا بغياب أبنائهم دون علمهم. وهنا تقع المسؤولية على المجتمع بكشف وفضح مثل هؤلاء، وتبيان أساليبهم التي غررت بالكثيرين من شبابنا. ونتمنى أن تتوقف مطحنة الموت لأبرياء لم يدركوا مفاهيم الجهاد.

جمعان الكرت
اعلان
دعاة الصحوة وفقيه القرية
سبق

تناثرت دموع الفقيه وهو يخطب في المصلين بإحدى القرى، ولانت كلماته، وترخم صوته مبشرًا بالأجر الكبير والثواب العظيم لمن سارع في تقديم صدقته للفقراء والمساكين وغيرهم، ووصل صوته لأذن زوجته؛ إذ إن منزله لصيق بالمسجد، وصادف أن جاءت امرأة عجوز ذات فاقة وحاجة، ورق قلب امرأة الفقيه لتمنحها الطعام وقليلاً من المال، كان الفقيه قد دسه في صرة من القماش. ولما عاد الفقيه من صلاة الجمعة لم يجد الغداء؛ فقد تصدقت به للعجوز المحتاجة؛ فهب الفقيه غاضبًا، وقال لِمَ فعلتِ؟ أتتركين بطوننا خاوية؟ ذلك الحديث يخص الجماعة ولا يخصنا. تذكرت هذه الحكاية القروية؛ إذ تشبه إلى حد بعيد ما قام به الكثير من "دعاة الصحوة" في وقت مضى بتأجيج حماس الشباب؛ ليذهبوا للجهاد، فيما هم وأبناؤهم ينعمون بالبقاء والاستقرار في بيوتهم وفي وظائفهم. وكان تأثير أشرطة الكاسيت والكتب الدعوية تأثيرًا بليغًا؛ إذ رحل الكثير من الشباب إلى أفغانستان والعراق وسوريا والبوسنة وغيرها من البلدان التي وقعت بها الحروب، وانتشرت بها القلاقل، ولم يدركوا أن الجهاد في مثل هذه الحالة باطل؛ إذ لا بد من استئذان ولي الأمر؛ فهو أدرى بمصالح البلاد. وفي المقابل لم نسمع أبدًا عن موت أحد أبناء دعاة الكاسيت ومروجي الكتب الدعوية التي تؤلب على الجهاد، ومع الأسف كانت الكثير من المدارس تسير في تلك الموجة، وسمحت باعتلاء الخطاب الجهادي من على مسارحها، وإلقاء الأناشيد التي تقطر دمًا من على منابرها، وبالفعل رقت قلوب الصغار؛ إذ نجحوا في استخدام الأساليب المؤثرة، والتغلغل من المنافذ التي تصل إلى قلوبهم؛ فانسل الكثير من الشباب خفية صوب أفغانستان وسوريا ووو.. دون علم آبائهم، وانضموا إلى خلايا سرية، تلقفتهم ليكونوا وقودًا لأعمال ليس لهم فيها لا ناقة ولا جمل. ‎وتأتي الأخبار بفقدانهم إما موتًا أو ضياعًا. والأسوأ أن تجد الزاحفين للموت تتلقفهم مليشيات لتفرِّقهم، ويقتتلون ضد بعضهم. والذين تكشف لهم مغبة الخطأ الذي وقعوا فيه، والانزلاق المشين الذي تورطوا فيه، حاولوا الهروب والعودة إلى بلادهم، ولكن هيهات.. هيهات؛ الموت مصيرهم في كلتا الحالتين. وهنا نعود لنتذكر حكاية فقيه القرية وحديثه الذي يتشابه مع أساليب دعاة الصحوة في نصح الآخرين بتأجيج عواطفهم وسلب عقولهم، فيما ينعمون هم وأسرهم بحياة مستقرة، بل إن أولادهم يدرسون في جامعات، سواء في داخل السعودية أو خارجها، والأذى يلحق بالشباب الذين ذهبوا دون تحكيم عقولهم، والحزن لأسرهم الذين فوجئوا بغياب أبنائهم دون علمهم. وهنا تقع المسؤولية على المجتمع بكشف وفضح مثل هؤلاء، وتبيان أساليبهم التي غررت بالكثيرين من شبابنا. ونتمنى أن تتوقف مطحنة الموت لأبرياء لم يدركوا مفاهيم الجهاد.

27 مايو 2019 - 22 رمضان 1440
10:48 PM
اخر تعديل
10 نوفمبر 2019 - 13 ربيع الأول 1441
10:04 PM

دعاة الصحوة وفقيه القرية

جمعان الكرت - الرياض
A A A
0
927

تناثرت دموع الفقيه وهو يخطب في المصلين بإحدى القرى، ولانت كلماته، وترخم صوته مبشرًا بالأجر الكبير والثواب العظيم لمن سارع في تقديم صدقته للفقراء والمساكين وغيرهم، ووصل صوته لأذن زوجته؛ إذ إن منزله لصيق بالمسجد، وصادف أن جاءت امرأة عجوز ذات فاقة وحاجة، ورق قلب امرأة الفقيه لتمنحها الطعام وقليلاً من المال، كان الفقيه قد دسه في صرة من القماش. ولما عاد الفقيه من صلاة الجمعة لم يجد الغداء؛ فقد تصدقت به للعجوز المحتاجة؛ فهب الفقيه غاضبًا، وقال لِمَ فعلتِ؟ أتتركين بطوننا خاوية؟ ذلك الحديث يخص الجماعة ولا يخصنا. تذكرت هذه الحكاية القروية؛ إذ تشبه إلى حد بعيد ما قام به الكثير من "دعاة الصحوة" في وقت مضى بتأجيج حماس الشباب؛ ليذهبوا للجهاد، فيما هم وأبناؤهم ينعمون بالبقاء والاستقرار في بيوتهم وفي وظائفهم. وكان تأثير أشرطة الكاسيت والكتب الدعوية تأثيرًا بليغًا؛ إذ رحل الكثير من الشباب إلى أفغانستان والعراق وسوريا والبوسنة وغيرها من البلدان التي وقعت بها الحروب، وانتشرت بها القلاقل، ولم يدركوا أن الجهاد في مثل هذه الحالة باطل؛ إذ لا بد من استئذان ولي الأمر؛ فهو أدرى بمصالح البلاد. وفي المقابل لم نسمع أبدًا عن موت أحد أبناء دعاة الكاسيت ومروجي الكتب الدعوية التي تؤلب على الجهاد، ومع الأسف كانت الكثير من المدارس تسير في تلك الموجة، وسمحت باعتلاء الخطاب الجهادي من على مسارحها، وإلقاء الأناشيد التي تقطر دمًا من على منابرها، وبالفعل رقت قلوب الصغار؛ إذ نجحوا في استخدام الأساليب المؤثرة، والتغلغل من المنافذ التي تصل إلى قلوبهم؛ فانسل الكثير من الشباب خفية صوب أفغانستان وسوريا ووو.. دون علم آبائهم، وانضموا إلى خلايا سرية، تلقفتهم ليكونوا وقودًا لأعمال ليس لهم فيها لا ناقة ولا جمل. ‎وتأتي الأخبار بفقدانهم إما موتًا أو ضياعًا. والأسوأ أن تجد الزاحفين للموت تتلقفهم مليشيات لتفرِّقهم، ويقتتلون ضد بعضهم. والذين تكشف لهم مغبة الخطأ الذي وقعوا فيه، والانزلاق المشين الذي تورطوا فيه، حاولوا الهروب والعودة إلى بلادهم، ولكن هيهات.. هيهات؛ الموت مصيرهم في كلتا الحالتين. وهنا نعود لنتذكر حكاية فقيه القرية وحديثه الذي يتشابه مع أساليب دعاة الصحوة في نصح الآخرين بتأجيج عواطفهم وسلب عقولهم، فيما ينعمون هم وأسرهم بحياة مستقرة، بل إن أولادهم يدرسون في جامعات، سواء في داخل السعودية أو خارجها، والأذى يلحق بالشباب الذين ذهبوا دون تحكيم عقولهم، والحزن لأسرهم الذين فوجئوا بغياب أبنائهم دون علمهم. وهنا تقع المسؤولية على المجتمع بكشف وفضح مثل هؤلاء، وتبيان أساليبهم التي غررت بالكثيرين من شبابنا. ونتمنى أن تتوقف مطحنة الموت لأبرياء لم يدركوا مفاهيم الجهاد.